Subscribe:

Ads 468x60px

03 يونيو، 2008

عن حــروبنا الأهلية الثقــافية

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 29 جمادى الأولى 1429 – 3 يونيو 2008
عن حــروبنا الأهلية الثقــافية - فهمـي هـويـــدي


الحرب الأهلية الثقافية الدائرة في العالم العربي لم تأخذ حقها من الاهتمام والرصد‏,‏ ولم تدرج علي لائحة المعنيين بالمصالحة الوطنية
(1)

كما أن في لبنان موالاة وممانعة كذلك الحال في عالم الثقافة‏.‏ وهذا التصنيف ليس مقصورا علي لبنان فقط‏,‏ ولكنه حاصل في العالم العربي أيضا‏.‏ وثمة خبرات تاريخية عديدة ـ لدينا ولدي غيرنا ـ انقسمت فيها النخب بين موالاة وممانعة‏.‏ فالجنرال بيتان كان رمزا لموالاة النازيين الذين احتلوا فرنسا‏,‏ كما أن الجنرال ديجول كان رمزا للممانعة والمقاومة‏.‏ وفي مصر كان نوبار باشا رئيس الوزراء رمزا لموالاة الإنجليز والاستعمار العالمي‏.‏ أما محمد شريف باشا فقد كان رمزا للممانعة بين النخبة الحاكمة الوطنية‏.‏ بالمثل كانت صحيفة المقطم منبرا للموالاة‏,‏ أما جريدة اللواء فقد قادت تيار المقاومة والممانعة‏,‏ وهذا ما فعله حزب الوفد في مواجهة الأحرار الدستوريين الذين انحازوا إلي الموالاة‏.‏ أما خرائط هذا الزمان فرموز التيارين معروفون‏,‏ بين السياسيين والمثقفين‏.‏ والسؤال المهم دائما هو‏:‏ موالاة مع من وممانعة أو مقاومة ضد من‏.‏

في حالتنا أعفتنا الإدارة الأمريكية من أن نبذل جهدا في هذا الصدد‏,‏ حين اعتبرت حلفاء الغرب والموالين له معتدلين‏,‏ ووصفت الرافضين للهيمنة الغربية والإملاءات الأمريكية بأنهم متطرفون‏.‏ ومن ثم فقد أصبح معروفا أن عناصر الموالاة هي تلك التي انحازت إلي الموقف الغربي ـ الأمريكي تحديدا وتبنت رؤيته لمشاريع المنطقة وقضاياها‏,‏ والقضية الفلسطينية في مقدمتها‏.‏ أما معسكر الممانعة فهو الذي اختار رفض الهيمنة الغربية وانحاز إلي المقاومة بمختلف صورها‏.‏ إن شئت‏,‏ فقل إن الموقف من المقاومة هو الحد الفاصل ومعيار الانتماء إلي أي من المعسكرين‏,‏ بل إن المعركة الحقيقية بين الطرفين تدور حول فكرة المقاومة وتجلياتها‏.‏

استنادا إلي ذلك فليس صحيحا أن الصراع الحقيقي في فلسطين هو بين حماس وفتح‏,‏ ولكنه بين نهجين في التعاطي مع القضية الفلسطينية‏,‏ ومن ثم التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي‏.‏ كما أن المشكلة في لبنان‏,‏ في جوهرها‏,‏ ليست بين قوي‏14‏ آذار أو‏8‏ آذار‏,‏ وليس بين حزب الله وتيار المستقبل‏,‏ ولكنها بين مشروعي الموالاة للأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين وبين مقاومة ما يدبره هؤلاء للبنان وما يرمون من ورائه‏.‏ بل أزعم أن سلاح حزب الله ليس المشكلة الحقيقية هناك‏,‏ لكنها في استخدام ذلك السلاح لأجل المقاومة‏.‏ ولو أنه وظف لمصلحة هدف آخر لما أثيرت قضيته‏,‏ بدليل أن أحدا لا يتحدث عن سلاح القوات اللبنانية التي يقودها سمير جعجع‏,‏ ولا عن الميليشيا المسلحة التابعة لتيار المستقبل وحلفائه‏,‏ لأن ذلك السلاح لا شأن له بالمقاومة‏.(‏ رغم محدودية ما يملكه هؤلاء إذا ما قورن بما هو متوافر لدي حزب الله‏).‏

‏(2)‏
حين تصبح المقاومة هي الموضوع الأساسي للصراع‏,‏ حتي وإن كانت غير مسلحة كما في الحالة السورية‏,‏ فإن ذلك يدهش جيلنا الذي عاش مرحلة المد القومي‏(‏ في الخمسينيات والستينيات‏)‏ التي انتعشت فيها حركات التحرر الوطني‏,‏ وكانت الرؤية فيها أكثر وضوحا والعدو أكثر تحديدا‏.‏ ومن ثم لم تكن قضايا المصير محلا للاجتهاد واختلاف وجهات النظر‏.‏ لذلك فإن مصر لم تعرف حكاية الموالاة والممانعة في السياسة الخارجية في تلك الفترة‏(‏ الناصرية‏).‏ وحين استقام الأمر في مصر انضبط الإيقاع في العالم العربي‏,‏ باستثناء جيوب صغيرة كان حلف بغداد من تجلياتها‏,‏ إذ ظل الموقف من الهيمنة الغربية محل إجماع وطني عام‏,‏ وكذلك الموقف من المقاومة الفلسطينية‏,‏ لكن الأمر اختلف بصورة جذرية في المرحلة الساداتية‏,‏ التي ذاع خلالها الشعار الذي ادعي أن‏99%‏ من الأوراق بيد الولايات المتحدة‏.‏ وهو ما أحدث انقلابا في سياسة مصر الخارجية‏,‏ كان له صداه في العالم العربي بطبيعة الحال‏.‏ وكانت تلك المحطة الأولي في طريق الالتباس‏,‏ الذي صور للبعض أن موالاة الإدارة الأمريكية قدر لا فكاك منه‏,‏ الأمر الذي أصاب البوصلة العربية بخلل شديد‏,‏ تداخلت في ظله الخطوط‏,‏ بحيث لم يعد الإجماع منعقدا علي رؤية استراتيجية واحدة‏,‏ حتي لم يعد يعرف علي وجه اليقين من يكون العدو ومن هو الصديق‏(‏ البعض أصبح يتحدث مثلا عن أن إيران هي العدو وليست إسرائيل‏).‏ وإذ اختلفت المواقف في هذا الصدد‏,‏ فإن العديد من قضايا المصير أصبح محلا للاجتهاد‏.‏ حتي الولاء للسياسة الأمريكية والاستقواء بها‏,‏ بل وحتي التطبيع المجاني مع إسرائيل أصبح وجهة نظر‏.‏ أكثر من ذلك فإن فكرة المقاومة ذاتها لم تسلم من التشويه والتجريح‏,‏ وتحولت من راية للعزة رفرفت في فضاء الأمة يوما ما‏,‏ إلي سابقة تدرج أصحابها في قوائم المشتبهين والممنوعين من الصرف السياسي‏.‏ إلي أن انتهي بنا الحال إلي وضع صارت فيه الموالاة قاعدة‏,‏ والممانعة استثناء‏.‏ ولم يعد ذلك الخلل في الموازين والرؤي مقصورا علي السياسيين وحدهم‏,‏ ولكنه جر وراءه المثقفين أيضا‏.‏
(3)‏

قراءة المشهد اللبناني جسدت ذلك الخلل الأخير بامتياز‏.‏ فرغم أن معركة السياسيين هدأت بصورة نسبية بعد اتفاق الدوحة‏,‏ فإن معركة المثقفين مازالت مستمرة‏.‏ وهي أوضح ما تكون في وسائل الإعلام‏,‏ التي لم يتوقف فيها أهل الموالاة عن التحريض والدس وقلب الحقائق‏.‏ وبعضها لم يتورع عن استخدام أساليب غير مشروعة بعضها يهدر أدب الحوار ولغته‏,‏ والبعض الآخر عمد إلي التزييف والتدليس‏.‏ لن أتحدث عن الفريق الأول لأن مستوي التعبير بين أفراده مما ينفر صاحب أي قلم يحترم نفسه ومهنته من أن يتصدي له‏.‏ لكن بين أيدينا نصا نموذجيا للصنف الثاني‏.‏ وما أغراني بالتوقف عنده ليس فقط أنه يجسد منهج التزييف والتدليس في رواية الوقائع‏,‏ وإنما أيضا أنه كان بمثابة تعقيب علي مقال سبق أن نشرته في هذا المكان قبل أسبوعين تحت عنوان محاولة فهم ما جري في بيروت‏.‏

في ذكر الوقائع يتحدث النص عن أن لبنان دولة ديمقراطية فيها ما يكفي لتمكين مختلف التيارات والقوي أن تشارك في البرلمان والحكومة‏.‏ لكن حزب الله لم يجد غضاضة في أن تكون له وحده قوة مسلحة‏,‏ خارج سلطة الدولة الشرعية‏,‏ وأن يقيم دولة خارج الدولة‏.‏ كما سمح لنفسه بأن يقوم بانقلابه العسكري ويغزو بيروت لأن مجلس الوزراء اتخذ قرارا لم يعجبه‏.‏ وفي أثناء الغزو قام الحزب بحرق مؤسسات الراي والعمل الأهلي‏.‏

التدليس في الرواية يكمن فيها حفل به النص من أغاليط جسيمة يتعذر افتراض البراءة فيها‏.‏ فالكلام عن الديمقراطية في لبنان محض هراء‏,‏ لأن النظام هناك قائم علي التوافق وليس الديمقراطية‏.‏ وبمقتضي التوافق يجب أن يكون رئيس الدولة مارونيا ورئيس الوزراء سنيا ورئيس البرلمان شيعيا‏,‏ وهذا وضع لا علاقة له بالديمقراطية‏.‏ وإذا كان لبنان يتمتع بدرجة عالية من الحرية‏,‏ فلأن المجتمع هناك أقوي من السلطة‏.‏ وحين قررت قوي الموالاة مقاطعة رئيس الجمهورية إميل لحود طوال سنتين‏,‏ لم يقل أحد أن ذلك عدوان علي الشرعية‏,‏ وإنما قبل الجميع بذلك‏,‏ لبنانيا وإقليميا ودوليا‏.‏ والقول بأن حزب الله هو القوة المسلحة الوحيدة فيه مغالطة أخري‏,‏ لأن كل القوي ـ بل كل اللبنانيين ـ مسلحون‏,‏ تشهد بذلك حرب الأربعة عشر عاما الحاضرة في الأذهان‏.‏ وحكاية الانقلاب العسكري وغزو بيروت‏,‏ لأن مجلس الوزراء اتخذ قرارا لم يعجب حزب الله‏,‏ فيه مغالطة فاضحة أيضا‏.‏ لأن القرار الذي لم يعجب حزب الله كان في حقيقته إعلان حرب عليه‏,‏ تمثل في محاولة السيطرة علي شبكته الأمنية‏,‏ في الوقت الذي تسربت فيه الأخبار عن إعداد ميليشيا المستقبل للدخول في مواجهة مسلحة مع حزب الله‏,‏ وإعداد‏600‏ عنصر تم تدريبهم في الخارج لهذا الغرض‏.‏ إضافة إلي التحركات البحرية الأمريكية في البحر الأبيض‏.‏ أعني أن السياق دفع الحزب إلي التحرك لإجهاض ما يدبر ضده‏.‏ وليس صحيحا أنه قام بانقلاب‏,‏ لأننا نعرف أن السلطة ظلت كما هي‏,‏ كما نعلم أنه استولي علي مقار الأطراف التي كانت تعتزم الانقضاض عليه ولم يبق فيها‏,‏ وإنما سلمها إلي الجيش‏.‏ فبأي منطق إذن يقال إن ذلك كان انقلابا وغزوا لبيروت‏.‏ أما حكاية إحراق حزب الله المؤسسات المذكورة فهي كذبة لا دليل علي صحتها‏,‏ لأن الفاعلين مجهولون حتي الآن‏,‏ وأكثر الاصابع تشير إلي مسئولية عناصر الحزب القومي السوري وهناك صور تؤيد ذلك‏,‏ وتظهر أعلام الحزب التي تتوسطها علامة الزوبعة علي أبنية تلك المؤسسات‏.‏

‏(4)‏
هجاء المقاومة لم يكن الهدف الوحيد‏,‏ وإنما استخدمه خطاب الموالاة كمنصة لإطلاق الاتهامات التي تستهدف تشويه الذين يدافعون عنها‏,‏ حتي يبدو وكأنه لا خير في المقاومة ولا ثقة فيمن ينحازون إليها‏,‏ وهو ما نستطيع أن نفهم دوافعه إذا تذكرنا أن التصنيف الأمريكي‏,‏ الذي يستلهمه فريق الموالاة‏,‏ يعتبر أن هؤلاء وهؤلاء هم من عناصر محور الشر الشهير‏.‏
هذه الاتهامات تنبني علي منطق خلاصته أنه إذا كان حزب الله شريرا إلي الحد الذي تم تصويره‏,‏ فلابد أن يكون المتضامنون معه والمتفهمون لموقفه أشرارا أيضا‏.‏ ولأنه قام بانقلاب في بيروت واستخدم السلاح في ذلك‏,‏ فلابد أن يكون هؤلاء أيضا انقلابيون ويتوقع منهم بدورهم أن يلجأوا إلي استخدام السلاح وتنظيم الاعتصامات ونصب الخيام في الميادين‏.‏

هذا التبسيط الساذج الذي ينطلق من الإصرار علي التشويه والكيد‏,‏ ويلغي كل عناصر الخصوصية في الوضع اللبناني‏,‏ وفي الوقت نفسه يعمد إلي تصوير مؤيدي المقاومة باعتبارهم أصوليين انتهازيين لا يؤمنون بالديمقراطية ولا أمان لهم‏,‏ يصب في مجري وحيد هو‏:‏ الحط من شأن المقاومة وكل الذين يقفون في صفها‏.‏ وإذا صح ذلك فمن حقنا أن نتساءل عن الطرف المستفيد من هذه الغارة وعن مصير العالم العربي إذا ما استمرت محاولات إشعال الحرب الأهلية بين المثقفين‏,‏ التي تستهدف الانقضاض علي معاقل الصمود والممانعة‏,‏ وعن تقويم ذلك الموقف بمعايير المصلحة الوطنية‏.‏

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_6770.html

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar