Subscribe:

Ads 468x60px

25 يوليو، 2008

في الموازنة بين الأمن والعلم

صحيفة الدستور المصريه الخميس 21 رجب 1429 – 24 يوليو 2008
في الموازنة بين الأمن والعلم – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/07/blog-post_25.html

تلقيت هذا السؤال من قارئ أشك في براءته: لماذا يحضر الرئيس حسني مبارك الاحتفال بتخريج ضباط الشرطة والجيش، ويكرم الأوائل منهم، في حين لا يكرم أحدًا من خريجي الجامعات، كما كان يحدث في «عيد العلم» من قبل؟، سبب شكي في براءة المرسل، الذي هو أستاذ جامعي، أن السؤال ينبغي أن يوجه إلي المحيطين بالرئيس، الأمر الذي جعلني أفكر في أن أرد عليه بعدم الاختصاص، شجعني علي ذلك أنني لا أريد أن أورط نفسي في التكهن بدوافع وخلفيات تحركات الرئيس، خصوصًا أن الذين خاضوا في موضوع صحته قضيتهم لاتزال منظورة في المحاكم، ولأنني أخذت حصتي من المحاكمة قبل نصف قرن، ولم تكن التجربة مبهجة بأي حال، فقد تعلمت الدرس الذي جعلني أنأي بنفسي عن موارد الاتهام والمحاكمة.

مع ذلك، فقد وجدت السؤال وجيهًا، وتذكرت أن الدكتور سعيد إسماعيل علي أحد شيوخ أصول التربية كان قد طرحه في إحدي مقالاته المنشورة قبل سنتين، لكنه لم يحاول الإجابة عنه، وإنما استخدم الملاحظة دليلاً علي هيمنة العسكر علي الحياة الثقافية في مصر، وليس السياسة وحدها واعترف بأنه ظل يلح عليّ لبعض الوقت، خصوصًا بعدما شاهدت علي شاشة التليفزيون الاحتفالين اللذين أقيما بمناسبة تخريج ضباط الشرطة والجيش، ولاحظت أن جهدًا غير عادي بذل في إعداد وإخراج الاستعراضات التي قدمت في الاحتفالين، لتحقيق الإثارة وجذب الانتباه حتي شككت في أن يكون نصف العام الدراسي قد ضاع في التدريب علي تلك الاستعراضات.،

حين استسلمت للتفكير في إجابة السؤال خطرت ببالي عدة احتمالات، أحدها أن اهتمام الرئيس بحضور الاحتفالين بتخريج ضباط الشرطة والجيش، وعدم اكتراثه بتكريم الأوائل في الجامعات العادية، يعبر عن موازين القوة الحقيقية في مصر، ذلك أن الجيش والشرطة لايزالان بعد مضي أكثر من نصف قرن علي ثورة ضباط 23 يوليو ، هما عصب السلطة وأكبر مراكز القوة في بر مصر، قل ما شئت في عدد الأحزاب في البلد «23 حزبًا» أو في حجم وتعدد منظمات المجتمع المدني، لكن كل هؤلاء ليس لهم عشر معشار نفوذ ووزن الجيش والشرطة.
الاحتمال الثاني أن ذلك الحضور في ساحة والغياب عن ساحة أخري يعبر عن المفاضلة بين الأمن والعلم، ذلك أنه لا خلاف بين أحد في مصر علي أن قضية أمن النظام تحتل أولوية قصوي، وهي مقدمة بمراحل علي أمن المجتمع، تشهد بذلك الموازنات والمخصصات المرصودة للجيش والشرطة، المعلنة منها وغير المعلنة، وتلك التي ترصد لأي مرفق آخر من مرافق الدولة، وإذا قارنت الأوضاع المالية البائسة للجامعات المصرية، التي جعلت جامعة القاهرة تتسول الأموال لتشتري قطعة الأرض المجاورة لها لكي تخفف من التكدس في مبانيها القائمة، بالإنفاق الباذخ والإمكانات الوفيرة التي توضع تحت تصرف الكليات العسكرية، إذا أجريت هذه المقارنة فستدرك علي الفور « مقام» هؤلاء وهؤلاء، أما ما يخصص للبحث العلمي في البلد «0.2%» فهو فضيحة تكشف مدي ازدراء الدولة بهذا الباب « النسبة في إسرائيل أكثر من 5% من الدخل القومي».

الاحتمال الثالث يتعلق بأمن الرئيس ذاته، ذلك أنه حين يحضر الاحتفالات المقامة في الكليات والأكاديميات العسكرية، فإنه يتحرك في محيط تتوفر له درجة عالية من الأمن، حيث يصبح في هذه الحالة في داخل الأسرة، أما الاحتفالات التي تقام لأوائل خريجي الجامعات المصرية فإن الاحتياطات الأمنية فيها غير كافية، ونسبة الثقة في إحكامها أقل منها في الكليات العسكرية.
وليس سرًا أن احتياطات أمن الرئيس تمت مضاعفتها بشكل ملحوظ منذ وقوع حادث المنصة في عام 1981 الذي انتهي بمصرع الرئيس السادات، وبسبب هذه الاحتياطات فقد ألغيت الاستعراضات العسكرية، ولم يعد الرئيس يظهر في اللقاءات الجماهيرية المفتوحة.
الاحتمال الرابع ألا يكون أي من العوامل السابقة سببًا يفسر حضور الرئيس في ساحة وغيابه عن أخري، وأن يكون الرئيس قد اختار أن يتصرف علي نحو آخر، ولم يشأ أن يلتزم بنفس الأسلوب الذي كان متبعًا علي عهد الرئيس عبد الناصر، واكتفي أن يخصص جوائز للتفوق وأخري باسم جائزة مبارك للعلوم والفنون، إضافة إلي جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية التي كانت مقررة منذ عهد الرئيس عبد الناصر .. والله أعلم.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar