Subscribe:

Ads 468x60px

17 يوليو، 2008

منطق مخيف ومعقول!

صحيفة الدستور المصريه الأربعاء 6 رجب 1429 – 9 يوليو 2008
منطق مخيف ومعقول!- فهمي هويدي


كثيرون منا لا يعرفون مدي اتساع وعمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء في مصر، ولا يعرفون في الأغلب أن تلك الفجوة مملوءة بمشاعر السخط والمرارة والنقمة. لقد روي لي صديق أنه استقل ذات مساء سيارة أجرة لكي توصله من قلب القاهرة إلي ضاحية 6 أكتوبر، ولأن المسافة كانت طويلة نسبيًا فإن صاحبنا استدرج سائق السيارة في الحديث، لكي يتعرف علي آرائه في الأحوال السائدة في البلد، متأثرًا فيما يبدو بما كان قد قرأه في كتاب خالد الخميسي عن «حواديت المشاوير» والتي كانت تجميعًا رشيقًا لما سمعه المؤلف من سائقي «التاكسي» في العاصمة.. تجاوب السائق بسرعة معه، واسترسل في الحديث عن مغامراته مع الزبائن الذين أصبحوا يفاصلون في الأجرة ويتعاركون معه لتخفيضها، مستنتجًا أن ذلك بسبب الغلاء الذي جعل كثيرين لا يستخدمون التاكسي إلا عند الضرورة، ويحرصون علي تقليل الأجرة قدر الإمكان، حتي أن منهم من أصبح يطلب منه أن يتوقف قبل إيصاله إلي هدفه، مؤثرًا تكمله بقية المشوار مشيًا علي القدمين لتوفير جنيه أو اثنين في الأجرة، ومن حديثه عما جري للزبائن من تحولات استفاض السائق في الحديث عن معاناته الشخصية، ولهيب الأسعار الذي يلاحقه طول الوقت، حتي أصبح يكره العودة إلي بيته؛ لكي لا يواجه بمطالبات زوجته التي يعجز عن الوفاء بها، وبات يفضل الاستمرار في العمل إلي ما بعد منتصف الليل، لكي يرفع من حصيلته اليومية، وحين يعود إلي بيته بعد ذلك فإن قلبه ينقبض إذا ما اقترب منه، ولاحظ أن الأنوار فيه مازالت مضاءة، لأن ذلك يعني أن زوجته تنتظره، لكي تشكو من قلة المصاريف وتنقل إليه طلبات الأولاد!


استغرق الحديث وقتًا، إلي أن اقتربت سيارة الأجرة من ضاحية 6 أكتوبر، وحينئذ قطع السائق حديثه وأوقف سيارته، ثم طلب من صاحبي النزول لكي يري الضاحية من فوق الجسر المؤدي إليها، وهي غارقة في بحر من النور، وحين استجاب له، فإن السائق أمسك بيده وأشار باليد الأخري إلي التجمعات السكنية الفاخرة المحاطة بالأشجار الخضراء، والأضواء القوية، ثم همس في أذنه قائلاً: يومًا ما سنقتحم هذه «الفيللات» ونستولي علي محتوياتها، ولن تستطيع قوة في الأرض أن تعترض طريقنا لتمنعنا من الانتقام!


فوجئ صاحبي بما سمعه، وانتابه الخوف حين تلفت حوله فوجد الظلام مطبقا علي المكان، ولكنه أخفي جزعه، وقال للسائق إنه مرتبط بموعد في 6 أكتوبر ويريد أن يلحق به، ثم جلس إلي جواره صامتًا حتي يصل إلي المكان الذي يقصده، وأعطي السائق المبلغ الذي طلبه، ثم هرول إلي داخل البناية، وبعد أن التقط أنفاسه تحسس جيبه فلم يجد هاتفه النقال، وأدرك أنه نسيه في سيارة الأجرة، فاستخدم أول هاتف صادفه واتصل برقمه الذي يحفظه، وحينئذ رد عليه السائق، فاصطنع صاحبي الهدوء واللطف، وخاطبه كصديق تجاذب معه أطراف الحديث لأكثر من ساعة، وأخبره أنه نسي هاتفه النقال في سيارته ولا يعرف إن كان قد عثر عليه أم لا؟! فرد عليه السائق بالإيجاب، وحينئذ سأله صاحبي وهو يرفع من وتيرة اللطف عن كيفية ترتيب لقاء بينهما لاسترداد الهاتف، عارضًا عليه ضعف المبلغ الذي دفعه له من قبل إذا ما وافق علي أن يرجع به إلي العنوان الذي أوصله إليه، وحينئذ رد عليه السائق بصوت ساخر قائلاً إنه إذا كان ينتظر اليوم الذي يقتحم فيه فيللات 6 أكتوبر؛ لينتقم من أهلها، ويستولي علي ما فيها، فهل يعقل أن يرد إليه هاتفًا نقالاً ثمينًا نسيه في سيارته؟! ثم أنهي المكالمة وأغلق الهاتف في وجهه!


صاحبي لم يفق من الصدمة، ليس فقط جراء ما حدث معه، ولكن أيضًا؛ لأنه وجد في كلام السائق منطقًا مخيفًا حقًا.. لكنه معقول!

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar