Subscribe:

Ads 468x60px

20 مايو، 2008

محـاولة لفهم ما جري فـي بيروت

صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 15 جمادي الأول 1429 – 20 مايو 2008
محـاولة لفهم ما جري فـي بيروت – فهمي هويدي

ما حدث علي الأرض في بيروت أمر سييء لا ريب‏,‏ لكن الأسوأ منه هو المعالجة العربية له‏,‏ علي الصعيدين السياسي والإعلامي‏.‏

‏(1)‏قبل خمسة أشهر كنت في بيروت‏,‏ ووجدت أن خبر الصدام المسلح علي كل لسان وشواهده بادية لكل ذي عينين‏.‏ إذ لم يكن سرا أن بعض الميليشيات المسلحة التي خاضت حرب الثمانينيات مازالت تحتفظ بسلاحها‏(‏ القوات اللبنانية مثلا بقيادة سمير جعجع‏).‏ كما لم يكن سرا أن بعض القوي المستجدة حشدت ما استطاعت أن تجمعه من عناصر موالية‏,‏ وأوفدتهم إلي اثنتين من الدول‏'‏ العربية المعتدلة‏'(‏ ذكرتا بالاسم‏),‏ حيث تم تدريبهم علي السلاح‏,‏ وعاد هؤلاء إلي بيروت لكي يشكلوا ميليشيا جديدة‏,‏ تم تزويدها بما تحتاجه من عتاد وذخيرة‏(‏ كما حدث مع تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري‏).‏

وكان ذلك جزءا يسيرا من عملية التعبئة التي شهدتها العاصمة اللبنانية‏,‏ والتي كانت لها مظاهر أخري تمثلت في تعزيز كل طرف لمواقعه‏,‏ وتشديد إجراءات حماية الأبنية التابعة له‏,‏ وانتشار شركات الحراسة الخاصة‏,‏ وارتفاع أسعار السيارات المصفحة الواقية من الرصاص‏..‏الخ‏.‏ بالتالي فإن السؤال الذي كان يشغل الجميع لم يكن هل ينفجر الصدام المسلح أم لا‏,‏ ولكنه كان منصبا علي موعد ذلك الانفجار وتوقيته‏.‏ وحين صرح مساعد وزير الخارجية الأمريكية ديفيد وولش بأن لبنان ينتظره صيف ساخن‏,‏ فإن كثيرين توجسوا شرا وتوقعوا أن تكون الإشارة منذرة بوقوع الأسوأ مع حلول الصيف‏.‏

لم يكن الانقسام جديدا علي الحالة اللبنانية‏,‏ التي هي نموذج لبلد الطوائف بامتياز‏.‏ إذ الطائفة هي الأصل وليس المواطن‏.‏ وحظوظ كل طائفة وحدودها واضحة في الدستور والقانون‏.‏ وهي صيغة توافق عليها الجميع وارتضوها‏,‏ بعدما تم تثبيتها في اتفاق الطائف الذي تم توقيعه عام‏1989,‏ حين تم إسدال الستار علي مشهد الحرب الأهلية التي استمرت أربعة عشر عاما‏.‏ لكن الانقسام هذه المرة كان أكثر تعقيدا وأشد عمقا‏.‏ لان شكل الصراع اختلف‏,‏ أما موضوعه فقد غدا أشد اختلافا وأخطر‏.‏

‏(2)‏لا أحبذ استخدام مصطلحي الأكثرية النيابية والأقلية في توصيف طرفي الصراع‏,‏ لأن التعبير غير دقيق ويكاد يكون مضللا‏.‏ وأفضل عناوين من قبيل قوي الموالاة والمعارضة‏,‏ أو‏14‏ آذار والثامن منه‏.‏ ذلك أن الأكثرية المفترضة في مجلس النواب والتي يقودها النائب سعد الحريري‏,‏ لم تحقق أغلبيتها في انتخابات عام‏2005‏ إلا بأصوات‏'‏ التحالف الرباعي‏'‏ الذي ضم حينذاك حزب الله وأمل والحزب التقدمي‏(‏ جنبلاط‏)‏ و تيار المستقبل‏(‏ الحريري‏),‏ وبفضل أصوات حزب الله وأمل حصل الآخرون علي‏11‏ مقعدا في دائرة بعبدا‏-‏ عاليه ثم انقلبوا علي حلفائهم بعد ذلك‏,‏ مما عزز من موقف‏'‏ الاكثرية‏'‏ في البرلمان‏.‏

في الوقت الراهن فإن قوي الموالاة المساندة للحكومة تضم الأطراف التالية‏:‏ تيار المستقبل‏(‏ سنة‏-‏ الحريري‏),‏ الحزب التقدمي الاشتراكي‏(‏ دروز‏-‏ جنبلاط‏),‏ القوات اللبنانية‏(‏ موارنة‏-‏ جعجع‏),‏ حزب الكتائب‏(‏ موارنة‏-‏ أمين الجميل‏),‏ أما قوي المعارضة فتضم كلا من حزب الله‏(‏ شيعة‏-‏ نصرالله‏),‏ تكتل التغيير والإصلاح‏(‏ موارنة‏-‏ عون‏),‏ حركة أمل‏(‏ شيعة‏-‏ بري‏),‏ فريق درزي آخر يقوده طلال أرسلان ووئام وهاب‏,‏ جبهة العمل الإسلامي‏(‏ سنة‏-‏ فتحي يكن‏),‏ اللقاء الوطني‏(‏ سنة‏-‏ عمر كرامي‏),‏ الحزبان القومي السوري والشيوعي وهما يضمان خليطا من السنة والشيعة و المسيحيين‏.‏

كما رأيت فإن الصراع ليس بين مسلمين ومسيحيين ولا بين سنة وشيعة‏,‏ ولكن كل معسكر يضم مختلف ألوان الطيف اللبناني‏,‏ من شيعة وسنة ودروز وموارنة‏,‏ إلا أن ذلك ليس كل ما في الأمر‏,‏ لأن الصورة لا تكتمل إلا إذا وقفنا علي طبيعة القوي الخارجية التي تدعم كل جانب‏,‏ لأن لبنان كان ولا يزال ساحة تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية‏,‏ الإقليمية والدولية‏,‏ وهو أمر ليس فيه سر‏,‏ لأنك حين تقرأ صحف الصباح تستطيع أن تعرف علي الفور من يساند من في لبنان‏.‏ ومن الأخبار والتصريحات المعلنة ستعرف أن فريق الموالاة وحكومة السنيورة التي تمثله مؤيدة من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وبعض الدول العربية‏,‏ أما فريق المعارضة فلا يؤيده من الناحية الرسمية سوي سوريا وإيران والمقاومة الفلسطينية ممثلة في حماس والجهاد والجبهة الشعبية‏.‏

هذه التحالفات تسلط ضوءا قويا علي موضوع الصراع وجوهره الذي محوره سلاح حزب الله‏,‏ الذي استطاع أن يصد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة‏2006,‏ وأن يلحق بها هزيمة لا يزال القادة الإسرائيليون يلعقون جراحها حتي الآن‏.‏ صحيح أن مطلب نزع سلاح الحزب ظل مثارا في لبنان‏,‏ منذ أثبت حضوره في عام‏2000,‏ حين نجح في تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ إلا أنه أصبح أشد إلحاحا في أعقاب الهزيمة الإسرائيلية التي تحققت في صيف عام‏.2006‏ إذ كان مطلوبا أمريكيا وإسرائيليا التخلص من ذلك السلاح لتحقيق أهداف عدة‏,‏ من بينها تطويع لبنان وإلحاقه بقطار التطبيع ومربع الاعتدال‏,‏ وإضعاف الموقف السوري الممانع وإحكام الحصار حوله‏.‏ بل إن نزع ذلك السلاح أصبح شرطا لتوجيه الضربة العسكرية الأمريكية المفترضة لإيران‏,‏ لأن هذه المغامرة تبدو خطرة ومكلفة طالما ظل حزب الله يمتلك صواريخ قادرة علي الوصول إلي العمق الإسرائيلي‏.‏ وكان السيد حسن نصرالله قد تحدث علنا عن تلك الصواريخ في إحدي خطبه‏.‏

ثمة لغط كثير وذرائع عدة تستدعي في سياق التجاذب بين الفريقين‏,‏ ولكن يظل سلاح حزب الله هو المحرك الكامن وراء كل المماحكات والتجاذبات‏,‏ التي تتحدث عن قانون الانتخابات وتوزيع الدوائر والحصص في الحكومة‏,‏ وعدم انتخاب رئيس الجمهورية‏.‏ وللعلم فإن رئيس الجمهورية السابق إميل لحود تمت مقاطعته من جانب قوي الموالاة لمدة سنتين‏,‏ ولم يثر ذلك حفيظة أحد من الذين ما برحوا يصرخون ويندبون حظ لبنان مؤخرا بسبب خلو مقعد رئيس الجمهورية‏.‏

