Subscribe:

Ads 468x60px

28 مايو، 2008

غاية المراد من رب العباد

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 22 جمادى الأولى 1429 – 27 مايو 2008
غاية المراد من رب العباد - فهمي هويدي

من الأفكار الجريئة التي أعلنها المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية جون ماكين في الأسبوع الماضي، أنه تعهد بأن يقدم نموذجًا ثوريًا للشفافية، لم يسبقه إليه أي رئيس أمريكي آخر، إذ سيعقد مؤتمرًا صحفيًا شاملاً أسبوعيًا، ليجيب عن تساؤلات الصحفيين في مختلف القضايا الداخلية والخارجية.

في الوقت ذاته، فإنه سوف يطلب من الكونجرس أن يمنحه امتياز المثول أمام المجلسين التشريعيين للرد علي أسئة أعضائهما، والرد علي استفهاماتهم وانتقاداتهم ـ هكذا قال ـ وهو التقليد المتبع في بريطانيا، الذي بمقتضاه يَمْثُل رئيس الوزراء بصورة منتظمة أمام مجلس العموم للرد علي أسئلة أعضائه، وهو ذاته النظام المطبق في عدة دول غربية أخري، منها كندا واستراليا ونيوزيلندا والسويد.

لأول وهلة استغربت اللغة، ذلك أن أمثالنا من أبناء العالم الثالث لم تألف آذانهم أن يسمعوا رئيسًا أو حتي وزيرًا، يرجو من المجلس النيابي أن يمنحه «امتياز المثول أمام أعضائه» للإجابة عن أسئلتهم، ذلك أن خبراتنا تتجه إلي العكس تمامًا، فمجالسنا النيابية دائمة الشوق إلي اللحظة التي يمنحها فيها الرئيس امتياز المثول بين يديه والاستماع إلي توجيهاته، التي هي دائمًا خطة عمل وخريطة طريق إلي المستقبل ــ وهم في ذلك صادقون مع أنفسهم، لأن الأغلبية تعلم جيدًا، أنه لولا رضا الرئيس وجماعته، لما جلس واحد بينهم علي مقعده وأصبح نائبًا عن «الشعب».

الفكرة أهم من اللغة، أو قل إن فكرة بتلك الأهمية والجاذبية من الطبيعي أن تعبر عنها لغة بتلك الدرجة من الاحترام والحميمية، ذلك أن رئيس الدولة حين يجيب أسبوعيًا علي أسئلة الصحفيين، وحين يرد بانتظام علي أسئلة نواب الشعب وانتقاداتهم، فإنه يمارس صورة من صور الديمقراطية المباشرة، التي عرفتها أثينا في الأزمنة القديمة، فيتعامل مع المجتمع بلا حواجز ولا وسطاء، الأمر الذي يتيح له أن يظل علي اتصال مباشر مع نبض الناس، وعلي إحاطة واسعة بهمومهم وحاجاتهم اليومية، وهي مرحلة متقدمة من الممارسة الديمقراطية، يفترض أن تكون قد سبقتها مراحل أخري مهمة للغاية، منها أن يكون أعضاء المجلس النيابي قد تم اختيارهم في انتخابات حرة ونزيهة، الأمر الذي يعني أنهم يمثلون المجتمع حقًا، ومنها أن يكون الصحفيون غير مخترقين من أجهزة الأمن أو مجندين لحسابها، باختصار يفترض في هذه الحالة أن الذين يسألون الرئيس أو يسائلونه يسعون إلي معرفة الحقيقة، وليس إلي طمسها أو تزويرها، وإلي تنوير الرأي العام لا إلي تضليله من خلال الأسئلة الموجهة أو المزروعة، من جانب الأجهزة الخفية.

وقبل هذا وذاك، فالسيناريو الذي نتحدث عنه يفترض أن يكون رئيس الدولة مقتنعًا بأنه بشر يسأل ويُساءل، وليس إلهًا لا يُسأل عما يفعل، وأن الناس في بلده مواطنون من حقهم أن يعرفوا كل شيء عن حاضرهم ومستقبلهم، وليسوا رعايا يستقبلون ولا يرسلون، ويؤمرون فيطيعون، ويساقون فيمتثلون.

لست أشك في أن قارئ هذا الكلام مدرك جيدًا أنني أتحدث عما يفعله الآخرون، ومقتنع تمامًا بأن ما أوردته هو من قبيل العلم والإحاطة لا أكثر، إذ ليس في بالي أن تستفيد من الفكرة وتحاول اقتباسها للأسباب، التي لا تخفي علي فطنة القارئ اللبيب، بل إنني أذهب إلي أبعد، وأزعم أنه في ظل أوضاعنا الراهنة، فإنني أتمني ألاَّ نفكر في احتذاء ذلك النموذج، لسبب جوهري هو أننا مهيَّأون لذلك، ولا أكاد أجد شرطًا واحدًا من شروط تنفيذها مطبقًا عندنا، ثم إنني واثق من أن أجهزة الأمن لن تتردد في التقاط الفكرة ومسخها، بحيث تحولها من محاولة لإطلاع الناس علي الحقيقة إلي سعي للضحك علي الناس وخداعهم، لذلك فإنني أنصحك بأن تقرأ الكلام، ثم تلقي به في البحر بعد ذلك، وأن تحتفظ بأمل واحد تبدأ به رحلة الألف ميل، هو أن تجري في بلادنا يومًا ما انتخابات نزيهة، لا تزوير فيها ولا تدليس، وذلك في الوقت الراهن غاية المراد من رب العباد.

1 التعليقات:

م/محمود فوزى يقول...

السلام عليكم
تم حذف التعليق الذى كتبه احد القراء
وذلك لوجود بعض الالفاظ غير اللائقه والشتائم الصريحه
نحن عندما ننتقد لا نخرج عن تعاليم ديننا
ثم لماذ نحقر من مهنه عاديه مادامت شريفه
فارجو من الاخوه عند التعليق الالتزام بتعاليمنا الدينيه

Delete this element to display blogger navbar