Subscribe:

Ads 468x60px

17 يوليو، 2008

قامة مصر وقيمتها

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 11 رجب 1429- 14 يوليو 2008
قامة مصر وقيمتها - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_422.html


أظرف خبر قرأته أمس كان عنوانه كالتالي: «رئاسة مبارك وساركوزي للاتحاد المتوسطي رد علي مزاعم تهميش دور مصر». وهذه البشارة التي زفتها الصحف القومية نسبت إلي مصدر مسئول ومطلع أيضاً. ولم أستبعد أن يكون المتحدث مسئولاً فعلاً، بمعني أنه موظف الحكومة المصرية، لكنني أشك في أنه مطلع علي ما يجري في مصر أو في العالم العربي ناهيك عن العالم الخارجي، ذلك أن السلطة القائمة في مصر لم يقم أحد بتهميشها، لكنها هي التي همشت نفسها، ووفرت علي الذين لا يكنون لها خيراً الجهد الذي يمكن أن يبذلوه لتقزيمها وإضعافها، وقبل أن أشرح كيف حدث ذلك، أنبه إلي أمرين، أولهما أن حفاوة الأوروبيين أو الأمريكيين بأي زعيم عربي ينبغي أن تستقبل بالحذر من جانبنا، لأن هذه المشاعر مضبوطة علي المصالح تماماً، وهو أمر مفهوم ومبرر، فلم يكن الغربيون يحتفون بالرئيس السادات لولا أنه زار إسرائيل ووقع معاهدة كامب ديفيد معها، الأمر الذي أدي إلي إخراج مصر من الصف العربي وإلي إضعاف القضية الفلسطينية، ولأن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لم يفعلها فقد استحق غضب الغربيين ونقمتهم، وتآمرهم للحرب عليه في عدوان 1956 علي الأقل، بكلام آخر فإن تجربتنا مع أغلب أهل السياسة في الغرب علمتنا أنه كلما كان الزعيم العربي معبراً عن ضمير أمته وتطلعاتها، كلما ضعفت حظوظه واسهمه لديهم، والعكس صحيح أيضاً.

الأمر الثاني أن الدور ليس لقباً يتم توارثه، ولا هو وظيفة موقوفه علي بلد بذاته، ولكن الدور له مقومات ومواصفات، من استوفاها شغل الموقع وملأ مكانه، ومن افتقدها استبعد تلقائياً من الدور ورشح غيره لكي ينهض بمسئولياته.
إن السلطة في مصر استقالت من دورها في الداخل، ولم تعد مشغولة إلا بالأمن والاستمرار والجباية، أما مسئولياتها الاجتماعية فقد تخلت عنها، فباعت القطاع العام والأرض والبنوك ورفعت يدها بصورة تدريجية عن شئون الصحة والتعليم والإسكان، حتي أصبح البعض يتندرون مطالبين بتشكيل حكومة للفقراء إلي جانب الحكومة الحالية المتحالفة مع رجال الأعمال، التي تضع الأغنياء علي رأس قائمة أولوياتها.

في الوقت ذاته، فإن العناية بالأمن والاستمرار دفعتها إلي إطلاق يد أجهزة الأمن في ظل الطوارئ المستمرة، وإلي استخدام القمع في مواجهة المعارضين، والإلحاح علي تكميم الأفواه وحصار الإدراك المصري من خلال القيود البائسة التي باتت تتجه إلي مراقبة البث الفضائي والتضييق علي الإعلام المرئي والمسموع، أما العناية بالجباية فقد كانت أشد تجلياً خلال الأشهر الأخيرة، حين أطلقت الحكومة بسياساتها وقراراتها غول الغلاء الذي ضرب المجتمع المصري حتي دمر حياة الطبقة الوسطي وقصم ظهور الفقراء.

فضلاً عن هذا كله وذاك فإن النموذج الذي تقدمه مصر علي صعيد الحريات العامة يحسب كثيراً من رصيدها كدولة صاحبة دور في المنطقة، وقد تراجع ذلك الرصيد كثيراً حين أدرك العالم العربي أن مصر صارت طرفاً في تحالفات لا تخدم المصلحة العربية، وأن استرضاءها للأمريكيين والإسرائيليين حاضر دائماً في قراراتها، بدءاً بمقاطعة القمة العربية في دمشق «والحرص علي حضور قمة الاتحاد المتوسطي في فرنسا» وانتهاء بالمشاركة في حصار غزة وتجويع أهلها ومروراً بانحيازها إلي جانب دون آخر في لبنان، إن مصر الضعيفة في الداخل غابت عن الكثير من مشكلات الأمة العربية المحيطة بها، في لبنان وفلسطين والسودان واليمن والعراق وآثرت أن تبقي في معسكر «الاعتدال» الذي تباركه الولايات المتحدة، وهو في حقيقته معسكر للاعتزال والاعتذار الذي لا يؤهل المنخرطين فيه للقيام بأي دور.

حين تكون السلطة ضعيفة علي الصعيد القطري، وغائبة علي الصعيد الإقليمي، فإن حضورها في الساحة الدولية لا يتحقق بتصريحات أو مقالات في الصحف، وإذا تم ذلك الحضور فإنه يكون أقرب إلي التوظيف والاستخدام منه إلي التأثير والفاعلية ـ ذلك أن المكان لا يصنع مكانه والماضي لا يشفع للحاضر، والقيمة وثيقة الصلة بالقامة، ومصر كانت عظيمة حين وظفت الجغرافيا لتحفر مكانها في سجل التاريخ، لكنها لا تستطيع أن تحتفظ بمكانتها وقيمتها إلا إذا استقل قرارها وظلت معبرة عن ضمير جماهيرها وأمتها، الأمر الذي يطيل في رقبتها ويحفظ لها موقع الريادة، دونما حاجة إلي مزايدة وطنطنة في الصحف.

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_422.html
http://www.dostor.org/?q=node/8712

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar