Subscribe:

Ads 468x60px

20 مايو، 2008

المشكلة في القرار السياسي

صحيفة الدستور المصريه الثلاثاء 15 جمادي الاولى 1429 – 20 مايو 2008
المشكلة في القرار السياسي
فهمي هويدي

حين فتحت مصر معبر رفح لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي ثم أغلقته بعد ذلك، هل كانت تسعي إلي حل مشكلة المحاصرين، أم إلي التخفيف من معاناة المرضي، أم إنها أرادت أن تبيض من وجهها وتحسن من صورتها؟.

لست أشك في أن مصر غير مرتاحة للحصار المفروض علي غزة، الذي يدخل الآن شهره العاشر، كما أن أحدًا لا يختلف علي أن عدم الارتياح مبعثه ليس فقط أن مصر صاحبة الدور التاريخي في العمل من أجل القضية الفلسطينية «منذ عام 1948»، وجدت نفسها شريكة في حصار مليون ونصف مليون فلسطيني وواقفة في المجري الإسرائيلي الساعي إلي تركيع الفلسطينيين وتجويعهم.

ونحن نقلب الإجابة عن السؤال سنجد أنفسنا مضطرين لاستبعاد الاحتمال الأول لسبب وحيد هو أن مصر فتحت معبر رفح لمدة محددة، ثم أغلقته بعد ذلك، ليعود الحصار إلي الحالة التي فرضتها إسرائيل وإذا انتقلنا إلي الاحتمال الثاني، سنجد أن عدد المرضي الذين عبروا إلي مصر خلال الأيام الثلاثة لم يتجاوز 1377 شخصًا، حسب الإحصاء الرسمي.

وحسب بيانات اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، فإن عدد المرضي الفلسطينيين الراغبين في العلاج خارج القطاع يقدر بأكثر من 4500 شخص، الأمر الذي يعني أن الذين خرجوا إذا افترضنا أنهم جميعًا من المرضي، يمثلون أقل من ثلث الحالات الحرجة التي لا تجد لها علاجًا في القطاع، وإذا وضعنا في الاعتبار أن هناك مرضي يحتاجون إلي علاج منتظم لا يتوفر في غزة، مثل مرضي الفشل الكلوي الذي يحتاج الواحد منهم لغسيل كلي 3 مرات أسبوعيًا، وأن 140 صنفًا من الأدوية غير متوفرة في القطاع، وأن أغلب أجهزة المستشفيات معطلة، وكل سيارات الإسعاف لا تعمل بسبب النقص في الوقود، إذا أدركنا هذه الجوانب المختلفة من الصورة فسنجد أن الأشخاص الذين عبروا خلال الأيام الثلاثة يمثلون جزءًا صغيرًا للغاية من الكارثة الإنسانية التي تواجهها غزة، علمًا بأن للكارثة أوجهًا أخري تتمثل في الشلل الذي أصاب أوجه الحياة الأخري، من التعليم إلي التجارة والزراعة، مرورًا بالمرافق العامة.

صحيح أن عبور 1377 شخصًا وحل مشكلاتهم بصورة نسبية يظل أفضل من لا شيء، لكننا حين نتحدث عن الموقف المصري فلا ينبغي أن نقارنه باللاشيء، لأن هذا هو الموقف الإسرائيلي بالضبط، بل إنني استحي أن أقول إن السياسة الإسرائيلية لا تمانع أيضًا في تزويد الفلسطينيين المحاصرين بالحد الأدني من الاحتياجات الذي يسمح لهم بمجرد البقاء علي قيد الحياة، ولا يسمح لهم بالنمو، بحيث يتجهون حثيثًا نحو الموت البطيء، وذلك أوضح ما يكون في مسألة احتياجات القطاع من الوقود، وانقطاع التيار الكهربائي لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع الماضي لهذا السبب يشهد بما أقول.

الخلاصة أن فتح المعبر لمدة ثلاثة أيام ربما أدي إلي حل مشكلة بعض المرضي والعالقين، لكنه ظل خطوة دون الحد الأدني المطلوب لتخفيف معاناة أهل القطاع، وأبقي علي المليون ونصف المليون فلسطيني خاضعين للعقاب الإسرائيلي الجماعي في سجنهم الكبير.

يسوغ لنا ما سبق أن نقول إن القرار المصري بفتح المعبر حقق هدفًا إنسانيًا محدودًا، لكنه لم يكن أكثر من محاولة لتحسين الصورة ورفع العتب، ولا أستبعد أن يكون القرار قد صدر تعبيرًا عن حسن النية لترطيب أجواء المسعي المصري للتهدئة مع إسرائيل.

المدهش في الأمر أن مصر أغلقت المعبر، وواصلت حصار الفلسطينيين، رغم أنها من الناحية القانونية ليست مضطرة إلي ذلك، فهي لم تكن طرفًا في اتفاق المعابر الموقع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ثم إن ذلك الاتفاق كانت مدته سنة وانتهت، ناهيك عن أن القانون الدولي الإنساني يفرض علي الدولة الجارة أن تسمح بمرور مواد الإعاشة والإغاثة إلي جيرانها المحاصرين. علمًا بأن إعلان المحكمة الجنائية الدولية يعتبر الحصار من أشكال الإبادة، ومنع إغاثة المحاصرين جريمة حرب.

باتفاق أساتذة القانون الدولي وخبرائه فإن مصر لا تتحمل أي مسئولية قانونية إن فتحت المعبر أمام الفلسطينيين، ولكن المشكلة في القرار السياسي الذي يبدو أنه لا يمانع في استمرار الحصار حتي إشعار آخر علي الأقل.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar