Subscribe:

Ads 468x60px

01 يوليو، 2008

قولوا آمين

صحيفة الدستور المصريه السبت 24 جمادى الاخر 1429 – 28 يونيو 2008
قولوا آمين - فهمي هويدي

هذه القصة نشرتها صحف القاهرة في الأسبوع الماضي.. وطيرت من عيني النوم لعدة أيام.. كانت «رباب» قد تزوجت في العام الماضي من عامل يتقاضي أجره باليومية..، وبسبب عدم توفر دخل ثابت للأسرة، وفي أجواء الغلاء الذي نشب أظافره في رقاب الجميع. فإن «النكد» خيم علي جو الأسرة بعد انتهاء الشهور الأولي، لأن الزوج لم يكن بمقدوره أن يلبي باستمرار الاحتياجات الأساسية المطلوبة للبيت، وهذا النكد تحول إلي كابوس مؤرق حين علمت رباب أنها حملت من زوجها، إذ أدركت أن دخله لا يغطي احتياجات الاثنين، وأن الثالث ـ المولود القادم ـ لا مكان له في البيت، وقد لا تستطيع حتي أن ترضعه بسبب الفقر الذي هدها وأصاب جسدها بالهزال، بعدما لاحقتها تلك الهواجس، وأمسكت المخاوف بخناقها. انتابتها حالة من الاكتئاب تزايدت معها بمضي الوقت، إلي أن بلغ الجنين شهره التاسع، وبدأ يتحرك في بطنها منذراً بقدوم وشيك، انتابتها حالة من الرعب، ذلك أن كل الظنون والمخاوف التي أرقتها طوال الأشهر التي خلت تحولت إلي شبح لحقيقة بدأت تطرق أبواب البيت وتهز جدرانه، لم يكن لديها أمل في أن توفر للمولود القادم شيئاً من مقومات الحياة.. ولم يكن أمام زوجها مخرج من أي نوع، حتي بدا الأفق مسدوداً والمستقبل قاتماً وأسود، فأغلقت رباب علي نفسها باب حجرتها واستسلمت للكآبة والبكاء، ورفضت أن تخاطب أحداً، لا زوجها، ولا أمها التي تسكن في الطابق الثالث من نفس العقار.

استمرت علي تلك الحالة عدة أيام، ثم فوجئت الأم برباب وقد صعدت إليها باكية وهي تقول: سامحيني يا أمي.. فقد شربت مبيداً حشرياً لكي أرتاح من الدنيا ومشاكلها، ارتاعت الأم وصرخت طالبة النجدة، وتوسلت إلي ابنتها أن تذهبا إلي المستشفي بسرعة، ولكن رباب التي كانت قد قررت أن تموت، استدارت واتجهت إلي شرفة البيت وألقت بنفسها منها، نقلوها إلي المستشفي في حالة يرثي لها، ولم يُقدر لها أن تدخل إليه، لأنها لفظت أنفاسها الأخيرة علي بابه.

حين وقعت علي القصة، ظلت تتحرك أمام عينيي طوال الوقت، ولم يغمض لي جفن وأنا أتخيل رباب وهي تتحسس بطنها وتربت علي طفلها الذي تمنته واشتاقت إليه، ثم وهي تتلوي من الحسرة والبكاء إشفاقاً عليه من القدوم إلي عالم شديد القسوة، لا مكان له فيه، ولا أمل يرجي منه، ثم وهي تهب فزعة لتجد أنه لا حل أمامها سوي أن تقتل نفسها لتستريح من العذاب ولكي تريحه من الجوع والهوان.

لا أعرف ما إذا كان رئيس الدولة أو رئيس الوزراء قد علما بأمر رباب أم لا؟ ولا أعرف ما شعورهما حينما يجدان مواطنة في الثلاثين من عمرها قد أسودت الدنيا في عينيها ولم تجد حلاً لمأساتها سوي أن تقتل نفسها ووليدها، ولا أعرف ما رأي المجلس القومي للمرأة في القصة؟!، ولا ما هو شعور أثرياء زماننا إزاء مثل هذه الحالات؟!، لكن الذي أعرفه أن الدولة مسئولة أمام الله وأمام القانون علي رعاية هؤلاء الضعفاء الذين قست عليهم الحياة بدرجة تفوق قدرتهم علي الاحتمال، أعرف أيضاً أن القادرين في تراثنا لم يتركوا ضعيفاً إلا وتكفلوا به من خلال الأوقاف التي سترتهم وأخذت بأيديهم ومدوا يد الرعاية حتي للخيول التي أصابها العجز، أعرف ذلك أن ثمة حديثاً نبوياً يقول: «إن امرأة دخلت النار في قطة، لا هي أطعمتها أو سقتها، وأن ثمة دعاء نبوياً يقول: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم ـ ضيق عليهم ـ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به.. قولوا آمين!

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar