Subscribe:

Ads 468x60px

10 يونيو، 2008

محاكمة ظالمة للمجتمع

صحيفة الدستور المصريه الاثنين 5 جمادي الاخر 1429- 9 يونيو 2008
محاكمة ظالمة للمجتمع - فهمي هويدي

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_10.html


انعقاد المؤتمر القومي للسكان في القاهرة اليوم، بمثابة بلاغ جديد تقدمه السلطة ضد المجتمع، تتهمه فيه بأنه يسبب لها إزعاجًا وإحراجًا مستمرين، بسبب إصرار المصريين علي الإنجاب بمعدلات لا تعجب الحكومة. إن شئت فقل إنها محاكمة غيابية للمجتمع، يجلس كل الحضور فيها علي منصة الادعاء. في حين لن تتاح للمجتمع فرصة الدفاع عن نفسه ضد التهم الموجهة ضده، ثم إننا نعرف الحكم مسبقًا، الذي لن يخرج في مضمونه عما خلصت إليه مؤتمرات سابقة تمت فيها إدانة المجتمع. وحكم عليه بضرورة الاحتشام والانتباه إلي حجم المخاطر التي يمكن أن تترتب علي مواصلة الإنجاب، وهي المخاطر التي أصبحت واضحة للعيان بعدما ظهرت أزمة الخبز، وتبين أننا لسنا بصدد مشكلة واحدة، وإنما أفرزت هذه المشكلة واحدة أخري لم تكن في الحسبان. ذلك أن هذه الأعداد المتزايدة من البشر التي احتملتها الحكومة علي مضض. لم تكتف بأنها تواجدت علي أرض مصر وأحدثت ذلك الزحام المشهود في الشوارع والمدارس والمواصلات العامة، ولكنها تطلعت إلي ما هو أكثر، وفاجأت الحكومة بأنها تريد أن تأكل أيضًا.

أخبرتنا الأبواق الحكومية بأن المصريين تضاعفوا 7 مرات خلال المائة عام الأخيرة، وأن عددهم قد وصل إلي 79 مليون نسمة في التعداد السكاني الأخير، وسوف يزيدون إلي مائة مليون في عام 2020 أي بعد 12 سنة. وهو ما لا يسعد الحكومة ولا تحتمله طاقات البلد. بالتالي فالمجتمع مطالب بحل المشكلة عن طريق وقف ذلك الزحف البشري الذي لا تستطيع الحكومة أن تصده. ورغم أنها تعول علي الأمن المركزي في حل أغلب مشكلات البلد واستعانت بقوانين الطوارئ لقمع أي محاولة لإزعاج السلطات، إلا أن هذه المشكلة علي وجه التحديد مما يتعذر علي الأمن المركزي التصدي لها، صحيح أن التعديلات الدستورية سمحت لأجهزة الأمن أن تدخل إلي البيوت في أي وقت، وأن تفتش حجرات النوم فيها، وأن تتنصت علي سكانها ليلاً ونهارًا، إلا أن هذه الصلاحيات لا تمكن وزارة الداخلية من القيام بـ«الواجب» في المشكلة التي نحن بصددها، حتي حالة الطوارئ التي تم تمديدها مؤخرًا لا تستطيع أن تفعل شيئًا، اللهم إلا إذا نجحت الحكومة في إقناع كل أسرة بأن تتطوع بإعلان الطوارئ في كل بيت، بحيث تتولي «شرطة حماية الأسرة» مهمة التأكد من جدية الالتزام بهذه «الطوارئ» وإلا اضطرت إلي احتجاز الرجال في الأقسام كل ليلة!

إذا تحدثنا بشكل جاد في الموضوع فسنلاحظ أمرين، أولهما: أن الحكومة تطالب المجتمع بحل المشكلة، وتعفي نفسها من أي مسئولية عن تفاقمها، وثانيهما: أن الحكومة تتصرف وكأن ذلك كله مفاجآت لم تكن في حسبانها. أعني أنها تعرف جيدًا ومسبقًا معدلات النمو السكاني، وهي التي أخبرتنا الآن بأن سكان مصر سيصبحون مائة مليون بعد 12 عامًا. ومع ذلك فكل ما فعلته أنها جلست متفرجة ثم شرعت في تأنيب المجتمع وتقريعه. في حين أن السؤال الأول الذي ينبغي أن يطرح هو: ما الذي فعلته الحكومة للنهوض بمشروعات التنمية في البلد تحسبًا لتلك الزيارة التي تعرف بأمرها مقدمًا. علمًا بأن الأسرة الحديثة محدودة العدد، نظرًا لتزايد أعباء الحياة في المعيشة والسكن والتعليم وغير ذلك.

إن تزايد أعداد السكان يمكن أن يمثل ثروة بشرية إذا ما أحسنت الحكومة توجيه هذه الثروة والانتفاع بها (كما في الصين مثلاً)، وهذه الزيادة يمكن أن تصبح عبئًا ثقيلاً إذا ما فشلت السلطة المسئولة عن إدارة المجتمع في استثمارها علي نحو إيجابي. والحكومات الكسولة وحدها هي التي تطالب المجتمع بأن يغير من سلوكه، ولا تطالب نفسها بأن تغير شيئًا من أدائها.

في التعليم، يفصل الطالب إذا تكرر رسوبه، لكننا في السياسة لا نحاسب الحكومات علي رسوبها، لأن بقاءها ليس مرهونًا بالنجاح أو الفشل. ولكن مرهون بمدي الرضي الذي يحظي به ممن بيدهم الأمر، وإذا صح ذلك فإن المشكلة الحقيقية لا تكون في المجتمع ولا حتي في الحكومة، ولكنها تكمن في فساد سياسة إدارة المجتمع، وفي الخلل الذي أصاب معايير اتخاذ القرار فيه.

http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2008/06/blog-post_10.html
http://www.dostor.org/?q=node/4708

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar