Subscribe:

Ads 468x60px

17 يوليو، 2008

اعتدال المجتمع وإرهاب الشرطة

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 12 رجب 1429- 15 يوليو 2008
اعتدال المجتمع وإرهاب الشرطة - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_7825.html

كلما خرجت مظاهرة سلمية في مصر أو في أي بلد عربي أقنعني ذلك بأن شعوبنا مازالت حية، وأنها لم تمت بعد، رغم ما تتعرض له من قمع وحصار وما تستشعره من إحباط، ويتضاعف ذلك الاقتناع وتضاف إليه الدهشة والإعجاب حيث يكون المتظاهرون من بسطاء الناس، الذين عادة ما يوصفون بأنهم «أغلبية صامتة»، اعتادت أن تبتلع همومها وتختزنها، ولا تقوم لها قيامة إلا إذا نزل بها الشديد القوي.

هذه المظاهرات ليست علامة علي الحيوية والعافية فحسب، وإنما هي دليل علي التحضر أيضاً، إذ يفترض أنها تخرج لتوصيل رسالة معينة بأسلوب يحترم القانون، علي الأقل في الأقطار التي تسمح قوانينها بالتظاهر السلمي، وهو ما يعبر عن وعي بأن العنف والتخريب يعطل توصيل الرسالة المطلوبة ويحرف التظاهرة عن هدفه، لأنه يوظف الغضب في الإقرار بمصالح المجتمع وتهديد استقراره، ولأن الاحتجاج أسلوب متحضر، فإن الدول الديمقراطية تتعامل معه بالمثل؛ إذ توفر لتلك المظاهرات الحماية حتي تحقق مرادها، وبعضها يحدد أماكن معينة علي من يريد أن يتظاهر أن يقصدها، ويجهر برأيه ويرفع صوته هناك كيفما شاء.

هذه المقدمة التي طالت بعض الشيء أسوقها لكي أعبر عن التقدير والتضامن مع أهالي قرية الحفير بمحافظة الدقهلية الذين أعلنوا وقفة احتجاجية، أعربوا فيها عن استيائهم إزاء شح المياه الذي يهدد بالبوار زراعاتهم التي تشغل مساحة 27 ألف فدان، وحسب الكلام الذي نشرته «الدستور» في 13/7 فإن أراضي شمال الحفير ارتفعت فيها نسبة الملوحة بصورة مقلقة أصبحت بحاجة ملحة إلي انتظام ريها بالمياه، وقد ذكر بعض أبنائها أنه خلال 12 يوماً متواصلة، فإن المياه لم تصل إلي المنطقة إلا لمدة عشر ساعات فقط، بمعدل أقل من ساعة في اليوم. وكان أهالي القرية قد اعتصموا أمام مقر محافظة الدقهلية محتجين علي سوء توزيع المياه، وفضوا احتجاجهم حين أبلغهم مسئولوها بأن المياه ستصل إلي زراعاتهم خلال يومين، ولما لم ينفذ الوعد فإنهم نظموا وقفتهم الاحتجاجية أمام المحافظة مرة ثانية.

ماجري في قرية الحفير ليس فريداً في بابه، لأن مثل هذه الاحتجاجات والاعتصامات تحولت إلي ظاهرة عامة في مصر، بحيث لم يعد يمر أسبوع إلا وتنشر الصحف أن عمال بعض المصانع أو موظفي الحكومة في بعض الوزارات أو الفلاحين في هذه المنطقة أو تلك قد تظاهروا أو اعتصموا، معبرين عن غضبهم واستيائهم، أو ضاغطين لتحقيق مطالب معينة، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً قوياً علي أن الجماهير المصرية المغلوبة علي أمرها قد تجاوزت حاجز الصمت والخوف، وأن السلطة التي دعت الأمثال الشعبية والثقافة السائدة الناس إلي «التمرغ في ترابها»، ينبغي أن تدرك أن الدنيا تغيرت، وأن الناس لم يعودوا مستعدين للاستسلام لعصا الحكومة، ناهيك عن التمرغ في ترابها، صحيح أن ضغوط الحياة القاسية دفعت الناس إلي التذمر وشجعت الصامتين علي رفع أصواتهم بالاحتجاج والغضب، لكننا لا نستطيع أن ننكر أيضاًً أن ضعف السلطة واعتمادها علي القمع والأمن كان عنصراً مشجعاً، باعتبار أن «من طالت عصاه فقد هيبته» كما يقول المثل العربي، وفضلاً عن هذا وذاك فإن عصر السماوات المفتوحة، التي يحارب وزير الإعلام بكل السبل لإغلاقها من خلال قانون تنظيم البث» وسع من مدارك الناس ورفع وعيهم، ولا نستطيع أن نتجاهل في هذا الصدد الدور الذي تقوم به الصحافة الحرة في مصر والتجمعات الأهلية التي أعلنت تمردها عن علي سياسة القمع وتحديها لسطوة الأمن.

المشكلة أن المظاهرات السلمية تعد إحدي وسائل الضغط التي أفرزتها خبرة المجتمعات الديمقراطية، ولكن استخدامها في المجتمعات غير الديمقراطية كثيراً ما يكون باهظ التكلفة، لأن الشرطة في هذه الحالة تلجأ مباشرة إلي قمع المظاهرات وليس حمايتها، وذلك ما حدث مع فلاحي الحفير الذين اتهموا بالتجمهر وألقت الشرطة القبض علي بعضهم، وهو ما تكرر مع غيرهم بطبيعة الحال، الأمر الذي يضعنا إزاء مفارقة نجد فيها الجماهير حريصة علي الاعتدال واحترام القانون، في حين أن الشرطة تجنح إلي «التطرف» وترد بالقمع والإرهاب.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar