Subscribe:

Ads 468x60px

27 يوليو، 2008

في عصر «البقلمة» واللا معني

صحيفة الدستور المصريه السبت 23 رجب 1429 – 26 يوليو 2008
في عصر «البقلمة» واللا معني - فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_27.html

توقفت طويلاً أمام رفض صحيفة «نيويورك تايمز» نشر مقالة للمرشح الرئاسي «جون ماكين» لأنها لم تجد فيها جديدًا يجعلها صالحة للنشر، ولست أخفي أنني استغربت الخبر لأول وهلة، فالصحيفة كانت قد أعلنت تأييدها لماكين كمرشح للحزب الجمهوري، والرجل سيناتور بارز وقد يحالفه الحظ ويصبح رئيسًا للجمهورية في الانتخابات التي تجري خلال نوفمبر القادم، ثم إن الصحيفة كانت قد نشرت له منذ عام 96 ما لا يقل عن سبع مقالات، لكن ذلك كله لم يشفع له، ولم يسمح له بأن يرد علي مقالة كان منافسه الديمقراطي باراك أوباما قد كتبها في نفس الصحيفة في الأسبوع الماضي، وعبر فيها عن رؤيته للسياسة الخارجية لبلاده «في حال انتخابه رئيسًا»، خصوصًا فيما يتعلق بالوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق.

لقد تلقي مكتب ماكين اعتذارًا مكتوبًا يشرح أسباب عدم نشر المقالة، وجهه إليه المسئول عن صفحات الرأي في «نيويورك تايمز» ديفيد شيبلي الذي كان يكتب خطب الرئيس السابق بيل كلينتون، وحين انتقدت حملة «ماكين» قرار مسئول الرأي بالصحيفة، فإن «نيويورك تايمز» نشرت علي موقعها الإلكتروني نص خطاب الاعتذار الذي وجه إليه، كما أذاعته محطة «سي . إن. إن». وفي الخطاب قال شيبلي إنه لا يستطيع نشر نص ماكين بالشكل الذي كتب به، وإن عليه أن يتخير له مدخلاً جديدًا، وأن يحدد مواقفه فيه بصورة أكثر وضوحًا، فمقالة أوباما كانت صالحة للنشر علي صفحات «نيويورك تايمز» لأنها عرضت معلومات جديدة حول سياسته الخارجية، وبينما ناقش أوباما مواقف ماكين، فإنه في الوقت ذاته عرض لخطته ورؤيته الخاصة، لكن مقالة الرد التي بعث بها المرشح الجمهوري خلت من الوضوح المطلوب، فلم يفسر المقصود بالانتصار في العراق، وكان عليه أن يضع خطة واضحة لتحقيق ذلك الانتصار مع جداول زمنية وخطوات فعالة لدفع العراقيين للتعاون .. إلخ.

ما استوقفني في الجدل المثار حول الموضوع، هو ذلك التدقيق الذي مارسه مسئول صفحات الرأي الذي دفعه إلي الاعتذار عن عدم نشر مقالة السيناتور ماكين، وإذا كان ذلك يحدث مع المرشح الرئاسي، فمعني ذلك أن مصفاة التقييم لا تستثني أحدًا، وأن النشر في صفحات الرأي له معاييره الصارمة، التي لا تجيز إلا ما كان جديدًا ومفيدًا، يضيف إلي معارف القارئ ويحترم عقله.

قارنت هذه الصورة بما كتبه الأستاذ أنيس منصور ذات مرة تحت عنوان عصر «البقلمة» واللامعني «الشرق الأوسط 11/11/2007»، وكان ينتقد في مقالته، التي اقتبست عنوانها، سباق الصحفيين علي «البقلمة» التي قصد بها أن يحرص الواحد منهم علي أن تسبق اسمه كلمة «بقلم فلان»، بصرف النظر عما إذا كان حقًا صاحب «قلم» حقيقي أم لا، وهذه الظاهرة انضافت إليها في الآونة الأخيرة بدعة نشر صور كل من هب ودب، حيث «لم يعد مهمًا ماذا قال «الكاتب»، ولكن المهم أن ينشر اسمه مقرونًا بصورته.. إذ لم يعد أحد يقرأ، وإنما يري الصورة التي هي مثل البطاقات الشخصية، تؤكد أنه حي يرزق ، ولايهم ماذا قال».

ما قاله الأستاذ أنيس صحيح تمامًا، ذلك أن المشكلة لم تعد تقف عند حدود البقلمة والإلحاح علي نشر الصور الضاحكة للمحررين والكتاب، لكنها أيضًا أصبحت في شيوع اللامعني في أعمدة وصفحات الرأي، التي تعرضت لغزو العاطلين عن العمل والمحاسيب وأصحاب النفوذ.
الأخطر من ذلك أن تقييم المواد المنشورة لا يخضع إلا للاعتبار الأمني بالدرجة الأولي، ذلك أنك إذا لم تتجاوز الخطوط الحمراء فقل ما شئت، وحبذا لو كنت مصفقًا للحكومة ومنددًا بعزالها.
لا وجه للمقارنة بين تقاليد النشر في صفحات الرأي بنيويورك تايمز وبينها في صحافتنا وهو للدقة ليس فرقًا بين صحافتين، ولكنه فرق بين نظامين سياسيين، أفرز كل منهما الإعلام الذي يستحقه.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar