Subscribe:

Ads 468x60px

18 مايو، 2008

استقالة الشقيقة الكبري

صحيفة الدستور المصريه الأحد 13 جمادي الأولى 1429هـ 18 مايو 2008
استقالة الشقيقة الكبري - فهمي هويدي

غابت مصر «الشقيقة الكبري» عن المشهد اللبناني، فتولي رئيس الوزراء القطري رئاسة وفد الجامعة العربية الذي سافر إلي بيروت لمحاولة رأب الصدع وجمع كلمة الفرقاء المتصارعين.

وحين دعي هؤلاء إلي إجراء حوار للمصالحة بينهم، فإنهم دعوا إلي الدوحة، ولم يدعوا إلي القاهرة «عاصمة العرب وأم الدنيا» وفي الصراع الحاصل في اليمن الذي تخوضه السلطة ضد «الحوثيين» في شمال البلاد، فإن الذي قام بالوساطة هو دولة قطر وليست «الشقيقة الكبري»، وحين جرت محاولة للوساطة بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية، فإن السعودية هي التي بادرت إلي جمعهما حيث عقد ما سمي باتفاق مكة ، وكما أخلت الشقيقة الكبري والدولة الرائدة موقعها لصالح غيرها في هذه الساحات، فإنها غابت عن السودان واستقالت من دورها التاريخي هناك، الأمر الذي أثار دهشة القادة السودانيين وحيرتهم، حتي أصبحوا يشكون من ذلك الغياب المصري عن مساحة معرضة للتمزيق والتهديد، في حين أنها تعد من صميم الأمن القومي لمصر، حدث ذلك أيضًا في مؤتمر القمة العربي الذي عقد مؤخرًا في دمشق الذي غابت عنه مصر أيضًا، رغم أنها مثلت بأحد الوزراء غير المهمين.

لقد لاحظت أن مصر لم تكتف بالخروج من المشهد اللبناني، وإنما لم تمثل أيضًا في وفد الجامعة العربية الذي سافر إلي بيروت، بل إنني سمعت من بعض الدبلوماسيين المصريين في الخارج أنهم يتلقون أحيانًا توجيهات متضاربة من القاهرة بخصوص القضايا العربية المثارة، الأمر الذي يشيع البلبلة و الحيرة بينهم وهو أمر غير مألوف في الدبلوماسية المصرية.

وإذا قال قائل إن مصر تحركت أكثر من مرة لجمع الفصائل الفلسطينية،سواء التي عقدت اتفاق القاهرة، أو تلك التي شاركت في مشروع التهدئة المطروح في الوقت الراهن، فإن هذه المقولة تصح إذا اكتفينا بالمظاهرة وقراءة الأخبار المنشورة في الصحف، لكن الذين شاركوا في هذه اللقاءات يقدمون صورة مختلفة لمضمونها، ذلك أنني سمعت من أكثر من واحد منهم أن جميع الدعوات التي وجهت إلي الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة كان يطرح خلالها موضوع واحد هو وقف العمليات المسلحة ضد إسرائيل «التهدئة بلغة المرحلة» وهو العنوان الذي أضيف إليه بعد ذلك بند آخر هو إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف «جلعاد شاليط».

يحدث ذلك في الوقت الذي شاركت فيه مصر في إحكام الحصار حول الفلسطينيين في غزة، ولم تخف غضبها حين اضطر الفلسطينيون إلي اقتحام الحدود لتوفير احتياجاتهم من الأراضي المصرية.

أكثر من ذلك هناك لغط مثار في الأوساط الدبلوماسية حول دور قامت به مصر في نصرة فريق ضد آخر في الساحتين الفلسطينية واللبنانية، وهو ما أثار استياء نفر من الناشطين العرب الذين حين يئسوا من أن تقوم مصر بدور إيجابي في الساحة العربية، فإنهم أصبحوا يتمنون حيادها، ويعتبرون ذلك أضعف الإيمان من جانبها.

ما الذي حدث لمصر؟ -قلت إنها استقالت من موقع الشقيقة الكبري- ليس فقط لأن الأشقاء الصغار كبروا، ولكن أيضًا لأنها آثرت الانكفاء علي الذات، مسوغة ذلك بشعار «مصر أولاً»، الذي كان يعني أن ترفع مصر يدها عن كل شيء حولها، حتي بما يتصل بأمنها القومي ، وهذا يفسر جزءًا مما يجري، لأن هناك جانبًا آخر مسكوت عنه، هو أن مصر التي أعلنت قيادتها يومًا ما أن 99% من الأوراق أصبحت في يد واشنطن، مازالت ملتزمة بهذه المقولة حتي الآن.. وبالتالي فإن سياستها أصبحت أكثر ارتباطًا بالحسابات الدولية ومشروعات الدول الكبري، وهو ما أدي تلقائيًا إلي انسحابها بشكل تدريجي من الساحة العربية ومن مسئوليات الشقيقة الكبري، وترتب علي ذلك أنها أصبحت طرفًا في النزاعات العربية القائمة، وليست حكمًا بين المشاركين فيها، وهو أمر نفهمه ويفسر لنا ظواهر كثيرة، لكن الذي يستغربه المرء أن تتحدث أبواقنا الإعلامية رغم كل ذلك ليس فقط عن «دور» لمصر وإنما «رائد» أيضًا، وذلك دال علي أننا لم نتخلص بعد من روح السخرية والهزار، حتي في المسائل المصيرية وشديدة الجدية.

0 التعليقات:

Delete this element to display blogger navbar