Subscribe:

Ads 468x60px

20 سبتمبر، 2014

الحوار بالأمر المباشر

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 25 ذو القعدة 1435 – 20 سبتمبر 2014
الحوار بالأمر المباشر - فهمي هويدي

كلف الرئيس عبدالفتاح السيسي جريدة الأهرام بتنظيم ندوة عن مشاركة الشباب في العمل السياسي،
وسيوجه الرئيس كلمة إلى الشباب في هذه المناسبة داعيا ألا تقتصر المشاركة على الإدلاء بالأصوات.
ولكن لترشيح أنفسهم كنواب عن الشعب.

هذا النص نشرته بالحبر الأحمر جريدة الأهرام أمس (الجمعة 19/9)، ووضعته على رأس أخبار الصفحة الأولى.

في نفس يوم الجمعة نشرت صحيفة «المصري اليوم» خبرا ذكرت فيه أن إدارة جامعة القاهرة ألغت المخيم الثاني لطلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الذي كان مقررا إقامته في شرم الشيخ.

وقال بيان اتحاد طلاب الجامعة السبب يرجع إلى وجود شق سياسي في برنامج المخيم، بينما قالت قيادات في الجامعة إن الإدارة ليس لها صلة بالإلغاء،
ووصفت المخيم بأنه ينظم دون علم الإدارة المركزية لرعاية الشباب والأنشطة بالجامعة.

وذكر بيان اتحاد الطلاب أن رئيس الجامعة رفض حضور عدد من الشخصيات السياسية بعينها إلى المخيم، ومن هؤلاء بعض أساتذة الكلية،
وأن إدارة الجامعة تعمدت إبلاغ الاتحاد بالمنع قبل بدء المخيم بوقت قصير، كي لا تكون هناك فرصة للتغيير أو تعديل البرنامج.

أضاف البيان أن رئيس الجامعة أراد إلغاء المخيم من البداية، لكن تدخل الدكتور، هالة السعيد عميدة الكلية جعله يضع شروطا تعجيزية لإقامته.
منها حذف فقرات من البرنامج وبعض الضيوف،
وتقليص مدة المخيم إلى يومين فقط بدلا من أربعة،
وهو ما رفضه الاتحاد الذي دعا إلى عقد اجتماع للرد على إلغاء الجامعة للمخيم بسبب محتواه السياسي.

لست أشك في أن المصادفة وحدها هي التي جمعت بين الخبرين في يوم واحد،
 صحيح أن موقف رئيس جامعة القاهرة ليس جديدا ولا مستغربا؛
ذلك أنه لم يتوقف خلال الأسبوعين الأخيرين عن التحذير من دخول السياسة إلى الجامعة، إلى الحد الذى دفعه وهو أستاذ القانون، إلى التهديد بكسر رأس كل من يخل بذلك التحذير،

إلى جانب أن وسائل الإعلام نقلت على لسانه فى بداية شهر سبتمبر الحالي قوله إن قرارا اتخذ بإلغاء نظام الأسر الجامعية إذا كانت ظهيرا لأي نشاط سياسي أو حزبي؛
وهو ما يعني من الناحية العملية وقف أي نشاط آخر لطلاب الجامعة خارج الدروس والعملية التعليمية.

حين يضع المرء ما نشرته جريدة الأهرام إلى جانب ما نشرته جريدة المصري اليوم، فسيجد أن المشهد ينطبق عليه المثل القائل:
 اسمع كلامك أصدقك. أرى أمورك استعجب،

أعني أنه يصور المسافة بين الخطاب السياسي والواقع العملي؛
 إذ في حين يرحب الأول بالمشاركة في العمل السياسي، ويحث عليها،
فإن باب المشاركة يبدو محاصرا ومغلقا من الناحية العملية،
أو في أحسن الفروض فإن تلك المشاركة تبدو مقبولة إذا تمت في حدود الإطار المرسوم،
وما يسمى بالتجاوب «البناء» مع الواقع،
وهو ما يترجم إلى فتح الأبواب على مصارعها لممارسة حرية التأييد والموافقة والتصفيق.

هذه ملاحظة أولى اعتبرها جوهرية وأساسية.

الملاحظة الثانية أن المشاركة لا تتم بالأمر المباشر ولا تتحقق بعقد ندوة،
فجريدة الأهرام إذا أرادت أن تشجع على المشاركة في العمل السياسي، فلا بأس أن تعقد ندودة لذلك الهدف، شريطة أن تمثل فيها مختلف الآراء والتوجهات، ولا يكتفي فيها بأنصار الرأي الواحد.

لكن الأهم من ذلك والأكثر شجاعة أن تفتح الجريدة وغيرها من الصحف القومية صفحاتها لأصحاب الآراء المختلفة، ولا تنحاز إلى طرف دون آخر،
بحيث تتجاوز خطاب اللون الواحد، وتستعلي فوق الاستقطاب الحاصل الآن في الفضاء السياسى المصري.

لست أقلل من تقدير أو احترام بعض الذين يكتبون في الأهرام،
 لكن أزعم أنهم أو أغلبيتهم الساحقة من أصحاب اللون الواحد،
وذلك لا يقلل من شأن ما يقدمونه بطبيعة الحال،

لكننا ينبغي أن نعترف بأنهم ليسوا اللون الأوحد، وأن هناك ألوانا أخرى فى الساحة المصرية لها حظها من الاحترام،
وبالتالي لها حقها في التواجد على الأقل في الصحافة القومية،
هذا إذا كنا صادقين حقا في الدعوة إلى توسيع نطاق المشاركة في العمل السياسي.

ما أريد أن أقوله في هذه النقطة أن المشاركة المرجوة لا تتم بقرار ولا تتحقق بعقد ندوة، ولكنها ثمرة لبيئة سياسية وثقافية يرتفع فيها سقف الحريات وضمانات سيادة القانون، ثم يتراجع فيها الخوف وتسود الثقة والاطمئنان.

لذلك تمنيت ألا تصبح المشاركة عنوانا لندوة فحسب، وإنما أن تصبح سمة وعنوانا للواقع أيضا،
 لأننا قد نعقد ألف ندوة ونستمع إلى ألف خطبة في الموضوع، ثم نفاجأ بأن ذلك كله انمحى، ولم يعد له أثر. بقرار أمني يمنع السياسة في الجامعات،
أو بعناد يبقى على قانون التظاهر سيفا مسلطا على رقاب المتظاهرين السلميين،
أو بتفويض رئيس جامعة الأزهر في فصل الأساتذة والطلاب الذين ينتقدون النظام القائم.

الملاحظة الثالثة والأخيرة تتعلق بالتركيز على حث الشباب على المشاركة في الحياة السياسية بالترشح، فضلا عن التصويت، وهي دعوة لا أشك في نبل الهدف منها،
لكني لم أفهم لماذا توجه إلى الشباب على وجه الخصوص، في حين أزعم أنه كان حاضرا ومشاركا في الثورة منذ يومها الأول،
بل إنه هو الذي أطلق شرارتها الأولى، ولا يزال أولئك الشباب هم الأكثر وفاء لأهداف ثورة يناير حتى الآن، وهم في مقدمة الذين يدفعون الآن ثمن تمسكهم بذلك الولاء.

إن الأمل معقود على مشاركة الجميع والشباب فى المقدمة منهم،
ولكن المشكلة المستعصية التي تحتاج إلى حل ليست في نداءات أو ندوات المشاركة، ولكنها في توفير البيئة المشجعة على المشاركة.

 وإذا حللتم تلك المشكلة الثانية فلا تقلقوا على المشاركة، ودعوا الباقي علينا.

..................

18 سبتمبر، 2014

يسألونك عن المعتقلين

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 23 ذو القعدة  1435 – 18 سبتمبر 2014
يسألونك عن المعتقلين - فهمي هويدي

هل في مصر معتقلون سياسيون؟
حين أثير الموضوع في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الداخلية يوم الأحد الماضي، كان رد اللواء محمد إبراهيم بالنفي،
وفي هذا الصدد ذكر ان المحبوسين احتياطيا يحاكمون وفق القانون، وان القبض عليهم تم بقرار من النيابة العامة.

وهو كلام أبرزته صحف اليوم التالي ورددته القنوات التليفزيونية أكثر من مرة.
 إلا أن شباب الثورة كان لهم رأي آخر فيما ذكره، أعلنوه في بيان أصدروه في اليوم التالي مباشرة (الاثنين 15/9)
ناقشوا فيه كلام الوزير وأوردوا شواهد وأدلة أيدوا بها وجهة نظرهم.

لكن الذي حدث أن وسائل الإعلام التي أبرزت كلام اللواء إبراهيم تجاهلت بيان الشباب.
ولم يتح لمثلي أن يطلع عليه إلا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تمتد إليها حتى الآن يد التوجيه السياسي.
ونظرا لأهميته، ولتوضيح وجهتي النظر في الموضوع، فإنني أستأذن في نشر نصه الذي جاء على النحو التالي:

«
منذ بدأت حملتا «الحرية للجدعان» و«جبنا آخرنا» نشاطهما في دعم المحبوسين احتياطيا والمحكوم عليهم في قضايا التظاهر والتجمهر، اختار نشطاء الحملتين وصف المحبوسين والسجناء بـ«المعتقلين».

نعلم تماما أن «الاعتقال الإداري» بأمر وزير الداخلية قد توقف مع إنهاء حالة الطوارئ، وكذلك بعد صدور حكم من المحكمة الدستورية العليا في ٢ يونيو ٢٠١٣ ببطلان الفقرة الأولى من المادة الثالثة في القانون رقم ١٦٢ لسنة ١٩٥٨ والتي تعطي الحق لرئيس الجمهورية، أو من يفوضه، أن يضع قيودا على حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال والإقامة، واعتقال المشتبه بهم والخطرين على الأمن العام، وتفتيش الأشخاص والأماكن دون تقيد بأحكام قانون الإجراءات، متى أُعلنت حالة الطوارئ.

نعلم ذلك كله، لكننا ما زلنا نصر على تسمية المحبوسين بـ«المعتقلين».
فالتجربة أثبتت على مدار سنوات، وليس فقط في السنة الأخيرة، أن حرفية القانون لا تعني شيئا للسلطات في مصر، وأن مواد الدستور لا تساوي الحبر المكتوبة به.

وبدلا من استهلاك وقت الوزير وقياداته الأمنية في جدل عبثي عن حقيقة وجود معتقلين من عدمه،
فليفسروا لنا وللرأي العام في مصر كيف أمضى شريف فرج، معيد كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، عاما كاملا في السجن محبوسا احتياطيا قبل أن يتم استبعاده من القضية المحبوس على ذمتها.

فليفسروا لنا وللرأي العام قضاء ٤٠ طالبا من جامعة القاهرة ٨ أشهر محبوسين احتياطيا قبل أن يتم استبعادهم أيضا من القضية المحبوسين على ذمتها،

وليفسروا لنا أيضا استمرار «اختطاف» هؤلاء الطلبة رغم مرور ٣ أسابيع على صدور قرار النيابة باستبعادهم.

وقبل أن يخرج علينا من يقول إن كل ما سبق يتم بقرارات من النيابة وقضاة تجديد الحبس ولا علاقة للداخلية بها،
نقول «ومن المسؤول عن القبض على هؤلاء الأبرياء أصلا؟!»،
كيف ألقت الشرطة القبض عشوائيا على ٤٠ طالبا وأحالتهم للنيابة دون دليل؟
ومن ألقى القبض على شريف فرج من بيته دون دليل؟!.

وضمن الأسئلة المسكوت عنها من قِبل الوزير ومساعديه ونيابته وقضائه، نتساءل أيضا،
لماذا تمتنع الداخلية عن نقل المحبوسين احتياطيا لجلسات تجديد حبسهم الذي صار يُجدد تلقائيا دون متهمين أو محامين.

حالة ياسين صبري مثل جيد هنا، فهو الطالب بجامعة الأزهر والمعتقل عشوائيا منذ يناير الماضي، والذي امتنعت الداخلية ٤ مرات عن نقله لجلسات تجديد حبسه، ثم امتنعت عن نقله لحضور جلسات محاكمته، ألا يهدر ذلك العدالة؟!

الأمر نفسه يتكرر مع محمود محمد، الشاب ذو الـ١٨ عاما، المقبوض عليه بسبب ارتدائه قميصا يحمل شعار «وطن بلا تعذيب» والذي تمتنع الداخلية عن نقله لجلسات محاكمته أيضا،
ألا تمثل كل تلك الإجراءات تعنتا يؤدي بالضرورة لمد فترات «اعتقال» هؤلاء.

تدفعنا حالة محمود محمد إلى الحديث عن الأنواع الجديدة المضحكة المبكية للاعتقال في مصر، فخلال الشهور الماضية أصبح لدينا معتقلو القهوة ومعتقلو الجنينة ومعتقلو دبوس رابعة ومعتقلو السحور ومعتقلو العزاء وغيرهم.
من يلقي القبض عليهم وهم لم يكونوا مشاركين في مظاهرات أو تخريب؟!
فقط حملوا دبوسا يمثل شعارا ما، أو ارتدوا قمصانا تحمل أحد شعارات ثورة ٢٥ يناير، أو ذهبوا لعزاء والدة شهيد في ذكراه السنوية.

واقع الأمر أننا باستخدامنا لفظ «معتقلين» نوسع دائرة اتهامنا لتشمل الداخلية التي تقوم بأبشع حملة الانتقام من المجتمع الذي ثار ضدها منذ أكثر من ٣ سنوات،
وكذلك النيابة والقضاء الذين صاروا أدوات لتجديد معاناة المحبوسين على ذمة أي قضايا باستثناء رجال نظام مبارك،
 فأصبح لدينا ما هو أسوأ من الاعتقال الإداري، اعتقال بأمر القضاء.

يا وزير الداخلية، لدينا معتقلون بل أسرى ظلمكم وقوانينكم الجائرة وعدالتكم الانتقامية. فلا تغالط، يكفي أن تكون سجانا ــ (انتهى).

هذا البيان، رغم أنه ينطلق من موقف ناقد ومعارض، يعبر عن حالة ايجابية تستحق التقدير.
فالذين كتبوه يعبرون عن جيل متمرد توفرت له شجاعة ليتنا ننميها ولا نقمعها،
ثم انهم لم يردوا كلام الوزير بالمولوتوف ولا بالاشتباك مع الشرطة،
وانما استخدموا في ذلك الحجة والأدلة والقرائن.

 وهم لم يختفوا وراء لافتات غامضة وانما أعلنوا عن أنفسهم باعتبارهم يمارسون عملا قانونيا يدافعون من خلاله عن قضية نبيلة تهم مستقبل الوطن بأسره.

وقد أفهم ان يكتفي موقع وزارة الداخلية بنشر كلام الوزير وتجاهل بيان الشباب،
لكني لم أفهم تجاهل مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية له. لمجرد انه يعبر عن وجهة نظر أخرى نقضت كلام الوزير بأسلوب سلمي ومتحضر.

صحيح أن ذلك التجاهل لم يحاصر البيان تماما، إلا أنه في حده الأدنى جاء كاشفا للمدي الذي بلغه نفوذ وزارة الداخلية والسلطان الذي تمارسه في المحيط الإعلامي.
وكيف انه يخدم في النهاية وجهة النظر الحكومية دون غيرها.

لأن الحكومة سمعها ثقيل، فلست أظن أن بيان شباب «الحرية للجدعان» سيغير شيئا من الواقع، ولكن نشره وتعميمه يتيح للرأي العام أن يطلع على الوجه الآخر للحقيقة.
وليس مطلوبا من الإعلام أن يفعل أكثر من ذلك.
 إذ ما علينا إلا البلاغ.
..................

17 سبتمبر، 2014

دفاع عن دولة القانون

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 22 ذو القعدة 1435 – 17 سبتمبر 2014
دفاع عن دولة القانون - فهمي هويدي

لدي عدة ملاحظات على المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الداخلية اللواء محمد إبراهيم (يوم الأحد 14/9) بمناسبة قتل سبعة مصريين وصفوا بأنهم من أخطر عناصر تنظيم أنصار بيت المقدس،
وقدموا في وسائل الإعلام بأنهم يمثلون خلية التفجيرات والاغتيالات الكبرى، الذين اتهموا بالاشتراك في 15 عملية إرهابية قتل فيها 44 من رجال الشرطة والجيش.

أدري أن استهداف رجال الشرطة والجيش جرم لا ينبغي التهوين من شأنه ولا التهاون أو التسامح فيه.
وأرجو ألا أكون بحاجة إلى تسجيل ضرورة إخضاع الذين يرتكبون أمثال تلك الجرائم إلى حساب عسير. بل أشد العقوبات التي يقررها القانون.

لكنني أحذر من التسرع في إطلاق الأحكام على المشتبهين أو المتهمين، قبل التحقيق معهم، بقدر ما أحذر من التسرع في إطلاق الرصاص علىهم وإعدامهم.

إنني أفهم أن إطلاق الرصاص من جانب رجل الأمن يكتسب مشروعيته في حالة الدفاع عن النفس، الأمر الذي يعني أنه يمثل استثناء على القاعدة في حالة الملاحقة.

وأرجو أن تكون الواقعة التي نحن بصددها مما يشمله ذلك الاستثناء.
إلا أنني لاحظت أن أخبار قتل الملاحقين تكاد تتحول إلى قاعدة في ظل تواتر الأخبار شبه اليومية التي تتحدث عن قتل «تكفيريين» و«إرهابيين» في سيناء بوجه أخص،

 آية ذلك أنه بعد إعلان قتل المواطنين السبعة يوم الأحد قال المتحدث العسكري يوم الاثنين إنه تم قتل عشرة عناصر إرهابية «شديدة الخطورة» أثناء حملة مداهمات تمت خلال يومي 13 و14 سبتمبر في محافظات شمال سيناء والاسماعيلية والدقهلية.
 وقد أصبح ذلك نمطا للأخبار التي تأتي من سيناء.
ذلك أن أغلبيتها الساحقة لا تتحدث إلا عن تكفيريين خطرين تم قتلهم.

ما يثير القلق إلى جانب تواتر أخبار القتل أن وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية أحيانا درجت على وصف هذه العمليات بأنها من قبيل الثأر والتصفية.
حتى أن صحيفة الوطن وصفت قتل السبعة الذين ذكرهم وزير الداخلية بأنه «يوم الثأر لشهداء الفرافرة».
ونقلت عن المصادر المطلعة قولها إن قوة ضباط العمليات الخاصة تحركت «لتنفيذ عملية الثأر».
واستخدام هذه اللغة يعطي انطباعا بأن رجال الأمن ذاهبون للقضاء على المتهمين وقتلهم، أخذا بثأر ضحاياهم. بما يعني أنهم ليسوا ذاهبين للقبض على المتهمين وتقديمهم للعدالة.

إن ما أفهمه أن رجال الأمن لا يلجأون إلى الثأر ولا إلى التصفية لأن ذلك يعد قتلا خارج القانون وعقبة أمام إرساء العدالة.
ولكن المؤسسة الأمنية تبذل جهدها لإلقاء القبض على المتهمين لكي يتم التحقيق معهم ثم يقرر القضاء مصيرهم.

أما قيامها بكل الأدوار من الإدانة اعتمادا على التحريات الخاصة إلى الحكم بالإعدام بغير أي تحقيق، فذلك يهدر أبسط قواعد دولة القانون. التي يتعين الالتزام بها حتي مع من ترفضهم وتبغضهم.
(في التوجيه القرآني: ولا يجرمنكم شنآن قوم «كراهيتهم» على ألا تعدلوا).

في الوقت ذاته فإن مجرد تصنيف بعض المتهمين ــ هكذا ابتداء ــ بأنهم تكفيريون أو إرهابيون لا يبدو مقنعا من الناحية المنطقية ولا كافيا من الناحية القانونية.

 والأخبار التي تنشر بين الحين والآخر عن قتل تكفيريين هنا وهناك أصبحت تمثل اعتداء علنيا على أبسط مبادئ العدالة،
ذلك أن تلك الصفة أصبحت تطلق بحق أناس ليس بناء على تحقيقات واعترافات، ولكن اعتمادا على تقارير وتحريات المؤسسة الأمنية، التي نعرف جيدا أن محكمة النقض لا تعتبرها دليلا للإثبات، وإنما تراها فقط مجرد رأي للجهة التي أجرتها.
وقد يكون المتهمون تكفيريين حقا أو إرهابيين، ولكن ذلك لا ينبغي له أن يؤخذ على محمل الجد إلا بناء على تحقيقات النيابة وليس اعتمادا على تصنيفات الإعلام الأمني وحده.

لقد ذكر وزير الداخلية أن السبعة الذين قتلوا ووصفوا بأنهم خلية التفجيرات والاغتيالات الكبرى سبق لهم أن اشتركوا مع آخرين من عناصر أنصار بيت المقدس في تفجير مديريتي أمن القليوبية والقاهرة.

وكان اللواء هاني عبد اللطيف المتحدث باسم الداخلية قد أعلن في 11 مارس عن مقتل منفذ تفجير مديرية أمن القاهرة، وهو شخص باسم محمد السيد منصور. وشهرته «أبو عبيدة».

هذا الكلام له أهمية خاصة، لأنه في الوقت الذي تحدث فيه وزير الداخلية والمتحدث باسم الوزارة عن اشتراك أنصار بيت المقدس في تفجير مديرتي أمن القليوبية والقاهرة،
 كما أن تلك الجماعة بثت شريط فيديو سجل قيام عناصرها بعملية التفجير، فإن السياسة المصرية ارتأت في حينها شيئا آخر.

 إذ ما أن وقع تفجير القليوبية في 24 ديسمبر عام 2013، فإن مجلس الوزراء اجتمع في اليوم التالي مباشرة (25/12) وأصدر بيانا استهله بالعبارة التالية:
روعت مصر كلها من أقصاها إلى أقصاها فجر أمس الثلاثاء بالجريمة البشعة التي ارتكبتها جماعة الإخوان المسلمين بتفجيرها مديرية أمن الدقهلية وسقوط 16 شهيدا وأكثر من 130 جريحا.. الخ.

وبنى مجلس الوزراء على ذلك قراره باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، يعاقب المنتمون إليها أو المروجون لها بالعقوبات المقررة قانونا لجريمة الإرهاب.
وقرر المجلس إخطار الدول العربية المنضمة لاتفاقية مكافحة الإرهاب بذلك.

هذه الخلفية تشير بوضوح إلى أن قرار بأهمية اعتبار الإخوان جماعة إرهابية انبنى على معلومات غير صحيحة،
واستند إلى هوى سياسي وليس على معلومات موثقة،

 الأمر الذي يدعونا إلى إعادة النظر في الكثير من التداعيات التي ترتبت عليه وتوالت خلال العام الأخير.
فضلا عن أنها تنبهنا إلى ضرورة التثبت من صحة الكثير من المعلومات التي تم تداولها في ذلك السياق.

ولا يزال في حديث وزير الداخلية ما يستحق المناقشة ــ غدا نواصل بإذن الله.

....................

16 سبتمبر، 2014

محاربة الإرهاب بالديمقراطية وليس بالسلاح – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 21 ذو القعدة 1435 16 سبتمبر 2014
محاربة الإرهاب بالديمقراطية وليس بالسلاح – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

إذا صدَّقنا أن تحالفا دوليا سوف يقضي بقوة السلاح على "دولة" داعش وسيوقف الإرهاب، فإننا نكون بذلك قد أخطأنا في التشخيص وفي العلاج.

(1)

أتحدث عن الاجتماعات التي عقدت في جدة يوم 11/9 وفي باريس يوم 15/9، والتي قيل إن 40 دولة شاركت فيها للتصدي لخطر داعش باعتباره رمزا لإعصار الإرهاب الذي ضرب المنطقة.

وهي الاجتماعات التي أثيرت فيها وبعدها مجموعة من الأسئلة حول من سيشارك من الجو ومن سيقاتل على الأرض،
وهل ستكون المشاركة بالجند والسلاح أم بالتسهيلات والمعلومات.
إلى غير ذلك من التفاصيل التي غاصت في الفروع وتجاوزت الأصول والجذور.

قبل أن استطرد فإنني لا أستطيع أن أتجاهل المفارقة التي صرنا بصددها، حين وجدنا أنفسنا بعد ثلاث سنوات قد انتقلنا من التحليق في آفاق الحلم، وارتطمنا بتجليات الكابوس.

 بل إن ما بدا آنذاك (في عام 2011) أنه ربيع عربي أيقظ أشواق التغيير وأشاع قدرا هائلا من التفاؤل بالمستقبل، أصبح يصور الآن من قبل البعض بحسبانه لعنة حلت بالأمة حتى أصبح يشار إليه باعتباره خرابا عربيا عند الحد الأدنى، ومؤامرة عند الحد الأقصى.

بل صار فعل الثورة يوصف بأنه خطيئة وجريمة ويورد المشاركين فيه موارد الشبهة والاتهام.

لن أختلف مع من يقول بأن الربيع العربي لم ينته،
وأن ما نحن بصدده هو جولة في مسار له ما بعده، ولعلي كنت أحد القائلين بذلك.

لكن ذلك لا ينبغي أن يغير من حقيقة توصيف المرحلة التي نحن بصددها، والتي أشرت في مقام آخر، أي أنها من تجليات ربيع الثورة المضادة.

ذلك أن السؤال المطروح الآن لم يعد كيف نوفر العيش في ظل الحرية والكرامة الإنسانية، وهي الشعارات التي رفعتها الثورة المصرية في 25 يناير عام 2011، والتي ما عادت تذكر الآن.

وإنما بات الشاغل الأكبر للجميع هو كيف نواجه الإرهاب ونتصدى للتطرف بكل أشكاله.
ولا تفوتنا هنا ملاحظة أن الشعب، ممثلا في طلائعه التي ثارت، هو الذي رفع الشعارات سابقة الذكر،
 في حين أن أغلب الأنظمة العربية والحكومات الغربية هي التي رفعت رايات الحرب ضد الإرهاب وطوت صفحة الشعارات الأولى، مؤيدة في ذلك ببعض عناصر النخبة وأبواق الإعلام.

(2)

حين انتقلنا من الحلم إلى الكابوس صار شعار المرحلة هو:
 لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ضد الإرهاب.

وقدم الإرهاب باعتباره مشكلة الحاضر والمستقبل والعرب والعجم والعقبة الكأداء التي تهدد الاستقرار والتقدم والحضارة الإنسانية بأسرها.
وظهرت حركة داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، لكي تجسد كل تلك المخاطر وتعتبر دليلها الدامغ.

ولم تقصر الحركة في تثبيت هذه الفكرة، وإنما وفرت كل ما يدل عليها بالصوت والصورة.
لكن أحدا لم يسأل من أين جاءت داعش؟ ومن وراءها؟ وهل كل الآخرين دواعش؟

إن الحرب ضد إرهاب "داعش" التي يجري التحضير لها الآن تكاد تكرر تجربة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم القاعدة ولم ينس أحد وقائعها،
لكن يبدو أن الجميع ــ بمن فيهم واشنطن ــ نسوا درسها.

ومن المفارقات ذات الدلالة أن الاجتماع التنسيقي لإعلان الحرب ضد "داعش" تم في جدة يوم 11 سبتمبر، في ذكرى غارة القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي في منهاتن (عام 2001) الذي دفع واشنطن إلى إعلان حربها ضد إرهاب القاعدة،
 ومن ثم احتلال أفغانستان وغزو العراق في عام 2003.

لقد كان السلاح هو الوسيلة الأساسية التي استخدمت لمواجهة القاعدة، وظن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش، أن المهمة قد اكتملت وأنه انتصر في المعركة.
وفي المواجهة تم تجاهل البيئة الاجتماعية والثقافية التي خرجت منها القاعدة وانتهت بتحالفها مع حركة طالبان.

كما وظفت بعض الأنظمة حينذاك شعار الحرب على الإرهاب لقمع وتصفية حركات المعارضة على أراضيها بمباركة من الجميع.

وانتهى الأمر بسقوط نظام طالبان وضرب تنظيم القاعدة وقتل بن لادن،
لكن الإرهاب لم يتوقف، وتحولت القاعدة من تنظيم جرى إضعافه إلى فكرة انتشرت في أماكن عدة
وترددت أصداؤها في آسيا وإفريقيا ودول المغرب العربي، التي لم يتوقف فيها العنف المسلح تحت مسميات عدة كان الجهاد أبرزها.

ولم يقف الأمر عند ذلك الحد، لأن البذرة وجدت بيئة وتربة مواتية في العراق، فاستنبتت جماعة داعش، التي غدت نموذجا أسوأ وأكثر شراسة وأبعد طموحا من القاعدة ومن طالبان.

لست أشك في أن التحالف العسكري المفترض يمكن أن يقوض أركان دولة داعش، وأن يدمر قواعدها ويقضي على قادتها، وفي المقدمة منهم "الخليفة" أبو بكر البغدادي،

لكن السلاح لن يستطيع بسهولة أن يقضي على المشروع أو الفكرة، لسبب جوهري أنه قد يبيد الشجرة ولكنه سيقف مكتوف الأيدي وعاجزا أمام الفكرة والتربة.

بكلام آخر، فداعش ليس تنظيما أو مجموعة هبطت فجأة على الأرض العراقية، لكنها ثمرة تفاعل عناصر عدة،
 المعلوم منها تداخل فيه غضب أهل السنة مع أشواق بعض المتدينين والصوفية مع بصمات الطبع العراقي مع حنين بقايا جيش صدام حسين،
أما غير المعلوم فالاحتمالات فيه مفتوحة على مصارعها ودور أجهزة المخابرات فيها لا ينكر.

إن شئت فقل إن خلفية داعش تكمن فيها عوامل عدة، اجتماعية وطائفية وسياسية وثقافية.

وهذه كلها لا تصيبها الصواريخ ولا تستطيع أن تصل إليها طائرات "درون" من غير طيار.

ذلك أنها عوامل ثابتة تتحدى أي تحالف عسكري مهما بلغت قوته.
الأهم من ذلك أنها ليست كلها سلبية، لأنها لا تخلو من إيجابية،
ويظل التحدي الاجتماعي والسياسي هو كيف يمكن إنضاج ما هو إيجابي وتطويق ما هو سلبي.
وذلك لا يتم إلا من خلال عمل سياسي وثقافي ولا يجدي فيه العمل العسكري، الذي يمكن أن يثمر نتيجة عكسية، بحيث يعزز مكانه ما هو سلبي ويحاصر ويقطع الطريق على ما هو إيجابي.

(3)

ما الذي جرى للعالم العربي؟
 ــ كان ذلك سؤال الموضوع الرئيسي لمجلس الإيكونوميست البريطانية الذي صدر في الخامس من شهر يوليو الماضي.
وكان عنوان الغلاف هو: مأساة العرب.

ذكَّر تقرير المجلة القارئ الغربي بأن بغداد ودمشق والقاهرة كانت يوما ما منارات العلم والمعرفة والتقدم في العالم.
كما أن الإسلام اقترن بالإبداع والتسامح وحرية الاعتقاد والتجارة،

ولكن ذلك كله انقلب رأسا على عقب الآن، بحيث ساءت سمعة عالم العرب وعواصمه،
كما شوه الإسلام وأصبحت الصورة التي يطالعها العالم عنه مثيرة للنفور والاشمئزاز،

بوجه أخص فإن التقرير وصف بالتفصيل ما جرى في العالم العربي في أعقاب السنوات الثلاث الأخيرة (ابتداء من عام 2011) وكيف أن الآمال التي كانت معقودة على انطلاقة نحو المستقبل تراجعت واحدا بعد الآخر،
ولم ينج من ذلك التراجع سوى دولة واحدة هي تونس، التي احتفظت بزخم الثورة ولا تزال تتمسك بالمسار الديمقراطي.

تحدث التقرير عن القلق ومخاوف الأقليات وعدم الاستقرار في العالم العربي،
وكيف أن ذلك كله إذا كان قد ظهر في بعض دول «الربيع» التي تغيرت فيها الأنظمة،
إلا أنها تشمل أيضا الدول النفطية الغنية، التي توحي ظواهر الأمور باستقرارها.

ذلك أن تلك الدول الأخيرة إذا كان قد عم فيها الإشباع والوفرة الاقتصادية، إلا أنها تعاني الحاجة الملحة إلى الإصلاح السياسي، الذي تقاومه بشدة الأنظمة المحافظة المهيمنة.

من الملاحظات المهمة التي سجلها التقدير أن صوت التطرف عال ومسموع في العالم العربي، لكن صوت الاعتدال خافت، في حين أن المجتمع المدني هش ولا حضور يذر له.
الأمر الذي لا يوفر فرصة كافية للتفاؤل بمستقبل الاستقرار والديمقراطية في العالم العربي.

(4)

تقرير مجلة الإيكونوميست يبدو وكأنه استطلاع يؤيد ما ذهب إليه العلامة عبد الرحمن الكواكبي (1854 ــ 1902) في كتابة طبائع الاستبداد.
وهو الذي أرجع كل مفاسد المجتمع وشروره إلى شيوع الاستبداد وغياب الديمقراطية بتعبيرنا المعاصر،

ذلك أن تقرير المجلة البريطانية خلص إلى أن مشكلة العالم العربي الحقيقية تكمن في افتقاده إلى الإصلاح السياسي الذي يعلي من شأن قيم المساواة والمشاركة والتعددية السياسية والشفافية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون...إلخ.

أدري أن هذا التحليل يصعب القبول به في الأجواء العربية الراهنة،
 وأن المحتشدين في اجتماعات جدة أو باريس أو أي اجتماعات إقليمية أخرى على استعداد للذهاب إلى أبعد مدى في الحرب ضد الإرهاب، الذي يبدأ بداعش وينتهي بأي معارضة سياسية داخلية،
إلا أنهم على غير استعداد للتقدم خطوة واحدة باتجاه الإصلاح السياسي أو الديمقراطي.

 بل لعلي لا أبالغ إذا قلت الدول الأكثر حماسا لمواجهة الإرهاب في العالم العربي هي ذاتها التي تعارض الإصلاح السياسي وتتقدم صفوف الثورة المضادة.

لا أعرف عاقلا يمكن أن يدافع عن الإرهاب أو يبرره، خصوصا إذا تم التعامل معه في حدود كونه عملا يتوسل بالعنف والتخويف لفرض الرأي بالإكراه على الآخرين،
لكن الحوار الذي نحن بصدده يتلمس الطريق نحو اتباع أفضل السبل وأنجحها لمقاومة الإرهاب. 

من هذه الزاوية يرشح الإصلاح السياسي والتطبيق الديمقراطي كمدخل رئيسي ووحيد لتحقيق تلك الغاية.

ومعلوم أن ذلك ليس من شأنه بالضرورة القضاء على الإرهاب، لكن الذي لا شك فيه أنه يقلص من وجوده ويبطل الكثير من الذرائع المؤدية إليه.

إن داعش ومشروعها وأي مشروع آخر من جنس ما تنادي به وتتبناه لا يقضى عليه بأي تحالف عسكري،
لكنه يمكن أن يختنق ويموت في بيئة ديمقراطية من شأن قيمها أن تذوب وتهذب حدة التجاذبات والتقاطعات الاجتماعية والطائفية وحتى السياسية والثقافية.
لكن ذلك كله يحتاج إلى بيئة مواتية تختلف عن تلك المسكونة بالمرارات والمظالم المخيمة في العالم العربي.

إن طريق السلامة بيِّن وطريق الندامة أبيَن، وعلينا أن نختار:
 إما أن نواجه الإرهاب بالإصلاح السياسي والديمقراطية،
أو نواجهه بالصواريخ والمدرعات وطائرات درون.

 وسالك الطريق الأول يذهب ويعود سالما وغانما،
 أما سالك الطريق الثاني فهو ذاهب إلى مغامرة لا نعرف كيف سيرجع منها.

................

Delete this element to display blogger navbar