Subscribe:

Ads 468x60px

16 يونيو، 2008

في رحاب الدولة السلطانية

صحيفة الدستور المصريه الأحد 11 جمادى الأخر 1429 – 15 يونيو 2008
في رحاب الدولة السلطانية- فهمي هويدي

من عجائب هذا الزمان أن تجد عضواً في مجلس الشعب يدافع عن حجب المعلومات حتي عن ممثلي الشعب ذاته، بحجة أنها سرية، بحيث لا يملك المسئول حق إفشائها، ولا ينبغي لمجلس الشعب أن يحاط بها علماً، أما الرأي العام فلا علاقة له بالموضوع، هذا ما حدث في الأسبوع الماضي، حين أعلن رئيس لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب ــ السيد محمد أبوالعينين ــ أن اتفاقيات تصدير الغاز الطبيعي بين مصر والدول الأجنبية تتضمن بنوداً سرية، لا يجوز لوزير البترول أو غيره إعلانها، وجاء تصريحه ذاك في سياق رده علي بعض أعضاء المجلس الذين وجهوا عدة أسئلة إلي وزير النفط حول أسعار بيع الغاز الطبيعي لإسرائيل، التي تتواتر المعلومات عن تدنيها وكونها أقل من الأسعار العالمية، في الوقت الذي تتكبد المصانع المصرية فيه خسائر فادحة تقدر بملايين الدولارات بسبب عدم توصيل الغاز إليها.

المشهد مسكون بالمفارقات المدهشة، فالسؤال الحقيقي ليس بكم يباع الغاز لإسرائيل؟، ولكنه لماذا تباع هذه السلعة الاستراتيجية أصلاً إلي دولة تهدد الأمن القومي المصري وتسحق الفلسطينيين صباح مساء، ثم إننا لا نعرف تقليداً أو سنداً قانونياً يقضي بسرية بنود بيع الغاز للدول الأجنبية، وهذا الاحتجاج بالسرية ليس سوي ذريعة لستر العورة وإخفاء الفضيحة.
وحتي إذا فهمنا أن ثمة «أسراراً» لا ينبغي أن تشيع بين الناس، حتي إذا تغاضينا عن كونها ليست عسكرية، فإن إخفاء معلوماتها حتي عن لجان مجلس الشعب، علي الأقل لجنتا الطاقة والأمن القومي، أمر ليس مفهوماً ولا هو مقبول، والأكثر مدعاة للدهشة أن يستخدم هذه الحجة عضو في مجلس الشعب، في حين يفترض أن يكون علي رأس المعارضين لها والمحتجين عليها، بالتالي فإنه بدلاً من أن يثور دفاعاً عن كرامة المجلس وحق لجانه في معرفة الحقيقة، فإنه اختار أن يقف في صف الحكومة ويشترك في التستر علي الفضيحة التي تورطت فيها، ومن ثم تعين علينا أن نتعامل مع ملف تصدير الغاز لإسرائيل باعتباره أمراً غامضاً تحيط به تساؤلات كثيرة لا تجد جواباً، لأن الصفقة تحولت إلي سر كبير لا يجوز الاطلاع علي خباياه.

ليس ذلك هو السر الوحيد، فحين سئل مساعد وزير الداخلية اللواء «حامد راشد» عن عدد المعتقلين في مصر، الذين قدرتهم منظمات حقوق الإنسان بــ 18 ألف مواطن، فإنه اعتبر بدوره أن الأمر سر يتعذر إفشاؤه وإن صاغ إجابته بعبارة دبلوماسية، قال فيها إنه من الصعب تحديد عددهم، «لأن الرقم متحرك»، وهو ما يعني أنه قد يعلن أمام المجلس رقماً، ثم يزيد أو ينقص في اليوم التالي، الأمر الذي يفقد الثقة في «صدقيته» وحكاية الرقم المتحرك هذه ترددت كثيراً علي ألسنة مسئولي وزارة الداخلية، الذين اعتبروها ذريعة للخروج من المأزق والتهرب من الإجابة عن السؤال، ورغم أن أحداً لم يسأل لماذا حين يتحرك شيء في البلد في ظل الجمود السياسي الذي يحيط بنا، فيكون عدد المعتقلين؟! ثم علي فرض أنه متحرك فعلاً، فقد كان بوسع مساعد وزير الداخلية إذا أراد أن يجيب عن السؤال أن يقول إن عددهم اليوم كذا، وأن هذا الرقم يمكن أن يتغير غداً ــ لكنه بامتناعه عن إعطاء أي رقم، فقد أراد أن يبلغ الرأي العام بأن عدد المعتقلين هو أيضاً سر من أسرار الدولة لا يجوز الكشف عنه.

في الموازنة العامة هناك أيضاً أسرار لا يسمح للناس بأن يطلعوا عليها، تتمثل فيما يسمي بالصناديق السوداء، وهي عبارة عن أوعية تخص بعض الجهات، لا أحد يعرف كم يدخل فيها ولا كم يخرج منها، ولا كيف أو أين تنفق مواردها؟ ورغم إن هذه الأموال هي حق المجتمع وحصيلة الضرائب التي يدفعها الناس، إلا أن تلك الصناديق تضم إلي مستودع الأسرار التي لا يأتي أحد علي ذكرها، ولا يعرف محتواها، حتي علي مستوي لجان مجلس الشعب المختصة،
قانون الإرهاب أيضاً تحول إلي سر من أسرار الدولة، لا أحد يعرف أين يطبخ، ولا من يشترك في إعداده، حتي حراس القانون في البلد وممثلي القضاة، لم يسمح لهم بالإطلاع علي شيء منه.

الخلاصة أن السياسة في مصر تظل سراً كبيراً، الأمر الذي يعد شاهداً علي تحولها إلي دولة سلطانية، وابتعادها عن الدولة الديمقراطية، التي من حق الناس فيها أن يعرفوا ما يجري في بلدهم، أما في الدولة السلطانية فمعرفة الشأن العام حكر علي السلطان والكهنة المحيطين به، لأن الناس في ظلها مجرد رعايا وليسوا مواطنين.

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_16.html
http://www.dostor.org/?q=node/5378

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar