Subscribe:

Ads 468x60px

17 يوليو، 2008

إذا غاب حضر

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 4 رجب 1429- 7 يوليو 2008
إذا غاب حضر - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_3737.html

كان الدكتور عبدالوهاب المسيري يقول لزوجته إنه حين يتوفاه الله، فإن أحداً لن يمشي في جنازته، وإنها بدلاً من ذلك ستتلقي سيلاً عرمرماً من برقيات العزاء، وفي سيرته التي نشرت قبل عامين، أرجع ذلك إلي أنه شخصياً لم يحضر سوي جنازة أو اثنتين طيلة حياته، كما لم يذهب لتعزية أحد تقريباً، كما أنه نادراً ما كان يذهب لكي يعود أحداً من أصدقائه المرضي، وفي سلوكه ذاك، فإنه أقنع نفسه بأن أصدقاءه سوف يقدرون انشغالاته بكتابه الموسوعة وبأعماله الفكرية التي استولت علي كل وقته في الصحو والمنام، لكنه أدرك أن المسألة أبعد من ذلك وأعمق، حين انتبه إلي أنه يحرص دائماً علي أن يحتفظ بمسافة بينه وبين الحدث لكي يعطي لنفسه فرصة للتأمل والتفكير فيه.

وفي سيرته التي سجل فيها «رحلته الفكرية»، ذكر أيضاً أنه لم يعان من المرض طيلة حياته، باستثناء العوارض البسيطة، وأنه ظل طوال الوقت غير مستوعب تماماً للمرض أو الموت، علي الرغم من إحساسه الشديد بالزمن، وهو لم يفسر هذا الشعور، الذي أكاد أرجعه إلي عاملين، أولهما أنه ظل متمتعاً بصحة جيدة طيلة حياته «قبل أن يصاب بأحد أمراض سرطان الدم في سنة 2002»، أما العامل الثاني فهو أنه كان لديه إحساس قوي بأنه صاحب رسالة، لم يدرك كنهها بالضبط.

إذ أشار في سيرته إلي أنه «عبر حياتي كان هناك هدف أو مشروع أكبر من قدراتي دائماً، لا أعرف كامل أبعاده إلا بعد أن أدخله»، وربما كان ذلك الهدف الغامض هو الذي دفعه لأن يظل طوال الوقت باحثا ًومنقباً وسابحاً في بحور المعرفة ومراسيها، فتراه تارة مقبلاً علي الأوبرا والمعارض الفنية والفنون الشعبية، حتي إنه وهو في مرضه كان يخصص يوماً في الأسبوع ليتجول في صالات العرض ويتابع أعمال الفنانين التشكيليين، وفي الوقت ذاته فإنه ينظم الشعر الحديث ويترجمه ويمارس تحليله ونقده، ثم ينخرط في كتابة قصص الأطفال التي أصدر منها تسع مجموعات فازت واحدة منها بالجائزة الأولي في أحد المعارض، ويخوض غمار نقد الحضارة الغربية ورفض التحيز للنموذج الغربي، بماديته وعلمانيته، التي تحداها وقام بتشريحها في مجلدين كبيرين عن العلمانية الشاملة والجزئية.

ومن رفضه الالتحاق بالنموذج الغربي واعتزازه بالذات العربية والإسلامية، تحول إلي مواجهة المشروع الصهيوني بكل تجلياته، وإلي الدفاع عن قضية الشعب الفلسطيني، وهي الساحة التي أصدر فيها نصف مؤلفاته المنشورة باللغة العربية «22 كتاباً من بين 52 مؤلفاً».
في هذه الساحات جميعها أثبت الدكتور المسيري حضوراً قوياً، من خلال مواهبه المتعددة ومعرفته العميقة ومواقفه النضالية والنبيلة، الأمر الذي يعزز مكانته كمثقف فذ، نذر نفسه للدفاع عن قيم الحق والعدل والجمال، وشاءت المقادير أن يختم حياته بالنزول إلي ساحة النضال السياسي، حين تم اختياره منسقاً لحركة كفاية، وظل يباشر مسئوليته طوال الـ 18 شهراً الأخيرة، رغم إصابته بالمرض اللعين، التي لم تمنعه من المشاركة في المظاهرات والمؤتمرات الجماهيرية.

من مفارقات الأقدار أن طبيبه الأمريكي الذي كان يعالجه من سرطان الدم أخبره في عام 2002 بأنه لم يبق له من العمر سوي ست سنوات فقط، وقد توفاه الله في نهاية السنوات الست، ليس بسبب مرضه، ولكن بسبب أزمة قلبية حادة ألمت به، من تلك المفارقات أيضاً أن الرجل الذي توقع ألا يسير أحد في جنازته، شيعه كل المثقفين المصريين باستثناء الحكومة المصرية، التي كانت قد رفضت تحمل نفقات علاجه من قبل.

لقد رحل عنا الدكتور المسيري حقاً لكن إضاءاته ستظل باقية، لأنه من ذلك الطراز النادر الذي يقول عنه المتصوفة إنه إذا غاب حضر.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar