Subscribe:

Ads 468x60px

20 يونيو، 2008

الديمقراطية المزورة هي الأسوأ

صحيفة الدستور المصريه الخميس 15 جمادى الأخر 1429 - 19 يونيو 2008
الديمقراطية المزورة هي الأسوأ - فهمي هويدي

قدرت صراحة رئيس زيمبابوي روبرت موجابي حين قال قبل أيام قليلة: «إن المعارضة لن تحكم ما دام علي قيد الحياة»، وإنه مستعد لأن يقاتل دون ذلك لأن الشعب ائتمنه علي استقلال البلد ومستقبله، ويستحيل عليه أن يفرط في الأمانة التي طوقت عنقه، وقال إن الذين يعارضونه «خونة» يعملون لحساب المستعمر السابق «بريطانيا»، ولأن الأمر كذلك، فإن هؤلاء إذا فازوا في الانتخابات الرئاسية التي تتم يوم 27 يونيو الحالي، فلن يسمح لهم بتولي زمام الحكم، ولن يتردد في حمل السلاح لعدم تمكينهم من «الاستيلاء» علي السلطة.
هذا الكلام ليس غريبًا علينا، في رسالته ومضمونه وليس في مفرداته، فنموذج روبرت موجابي شائع في العالم الثالث، خصوصًا بين القادة الذين حققوا إنجازات تاريخية معاينة، حقيقية ووهمية، واعتبروها رصيدًا أوصلهم إلي السلطة.. وما إن احتلوا مقاعدهم حتي اعتبروا الإنجاز المذكور «حجة» حولت الأوطان إلي أوقاف مقصورة عليهم، وهذا ما فعله موجابي الذي اشترك في حرب الاستقلال ضد الاحتلال البريطاني، واعتبر دوره في التحرير مسوغًا ليس فقط لاحتكار السلطة، ولكن أيضًا لاعتبار معارضيه خونة، الأدهي من ذلك الأمر أنه اختزل الوطن في شخصه، وهذا النموذج مكرر حولنا كما تعلم، لكن موجابي اختصر الطريق وصارح الجميع بما يتكتمه آخرون فهو مصرُّ علي البقاء في السلطة حتي آخر رمق. والآخرون -حتي إذا فازوا في الانتخابات- لن يمكَّنوا من زحزحته عن منصبه.

قليلون من القادة يكشفون أوراقهم بهذه الصورة، ويؤثرون الاحتيال علي الديمقراطية وعلي القوانين، سواء عن طريق تزوير الانتخابات أو إجراء تعديلات دستورية تقطع الطريق علي المنافسين، وتغلق الباب علي الرمز المطلوب .

كان خوليو سانجوينتي -الرئيس الراحل لجمهورية أوراجواي- يقسم أنظمة العالم الثالث إلي فئتين، الأولي: ديكتاتوريات لينة «ديكتابلاتوا» أو ديكتاتوريات خشنة وصارمة «ديكتادورًا». والفرق بين الاثنين ليس في الموقف الأساسي المتمثل في الاستبداد واحتكار السلطة، وإنما هو في «إخراج» هذا الموقف، فالأولي «اللينة» تعطي هامشًا من حرية الحركة والتعبير، بما يوفر للمثقفين فرصة للنقد وللسياسين مجالاً للمعارضة وللمجتمع إمكانية تأسيس المنظمات والجماعات السياسية، و.. و... إلخ، لكنها تُبْقي علي كل الخيوط بيدها، أما الديكتاتورية الصارمة فهي التي تعلن علي الملأ أنها متمسكة بالسلطة ورافضة لأي تداول لها، وغير مستعدة للاعتراف بأي انتخابات.

في مقام آخر قلت إن الديكتاتورية الصريحة «الخشنة والصارمة» أسوأ حقًا من الديمقراطية المزيفة، التي هي تسمية أخري للديكتاتورية اللينة.. ومع ذلك فإن الأولي واضحة، ولا مجال للبس فيها، وبالتالي فالخصم فيها محدد، بحيث يصبح بمقدور القوي الوطنية أن تحتشد في جبهة واحدة ضده.

أما الديمقراطية المزورة فهي تفتح الباب للالتباس، وتوفر للمنافقين فرصة التذرع ببعض المظاهر الإيجابية للالتحاق بمعسكر السلطة، ثم إنها ربما استطاعت أن تخدع نفرًا من البسطاء، بحيث توهمهم بأن الوسائل المتبعة في إدارة اللعبة السياسية ليست للتمويه أو التستر، وإنما هي خطي علي طريق الإصلاح تمهد لما هو أبعد منها، وهذا التزوير للديمقراطية الذي يقبل بالوسائل والأشكال، وينحي الوظيفة والمضمون جانبًا من شأنه أن يميع الصورة، ومن ثم فهو لا يضمن احتشادًا كافيًا من جانب فصائل العمل الوطني، صحيح أن المفاضلة بين الصيغتين هي اختياران سيء وأسوأ، وعادة ما يؤدي ذلك إلي الانحياز للسيء باعتباره أخف ضررً، إلا أنني في هذه الحالة أنحاز إلي الأسوأ، الذي قد يكون باهظ التكلفة حقًا ولكنه يمثل الصيغة الوحيدة التي تقنع الناس بضرورة التغيير وحتميته، فما قاله الرئيس موجابي مثلاً يقنعك علي الفور بأن هذا الرجل يجب أن يترك منصبه، في حين أنه لو قال كلامًا آخر ناعمًا أبدي فيه استعداده لترك منصبه لأي شخص يختاره الشعب، في حين كان يضمر شيئًا آخرلا لتبس الأمر علي الناس ولصدقه بعضهم، إن الشر الأكبر ليس أسوأ الاحتمالات في كل الحالات.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar