Subscribe:

Ads 468x60px

15 أغسطس، 2008

القضاء المفترى عليه

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 14 شعبان 1429 – 15 أغسطس 2008
القضاء المفترى عليه – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/08/blog-post.html


فاجأنا مجلس القضاء الأعلى بقرار مدهش منع فيه القضاة من الظهور على شاشات الفضائيات والتعليق على أمور تخص سياسة الدولة أو الأحكام القضائية. واحتج في ذلك بأنه يدافع عن هيبة القضاء وقدسيته، ويحمي
القضاة «من الوقوع في فخ الفضائيات ». ولم يكن البيان مجرد تحذير للقضاة فحسب، وإنما وجه إلى المخالفين منهم إنذارا «بعقوبة شديدة » يتولاها التفتيش القضائي الذي يتحكم فيه وزير العدل.

لم أفهم مثلا لماذا تخصيص الفضائيات بالحظر، وعدم الإشارة في القرار الى القنوات الارضية، الأمر الذي يدعونا الى التساؤل عما اذا كانت هيبة القضاء تجرح إذا ظهر القاضي في الأولى، وتظل مصانة ومحفوظة اذا كان الظهور في الثانية! ثم إن المرء لابد ان يستغرب الكلام عن التحسب لوقوع القضاة في «فخ » القنوات الفضائية اذا ما تحدثوا اليها، الأمر الذي يفترض فيهم درجة من السذاجة تتجاوز الحدود المعتبرة. فضلا عن هذا وذاك فإن المرء لابد ان يستغرب هذا الدور الجديد لمجلس القضاء الأعلى الذي ينص قانون السلطة القضائية )المادة 77 ( على ان وظيفته هي مراقبة قرارات وزارة العدل، على النحو الذي يعزز استقلال السلطة القضائية، ولكنه تجاوز هذه الحدود في الآونة الأخيرة وتحول من مهمته الإدارية التي يراقب بمقتضاها الوزارة الى مهمة أخرى رقابية تستهدف فرض الوصاية على القضاة وإسكات وإخضاع العناصر المتمسكة باستقلال القضاء والدفاع عن نزاهته وكرامته، وهذا أمر خطير في ذاته وفي دلالته، إذ لا يستطيع المرء أن يتخلص من الشعور بالحزن، حين يجد ان بعضا من كبار القضاة والمستشارين الشرفاء يستهدفون بهذه الحملة، وهذا الحزن يتضاعف حين يدرك المرء ان دعوى عدم تسييس القضاء ترفع للنيل من استقلاله وإلحاقه بالسلطة التنفيذية، بحيث لا تجاوز حركته حدود سياستها، فهو منضبط ومستقيم ومحتفظ بهيبته، مادام مؤيدا قرارات السلطة التنفيذية، بما في ذلك تزوير الانتخابات التي شهد رئيس محكمة النقض بنزاهتها في حديثه التلفزيوني الأخير، أما الدفاع عن استقلال القضاء ومعارضة سياسة الاحتواء والإلحاق، والحديث عن التجاوزات في الانتخابات التي لم يعد ينكرها احد، فذلك يعد تسييسا للقضاء ونيلا من هيبته ووقوعا في فخ الفضائيات.

ان رئيس المجلس الأعلى للقضاء له حضوره في وسائل الاعلام المرئية والمسموعة طوال ربع القرن الاخير، والذين يتابعون تلك البرامج شاهدوه وهو يتحدث في برنامج «حياتي » الذي كان يبث في بداية الثمانينيات ثم في برنامجي «العاشرة مساء » و «منتهى السياسة » أخيرا، مرورا بظهوره في هيكل سيارة في برنامج «مين يكسب مني »، وفي كل هذه البرامج فإنه «أخذ راحته » وأوصل ما يريد ان يوصله من رسائل الى الجميع، وطول الوقت لم يكن بعيدا عن السياسة فيما قال وفعل، لكنه الآن يريد اسكات القضاة المستقلين، حتى لا يسمع لهم صوت أو ترى لهم صورة.

الأهم من ذلك أن كل ما يساق من حجج لإسكات القضاة وتكميمهم مردود عليه، ولا يصمد أمام أي مناقشة جادة
أو حتى قانونية، ذلك ان القضاة مواطنون أولا ولهم الحق في التعبير عن آرائهم في كل ما يهم بلدهم، وهو حق كفله الدستور لكل المواطنين )المادة 47 (، والمحظور عليهم هو الانخراط في العمل الحزبي وليس التطرق الى الشأن السياسي. وليس هناك ما يمنع من تعليقهم على الأحكام، مادام ذلك لا يعني قدحا في القاضي او تجريحا له، ومخاطبة الرأي العام من أي منبر لا تقلل من هيبة القاضي، حيث الثابت أن المواقف والآراء التي عبر عنها القضاة المستقلون هي التي اكسبتهم الثقة والاحترام، وزادت من هيبتهم، وإذا شئنا ان نتصارح فيجب ان نعترف بأن ما ينال من هيبة القضاة حقا هو إلزامهم بالإشراف على انتخابات مزورة أو إغراؤهم بالانتداب الى جهات حكومية لكي تستخدمهم السلطة التنفيذية لتحقيق مآربها وستر عوراتها.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar