Subscribe:

Ads 468x60px

01 يوليو، 2008

فصل في اللعب بالأخبار

صحيفة الدستور المصريه الاحد 25 جمادى الاخر 1429 – 29 يونيو 2008
فصل في اللعب بالأخبار - فهمي هويدي
بشرتنا الصحف القومية الصادرة يوم الخميس 26/6 بأن الحكومة قامت بتخفيض أجر تركيب الهواتف المنزلية والتجارية بنسبة 50%، كما أجرت تخفيضات طفيفة علي أجور الاتصال بين الهواتف الأرضية والمحمولة، وعلي الاتصال بين المحافظات المختلفة، في حين أبقت علي الخدمة المجانية للإنترنت.

هذه البشارات التي أبرزت علي الصفحات الأولي تبدو أمرًا شاذًا في زماننا، الذي سقطت فيه كلمة «تخفيضات» من قاموس السوق، إذ لم نعد نعثر علي أثر للكلمة في لغة التخاطب وأخبار الصحف، حيث العكس هو الصحيح تمامًا، حتي بات سؤال كل صباح هو: ما الذي ارتفعت أسعاره اليوم؟ - أدري أن قيمة البني آدم في بلادنا في انخفاض مستمر، لا ينافسها في ذلك سوي سعر الدولار، إلا أن هذه المنافسة نسبية، لأن تدهور قيمة الدولار تظل مؤقتة واحتمال استعادته لهيبته يومًا ما غير مستبعدة، في حين أن سعر البني آدم عندنا لا نكاد نري أملاً في زيادته، في الأجل المنظور علي الأقل.

لأن الأمر بدا مستغربًا لأول وهلة، فإنني لم استسلم للشعور بالارتياح بسرعة، خصوصًا أن الخبر كانت له بقية في الداخل، ودفعني إلي الحذر أنني لم أنس بعد أن الرئيس مبارك بشرنا ذات يوم بزيادات في الأجور بنسبة 30%، ولم تمر ثلاثة أيام إلا وكانت الحكومة أطلقت علينا سيلاً من الزيادات في الأسعار التي جعلتنا نتحسر علي أيام ما قبل الزيادة في الأجر، ونتمني عودتها بكل معاناتها وشرورها، وذلك بالضبط ما حدث، لأن حكومتنا الرشيدة ليست بالسذاجة التي تخطر علي بال البسطاء وحسني النية، صحيح أنها خفضت في أسعار تركيب الهواتف التي تحدث مرة في العمر، كما أجرت تخفيضات بسيطة علي مستخدمي الهواتف المحمولة، وأبدت كرمًا علي مستخدمي الإنترنت، إلا أن هؤلاء جميعًا يظلون قلة في المجتمع، وفي مقابل هذه التخفيضات فإنها رفعت أسعار المكالمات الأرضية بنسبة 50%، وهي التي يتواصل من خلالها ملايين البشر كل يوم، الأمر الذي يعني أن التخفيضات الأولي كانت مجرد «طعم» ومخدر مؤقت، أريد به تمرير الزيادة التي لم يكن لها ما يبررها، خصوصًا أن صحف اليوم التالي تحدثت عن أرباح لهيئة الاتصالات في العام الماضي تجاوزت 2 مليار جنيه.

الصحف المستقلة لم تبتلع الطعم، فلم تبرز نبأ التخفيضات علي صفحاتها الأولي، ولكنها سلطت الضوء علي الزيادة، علي نحو كشف التلاعب في صياغة الخبر من جانب الصحف القومية، وهو ذاته التلاعب الذي كان واضحًا في صياغة الخبر الخاص بجلسة بيع بنك القاهرة في المزاد العلني الذي أقيم يوم الأربعاء، فالصحف القومية ذكرت أن الحكومة «رفضت» بيع البنك، وتحدث بعضها عن «تأجيل» عملية البيع، أما الصحف الأخري فقد تحدثت عن «فشل» الصفقة، لأن العروض المقدمة جاءت أقل من السعر الذي حددته لجنة التقييم.
نفس الشيء حدث في صياغة خبر المعابر التي توصل السلع والبضائع إلي قطاع غزة، فالصحف الحكومية تحدثت عن «تأجيل» إسرائيل لفتح ثلاثة معابر، في حين ذكرت الصحف الأخري أن إسرائيل «أغلقت» المعابر.

ليس جديدًا هذا التلاعب في صياغة الأخبار، لتحقيق أهداف سياسية معينة، وإن كان الآخرون يقومون بالمهمة بأسلوب أكثر ذكاء وحرفية، ويظل ذلك أهون من الترويج لأخبار مكذوبة.. من قبيل تلك التي توزعها الأجهزة الأمنية علي ممثليها في الصحف القومية لتصفية حساباتها السياسية، كما أنه أهون من حجب الأخبار تمامًا، كما حدث مع الخبر الذي بثته وكالات الأنباء عن إدراج مصر في المرتبة الأربعين ضمن الدول الفاشلة بتراجع أربع درجات عن مرتبتها في العام الماضي.

الطريف أن إحدي صحفنا القومية التي حجبت ذلك الخبر يوم الخميس نشرت في الوقت ذاته تصريحًا للسيد صفوت الشريف - أمين الحزب الوطني - قال فيه: إن الرئيس مبارك يعطي أولوية للنهوض بحياة المواطن، وقد اعتبرت الصحيفة ذلك «خبرًا» جديدًا فأبرزته علي صفحتها الأولي، وهو ما لا يختلف عن «خبر» آخر نشر ذات يوم علي لسان رئيس مصلحة السكك الحديدية بشرنا فيه بأنه أصدر تعليماته بأن تقوم القطارات في مواعيدها!!!

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar