Subscribe:

Ads 468x60px

22 يونيو، 2008

رفقًا بشعب سيناء

صحيفة الدستور المصريه السبت 17 جمادى الاخر 1429 – 21 يونيو 2008
رفقًا بشعب سيناء - فهمي هويدي


ثمة غضب مكتوم في سيناء، ينبغي أن نتفهم أسبابه، وأن نتعامل معه بحكمة ورفق، صحيح أن الأهالي هناك عاتبون علي الدولة المصرية إهمالها لهم، ولكن ذلك الإهمال حظ أغلب المناطق النائية في بر مصر، عملاً بالقول المأثور إن البعيد عن العين بعيد عن القلب، وهو ما ينطبق علي التجمعات البشرية بقدر انطباقه علي الأفراد، وذلك شأن السلطة المركزية دائمًا، حيث تظل العاصمة التي يعيش فيها الأكابر والوجهاء هي بؤرة الاهتمام ومحط الأنظار، وكل ما عداها «حواشي» تأتي في المرتبة التالية في الأهمية. لكن سيناء تميزت عن غيرها من المحافظات النائية بثلاثة أمور، الأول : أن قبائلها ظلت دائمًا موضع شك واتهام، مرة بسبب تهمة تهريب المخدرات ومرة ثانية بسب ادعاء البعض بأن لهم علاقة مع إسرائيل، الأمر الثاني: أن سواحلها المطلة علي البحر الأحمر تحولت إلي منتجعات سياحية يؤمها كبار القوم وتقصدها أعداد كبيرة من السياح العرب والأجانب، وهو ما رفع حالة الاستعداد الأمني، خصوصًا بعدما تعرضت بعض فنادقه للعمليات الإرهابية، الأمر الثالث متصل بسابقه، ويتمثل في أن مضاعفة الاحتياطات الأمنية استصحب حضورًا قويًا وكثيفًا للشرطة، التي أصبحت صاحبة الكلمة في سيناء، وحلت في ذلك محل الجيش «سلاح الحدود» الذي كان موجودًا بالمنطقة ويدير شئونها حتي عام 1967، وقد تغير ذلك الوضع بصورة جذرية بعد ذلك، سواء بسبب الاحتلال الإسرائيلي أو بسبب تغيير وجود القوات المسلحة المصرية في سيناء، طبقًا لما قضت به معاهدة كامب ديفيد.

العامل الثالث هو أكثر مايهمنا في اللحظة الراهنة، لأن تولي الشرطة أمر سيناء أحدث انقلابًا في علاقة السلطة بالمجتمع هناك، إذ لم يكن لدي ممثليها خبرة لا بجغرافية المنطقة ولا بنسيجها الاجتماعي، ودور القبيلة أو العرف في ذلك النسيج، وهي الجوانب التي استوعبها رجال الجيش من خلال خبرتهم الطويلة بالمنطقة، وكما سمعت من بعض قيادات القوات المسلحة الذين خدموا في سيناء، فإن علاقتهم الأساسية كانت مع شيوخ القبائل، وكل ما كان يصادفهم من عقبات أو مشكلات كان يحل في جلسات مع أولئك الشيوخ الذين يملكون سلطة معنوية وعملية كبيرة يسلم بها الجميع بلا استثناء.

وللأسف، فإن الإسرائيليين حين احتلوا سيناء بعد عام 67 استفادوا من خبرتهم مع القبائل البدوية في فلسطين، فخاطبوا شيوخ قبائل سيناء مباشرة، وعملوا علي كسب ودهم، حين قدموا لهم عديدًا من الخدمات التي قصرت الحكومة المصرية في توفيرها، من توفير أنابيب المياه، إلي إقامة المراكز الطبية التي تولت علاج الأهالي.

وحين جاءت الشرطة المصرية إلي سيناء، فإنها فشلت في استيعاب خبرة القوات المسلحة المصرية، كما أنها عجزت عن أن تقدم لقبائلها ما نجح الإسرائيليون في تقديمه ، وكان أسوأ ما فعلته أنها لم تكن واعية بالدور المهم لشيوخ القبائل هناك، كما أنها رفضت الاعتراف بدور العرف في حل مشكلات المجتمع، وزاد الطين بلة أن الشرطة استخدمت أساليب البطش التقليدية، التي تتعامل بها مع بقية خلق الله، فلجأت إلي عمليات الاعتقال والتعذيب التي صدمت المجتمع القبلي واستفزته، وأحدثت فجوة عميقة في علاقة السلطة بالبدو، ومن ثم فإن المرارات القديمة التي كان الإهمال مصدرًا رئيسيًا لها، انضافت إليها في وجود الشرطة ثأرات وخصومات، كانت سببًا في العديد من تجليات غضب القبائل وثورتها، خصوصًا مع استمرار اعتقال بعض أبنائها وتعذيبهم في السجون المصرية.

إن التعامل مع سيناء يحتاج إلي عقليات أخري وأساليب مغايرة، ولا أعرف إن كانت قيادات الشرطة والأجهزة الأمنية التي تذهب إلي هناك قابلة لإعادة التأهيل أم لا، لكن هذه مسألة ينبغي أن تؤخذ علي محمل الجد، ليس فقط لأجل خاطر أهل سيناء، ولكن أيضًا لأن مصر فيها ما يكفيها من الغضب والسخط

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar