Subscribe:

Ads 468x60px

18 يونيو، 2008

خيبة أم فساد؟

صحيفة الدستورالمصريه الثلاثاء 13جمادى الاخر1429- 17 يونيو 2008
خيبة أم فساد؟ - فهمي هويدي

هل يمكن أن يراجع عقد بيع الغاز لإسرائيل مثلما تمت مراجعة عقد شركة «إجريوم» للأسمدة، التي كشفت عن المخالفات الجسيمة فيه، وأدت إلي رفضه من قبل مجلس الدولة؟.. ما شجعني علي طرح السؤال أن أوجه الطعن في سلامة عقد الشركة الكندية يمكن أن تنطبق علي عقد تصدير الغاز لإسرائيل، إذ حسب الكلام الذي نشره «الأهرام» يوم ــ السبت ــ الماضي 14/6، فإن اللجنة المختصة في مجلس الدولة وجدت عيوباً جوهرية في إجراءات إبرام العقد وفي مضمونه، لا علاقة لها بالآثار البيئية المترتبة علي إنشاء المصنع في محافظة دمياط، ولكن اللجنة وجدت أن العقد أبرم بالاتفاق المباشر بالمخالفة لقانون الموانئ، في حين كان ينبغي أن تتوافر له ظروف المنافسة والعلنية، ثم إن ترخيص إنشاء المصنع أصدره رئيس الوزراء بالمخالفة للقانون أيضاً، الذي يقضي بأن منح الالتزام ينبغي أن يتم بقرار من مجلس الوزراء، وإلي جانب الخطأ في الإجراءات، فقد تبين أن في العقد شروطاً تفضيلية للشركة تخالف الأعراف الملاحية السائدة، وبعضها مخالف للقانون، وكانت تلك الأخطاء هي الحيثيات التي استندت إليها لجنة مجلس الدولة في رفض العقد.

حين قارنت الأخطاء التي شابت عقد توريد الغاز لإسرائيل، وجدت أن الحكومة تحايلت في إبرام العقد، بحيث لم تعرضه علي مجلس الشعب، كما أنها حصنت الاتفاق بالسرية التي أخفت عن الجميع شروطه ومدته وأسعاره، وهذه الحصانة لا سند لها من القانون، ولا تفسير لها إلا أنها محاولة للتستر علي مضمون الاتفاق وستر عيوبه، الذي يشيع بين خبراء البترول المصريين أنها بدورها مخالفة للأعراف السائدة.
سألت من أعرف من قضاة مجلس الدولة عما إذا كان بوسع لجان المجلس أن تدرس العقد لتتثبت من سلامته وعدم إضراره بالصالح العام والأمن القومي لمصر، فكان رأيهم أن جميع العقود التي تكون الدولة طرفاً فيها يجب أن تعرض علي المجلس، ولأن العقود المتعلقة بمصادر الثروة الطبيعية لها وضعها الخاص بحكم أهميتها الاستراتيجية، فيتعين عرضها علي مجلس الشعب أيضاً، ولكن لأن أغلب تلك العقود تتم وفقاً لنماذج متعارف عليها ومقررة من قبل، فقد جري العرف علي عرضها علي المجلس مباشرة، باعتبار أن صياغتها متكررة، وليست بحاجة في كل مرة إلي تدقيق في صياغتها القانونية.

أما إذا كان العقد يتعلق بحالة غير تقليدية، وهو ما ينطبق علي تصدير الغاز لإسرائيل، فإن عرضه علي مجلس الدولة يصبح واجباً وشرطاً لصحته، صحيح أن اعتراض المجلس علي العقد لا يلغيه إذا كانت الحكومة قد وقعته فعلاً، إلا أنه يفتح الباب لمحاسبة المسئول عن توقيعه إدارياً، وإذا كان ذلك المسئول وزيراً فإنه يحاسب سياسياً أيضاً، لكن عقد بيع الغاز كان له وضع بالغ الشذوذ، فلا عرض علي مجلس الدولة ولا عرض علي مجلس الشعب!.

هذا الشذوذ ينسحب علي عقد آخر أبرمه أحد كبار المستثمرين العرب، الذي اشتري 120 ألف فدان من أراضي توشكي، التي أنفقت الدولة مليارات من الجنيهات لتوصيل المياه إليها وزراعتها، ولكن المستثمر العربي زرع 70 فداناً فقط من حصته عنباً، وأبقي علي 119 ألفاً و300 فدان صحراء جرداء بغير زراعة، وحين روجع في ذلك كان رده أن العقد الذي أبرمه لا يلزمه بزراعة الأرض، وبالتالي فهو حر التصرف فيها إن شاء زرعها، وإن شاء تركها مهجورة أو باعها للغير «الاحتمال الأخير هو الأرجح لأنه اشتري الفدان بخمسين جنيهاً ليتاجر في الأرض ويبيعها بأضعاف الثمن»، واكتشفت الجهة الحكومية أنها وقعت في ورطة كبري، فلا هي تستطيع أن تلزم المستثمر بزراعة الأرض، ولا هي تستطيع أن تفسخ العقد، ولا تريد أن تفضح نفسها وتشهر خيبتها علي الملأ.

السؤال الذي يخطر علي البال حين يمر المرء بمثل هذه العقود المريبة والمسكونة بالثغرات هو: هل هذه من نماذج الخيبة، أم أنها من تجليات الفساد مدفوع الثمن الذي لم يظهر جزؤه الغاطس بعد؟.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar