Subscribe:

Ads 468x60px

01 يونيو، 2008

استحالة العيش بلا طوارئ

صحيفة الدستور المصريه السبت 26 جمادى الأولى 1429 – 31 مايو 2008
استحالة العيش بلا طوارئ -فهمي هويدي

حين يقول أحد الوزراء إن مصر لا تستطيع أن تعيش شهرًا واحدًا بغير قانون الطوارئ، فهل هذه الشهادة لصالح النظام القائم أم ضده؟.. السؤال من عندي بطبيعة الحال، لكن الكلام نقل علي لسان الدكتور مفيد شهاب - وزير الدولة للشئون القانونية - وذكرت الصحف التي نشرت صباح الأربعاء (28/5) أنه صرح به في ندوة عقدت بالقاهرة لمناقشة موضوع تمديد قانون الطوارئ. وخلال الندوة قال أيضًا: إن المصريين يجب أن يحمدوا الله شاكرين له أن قانون الطوارئ موجود. وبفضله تم إجهاض العديد من الجرائم التخريبية التي استهدفت استقرار البلد قبل وقوعها. ولأن الدكتور مفيد شهاب لم يكِّذب ما نسب إليه أو يصوِّبه خلال الأيام الثلاثة التالية، فقد اعتبرته صحيحًا، الأمر الذي يسوغ لنا أن نتوقف عنده ونناقشه.

ذلك أن المجتمع الذي لا يستطيع أن يعيش بغير قانون للطوارئ إما أن يكون مجتمعًا بدائيًا منغلقًا، لا يعرف القواعد المنظمة لعلاقات أفراده، أو أن يكون مجتمعًا يعاني فيه القانون من عجز جسيم، جعله قاصرًا عن محاسبة المنحرفين فيه أو ردعهم، الاحتمال الثالث أن يكون المجتمع بيئة شاذة وإجرامية، لا يفرز إلا نماذج من البشر يتعذر التعامل معها بالقانون العادي، ولا سبيل إلي حماية النظام العام من شرورهم إلا باستخدام القوانين والمحاكم الاستثنائية.

هل هذا هو الوضع السائد في مصر لكي نجيب عن السؤال؟ ينبغي أن نطرح سؤالاً آخر هو: كيف كان حال المجتمع المصري قبل تطبيق نظام الطوارئ في عام 1981؟: مبلغ علمي أن الطوارئ أعلنت في مصر لأول مرة في تاريخها عام 1939 (كانت تسمي الأحكام العرفية آنذاك) مع قيام الحرب العالمية الثانية، وأن قانونًا جديدًا للطوارئ صدر سنة 58، لكنه لم يطبق، ولم يفرض إلا بعد اغتيال الرئيس السادات في سنة 1981. ومنذ ذلك الحين وحتي هذه اللحظة، ظلت الطوارئ سارية بكل الأوضاع الاستثنائية المدهشة التي فرضتها، وأي قارئ مبتدئ للتاريخ المصري يستطيع بغير جهد أن يتأكد من أن مصر بلد عاش حياة طبيعية بغير الطوارئ، وأن الناس فيه مارسوا حياتهم السياسية والنيابية والثقافية بشكل عادي جدًا، ومتقدم كثيرًا علي دول أخري في المنطقة العربية، علي الأقل في تلك الأزمنة. ولست أشك في أن الدكتور مفيد إن لم يكن عاش تلك المرحلة، فهو لابد سمع بها، وإذا صح ذلك، فما الذي يدعوه الآن لأن يقول إن مصر لا تستطيع أن تعيش شهرًا بلا طوارئ، ويحاول تخويفنا قائلاً: إنه بغير الطوارئ فإن الإرهاب سيضرب مصر، وسيشيع فيها الخراب والفوضي؟
عندي ملاحظتان في الإجابة علي السؤال إحداهما تخص الشكل، والثانية تخص الموضوع، فمن حيث الشكل، فإنني لا أستطيع أن أخفي دهشتي من أن يصدر هذا الكلام عن الدكتور مفيد شهاب، ولو أن قائله وزير الداخلية أو رئيس مباحث أمن الدولة لفهمنا، ولكنه حين يصدر عن وزير الشئون القانونية، فذلك هو الأمر العجيب، الذي يدل علي أن ثمة خللاً في طبيعة الأدوار والمعايير أدي إلي تحويل المسئولين جميعًا إلي رجال أمن أو أبواق لأجهزة الأمن.

من الناحية الموضوعية، فإنني أثق في أن الدكتور مفيد يعلم جيدًا أن المجتمع المصري، شأنه في ذلك شأن أي مجتمع إنساني طبيعي، يستطيع أن يعيش بغير قانون الطوارئ، كما أنه يعلم جيدًا أن القوانين العادية المعمول بها قادرة علي التعامل مع أي تهديد للأمن أو إخلال به، علي الأقل فإن هذا الرأي يجمع عليه زملاء الدكتور مفيد من أساتذة القانون، الذين ظلوا علي احترامهم للقانون وثقتهم فيه، ولم يغلبوا عليه السياسة، أو ليست لديهم أي طموحات سياسية.

لو قال الدكتور مفيد إن الطوارئ مُددت لأن الرئيس أمر بذلك، وإن مصلحة النظام وليس المجتمع اقتضت ذلك، لكان أكثر صدقًا في التعبير عن الواقع، وأكثر وفاء للقانون الذي تعلمه وعلمه لتلاميذه، الذين أتصورهم الآن وهم يرثون لحاله ويبدون أسفهم وحسرتهم علي ما مآله، وأخشي أن يكون الدكتور مفيد قد قال إنه يستحيل علي مصر أن تعيش بلا طوارئ، لأنه أصبح يستحيل عليه شخصيًا أن يعيش بعيدًا عن كرسي الوزارة!

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar