Subscribe:

Ads 468x60px

24 يونيو، 2008

لحظة لالتقـط الأنفاس

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 20 جمادى الأخر 1429 – 24 يونيو 2008

إذا كان الترحيب باتفاق التهدئة واجبا‏,‏ فإن إدراك ملابساته وخلفياته أوجب‏,‏ علي الأقل لكي نعطيه حجمه ولانحمله بأكثر مما يحتمل‏.‏

‏(1)
‏ماحدث يشكل تحولا جذريا‏(‏ دراماتيكيا‏)‏ في الموقف الإسرائيلي‏.‏ هكذا ذكر تقرير مجلة تايم الامريكية في عددها الأخير‏,‏ الذي أضاف أن حكومة أولمرت ظلت ترفض أي تفاوض مع حماس باعتبارها منظمة إرهابية‏.‏ ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تقترب شعبيته من الصفر اختار أخيرا أن يدخل في حوار غير مباشر معها‏,‏ لأن الخيار الآخر المتاح أمامه هو القيام بعملية عسكرية كبري في قطاع غزة لإسكات صواريخها‏,‏ وهو ما قد يكبد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية فادحة‏,‏ فضلا عن أنها قد تفشل في تحقيق هدفها‏.‏

هذا التقييم صحيح إلي حد كبير‏,‏ ذلك أن هذه هي المرة الاولي في تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي‏,‏ التي توافق فيها حكومة الدولة العبرية علي تهدئة متبادلة مع الفلسطينيين‏.‏ صحيح أن ثمة جولات من التهدئة تمت من قبل‏,‏ كانت آخرها في سنة‏2005‏ بعد انتخاب أبو مازن رئيسا للسلطة الوطنية‏,‏ وقد امتدت لعشرة أشهر‏,‏ ولكن تلك التهدئة كانت من الجانب الفلسطيني وحده‏,‏ ولم تكن متبادلة‏,‏ ومن المفارقات في هذاالصدد ان اسرائيل التي ساندت أبو مازن‏,‏ واعتبرته رجلا معتدلا وفتحت أبوابها للتفاوض المباشر معه طوال الوقت‏,‏ لم تقدم له شيئا يذكر في مفاوضاتها معه‏,‏ فلم تطلق سراح أسير واحد‏,‏ ولم ترفع حاجزا واحدا من الضفة‏,‏

بل وضاعفت من تمدد المستوطنات فيها‏,‏ كما أنها واصلت من عدوانها علي الفلسطينيين هناك‏,‏ حتي أنها قتلت ستة من أبناء الضفة قبل ساعات قليلة من سريان التهدئة في قطاع غزة‏,‏ وفي حين كان ذلك موقفها من السلطة في رام الله بكل رصيدها في الاعتدال فإن موقفها من سلطة حماس في غزة كان مختلفا‏,‏ حيث قبلت بالتهدئة المتبادلة معها‏,‏ ووافقت علي رفع الحصار الاقتصادي بصورة تدريجية عن القطاع‏.‏

وكان لافتا للانتباه أن قرار التهدئة وافقت عليه الأجهزة الأمنية الاسرائيلية وقيادة الجيش والمجلس الوزاري المصغر‏,‏ كما بين أحدث استطلاع أن‏68%‏ من الاسرائيليين يؤيدونه‏,‏ رغم أن معارضيه ذكروا أنه استسلام لحماس يعبر عن تآكل الردع الإسرائيلية‏,‏ ويمثل إضعافا لأبومازن‏,‏ وإحراجا للمعتدلين العرب‏,‏ وخيانة للإدارة الامريكية القائمة علي عدم التوافق مع الإرهاب‏.‏

‏(2)
‏لماذا أقدمت إسرائيل علي تلك الخطوة غير المسبوقة؟هناك أكثر من اجابة عن السؤال‏,‏ منها أن الحصار الذي استمر عاما فشل في أن يحقق أهدافه‏,‏ فلا هو دفع الناس للثورة ضد السلطة في القطاع‏,‏ ولا هو أوقف إطلاق الصواريخ منه‏,‏ منها أيضا ان استمرار الحصار بدا محرجا لإسرائيل وأصدقائها‏,‏ حيث بدأت بعض الدول تتملل منه باعتباره يمثل جريمة حرب وانتهاكا لمواثيق حقوق الانسان‏,‏ الأمر الذي دفع تلك الدول إلي تجاوزه ومحاولة الاتصال مع حماس‏,(‏ فرنسا مثلا‏),‏ منها كذلك أن أولمرت يريد أن يهديء الاجواء من حوله لكي يتفرغ لمواجهة المشكلات الداخلية التي تمسك بخناقة‏.‏ منها أيضا أن التهدئة تتيح للإسرائيليين التفرغ للتعامل مع الملف النووي الإيراني الذي يسبب ازعاجا كبيرا لها‏.‏رغم تعدد الاسباب فإنني أزعم أن السبب الاول يكمن في الفشل الإسرائيلي في إسكات الصواريخ التي بدأت فصائل المقاومة الفلسطينية في إطلاقها من غزة منذ شهر يونيو عام‏2001,‏ وكان تصنيع ذلك السلاح في ظل الامكانات المتواضعة المتوافرة للفصائل من إبداعات المقاومة الفلسطينية المدهشة‏,‏ ذلك أن التفوق الإسرائيلي الكاسح في السلاح والتضييق الشديد الذي أدي إلي منع دخول أية عناصر يمكن أن تدخل في تصنيع الصواريخ‏,‏ بما في ذلك منع مواد التنظيف وحظر مادة اليوريا التي تستخدم في الزراعة‏,‏ ثم القصف والتدمير المستمران لكل ورش الحدادة‏,‏ ذلك كله لم يحل دون نجاح الفصائل في تصنيع الصواريخ وإطلاقها‏,‏ حتي يذكر تقرير حول الموضوع أعده مركز الزيتونة للدراسات في بيروت‏(‏ صادر في ابريل‏2008)‏ أن خبراء كتائب القسام لجأوا إلي روث البهائم لاستخراج بعض الغازات والمواد الكيماوية التي استخدمت في تصنيع المتفجرات‏.‏

وأشار التقرير إلي دراسة صدرت في‏4-3-2008‏ عن مركز المعلومات حول الاستخبارات والارهاب أن الفصائل الفلسطينية أطلقت علي البلدات الإسرائيلية‏2809‏ صواريخ‏,‏ في الفترة من‏26-10-2001 إلي بداية شهر فبراير‏2008.‏

صحيح أنه لا وجه للمقاونة بين أعداد الضحايا الإسرائيليين الذين أصيبوا جراء تلك الصواريخ وبين نظرائهم الفلسطينيين‏,‏ إلا أن هناك ملاحظتين في هذا الصدد‏,‏ الاولي ان اسرائيل تواصل قتلها المنظم للفلسطينيين دونما أية علاقة لذلك بالصواريخ‏,‏ فقد أظهرت إحصائية للجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني أن عدد الشهداء الذين سقطوا خلال انتفاضة الاقصي التي اندلعت في28-9-2000(‏ قبل وجود الصواريخ‏)‏ قد وصل في‏29-2-2008 إلي‏5227‏ شهيدا‏,‏ وأشارت الاحصائية إلي أن شهداء غزة كان عددهم‏3107.‏ أما الضفة التي لاتطلق منها أية صواريخ فقد قدمت‏2120‏ شهيدا‏.‏

الملاحظة الثانية‏,‏ أن المصادر الطبية الاسرائيلية تحدثت عن مقتل‏14‏ مستوطنا بسبب الصواريخ‏,‏ بينهم‏11‏ شخصا في مدينة سديروت وحدها‏,‏ وتحدثت دراسة مركز معلومات الاستخبارات والإرهاب أن‏1600‏ إسرائيلي أصيبوا بالهلع بسبب الصواريخ في الفترة منذ منتصف‏2006‏ وحتي‏30-11-2006, وطلب رئيس لجنة أولياء الامر في سديروت شوشان سارة في حديث مع موقع معاريف الالكتروني بترحيل سكان سديروت علي غرار مستوطني غزة‏,‏ وقالت اذاعة الجيش الإسرائيلي أن سكان المدينة أرسلوا أبناءهم للدراسة في نيويورك بسبب تواصل قصفها بالصواريخ علي سديروت‏.‏ وذكر التليفزيون الاسرائيلي أن مركز الطواريء التابع لمدينة عسقلان استقبل خلال ليلة واحدة‏(‏ ليلة‏28-29-2-2008)‏ أربعة آلاف مكالمة هاتفية في أقل من ساعة من مستوطنين أصابتهم الصواريخ بالرعب‏.‏

وقال رئيس اتحاد مقاولي الترميم الإسرائيلي أنه خلال النصف الاول من عام‏2007‏ تسببت الصواريخ الفلسطينية في إحداث تلفيات في سديروت تكلف إصلاحها‏20‏ مليون دولار‏,‏ في الوقت ذاته تكلف تحصين المنازل والنقاط الاستراتيجية ضد الضربات الصاروخية نحو‏85‏ مليون دولار‏.‏ وفي استطلاع للرأي أجراه في عام‏2007‏ معهد داحاف بين سكان المدينة قال‏86%‏ من الجمهور أن الحكومة فشلت في حمايتهم‏,‏ وذكر‏64%‏ أنهم سيغادرونها في أول فرصة‏,‏ وذكر الموقع الالكتروني لصحيفة يديعوت أحرونوت في‏20-5-2007 أن مابين‏6‏ و‏8‏ آلاف من بين سكان المدينة البالغ عددهم‏23‏ ألف شخص غادروا المدينة لتدهور الاحوال الأمنية فيها‏.‏
(3)
‏المباحثات التي أدارتها القاهرة كانت شاقة ومعقدة‏.‏ ففي البداية طلب الإسرائيليون تعهدا من جانب حماس بوقف التدريب ومنع التهريب والتوقف عن تطوير صواريخها‏.(‏ في عام‏2001‏ كان مدي الصاروخ قسام واحد‏3‏ كيلو مترات وفي عام‏2006‏ أصبح مدي الصاروخ قسام‏3‏ نحو‏12‏ كم ونجح في الوصول إلي عسقلان‏,‏ وذكر تقرير الزيتونة أن مدي الصاروخ قسام‏4‏ يتراوح بين‏18‏ و‏20‏ كم‏,‏ وللعلم فإن بقية الفصائل نجحت في تصنيع صواريخها‏,‏ فحركة الجهاد صنعت صاروخ قدس ولجان المقاومة الشعبية صنعت صاروخ ناصر وحركة فتح صنعت صاروخ أقصي والجبهة الشعبية لها صاروخ صمود‏).‏

في البداية أيضا لم تلتزم إسرائيل بفتح المعابر‏,‏ وعلقت ذلك علي تقديرها لمدي التزام حماس بالتهدئة‏,‏ كما أنها طلبت إطلاق سراح الجندي الأسير جلعاد شاليط‏,‏ هذا العرض رفضه ممثلو حماس‏,‏ وقالوا إنهم ملتزمون فقط بوقف إطلاق الصواريخ طالما أوقفت إسرائيل عدوانها علي القطاع والضفة‏.‏ وذكروا ان اسرائيل كانت تحتل غزة وعجزت عن وقف التهريب‏,‏ فلماذا تطالب به حماس الآن‏,‏ وتحدثوا عن ضرورة فتح المعابر ضمن برنامج متفق عليه‏,‏ وقالوا ان موضوع شاليط خارج السياق‏,‏ لأنهم طلبوا اطلاق سراح‏375‏ أسيرا فلسطينيا في مقابل الافراج عنه‏,‏ وقد وافقت إسرائيل علي‏71‏ شخصا فقط‏.‏

بعد أخذ ورد وافقت اسرائيل علي ردود حماس باستثناء أمرين‏,‏ أولهما قصر التهدئة علي غزة دون الضفة في الوقت الراهن‏,‏ علي أن تشمل الضفة بعد ستة أشهر‏,‏ وثانيهما تأجيل فتح معبر رفح الذي هو المنفذ الوحيد لعبور الأشخاص‏,‏ في حين أن المعابر الاخري مخصصة للبضائع‏,‏ كما وافقت علي تأجيل بحث موضوع شاليط حيث يتم الاتفاق علي قائمة الفلسطينيين المفرج عنهم‏.‏

حينما وجد مفاوضو حماس أن الرد الإسرائيلي يفك الحصار تدريجيا ويوقف العدوان‏,‏ فإنهم طلبوا عرض نتائج المفاوضات علي ممثلي فصائل المقاومة الاخري‏,‏ لإجراء حوار وطني حوله‏,‏ وتوافق الجميع علي الالتزام به بمن في ذلك الذين رفضوه‏(‏ الجبهة الشعبية‏)‏ والذين تحفظوا عليه‏(‏ الجهاد الاسلامي‏).‏

‏(4)
‏لا أحد من المفاوضين الفلسطينيين يثق في التعهد الإسرائيلي‏,‏ ليس فقط لانها دأبت علي نقض عهودها مستندة إلي الخلل في موازين القوة لصالحها‏,‏ ولكن أيضا لان عمر هذه الاتفاقية ـ في أحسن فروضه ـ لن يتجاوز عمر حكومة أولمرت الآيلة للسقوط‏.‏ وقد سمعت من بعض المفاوضين قولهم إن التهدئة ليست أكثر من لحظة لالتقاط الأنفاس‏,‏ وتحسين شروط العيش داخل السجن الإسرائيلي‏.‏

المفارقة أن التهدئة بين فلسطينيي غزة وبين الاسرائيليين إذا كانت قد حققت شيئا بالمعيار النسبي‏,‏ فإن التهدئة بين غزة ورام الله لاتزال متعثرة‏.‏ ذلك أنه بعدما تفاءل البعض بحديث أبو مازن المفاجيء في7-6‏ عن الحوار مع حماس‏,‏ سواء لأن أمله خاب في الوعود الأمريكية والاسرائيلية‏,‏ أو لانه أراد أن يوحد الصف الفسطيني قدر الإمكان مع قرب انتهاء ولايته‏(‏ في‏5‏ يناير المقبل‏)‏ والتمهيد لانتخابات جديدة‏,‏ فان هذا التفاؤل بدأ يتراجع بشكل تدريجي خلال الايام الماضية‏.‏ ومما كانت له دلالته في هذا الصدد أن أبو مازن كلف وفدا من قيادات فتح بزيارة غزة والتعرف علي الأوضاع فيها‏,‏

ورغم أن ذلك لم يتم بالتنسيق مع قيادات فتح بالقطاع‏,‏ فإن الأمر تمت تسويته وجري الترحيب بالوفد علي مستويات عدة‏,‏ وتحدد موعد لاجتماعه مع السيد إسماعيل هنية رئيس الحكومة المقالة‏,‏ لكن أبو مازن أجري اتصالا مع وفده قبل نصف ساعة من الموعد‏,‏ وطلب إلغاء المقابلة‏,‏ الأمر الذي اضطر الوفد لمغادرة القطاع يوم السبت الماضي‏21-6,‏ دون أن يحقق شيئا يذكر في مهمته‏,‏ مما يعني أن دعوة الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني لم تتضح بعد‏,‏ وربما احتاجت إلي طرف عربي ثالث يدفعها إلي الامام‏.‏ وذلك يعني أيضا أن ماحدث في الساحة الفلسطينية هو بدوره مجرد تهدئة وليس حوارا‏.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar