Subscribe:

Ads 468x60px

28 يوليو، 2014

يعبرون عن أسوأ ما فينا

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 1 شوال  1435 – 28 يوليو 2014
يعبرون عن أسوأ ما فينا – فهمي هويدي

لا أعرف كيف نعتذر للعالم العربي عن تدهور خطابنا الإعلامي،
ولا كيف نقنع أشقاءنا في المشرق والمغرب بأن انهيار قيمه فيما تبثه أغلب المنابر الإعلامية لا يمثلنا ولكنه يعبر عن أسوأ ما فينا.

أقول ذلك في حين مازلنا في مصر نحاول بالاعتذار وبشتى طرق التصالح الأخرى إزالة آثار الإهانة التي وجهتها إحدى المذيعات للشعب المغربي.

كما يحاول ممثل مصر في رام الله التنصل مما صدر عن «إعلامي» آخر مهينا للشعب الفلسطيني،

وما كتبته إعلامية أخرى أعربت فيه عن حفاوتها بالغارات الإسرائيلية على غزة وما تفوهت به إعلامية شابة استخفت بقتل الفلسطينيين واعتبرت أنه لا غضاضة في ذلك وأن مصر لا شأن لها بما يجري هناك.

هذا قليل من كثير يلحظه كل من تابع أداء الإعلام المصري، والتلفزيوني منه بوجه أخص. بعدما تحول أغلب مقدمي برامجه الحوارية، الرجال منه والنساء، إلى «نشطاء» يوجهون الرأي العام ويعظون المشاهدين كل يوم بآرائهم في مختلف القضايا العامة.
حتى صاروا هم مقدمو البرامج وهم الضيوف وهم السائلون وهم المجيبون وهم المذيعون وهم المعقبون.

وبسبب تواضع معارفهم ومحدودية قدراتهم، فإنهم أساءوا إلى المهنة بقدر ما أساءوا إلى مصر.

 إزاء ذلك لم يكن مفاجئا أن تتراجع نسبة مشاهدي البرامج الحوارية بشكل ملحوظ في داخل مصر ذاتها، حتى سمعت من أخبر الخبراء أن نسبة المشاهدين الآن هبطت إلى ثلث ما كانت عليه في السابق.
 الأمر الذي يعني أن ثلثي المشاهدين في مصر ملوا متابعة تلك البرامج وانصرفوا عنها.

ليس الأمر مقصورا على التدهور في الأداء المهني، لأن الأداء السياسي شهد مستويات عدة من التدهور
ذلك أنهم منذ تحولوا إلى «نشطاء» انخرطوا في الاستقطاب وتنافسوا في ركوب الموجة والدفاع عن سياسات النظام القائم.
وتراوحت مرافعاتهم اليومية بين الهبوط في الأفكار والتغليط في المعلومات والبذاءة في التعبير.
 بحيث أصبح أداء الإعلام المصري بمثابة سلسلة من الفضائح التي أسهمت في تشويه صورة البلد في الخارج ولطخت سمعتها.

إذا أردنا أن نكون أكثر دقة وإنصافا فربما جاز لنا أن نقول إن ذلك الأداء المتدني ليس بعيدا تماما عن السياسة.
ليس فقط لأن بعض الأبواق عالية الصوت التي تسهم بقسط أوفر في الابتذال والتجريح وثيقة الصلة بالأجهزة التحتية،

ولكن أيضا لأننا نلاحظ أن مدفعية التجريح وسيل الإهانات والبذاءات عادة ما تستهدف المخالفين من دول الإقليم.
وهو ما يسوغ لي أن أقول إن حملة الاعتذارات للمملكة المغربية ليس سببها أن عبارات مهينة وجهتها إحدى المذيعات لذلك البلد الشقيق،
وإنما السبب الحقيقي لها أن المغرب يحتفظ بعلاقات طيبة مع مصر، وأن المملكة ليست من الدول المخالفة لسياساتها.

دليلي على ذلك أن مثل هذه العبارات وما هو أسوأ منها وجهت إلى دول أخرى على خلاف مع مصر، وتم التسامح معها ولم يعتذر عنها.
 كأن هبوط المستوى ليس مزعجا لنا بحد ذاته، ولكننا نتحفظ عليه فقط حين يستهدف إحدى الدول الصديقة.

إذا وسعنا الدائرة فسنجد أن المشكلة تكمن في رسوخ فكرة استباحة الآخر المغاير والمخالف، سواء كان في الداخل أو الخارج.

ذلك أننا نشهد تلك الاستباحة مع المخالفين في الداخل تماما كما تشهدها مع المخالفين في الخارج.

والقاعدة الحاكمة لذلك الموقف هي أنه «لا كرامة لمخالف».

وحين يكون الأمر كذلك فإن الباب يصبح مفتوحا على مصراعيه لمختلف صور التجريح والتجاوز والاستباحة.
وهذه الأخيرة تصبح بلا سقف.

وإذا لاحظنا أن المخالف في الداخل حتى إذا كان من الحلفاء يلاحق باتهامات من قبيل الانخراط في الطابور الخامس والخيانة والعمالة والإرهاب أحيانا.
كما يشهر به بالتسجيلات وما أدراك ما هي، فلك أن تتصور مدى تلك الاستباحة حين يتعلق الأمر بدولة شقيقة ولا يكون هناك سقف للتشويه والتجريح والسباب.

الإعلام المكتوب ليس أفضل كثيرا من المرئي أو المسموع، ذلك أن جرأة بعض العاملين فيه ذهبت إلى حد إهدار أبسط قواعد المهنة وبديهياتها،

آية ذلك مثلا أنني تلقيت هذا الأسبوع رسالة من الدكتورة ريما خلف مساعد الأمين العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
شكت فيها من أن جريدة الدستور المصرية نسبت إليها حوارا امتدحت فيه النظام القائم، ووصفت تسلم الرئيس السيسي وثيقة حكم مصر باعتباره «مرحلة جديدة في تاريخ العرب».

ولما كان الحوار مختلقا ولا أساس له، فإنها طلبت من مكتب الإعلام التابع للأمم المتحدة أن يبلغ الصحيفة بذلك لكي تصحح الوضع وتعتذر عنه،
وحين تم ذلك فإنها لم تقم بأي إجراء.

سألتني الدكتورة ريما، النائب السابق لرئيس الوزراء بالأردن، ماذا تفعل في هذه الحالة؟
 لم أستطع أن أرد على السؤال لأنني اعتبرت ما جرى معها جزءا من مشكلة كبرى نعاني منها، حتى سولت لي نفسي أن أعتبرها محظوظة، وأدعوها لأن تحمد الله على أن التدليس والافتراء عليها وقف عند ذلك الحد(!).

....................

27 يوليو، 2014

جنرالات سوريا على خطى جنرالات الجزائر

صحيفة الشرق القطريه الأحد 29 رمضان  1435 – 27 يوليو 2014
جنرالات سوريا على خطى جنرالات الجزائر – فهمي هويدي

حذرنا منذ الأشهر الأولى للثورة السورية من تكرار السيناريو الجزائري في سوريا بحذافيره.

واعتمدنا وقتها على معطيات موضوعية صلبة،
فالنظامان الجزائري والسوري متشابهان في الكثير من النواحي،

فهما يقومان بالدرجة الأولى على المؤسستين الأمنية والعسكرية.
 صحيح أن كل الأنظمة العربية تعتمد على المخابرات والعسكر،
 لكن الطبيعة الأمنية والعسكرية للنظامين الجزائري والسوري تنفرد عن البقية من حيث عمقها وتشابكها وصلابتها.

 ربما يختلف النظام الجزائري عن السوري بأن الرئيس في الحالة الجزائرية هو مجرد واجهة للعسكر والأمن،
بينما يظهر الرئيس في سوريا على أنه المحرك والآمر للمؤسستين العسكرية والأمنية.

مع ذلك، هناك من يرى أنه حتى ذلك الاختلاف غير موجود، فبعض جنرالات الأمن السوريين يتفاخرون في جلساتهم الخاصة بأنهم هم صانعو الرؤساء، وليس العكس.
ويذكر أحد كبار الجنرالات السوريين حرفياً أن المؤسسة الأمنية ارتأت بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد أن يستمر الحكم في شخص ابنه بشار، وكان لها ما ارتأت، وما أرادت.

ونظراً لتشابه النظامين السوري والجزائري، فكان لابد من تعاون وحتى تواطؤ بينهما للحفاظ على تلك التركيبة الفريدة في الحياة السياسية العربية.

من المعروف للجميع أن النظام الجزائري وقف مع نظام الأسد منذ اللحظة الأولى، وقد شاهدنا ممثل الجزائر في اجتماعات الجامعة العربية يعارض كل الإجراءات التي لجأت إليها الجامعة لمعاقبة النظام السوري.

 ولم يتوقف الدعم عند الجانب الدبلوماسي والسياسي، بل امتد إلى الجانب العسكري والأمني، بحيث يؤكد بعض العارفين على أن الجزائر قدمت دعماً عسكرياً ومخابراتياً كبيراً للرئيس السوري.

والأهم من ذلك أنها ساندته بخططها وألاعيبها الأمنية المجربة منذ تسعينيات القرن الماضي في المواجهة مع الإسلاميين،
 خاصة أن نظام الرئيس حافظ الأسد كان بدوره قد قدم خبرته في قمع الإخوان المسلمين في الثمانينيات لنظيره الجزائري في التسعينيات.
وكان لابد من رد الجميل، ولا يخفى على أحد أن هناك عاملاً مشتركاً آخر يلعب لصالح النظام السوري،

فالعلاقات بين الجزائر وإيران لها خصوصية.
ولعلنا نتذكر أن الجزائر كانت تقوم برعاية المصالح الإيرانية أيام القطيعة الدبلوماسية بين أمريكا وإيران، مما يجعل نظام الأسد والجزائر وإيران حلفاً واحداً.

البعض يحاول أن يفصل بين الوضعين السوري والجزائري بالقول إن ما حدث في الجزائر في بداية تسعينيات القرن الماضي لم يكن ثورة شعبية بأي حال من الأحوال كما هو الوضع في سوريا، وبالتالي، فلا مجال للمقارنة.
لكن الحقيقة أن الوضعين متشابهان إلى حد كبير،

فما حدث في الجزائر أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ فازت في الانتخابات وقتها بنسبة كبيرة، فانقلب الجنرالات عليها، ولاحقوها ووصموها بالإرهاب، فدخلت معهم في صراع مشروع على اعتبار أنها كانت وقتها تمثل الضمير الشعبي المطالب بالتغيير والانعتاق من قبضة العسكر، فتطور الصراع بين نظام مستبد وحركة شعبية.

ولو نظرنا إلى الوضع السوري سنجد أنه قريب جداً من الوضع الجزائري.
صحيح أن الشعب السوري انتفض بشكل عفوي دون وجود حركات إسلامية أو سياسية تقوده،
 إلا أن النظام عمل لاحقاً على إلباس الثورة لباساً إسلامياً متطرفاً،
 فأخرج الكثير من القادة المتطرفين من سجونه،
وفتح الحدود أمام المتطرفين الأجانب كما يؤكد الدبلوماسي السوري بسام بربندي،
وسمح لهم بمقاتلته كي يظهر أمام السوريين والخارج على أنه يواجه جماعات إسلامية إرهابية متطرفة.

ولا ننسى كيف تلاقت لاحقاً مصالح النظام مع مصالح "داعش" وغيرها في ضرب الحراك الثوري المتمثل بالجيش الحر، وتحويل الأنظار من الثورة الأصلية إلى الجماعات المتطرفة

لسنا في واقع الأمر بحاجة للكثير من الجهد لرؤية ملامح التشابه في طريقة التعامل مع حركات المعارضة في التجربتين الجزائرية والسورية.

 عندما أراد النظام الجزائري أن يحبط تحركات خصومه ألبسها ثوباً إسلامياً متطرفاً، وراح يواجهها على أنها إرهاب.
لا بل وصل الأمر به إلى تصنيع حركات إسلامية جهادية إرهابية في أقبيته الأمنية، ووجهها للقيام بالكثير من الأعمال الإرهابية حتى ضد مؤسسات الدولة الحيوية،
وذلك كي يعطي لنفسه المبرر في سحق الحراك الشعبي أو أي قوى معارضة، بحجة أنها إرهابية.
وقد لاقى نظام المخابرات الجزائري وقتها دعماً داخلياً ودولياً كمكافح للإرهاب.

 من منا لا يتذكر جماعة "الجيا" "GIA" الجماعة الإسلامية المسلحة التي صنعها نظام الجنرالات كي يواجه بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟
وظل نظام الجنرالات يخوض معاركه ضد خصومه على مدى عقد كامل من الزمان مستفيداً من همروجة الإرهاب، وانتهى الأمر بانتصاره،
وفرض شروطه على الخصوم وعلى الشعب الجزائري الذي نسي كل مطالبه السياسية، وقبل بشروط الجنرالات بعد أن أوصلوه إلى وضع كارثي مزر جعله يقبل بالعودة إلى حضن النظام بعد أن قدم له الجنرالات البديل الإسلامي المتطرف على مدى سنوات، وخوفوه به ليل نهار،
فتمكن النظام بألاعيبه و"مصالحاته" وحركاته "الوئامية" الأمنية من إعادة البلاد إلى بيت الطاعة دون أن يقدم تنازلاً واحداً من قبضته الأمنية والعسكرية على مقاليد الحكم في البلاد.

لاحظوا الآن نفس السيناريو في سوريا، فلا ننسى مثلاً أن النظام الجزائري ترك بعض المناطق تحت قبضة بعض الجماعات، كما يفعل النظام السوري الآن في شمال سوريا.
والهدف من ذلك تركها تعاني من التهميش وسطوة المتطرفين بحيث تتوسل العودة إلى حضن الدولة فيما بعد.

في الآن ذاته يتكرر السيناريو الجزائري سورياً في لعبة "المصالحات" المفروضة بالحديد والنار والتجويع والتركيع وفرمانات العفو الكاذبة..

قارنوا قانون الوئام والمصالحة الجزائري مع المراسيم السورية الجديدة التي تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن الجزائرية.
يسمونها مصالحات، وعفا الله عما مضى، بشرط أن يعفو الشعب عن كل ما اقترفه النظام، وألا يطالب بأي تغيير سياسي، وأن يبقى كل شيء على حاله،

 تماماً كما حدث في الجزائر، حيث بقي نظام الجنرالات كما هو رغم موت مئات الألوف من الجزائريين، وخراب البلاد.

لاحظوا أن خطاب القسم للرئيس السوري لم يتضمن تنازلاً واحداً للشعب رغم تهجير نصف الشعب وقتل مئات الألوف وتدمير مناطق بأكملها،
ناهيك عن أن العارفين ببواطن الأمور في سوريا يتحدثون الآن عن تقوية الأجهزة الأمنية وجعلها أكثر صلابة، مما يعني أن النظام يريد أن يستمر في نظامه الأمني بشكل أعتى

لكن مع الاعتراف بالكثير من التشابه بين الجزائر وسوريا، فلابد من الإشارة أيضاً إلى أن الوضع مختلف تماماً، من حيث الموقع الجغرافي، والتركيبة الديموغرافية والعامل الإقليمي والعربي والدولي.

لكن بما أن النظام السوري يعتقد أن القبضة الأمنية هو علاج لكل شيء، فهو يظن أن التجربة الجزائرية يمكن أن تولد من جديد في سوريا.

لكن ذلك لا يعتمد بأي حال من الأحوال على رغباته وخططه، بقدر ما يعتمد على النوايا الدولية، فلو كان هناك نية دولية لإبقائه فسينجح النموذج الجزائري.

لكن عندما نسمع أحد منظّري النظام عماد فوزي شعيبي يقول:
 "لا أحد بالمطلق (بمن فيهم النظام) يعرف كيف سيكون غد سوريا"،

عندئذ يصبح تشبيه الوضع السوري بالجزائري كتشبيه المريخ بالبطيخ لمجرد تشابه بعض الحروف.

......................

26 يوليو، 2014

مصر تساند إسرائيل والمبادرة لإحراج الفلسطينيين (حوار)

موقع التلفزيون الألماني (DW) الاثنين 23 رمضان 1435 – 21 يوليو 2014
مصر تساند إسرائيل والمبادرة لإحراج الفلسطينيين - فهمي هويدي (حوار)

وسط اتهامات لمصر بمساندة إسرائيل على حساب أهل قطاع غزة، التقتDW عربية بالمفكر والكاتب المصري فهمي هويدي، لتسأله عن قراءته للمبادرة المصرية والدور الذي يمكن للقاهرة لعبه في سبيل تحقيق التهدئة.

أعلنت مصر قبل أكثر من أسبوع مبادرة للتهدئة بين الإسرائيليين والفصائل المسلحة في قطاع غزة، ما لبتت أن قوبلت برفض قاطع من قبل حركتي "حماس" و"الجهاد" باعتبار أنها لا تلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية وعلى رأسها فك الحصار عن قطاع غزة والالتزام باتفاق التهدئة لعام 2012.

وقد فجرت هذه المبادرة موجة من الانتقادات اتهمت مصر بالتحيز لصالح الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين، وذلك في ظل توتر غير مسبوق تمر منه العلاقة بين حماس ومصر السيسي التي اعتبرت أن حركة "حماس" تهدد أمنها القومي.

وحول هذه المبادرة ومدى قدرة القاهرة لتحقيق التهدئة المنشودة أجرت DW عربية حوارا مع المفكر الإسلامي فهمي هويدي أوضح فيه موقفه من المبادرة، معتبرا أن القاهرة لم تبدأ بداية صحيحة لحل الأزمة.

DWعربية: ما تقييمك للموقف المصري منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة؟

فهمي هويدي: الموقف المصري في بداية العملية العسكرية تحدث في بياناته الرسمية عن عدوان إسرائيلي على قطاع غزة
وبعدها بـأربع وعشرين ساعة، وجدناه يتحدث عن عنف متبادل وعنف مضاد ويتحدث عن الطرف الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية كأنهما على قدم المساواة،
ثم الخطوة الثالثة يتحدث عن أعمال عدائية من الطرفين..
ليس هذا فحسب وإنما عندما أصدر المبادرة جرى التنسيق فيها مع إسرائيل ولم يتواصل مع المقاومة الفلسطينية وهذا خطأ بروتوكولي، لأنه كان يجب على الأقل أن يتشاور مع الطرفين حتى يرى ماذا يقبل كل منهما،

ثم يكمل النظام المصري الحكاية بمنع قافلة الإغاثة، في ظروف يبدو فيها الطريق مفتوحا بين القاهرة وتل أبيب، ومغلقا ومقطوعا بين القاهرة وغزة.
وهذا أشعر البعض بأن مصر وإسرائيل يد واحدة في مواجهة الفلسطينيين، وهذا أمر مشين تاريخياً في هذه الظروف،
كما أن هناك انحيازاً واضحاً من الدول الخليجية إلى إسرائيل مثل السعودية والإمارات التي أعلنت في البداية تأييدها للمبادرة على لسان وزير خارجيتها عبدالله بن زايد.

DWعربية :هل أثرت الخصومة مع حماس على موقف مصر؟
فهمي هويدي: النظام لديه خصومة مع حماس، لكنه كان يقول إن حماس ليست غزة..
لكن عندما منع التعاطف الشعبي بمنع قافلة الإغاثة أضاف حجة جديدة لمن يرى أن هناك انحيازا لإسرائيل..
الانحياز كان موجوداً في عهد مبارك لكن لم يكن بهذه الفجاجة، لأن الانحياز كان يلعب بشكل مختلف،
وهذا يعطي انطباعا بأن الزواج العرفي الذي كان موجودا في السابق بين مصر وإسرائيل في عهد مبارك يكاد يتحول الآن إلى زواج رسمي،
خاصة عندما نجد مصر تسعى لتحسين صورة إسرائيل في المنطقة وتبرر للمجازر التي تجرى الآن في غزة تحت مظلة أن إسرائيل مضطرة لأن تدافع عن نفسها.

DWعربية :وما رأيك في نص المبادرة؟
فهمي هويدي: كانت المبادرة "تعجيزية" بالنسبة للمقاومة، وهذا يفتح الباب لسوء الظن كأنك تقدم شيئا وأنت تعلم أنهم سيرفضونه، وأن إسرائيل إذا بالغت في رد العنف فإنها بريئة لأن الطرف الآخر هو الذي رفض المبادرة..
الملابسات كلها تعطي انطباعا أنها لم تكن مبادرة بقدر ما أنها فخ نصب للفلسطينيين فوقعوا فيه برفضها.

DWعربية :هل رفض حماس للمبادرة المصرية كان لإحراج مصر؟
فهمي هويدي: لا يريد الفلسطينيون إحراج مصر.. العكس هو الصحيح؛ مصر هي التي أرادت إحراج حماس ..
ومصر طوال السنوات الماضية أرادت تشويه صورة حماس واتهامها بأنها وراء ثورة 25 يناير، بالرغم من أنه لم يبد تورطها في أي شيء تم اتهامها فيه..

هم يرون أنه تم تجاهلهم واحتقارهم عندما أطلقنا مبادرة لوقف النار بدون أي مشاورات معهم وبدون أي ضمانات أيضا،
مما يدل على أنك لا تريد إنهاء الأزمة بقدر ما أنك تريد عودة الوضع إلى ما كان عليه وكل الخراب سيعود مرة أخرى، بعدما دفع الفلسطينيون ثمنا غاليا.
 والآن تطلب مصر أن تجلس المقاومة مع عدوها وكأن شيئا لم يحدث.

DWعربية :حمل وزير الخارجية سامح شكري محور حماس تركيا قطر مسؤولية إفشال دور مصر في المنطقة، كيف ترى تصريحاته؟
فهمي هويدي: هذا كلام مبالغ فيه فرفض المبادرة تم قبل أن يتم أي تنسيق بين الفصائل المقاومة وقطر كما أن حركة الجهاد رفضتها قبل أن ترفضها حركة حماس ..
هم بحثوا بعد ذلك عن حلفاء.. وليس كل تأييد لموقف هو تعبير عن تحالف استراتيجي ..
لابد أن نفرق بين ما هو تكتيكيا وفرعيا وبين ما هو استراتيجي.

DWعربية :ألم يقم النظام بمصر بمشاورات مع أبو مازن الذي يعتبر رئيسا لكل الفلسطينيين؟
فهمي هويدي: أبو مازن ليس له علاقة بالمقاومة .. والتجربة المصرية كانت تقوم على إجراء مشاورات مع المقاومة حتى أيام مبارك ..
هذه أول مرة لا يتم فيها التشاور مع حماس والمقاومة قبل الإعلان عن المبادرة..
فحتى أيام مبارك وعمر سليمان كانوا يتشاورون مع المقاومة أولا مباشرة، ثم يأتي أبو مازن لتغطية المبادرة بعدما يتم الاتفاق عليها بشكل شرفي وبروتوكولي،
 كما أن النظام يعرف جيدا أن ابو مازن ضد المقاومة لكن النظام "استعبط" وقال إن أبو مازن هو رئيس كل الفلسطينيين وهو لا يمثل المقاومة.

DWعربية :قال سامح شكري أيضا لو وافقت حماس على المبادرة منذ البداية، لمنعت سقوط كل هؤلاء القتلى، ما رأيك في هذا الحديث؟
فهمي هويدي: هذا الكلام خطأ كبير، والعكس هو الصحيح.. فلو كانت مصر تشاورت مع المقاومة الفلسطينية قبل إطلاق المبادرة لكان الوضع أفضل. الخطأ أصلا من جانب مصر لأنها لم تبدأ بداية صحيحة لحل الأزمة، وتاريخياً هذا لم يكن تقليداً في خبرة التفاوض المصري.

DWعربية:الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي رمضان شلح أعلن صراحة أنه لا يمكن لهذه الحرب أن تتوقف بدون الدور المصري.. فما الحل إذا كانت مصر طرفا أساسيا وهناك خصومة بين حماس والقاهرة؟

فهمي هويدي: على رأي عبد الحليم حافظ "اللي شبكنا يخلصنا" ..
يجب تطوير المبادرة المصرية ولابد أن يكون لها تعديل ..
 أبو مازن يدور على نفسه وفي النهاية سيجلس مع خالد مشعل في الدوحة ..
يمكن لمصر بأن لا تعدل المبادرة لكن عليها على الأقل إعطاء ضمانات..
الكرة في الملعب المصري ..
هو المسؤول عن تعديل موقفه حتى يكون على مسافة واحدة بين الطرفين،
وهذا يتم من خلال أمرين هما
دخول الجرحى والمصابين الفلسطينيين،
ودخول قوافل الإغاثة وتوفير ضمانات ملحقة بالمبادرة.

DWعربية:ما هو الدور الذي يمكن للقاهرة لعبه لإنهاء الأزمة، وهل تتوفر على أوراق ضغط؟
فهمي هويدي: تقلصت علاقة مصر بالقضية الفلسطينية إلى حدود معبر رفح وهذا تفريط كبير في الدور المصري الذي يجب استعادته..
نحن نحتاج لأن يكون لدينا موقف متوازن ..
لا نريد خصومة مع إسرائيل ولكن على الأقل علاقات متوازنة لأنه واضح جدا أن النظام المصري أقرب إلى إسرائيل ويضغط لصالح إسرائيل..

كنت أتمنى أن تدخل القافلة إلى غزة ويقال إننا مع الشعب الفلسطيني وليس مع حماس ..
لابد من تلطيف الأجواء وسمعنا كلاما هادئا من قيادات حركة حماس تجاه مصر فنحتاج لأن نرى تهدئة من جانب مصر بأي شكل.

.......................

مصر الحل والمشكلة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 28 رمضان  1435 – 26 يوليو 2014
مصر الحل والمشكلة – فهمي هويدي

في التعامل مع الحرب الدائرة في غزة لا يجادل أحد في أن مصر جزء من الحل.
 لكن كثيرين لا ينتبهون إلى انها أصبحت جزءا من المشكلة أيضا.

 هي جزء من الحل ليس فقط لأنها -وهي الدولة العربية الأكبر- قدمت مبادرة لقيت تأييدا من أطراف عدة عربية ودولية، ولكن لأنها صارت كذلك بأمر الجغرافيا أيضا.
 أعني أن الاعتبارات الجغرافية جعلت مصر هي المنفذ العربي الوحيد الذي يستطيع الفلسطينيون في القطاع ان يتواصلوا من خلاله مع العالم الخارجي.
حتى أزعم أنه في ظل التراجعات المستمرة للسياسة الخارجية المصرية خلال العقود الأربعة الماضية.
 فإن تلك العلاقة الجغرافية كادت تصبح الخيط الوحيد الذي بات يربط مصر بالقضية الفلسطينية.
من ثم فإنه بسبب الجيرة والمعبر فإن مصر صارت ممسكة بأحد مفاتيح الحل وبات متعذرا تجاهلها في أي محاولة لتجاوز المأزق الراهن.

جوهر المشكلة التي أصبحت تمثلها مصر يكمن في ان الصراع الداخلي القائم بين السلطة والإخوان ألقى بظلاله على موقف مصر من الصراع العربي الإسرائيلي.
 إذ من المعلوم أن الحكومة المصرية تجاهلت حماس في تعاملها من الأزمة وكان تنسيقها الأساسي مع الطرف الإسرائيلي.

وما تردد من ان الرئيس محمود عباس كان في الصورة حق أريد به تمييع الموضوع والالتفاف عليه.
لأنه رئيس السلطة حقا لكنه لم يكن يوما ما طرفا في أي اتصالات تخص المقاومة، التي ما برح يعلن رفضها من الأساس في كل مناسبة وأحيانا بغير مناسبة.

وبهذه المناسبة فلا مفر من الاعتراف بأن تجاهل حماس والتنسيق مع إسرائيل وفر للأخيرة غطاء جيدا وفرصة مكنتها من تكثيف غاراتها وتشديد ضرباتها للفلسطينيين في القطاع.
 لأن إسرائيل حين سارعت إلى الموافقة على المبادرة في حين رفضتها حماس والجهاد، بدت إسرائيل وكأنها الطرف المسالم المتحمس لوقف القتال في حين أن فصائل المقاومة هي الراغبة في استمراره،
وهو ما تذرعت به لمضاعفة غاراتها وصواريخها بدعوى «الدفاع عن النفس»!
الأمر الذي فتح الباب لإساءة الظن بالموقف المصري وتصويره بحسبانه قاصدا تعجيز المقاومة، لتمكين إسرائيل من تحقيق مرادها.

لقد دعت المبادرة إلى وقف إطلاق النار على ان يجتمع الجانبان في القاهرة للاتفاق على الخطوات التالية.
ولأن المقاومة الفلسطينية لها خبرة طويلة مع المراوغات الإسرائيلية فإنها رفضت وقف إطلاق النار قبل الاتفاق على عدة نقاط لا تسمح للوضع السابق بأن يعود كما كان، وكأن حصيلة الثمن الباهظ الذي دفع صفر.

حين خاصمت مصر الرسمية حماس وألحقتها بمعركتها مع الإخوان، ولأن حماس والجهاد هما الطرف الأساسي الآخر في المعادلة، فإنها تخلت بذلك عن دورها كوسيط بين الطرفين، حيث بدا أنها تقف إلى جانب طرف دون آخر.

وللعلم فإن مصر الرسمية لم تخاطب حركة حماس حتى الآن، رغم أنها من يقود المعركة في غزة.
ولم تتصل مع أحد من قياداتها طوال الاسبوعين الماضيين، أي منذ بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع.

بسبب تلك القطيعة فإن إسرائيل حين طلبت وقف إطلاق النار بعد الخسائر التي منيت بها وبعدما فضحتها حملة الإبادة التي شنتها على مدن القطاع، فإنها لم تخاطب مصر بعد تخليها على دور الوسيط، وقام بالمهمة جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الذي نقل الرسالة إلى الأتراك والقطريين.أقرب دول المنطقة إلى حماس في الوقت الراهن.

روى القصة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة في المؤتمر الصحفي الذي عقده بالدوحة يوم الأربعاء الماضي 23/7،
وأعلن فيه أن المقاومة لها شروطها التي تدعو إلى التوافق عليها قبل وقف إطلاق النار وقبل المشاركة في مؤتمر الفصائل الذي يفترض أن يعقد بالقاهرة.

من المعلومات التي تم تداولها في هذا الصدد ان مصر تمسكت بمبادرتها، ولم تمانع في إدخال بعض التعديلات عليها شريطة ان توافق عليها كل الأطراف (حماس الجهاد وأبو مازن وإسرائيل)،
على الأقل فذلك ما ذكرته صحيفة «هآرتس» في تحليل كتبه تسفي برئيل نشر يوم 23/7.
وبدا ذلك شرطا تعجيزيا آخر يثير تساؤلا حول تجاهل التوافق في إطلاق المبادرة والدعوة إليه في تعديلها.

تتداول الأوساط المعنية بالموضوع أيضا أن الأمريكيين حريصون على إشراك أبو مازن في تفاصيل محاولات وقف إطلاق النار، وهو ما لم يكن مألوفا في التجارب المماثلة السابقة،
وأغلب الظن أن ذلك راجع إلى اطمئنان الأمريكيين إلى موقف الرئيس الفلسطيني، فضلا ان اشتراكه مع الفصائل المقاتلة قد يحسن من رصيد شعبيته الذي تراجع كثيرا في الفترة الأخيرة.

مما يثير الانتباه في هذا السياق ان مصر في الاتصالات الجارية اعتذرت عن استقبال السيد خالد مشعل إذا ما قدر لرؤساء الفصائل ان يجتمعوا في القاهرة،
 كما أنها أبدت رغبة في ان تختار من جانبها أعضاء الوفد الذي يمثل حركة حماس في ذلك الاجتماع.

وفهم من الملاحظتين ان القاهرة لم تتجاهل حماس في إطلاق المبادرة فحسب، ولكنها حريصة على التهوين من شأنها وتهميش دورها في اي اجتماعات تعقد بخصوصها في العاصمة المصرية.

 وإذا صحت هذه المعلومات ولم يتم التراجع عنها، فأغلب الظن أن حماس سترفض أيضا المشاركة في تلك الاجتماعات، الأمر الذي يضيف عنصرا جديدا من تعقيدات المشكلة. من شأنه أن يغلق الأبواب أمام احتمالات الحل القريب.

................

24 يوليو، 2014

ما لا يجوز السكوت عليه

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 26 رمضان  1435 – 24 يوليو 2014
ما لا يجوز السكوت عليه – فهمي هويدي

سيكون مخزيا ومشينا أن يُفسر صمت مصر إزاء ما تفعله إسرائيل هذه الأيام في غزة باعتباره من علامات الرضى.

لا يقوله أحد أن مصر اطلقت مبادرتها وأدانت العدوان، وانها تستقبل وفودا أجنبية ولا تمل من الجهر في كل مناسبة بأن المبادرة هي الحل،
 ذلك انني لا أتحدث عن المبادرة ولا عن الاتصالات والحوارات الدبلوماسية التي لا نعرف شيئا عن مضمونها.

انما أتحدث عن موقف حازم يليق بوزن مصر إزاء حوالي 15 مذبحة أقدمت عليها إسرائيل خلال الأسبوعين الأخيرين.

وعن حملة الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، بل انها لم تكتف بقتل البشر والفتك بهم، وإنما ذهبت إلى حد تدمير البيوت والخدمات والانقضاض حتى على المستشفيات، فضلا عن المدارس والمساجد وكل مكان آخر دعت القوانين والاعراف الدولية إلى تأمينه في حالة الحرب.

ذلك أن إسرائيل في غزة لم تستهدف فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس والجهاد فقط، ولكنها أرادت ان تحول القطاع إلى جحيم وتقتل الحياة فيه.
لذلك فإن مصطلح «العقاب الجماعي للمدنيين» يبدو تعبيرا مخففا ومخادعا، لأن العقاب قد ينزل بالبشر وهم أحياء فيؤلمهم ويضاعف من معاناتهم.

أما ما تفعله إسرائيل فهو يتجاوز بكثير تلك الحدود.
 إذ حين نرى صور «الشجاعية» بعد تدميرها وبقايا الأشلاء والجثث متناثرة في الشوارع.

وحين نرى الأطفال وقد تحطمت جماجمهم وبرزت أحشاؤهم وطارت أطرافهم في الهواء
 وحين نجد أن عربات الإسعاف وقد قصفت كي لا تحمل الضحايا وتتركهم يتعذبون ويموتون واحدا تلو الآخر.
وحين نرى توابيت الأسر التي أبيدت عن آخرها ولم يبق منها أحد على قيد الحياة،
 فإن ذلك كله لا يمكن أن يوصف فقط بأنه عقاب جماعي.

لست أتحدث أيضا عن مظاهرات تخرج إلى الشوارع معلنة غضبها واحتجاجها على تلك الممارسات البشعة. كما هو الحاصل في العديد من عواصم الدنيا.

صحيح أنني أتمنى ذلك لكي يسمع الجميع خصوصا في فلسطين صوت المجتمع في مصر المعبر عن رأيه في حملة إبادة «الأشقاء» في غزة،
 إلا أن ما في ذهني الآن شيء مختلف، ليس لأنني مقتنع بإسكات صوت الشارع وحظر تظاهرات الناس، ولكن لأن تظاهرات المصريين في الوقت الراهن باتت مغامرة كبرى، تكلّف المشاركين فيها أثمانا باهظة، حيث تلاحقهم أحكام السجن المشدد والغرامات المالية الباهظة التي ترهق الأهل وتذلهم.

ما أتحدث عنه وأتمناه الآن أن يصدر عن القاهرة موقف رسمي حازم مشرف في وضوحه وتحيزاته.
أقصد ان يصدر بيان قوى يدين الجرائم الإسرائيلية ويرفضها على الملأ.

إن إسرائيل بغاراتها على المدنيين تجاوزت كل الحدود والأعراف،
ولذلك فإن مصر قررت استدعاء سفيرها للتشاور حول الوضع الراهن.
وأنها تتمنى ألا تلجأ إلى إجراءات أخرى تمس العلاقة بين البلدين في حال استمرار العدوان الإسرائيلي.

تمنيت أن تطوي مصر صفحة الموقف الملتبس الذي عبرت عنه بيانات سابقة تحدثت عن «العنف المتبادل» وطالبت بوقف «الأعمال العدائية» التي يمارسها الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني،

وحتى إذا قيل إن مثل تلك البيانات صدرت قبل أن تتطور الحملة الإسرائيلية من عدوان ظالم إلى إبادة صريحة، فإن الحاصل الآن يستدعي خطابا آخر يتبني موقفا أكثر حزما، ويتجاوز الكلمات إلى الإجراءات.

أدري أن وزارة الخارجية خطت خطوة ايجابية نسبيا ببيانها الذي أصدرته في 18/7 وأدانت فيه «التصعيد الإسرائيلي الأخير في العمليات العسكرية» ودعتها إلى وقف أعمال العنف والاجتياحات البرية، وحملتها المسؤولية القانونية تجاه حماية أرواح المدنيين باعتبارها قوة احتلال،
كما طالبتها بالامتناع عن أساليب العقاب الجماعي والاستخدام المفرط وغير المبرر للقوة.
وانتهى البيان إلى دعوة كل الأطراف المعنية بالقبول الفوري وغير المشروط للمبادرة المصرية.

رغم أنه إيجابي وأفضل من سابقيه، إلا أن البيان بدا ناصحا ومدافعا عن المبادرة بأكثر من دفاعه عن الشعب الفلسطيني في غزة.

 وإذا قارنت لغته الدبلوماسية والقانونية بالتصعيد المجنون الذي حدث بعد ذلك، فستجد أن إسرائيل لم تأخذ البيان على محمل الجد، فتجاهلته واستخفت به،
 الأمر الذي كان يستوجب استخدام لغة أخرى من جانب مصر، حدها الأولى أن تسحب سفيرها من تل أبيب.

لا أتجاهل توتر العلاقات وتسميمها بين القاهرة وحركة حماس، الأمر الذي أدى إلى انسداد قنوات الاتصال بين الجانبين، في حين انفتحت تلك القنوات مع إسرائيل، وتلك من علامات الساعة الصغرى.

كذلك فإنني لم أجد تفسيرا مقنعا لمنع وفود الأطباء التي جاءت من عدة دول لعلاج الجرحى المحاصرين.
كما أنني لا أريد أن أصدق ما يتردد عن اساءة معاملة الجرحى الفلسطينيين الذين سمح لهم باجتياز معبر رفح واخضاع بعضهم للتحقيق والاستنطاق.
كذلك لا أريد أن أصدق ما يشاع عن فضيحة إرسال أغذية منتهية الصلاحية من مصر إلى غزة.

لكنني مستعد للتغاضي عن كل ذلك مؤقتا مقابل الحفاظ على وضوح الرؤية الاستراتيجية التي تعتبر الدفاع عن غزة ليس دفاعا عن الفلسطينيين وحدهم، ولكنه دفاع عن الأمن القومي المصري في ذات الوقت.

 وان نضال غزة لا يصون عن استقلال وكبرياء الشعب الفلسطيني وحده، ولكنه دفاع عن حدود مصر الشرقية أيضا،

من هذه الزاوية فإن السكوت على تدمير غزة وافتراسها من جانب إسرائيل يظل في الوقت ذاته تفريطا في استحقاقات الدفاع عن أمن مصر ذاتها وأمن الأمة العربية أيضا، لذا لزم التنويه.

.................

Delete this element to display blogger navbar