Subscribe:

Ads 468x60px

02 يونيو، 2008

الجريمة في قلب القاهرة

صحيفة الدستور المصريه الأحد 27 جمادى الاول 1429 - 1 يونيو 2008

الجريمة في قلب القاهرة - فهمي هويدي


لابد أن تثير اهتمامنا الجرأة التي تمت بها جريمة قتل صاحب محل المجوهرات وبعض العاملين فيه قبل أيام قليلة، ذلك أنه آخر ما يمكن أن يخطر علي البال أن يرتكب شخصان جريمتهما في منتصف النهار في مدينة القاهرة - وليس في منطقة نائية بعيدة عن الأضواء - والتي تزدحم بحشود رجال الأمن الذين تصطف سياراتهم الضخمة في مختلف الميادين.

صحيح أن دوافع الجريمة ليست معروفة إلي الآن، وهي رهن التحري والتحقيق، إلا أن ما يهمني منها في اللحظة الراهنة هو توقيت ومكان وقوعها، ولو أنها حادثة استثنائية لاكتفينا بالتعبير عن الأسف لوقوعها، واعتبرناها من قبيل ما يحدث في أي عاصمة بالدنيا، ولكنني أزعم أن وقوع الجرائم في وضح النهار أصبح ظاهرة في المدن الكبري بمصر، ليست حوادث القتل بالتحديد، ولكن حوادث الخطف والسرقة بوجه أخص، ليست لديَّ أرقام تؤيد ذلك الانطباع في الأغلب، لأن ضباط الشرطة يحرصون علي تقليل أعداد الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم، باعتبار أن ذلك يعد شهادة جدارة لهم تؤكد علي نجاح جهودهم في استتباب الأمن واستقراره، لكن ما عندي هو قصص كثيرة تتناقلها الألسن في القاهرة والإسكندرية.

يوم الجمعة قبل الماضي، وقف شخص في أحد مساجد مصر الجديدة ليروي للمصلين وقائع ما جري له أثناء سيره في الشارع مع زوجته، لحضور اجتماع لمجلس الآباء في مدرسة ابنتهما، حيث فوجئا باثنين يركبان دراجة نارية، اقتربا منهما وحاول أحدهما خطف حقيبة يد الزوجة، ولأن الحقيبة كانت معلقة علي كتفها وليست ممسوكة بيدها، فقد كان من السهل أن تتشبث بها وتقاوم الخاطف، الذي أصر علي انتزاع الحقيبة، مما أدي إلي سقوط الزوجة علي الأرض وهي ممسكة بها، فما كان من الخاطف إلا أن جرها علي الأرض، واستمر في جذب الحقيبة بقوة حتي انقطعت يدها، وفر هاربًا بها وسط ذهول الزوج وبعض الواقفين، وبعد رواية القصة قال الرجل: إنه وجد أن من واجبه أن يبلغ المصلين بتجربته حتي يلتزموا جانب الحذر، وألا يتوقعوا أن تتصدي الشرطة لحمايتهم في مثل هذه الحالات، لأنها غير موجودة في الشارع أصلاً.

أثار حديث الرجل لغطًا في المسجد، إذ هب واحد واقفًا وقال: إنه تعرض لنفس الموقف بعدما خرج من مقر أحد البنوك، وقام بسحب مبلغ خصصه لأداء العمرة، وقال آخر: إن سلسلة ذهبية كانت تطوق عنق ابنته الجامعية، لكن واحدًا من «أولاد الحرام» انتزعها منها وفر هاربًا بدراجته النارية، وتحدث ثالث عن مجموعة من الشباب يستقلون سيارة بيضاء ويخطفون حقائب السيدات ثم يفرون هاربين.. هذه القصص أعادت إلي ذاكرتي ما سمعته من إحدي السيدات الناشطات في جمع التبرعات لجمعية الهلال الأحمر بمصر الجديدة أيضًا، والتي قالت لي: إنها تعرضت أكثر من مرة هي وزميلاتها لخطف حقائبهن، حتي قررن تفصيل صديرية خاصة يرتدينها تحت فساتينهن، بها جيوب لحفظ ما يحملنه من أموال، ويفكرن الآن في تعميم هذه الصديريات علي من يعرفن من السيدات.

ناقشت الأمر مع أكثر من واحد مهتم بالموضوع، فكان هناك اتفاق علي تزايد معدلات ارتكاب الجرائم خلال النهار، وفسروا ذلك بعدة أمور منها ضعف وجود الشرطة في الشوارع واهتمامها بأشياء لا علاقة لها بأمن المجتمع، منها حراسة مواكب كبار المسئولين، ومنها إعطاء الأولوية للأمن السياسي للنظام دون غيره، ومن ثم عدم الاكتراث بالجرائم العادية التي يتعرض لها الناس العاديون، من هذه الأسباب أيضًا انتشار المخدرات بين الشباب، الذين يدفعهم الإدمان إلي ارتكاب جرائم السرقة وفتح السيارات للحصول علي ما يمكنهم من الإنفاق علي متطلبات إدمانهم، وإلي جانب هذا وذاك، فإن ارتفاع معدلات الفقر والفقراء يدفع أعدادًا منهم إلي السرقة لتعويض النقص في مواردهم، وقيل لي إن الإسكندرية انتشرت فيها حالات سرقة الغسيل المنشور، وهي الجريمة التي كانت قد اختفت في الماضي، ولكن وطأة الغلاء دفعت البعض إلي سرقة الملابس وبيعها للحصول من ثمنها علي ما يسد الرمق.

قبل هذا كله وبعده، فإن السلطة في مصر تضرب لنا يومًا بعد يوم مثلاً لعدم احترام القانون في مجالات عدة - إطلاق سراح المعتقلين الأبرياء مثلاً - ولذلك سيظل من الصعب، في وضع كهذا، إقناع الناس بأن عليهم أن يحترموا القانون، لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar