Subscribe:

Ads 468x60px

01 يوليو، 2008

خصال الكبار ودأب الصغار

صحيفة الدستور المصريه الجمعة 23 جمادى الاخر 1429 – 27 يونيو 2008
خصال الكبار ودأب الصغار - فهمي هويدي

في حفل تكريم الدكتور مصطفي محمود، روي رفيق عمره الأستاذ لويس جريس القصة التالية حين تولي الأستاذ أحمد بهاء الدين رئاسة تحرير مجلة «صباح الخير» في سنة 1956، وبدأت تخاطب القارئ بأفكار جديدة ولغة جديدة، فوجئ بعد أسابيع من صدور المجلة باتصال هاتفي من شخص عَرّف نفسه بأنه عبد الوهاب، ولما سأله الأستاذ بهاء: عبد الوهاب مَنْ؟ كان رد المتحدث أنه محمد عبد الوهاب، وحينئذ طلب منه أن يعرف نفسه أكثر وأصابته الدهشة حين علم أن عبد الوهاب هذا هو الموسيقار الكبير الذي كان حينذاك ملء السمع والبصر، وكانت مفاجأته أكبر حين دعاه في ذلك الاتصال لأن يتناول معه الغداء بمنزله في اليوم التالي، كان الأستاذ بهاء وقتذاك كاتبًا صاعدًا في الخامسة والعشرين من عمره.

لكنه لم يتوقع أن يبادر عبد الوهاب بالاتصال به، وأن يحرص علي أن يلتقيه بعد ذلك كل أربعاء علي الغداء، كما إنه لم يتوقع منه أن يسأله في أول لقاء بينهما عن شاب جديد ظهرت كتاباته علي صفحات «صباح الخير» اسمه مصطفي محمود، وحين أعطاه رقم هاتفه، فإنه لم يكتف بدعوته للانضمام إلي مائدة الغداء فحسب، ولكنه بعدما تكررت لقاءاتهما دعاه لأن يقيم معه في بيته، وبالفعل انتقل الدكتور مصطفي محمود إلي بيت عبد الوهاب، وأقام معه حوالي ستة أشهر، كان الموسيقار الكبير قد أدرك أن ثمة جيلاً جديدًا من المثقفين ظهر في الساحة الصحفية، فأراد أن يتعرف عليه ويستمع إليه، وأن يكون علي اتصال به، إذ أثارت انتباهه المجلة الوليدة التي رفعت شعار مخاطبة «القلوب الشابة والعقول المتحررة» ورغم أنه كان وقتذاك في السادسة والأربعين من عمره، إلا أنه لم يتوقف عن رصد ومتابعة مؤشرات التطور في عالم الثقافة فضلاً عن الفنون.

ما فعله محمد عبد الوهاب مع الدكتور مصطفي محمود شبيه بما فعله الشاعر الكبير أحمد شوقي مع «المطرب الناشئ» محمد عبد الوهاب، الذي كان قد اكتشف موهبته في حفل أقيم بالإسكندرية عام «1924» وطلب منه أن يتصل به حين يعود إلي القاهرة في آخر الصيف، وحين فعلها فإن شوقي بك قربه إليه وخصص له غرفة في بيته، وظل حتي وفاته عام 1932، يشجعه ويقدمه إلي أوساط النخبة المصرية، في مجالات الفن والثقافة والسياسة، من منيرة المهدية ونجيب الريحاني إلي سعد باشا زغلول والنحاس ومكرم عبيد، مرورًا بكبار الكتاب والعلماء أمثال محمد التابعي وفكري أباظة ومحمد حسين هيكل والشيخ عبد العزيز البشري.
بل إن محمد عبد الوهاب نفسه في مراحله المبكرة كمطرب وموسيقار ظل طوال الوقت يذكر أساتذته الذين صقلوا موهبته وأسهموا في تشكيل إدراكه الفني، فلم ينس أنه تعلم التواشيح علي يد الشيخ درويش الحريري، الذي كان أستاذًا للشيخ زكريا أحمد، وتعلم العزف علي العود من محمد القصبجي الذي كان من أوائل المجددين في ذلك الفن.. وتعلم النوتة الموسيقية والهارموني علي يد اثنين من أساتذة المعهد الإيطالي أحدهما لبناني اسمه «وديع ميشيل»والثاني روسي، وتأثرت ذائقته اللغوية والشعرية بصحبته للشعراء أحمد رامي وعلي محمود طه وأحمد عبد المجيد، وكان أحمد شوقي صاحب التأثير الأكبر عليه في وقت لاحق.

لقد أتاحت لنا الأمسية التي أقامها اتحاد الأطباء العرب لتكريم الدكتور مصطفي محمود -عافاه الله ومد في عمره - أن نعرف الكثير عن عطاءات الرجل كمثقف بارز لم يطل علي المجتمع من برجه العاجي، وإنما كان ولايزال رائدًا في محاولة تغييره والنهوض به ، وإلي جانب الكلمات القيمة التي استمعنا إليها في الاحتفال، فإن شريط الذكريات التي استحضر الأستاذ لويس جريس جانبًا منه، مستعينًا بخبرته الطويلة في الصحافة الذي تجاوزت نصف قرن، أعادنا إلي الأزمنة التي خلت حين كان الكبار يلتقطون أصحاب المواهب ويقدمونهم إلي الصدارات لكي تظل واجهات المجتمع مضيئة طول الوقت.. وهو ما ذكرني بالمثل الأمريكي الذي يقول بأن الرموز من الطراز الأول يجذبون إليهم نماذج من الطراز الأول، أما الرموز من الطراز الثاني فإنهم يفضلون أن يستعينوا بنماذج من الطراز الثالث أو الرابع، هل وجدت في ذلك تفسيرًا لبعض ما نشهده الآن في الفضاءات المحيطة بنا؟

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar