Subscribe:

Ads 468x60px

11 يونيو، 2008

تلك اللحظة الخطرة

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 6 جمادي الاخر 1429- 10 يونيو 2008
تلك اللحظة الخطرة - فهمي هويدي

حين يخرج خمسة آلاف مواطن غاضبون من أبناء إحدي قري الدلتا ويقطعون طريقًا دوليًا لمنع المرور فيه، فيتجمهرون في وسط الطريق ويحرقون إطارات السيارات، ويرشقون الشرطة بالحجارة، وتضطر الشرطة لإطلاق الأعيرة النارية ليسقط الجرحي من الجانبين، ثم تأمر بقطع الكهرباء عن القرية للتنكيل بسكانها، حين يحدث ذلك ويتكرر فإن الأمر ينبغي أن يؤخذ علي محمل الجد. لنقل أولاً إننا لا نتحدث عن اشتباك افتراضي، ولكنه أمر واقع شهدته منطقة شمال الدلتا قبل ثلاثة أيام. والخمسة آلاف مواطن الذين خرجوا إلي الطريق الدولي محتجين وغاضبين، هم أبناء قرية برج البرلس، والطريق الدولي الذي تم قطعه هو ذلك الذي يربط بين العريش ومرسي مطروح. أما الشرارة التي فجرت مشاعر الغضب فكانت قرار المحافظ بإلغاء الدقيق من بطاقات التموين، الذي تزامن مع قرار آخر صدر بوقف الصيد في البحر المتوسط، تنفيذًا لاتفاقية دولية لم يسمع بها الأهالي ولا يعرفون لها مبررًا. القرار الأول أدي إلي نقص الخبز في القرية، والقرار الثاني أدي إلي وقف حال الصيادين الذين انقطعت أرزاقهم بسبب قرار منع الصيد، الأمر الذي كان سببًا مباشرًا في تفجير مشاعر الغضب لدي الأهالي، ومن ثم خروجهم إلي الشارع واشتباكهم مع الشرطة.

ليس هذا حدثًا استثنائيًا، فالإضرابات والاعتصامات أصبحت أحد عناوين السنة الأخيرة علي الأقل، أما القاسم المشترك الأعظم بين أسبابها فقد كان فقدان القدرة علي احتمال الضغوط التي أرهقت الناس وملأتهم بالسخط والنقمة. وأزعم أن الذي ضاعف من ذلك الغضب وأججه هو ذلك الشعور المتزايد بعمق الفجوة واتساعها بين فئات المجتمع في مصر، فالمطحونون الذين يزدادون معاناة وفقرًا، يرون بأعينهم علي الشاطئ الآخر مصريين يتقلبون في البذخ المستفز، ولا تكف وسائل الإعلام عن الحديث عن سفههم وفسادهم.

في عدد أمس الأول من الدستور (8/6) تقرير آخر يسجل بعضًا مما حدث في محافظات الدلتا بسبب أزمة الخبز، ضجر الناس بسبب قرار محافظ القليوبية بتوزيع الخبز بالبطاقات الشخصية، واضطرار المحافظ إلي التراجع عن قراره، ولجوء أهالي قرية الجوهرية بمحافظة الغربية إلي تحطيم سيارة صغيرة لتوزيع الخبز، بعد أن قرر المحافظ تخفيض حصة الأسرة منه، بحيث تحصل علي عشرة أرغفة بدلاً من عشرين. في كفر الشيخ اعتصم العشرات من نساء برج البرلس أمام مجلس محلي المدينة للمطالبة بزيادة حصة الدقيق التي كان المحافظ قد وعد بها. في الدقهلية طارد الناس سيارة محملة بالخبز، وتخاطفوا حمولتها ثم فروا هاربين. وفي الفيوم تعددت المشاجرات بين الأهالي أمام المخابز ومقار الجمعيات التي تتولي توزيع الخبز، مما دفع مسئوليها إلي الانسحاب من العملية إيثارًا للسلامة وتجنبًا للمشاكل اليومية.
هذه الأصداء المختلفة تكذب ما سبق أن أعلنه رئيس الوزراء عن أن أزمة الخبز تم حلها. لكن الأهم من ذلك أنها دالة علي أن مجتمع القرية المصرية الذي كان مشهودًا بسكونه وامتثاله تغير سلوكه، في ظل الضغوط الحياتية التي يتعرض لها الجميع حتي أصبح الإضراب والاحتجاج والاعتصام أسلوبًا معتادًا في التعبير عن غضبه، وأمام هذا الغضب فإن السلطة لا تجد وسيلة لاحتوائه إلا من خلال قوات الأمن المركزي التي تشتبك مع الناس، ثم تلقي القبض علي عدد منهم، يحالون إلي النيابة العامة ويتوزعون علي الأقسام والمعتقلات، ليقضوا فيها أسابيع وشهورًا.

إننا إذا أردنا أن نلخص المشهد فسنجد أنه يعبر عن شعب ضاق صدره ونفد صبره في مواجهة سلطة لم تعد قادرة علي احتواء غضب الناس أو التخفيف عن معاناتهم. وفي التحليل السياسي فإن هذه لحظة خطرة، لأن غضب الناس وعجز السلطة هو الظرف المواتي الذي يستدعي التغيير ويفرضه - «اللهم اجعله خيرًا».

2 التعليقات:

على الزيبق يقول...

مجهود رائع ومشكور
بارك الله فيك
وشكراً جزيلاً لك

م/محمود فوزى يقول...

جزاكم الله خيرا
ربنا يبارك فيكم

Delete this element to display blogger navbar