‏(3)‏طال أمد الشقاق بين فريقي الموالاة والمعارضة لأن النظام اللبناني قائم علي قاعدة التوافق أو التراضي بين الجماعات السياسية والطوائف المختلفة‏,‏ بصرف النظر عن حجم تلك الطوائف وما إذا كانت أغلبية أم أقلية‏.‏ بالتالي فإن خروج أي طائفة من اللعبة يؤدي مباشرة إلي إيقاف حركتها وتعطيل القرار السياسي‏.‏ وخلال العام الأخير الذي كان الشحن السياسي فيه مستمرا‏,‏ حرص الجميع علي تسكين الوضع وتجنب تفجيره بما يعيد إلي الأذهان سنوات الحرب الأهلية البائسة‏.‏

ليست معروفة علي وجه الدقة ملابسات التصعيد المفاجئ من جانب فريق الموالاة‏,‏ الذي مهد له السيد وليد جنبلاط حين تحدث فجأة عن شبكة اتصالات لحزب الله أمرها معروف للدولة اللبنانية منذ عشرين عاما‏,‏ وقال إن الشبكة تعد اعتداء علي سيادة لبنان‏,‏ وبعد كلامه قرر مجلس الوزراء فتح تحقيق في الموضوع‏,‏ وإقالة مدير أمن المطار العميد وفيق شقير‏,‏ لأن الشبكة كان لها امتدادها في المطار‏,‏ وهو ما اعتبرته المعارضة افتعالا لأزمة ومحاولة لكسر العظم تمهيدا لحسم الموقف المعلق‏,‏ خصوصا أن الاتفاق كان منعقدا علي ألا تجري الحكومة تغييرا في الوظائف الرئيسية في هيكل النظام إلا بعد تسوية الملفات العالقة بين الطرفين‏,‏ وقد وصف السيد حسن نصرالله القرارين بأنهما بمثابة إعلان حرب علي المعارضة وليس حزب الله فقط‏.‏ وهو ذات المعني الذي عبر عنه النائب نبيل نقولا عضو تكتل التغيير والإصلاح الذي يتزعمه العماد ميشال عون‏.‏

لان التصعيد كان مفاجئا‏,‏ و في الوقت ذاته اقترن بتحركات عسكرية امريكية مريبة ليست بعيدة عن الساحل اللبناني‏,‏ فان ذلك اثار شكوك قوي المعارضة‏,‏ مما دفع حزب الله الي توجيه ضربة استباقية تجهض احتمال استدراج المعارضة الي مواجهة تمهد للانقضاض عليها تحقيقا للهدف الذي تسعي اليه مختلف الدوائر المتربصة في المعسكر الاخر‏.‏ فجاء الرد علي مستويين‏,‏ فمن ناحية طالبت المعارضة الحكومة بالعدول عن قراريها‏,‏ و في الوقت ذاته قامت قوات الحزب بالاستيلاء علي مقار تيار المستقبل الذي يقوده سعد الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط‏,‏ وتم تسليم هذه المقار إلي الجيش‏.‏ وبطبيعة الحال فقد تخللت العملية مواجهات مؤسفة واشتباكات أدت إلي سقوط أعداد من القتلي والجرحي‏,‏ وكان لهذه الاشتباكات صداها في بعض المدن اللبنانية‏,‏ التي استنفرت فيها مجموعات أخري مثل الحزب القومي السوري‏,‏ واتخذت الاشتباكات منحي طائفيا في بعض الأحيان‏,‏ علي النحو الذي تناقلته التقارير الصحفية ووسائل الإعلام المختلفة‏.‏

‏(4)‏كان مثيرا للانتباه أن الصراع الدائر علي الأرض كان له صداه المباشر والقوي في وسائل الإعلام العربية‏.‏ ورغم أن الجميع أقر بخطأ التصعيد الذي تورطت فيه الحكومة‏,‏ حتي طالبتها قيادة الجيش بإلغاء قراريها اللذين تعلقا بشبكة الاتصالات وعزل قائد أمن المطار‏,‏ وهو ما تمت الاستجابة له في نهاية المطاف‏,‏ الأمر الذي من شأنه تسكين الموقف‏,‏ إلا أن الحرب الإعلامية استمرت بغير هوادة‏.‏ تجلي ذلك في ثلاثة أمور‏:‏ أولها وأخطرها أن الصراع أريد له أن يتحول إلي اشتباك بين الشيعة والسنة‏,‏ بحيث يصبح الصراع السياسي في بدئه ومنتهاه صراعا طائفيا‏,‏ يصرف الانتباه عن القضية الأساسية المتمثلة في نزع سلاح حزب الله وتصفية المقاومة‏.‏ الأمر الثاني أن بعض الأبواق الإعلامية تحدثت عن‏'‏ انقلاب‏'‏ قام به حزب الله‏.‏

وكان ذلك أمرا مدهشا لأن تحرك الحزب لم يكن ضد السلطة التي احتفظت بشرعيتها كما هي‏,‏ وإنما كل ما قام به أنه اضطر بعد التصعيد إلي اجهاض ما يدبر ضده من خلال الاستيلاء علي مقار حزبي الحريري وجنبلاط‏.‏ ولا بد ان نلاحظ انه لم يبق في تلك المقار‏,‏ وإنما سلمها إلي قيادة الجيش‏.‏ الأمر الثالث أن الأبواق ذاتها تحدثت عن تمدد إيراني في لبنان‏,‏

غمزا في دعم إيران لحزب الله الذي هو معلن وليس فيه سر‏.‏ كما أن أهدافه واضحة للعيان‏,‏ في حين لم تشر تلك الأبواق إلي القوي التي تساند الطرف الآخر وتدفعه إلي تحدي حزب الله ومحاولة تصفيته‏,‏ وسكتت تماما علي مقاصد تلك القوي والمخططات التي ترمي إليها‏.‏ ولكن التصريحات المتتالية المؤيدة للحكومة التي صدرت من واشنطن وباريس وتل أبيب محاولة إقناعنا بأنها واقفة مع السنة ضد الشيعة في لبنان‏,‏ كشفت المستور وأزالت الالتباس في الموضوع‏.‏

ربما استطاع لقاء الدوحة الذي دعي اليه الفرقاء اللبنانيون ان يحل بعض المشاكل العالقة‏,‏ لكنني ازعم ان ملف الصراع سيظل مفتوحا طالما بقي حزب الله محتفظا بسلاحه و ظل ذلك السلاح شوكة في خاصرة اسرائيل‏.‏ و لا استبعد و الامر كذلك ان يطول امد الصيف الساخن بحيث يعقبه شتاء ساخن ايضا‏.‏ و ذلك ظن ارجو ان تكذبه الاسابيع القادمة‏

4 التعليقات:

مسلم من مصر يقول...

السلام عليكم
الأخ الفاضل م/محمود فوزى
جزاك الله خيرا على مجهودك و شكرا لهذه المدونة,و أنا متابع من فترة الرسائل التى ترسلها للمجموعات الهندسية
ربما يكون هذا الرابط مفيدا لك,عليه كتب للأستاذ فهمى هويدى تستطيع تحميلها بنفسك,من مدونة عالم الكتب

http://aboukhar2.blogspot.com/search/label/%D9%81%D9%87%D9%85%D9%89%20%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%AF%D9%89

و أتمنى أن تشرفنى بزيارتك فى مدونتى المتواضعة,و لا تحرمنا من رأيك
و جزاكم الله خيرا
م/محمد على عطية
مسلم من مصر

م/محمود فوزى يقول...

السلام عليكم
جزاكم الله خيرا على هذا الكلام الجميل
اشكرك مره اخري على هذا الرابط الرائع فانا من محبي الاستاذ فهمي هويدي ولكتاباته
أما مدونتك فجميله بحق وربنا يوفقكم
وهذا شرف لى أن ازور مدونتكم
ويشرفنى ايضا ان تزور مدونتى
مصر والعالم
http://egyptandworld2.blogspot.com
وهذه المدونه اكتب بها بعد 1/5/2008
أما ماقبل ذلك فكان على مدونتى
http://egyptandworld.blogspot.com
ولى مدونه اخري انشر فيها اخبار المقاومه الفلسطينيه واخبار فلسطين عموما يوميا
http://ourmoqawama.blogspot.com
جزاكم الله خيرا
أخوكم
محمود فوزى

وسام فؤاد يقول...

فهمي هويدي هو قصة عبقرية قلم.
جزاك الله خيرا مهندس محمود فوزي.
تحياتي..
وسام فؤاد

م/محمود فوزى يقول...

الاخ الكريم وسام
جزاكم الله خيرا

الاستاذ فهمي هويدي نموذج من الرجال فى زمن عز فيه الرجال
ربنا يكرمه ويوفقه دوما
أخوكم
محمود فوزى

Delete this element to display blogger navbar