Subscribe:

Ads 468x60px

26 مايو، 2008

في انتظار تدخل السماء

صحيفة الدستور المصريه السبت 20 جمادى الاول 1429 – 25 مايو 2008
في انتظار تدخل السماء - فهمي هويدي

أمرت النيابة باستدعاء صاحب ومدير مدرسة خاصة بالجيزة، للتحقيق معه في اتهامه بمحاولة سرقة تقرير رسمي أعدته مديرية التعليم بالمحافظة، أثبت مخالفات خطيرة تم اكتشافها في مدرسته. من تلك المخالفات أن مديرالمتابعة بالمديرية مر بالمدرسة ليتفقد سير الامتحانات بها، ففوجئ بأنه تم توزيع نماذج إجابات أسئلة امتحانات مادتي اللغة الإنجليزية والجبر علي طلاب الصفين الثاني والأول الإعدادي، وهي ذاتها نماذج الإجابات المخصصة للأساتذة الذين يتولون تصحيح أوراق الطلاب، كما اكتشف أن ثمة مجموعة من الطلاب الأصحاء يؤدون الامتحان نيابة عن آخرين غائبين في لجنة المعاقين.

ذلك خبر نشره الأهرام في 21/5، ولكنه أيضًا جزء من ظاهرة مسكوت عليها تعبر عن أمرين، أولهما: تدهور المستوي الأخلاقي لدي شرائح لا يستهان بها في مجال التعليم، وثانيهما: «مدي الجشع والفساد المستشري في التعليم الخاص، لأن أصحاب تلك المدارس يلجأون إلي مثل هذه الأساليب لرفع نسب النجاح في مدارسهم، واستخدام هذه النتائج في الدعاية وجذب المزيد من الطلاب والأهالي الحالمين «بالتفوق».

إن شئنا أن نكون أكثر دقة، فإننا ينبغي أن نعترف بأن الوقائع المنشورة ليست خبرًا أيضًا، لأن مسألة تشجيع الطلاب علي الغش وتلقينهم الإجابات من جانب المدرسين وأحيانًا من جانب بعض أولياء الأمور، ليس أمرًا جديدًا، وإنما هو من الوقائع الشائعة في مدارس آخر الزمان، وربما كان الجديد في الأمر فقط أن مسئولاً في مديرية التعليم ضبط ما جري وقرر تحويل صاحب المدرسة إلي النيابة العمومية.

كنت قد تحدثت أمس عن فضيحة خريجي المدارس الفنية في الفيوم الذين قضوا 12 سنة في سلك التعليم، ثم تبين أنهم لا يجيدون القراءة والكتابة، وهم الذين أنفقت الدولة علي تعليمهم طوال هذه المدة، في حين أنهم لم يغادروا الأمية بعد، وقبل ذلك بأيام نشر الأهرام مقالة لزملينا الأستاذ لبيب السباعي -رئيس تحرير مجلة الشباب- والخبير في شئون التعليم ، تحدث فيها عن ظاهرة قيام بعض المدرسين والمدارس بإملاء الإجابات علي الطلاب في الامتحانات، للادعاء بتفوق المدرسة وارتفاع معدلات النجاح بها. وفي موسم الامتحانات من كل عام تنشر الصحف اليومية أخبار حوادث الغش المماثلة من جانب بعض الأساتذة تارة، وبعض الأهالي تارة أخري.

هل هذا التدهور الأخلاقي والمهني مقصور علي المدارس الخاصة وحدها؟
أسجل أولاً أن التعميم يظلم الشرفاء في مجال التعليم الخاص، الذين صاروا استثناء في ذلك المجال، ثم أسارع بالإجابة علي السؤال بالنفي، لأن أصحاب هذه المدارس لم يهبطوا علينا من كوكب آخر، ولكنهم جزء من مجتمعنا الذي شهد تحولات خطيرة في منظومة قيمه، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن هذا الفساد موجود أيضًا في الجامعات الخاصة، التي أصبح الخبراء يتحدثون في كل محفل ومناسبة عن أن الجشع فيها جعل ربحية مشروعاتها تتجاوز حصيلة تجارة المخدرات.

ورغم أن الفساد أصبح أحد عناوين الواقع الراهن في مصر، إلا أن خطورته تصل إلي ذروتها في مجال التعليم بالذات لسببين، أولهما: أنه فساد مضاعف لا يقتصر وجوده علي فئة من الناس، مديرين كانوا أو مدرسين، ولكنه يؤدي إلي إفساد التلاميذ أيضًا، وثانيهما: أن هؤلاء التلاميذ الذين يربّون علي الفساد هم رجال الغد وأعمدة مستقبل البلد.

لا مفر في هذا الصدد من الاعتراف بأنه منذ أصبح التعليم تجارة واقترن ذلك بتراجع دور الدولة وانهيار العملية التعليمية فيها، فإن ذلك أدي إلي استباحة هذا المرفق بصور شتي. وهذه الاستباحة أشد ما تكون في أغلب الجامعات الخاصة، التي تتداول الأوساط الأكاديمية قصصًا عن الفساد والجشع فيها،قصص تثير الدهشة والفزع.

إن الانقلاب في منظومة القيم الذي عرفته مصر في ظل سياسة الانفتاح قبل ثلاثة عقود أحدث انهيارات خطيرة في أصول وأخلاقيات العديد من مجالات العمل العام، والتعليم من بينها بطبيعة الحال، حتي أصبحت أشبَّه الحاصل في مصر الآن بأنه أقرب إلي حالة مصاب بالسرطان استشري المرض في أنحاء جسمه، وفشل تدخل الأطباء في علاجه، ولم يعد هناك مفر من تدخل السماء

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar