Subscribe:

Ads 468x60px

24 يونيو، 2008

جريمة بشعة بالإسكندرية

صحيفة الدستور المصريه الأحد 18 جمادى الأخر 1429 – 22 يونيو 2008
جريمة بشعة بالإسكندرية - فهمي هويدي

هذا نموذج للحوادث المذهلة وغير القابلة للتصديق التي تحدث في مصر هذه الأيام، مجند من أبناء محافظة البحيرة تصرف مع أحد الضباط بصورة لم تعجبه، فاعتبر ذلك إخلالا بقواعد الانضباط العسكري، وقرر «تكديره».. ماذا جري له؟ التقرير الذي نشره الأهرام أمس «21/6» أجاب عن السؤال بما نصه: قررت إدارة قطاع الأمن العسكري «بالإسكندرية» إيداع الجندي - اسمه علي - المجند الإداري لمدة يوم واحد، ثم تم نقله إلي الحجز الانفرادي بالمخالفة للقواعد، التي تنص علي أن دخول المخالف إلي ذلك الحجز يتم بقرار من قائد القطاع العسكري، وهو مالم يحدث، ظل علي محبوساً في ذلك السجن لمدة يومين، حيث أصبح في حالة نفسية سيئة، خصوصاً أنه ظل يتعرض للضرب بشكل غير آدمي، قرر المسئولون بعد ذلك نقله إلي سجن المحاكمات، رغم أن القواعد تقضي بأن ذلك لا يتم إلا بإذن النيابة العسكرية، علي أن يُفتح السجن بواسطة ضابط مسئول، ولكن هذه القواعد ضرب بها عرض الحائط أيضاً.

في سجن المحاكمات - والكلام لايزال لتقرير الأهرام - قام الجنود باستعمال جميع وسائل التعذيب بحق الشاب السجين ، حين تعرض للضرب المبرح بالعصي وبالركل بالأقدام في جميع أنحاء جسده، حتي تحطم قفصه الصدري ولفظ أنفاسه الأخيرة، وظل وهو في تلك الحالة يطلب من الجنود كوباً من الماء يشربه، لكن قلوبهم القاسية منعتهم من الاستجابة لمطلبه.

وكانت كلماته الأخيرة لهم هي: «من لم يسقني ماء لن يدخل الجنة»، ثم فاضت روحه بعد ذلك، وحين فوجئ زملاؤه المسجونون بموته، فإنهم أشعلوا النار في الزنزانة التي يقيم فيها، مما أدي إلي تفحم جثته.

فهمت من زميلنا رامي ياسين الذي كتب التقرير أن وزير الداخلية أبُلغ بالحادث باعتباره واقعة انتحار قام بها الشاب المجند، لكنه أخطر النيابة للتحقيق في الواقعة، وقام الطبيب الشرعي بمعاينة الجثة وبين تقريره أن المجني عليه تعرض للضرب المبرح، وأن عظام صدره مصابة بتهتك شديد مع وجود إصابات متفرقة في جسده، قامت النيابة باستدعاء 22 مجنداً كشهود علي الواقعة، وصدر قرار بحبس 14 منهم لمدة أربعة أيام علي ذمة التحقيق بعد أن وجهت إليهم النيابة تهمة القسوة والتعذيب في قتل المجند، كما أمر المحامي العام بحبس ضابط برتبة ملازم أول بقطاع الأمن المركزي علي ذمة التحقيق معه في تهمة استعمال القسوة بحقه، وقررت النيابة استدعاء عدد من الضباط الآخرين لوجود مسئولية إشرافية عليهم فيما حدث.

حاولت أن أتتبع تفاصيل القضية، فعلمت أن الشاب المجند اسمه علي ظريف علي، وأنه كان علي وشك الزواج بعد انتهاء خدمته العسكرية، وأنه أمضي في الخدمة سنتين، ألحق خلالهما بالأمن المركزي، علمت أيضاً أنه كان حسن السيرة، وخلال السنتين اللتين أمضاهما في الخدمة لم يرتكب أفعالاً تجرمه، باستثناء بعض المخالفات البسيطة، وكانت إحداها تلك التي بدرت منه ودفعت الضابط إلي تكديره وحبسه.
لديّ علامة استفهام علي قانونية إلحاق المجندين من أمثال الشاب القتيل، الذين يتقدمون لخدمة البلد بالقوات المسلحة، ثم يحالون إلي الأمن المركزي بقرار لا رأي لهم فيه، فينتقلون من الدفاع عن الوطن ضد أعدائه، إلي الدفاع عن النظام ضد معارضيه، لكن الأهم من ذلك في الواقعة التي نحن بصددها هو مدي بشاعة الجريمة التي ارتكبت بحق الشاب المسكين، وتلك الصلاحيات المطلقة المعطاة لضابط الشرطة، التي شجعته علي أن يفعل بالشاب المجند ما يشاء، وهو الشعور الذي تلبس عدداً غير قليل من ضباط الشرطة الذين أقنعتهم الطوارئ بأنهم فوق القانون، وأن يدهم مطلقة في سحق البشر وتدمير حياتهم، ثم إن الواقعة تثير العديد من التساؤلات حول حقيقة ما يجري في ذلك العالم البعيد عن الأنظار والمحصن ضد المساءلة، إن السؤال الذي تثيره القضية هو: من يحاسب المسئولين الحقيقيين عن الجريمة، ومن ينصف الفقراء والضعفاء من أمثال الشاب علي من البطش والقهر، ومن يعوض أسرة الشاب الشهيد عن ابنها الذي فقدته؟

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar