Subscribe:

Ads 468x60px

31 أغسطس، 2014

المكارثية الجديدة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 6 ذو القعدة 1435 – 1 سبتمبر 2014
المكارثية الجديدة - فهمي هويدي

مسلسل «إمسك إخواني» هو الأشهر في مصر السياسية خلال العام الأخير.
ذلك انه اصبح الطريق الأسهل لتصفية الحسابات الشخصية والعائلية والوظيفية والسياسية بطبيعة الحال.

والقصة التي نشرها تحت ذات العنوان زميلنا الاستاذ عماد الدين حسين رئيس تحرير جريدة الشروق امس (الاحد 31/8) واحدة من عشرات القصص التي سمعتها خلال الأشهر السابقة.

ولم يلفت انتباهي في كلامه ما ذكره في أن مواطنا قبطيا اتهم موظفا بأنه «إخواني» لمجرد انه لم ينجز له عملا أراده،
 وحين حقق الوزير في الأمر اكتشف أن الموظف بريء من «التهمة»، وان الشكوى كيدية.

إذ وجدت انه ليس ضروريا أن يكون المواطن قبطيا لكي يفعلها، لأن ما اعرفه أن عشرات المسلمين لجأوا الى ذات الاسلوب، ونجحت بعض مساعيهم في حين خابت مساعٍ اخرى.

إنما الذي استوقفني فيما كتبه انه حذر من المكارثية في مصر، التي تعيد الى الاذهان اللوثة التي اصابت الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي،
حين قاد النائب الجمهوري جوزيف مكارثي حملة لتصفية المعارضين الليبرالىين بحجة انهم شيوعيون وجواسيس للاتحاد السوفييتي،
وقد حققت الحملة نجاحا نسبيا، قبل أن يثبت فشلها وزيف الادعاء الذي اطلقه الرجل وخوف به الليبرالىين المثقفين في الولايات المتحدة.

ما استوقفني هو التحذير من المكارثية في مصر الآن، وكأنها شبح يلوح في الأفق، في حين انها حقيقة ماثلة علي الارض منذ عدة اشهر،
ومع ذلك فالتحذير الذي اطلقه زميلنا يستحق الحفاوة والتقدير. ودعوته الى التعويل على الافعال والتصرفات التي تخالف القانون وليس على مجرد الانتماءات أو الاقوال المرسلة،

 ذلك كله شيء جيد يذكرنا بما هو بديهي ومن مسلمات أي دولة عصرية تعرف القانون.
وكما يقال فإن مثل هذه النصائح والتحذيرات اذا جاءت متأخرة افضل الا تأتي على الاطلاق.

قبل عدة اسابيع، اثناء الامتحانات الجامعية، ضبط احد المعيدين طالبا متلبسا بالغش، فطبق عليه ما تقضي به لائحة الجامعات،
 إذ حرر محضرا بالواقعة، بعد أن الغى امتحانه. إلا أن تلك لم تكن نهاية القصة، لأن والد الطالب ــ وهو محام له علاقاته الوثيقة ببعض قيادات الشرطة ــ حرر محضرا ضد المعيد واتهمه فيه بأنه اخواني ويحرض الطلاب على التظاهر والاضراب.

وتم حبك المحضر بحيث جرى تدعيم البلاغ بشهود وتحريات جاهزة.
وعلى الفور تحول المعيد الذي ضبط واقعة الغش الى اخواني محبط ومتهم.

وقد قيل له صراحة انه اذا لم يسحب محضر واقعة الغش فإن محضر اتهامه بالتحريض على التظاهر والاضراب سيأخذ مساره القانوني ومن ثم فاعتقاله وارد وقضيته جاهزة.

 ليس ذلك فحسب وانما حاولت ادارة الكلية أن تقعنه بسحب المحضر الذي حرره حتى لا يعرض نفسه لمشاكل لا حدود لها، ولن يستطيع احد أن يساعده في هذه الحالة.

 لا اعرف كيف انتهى الامر لأن معلوماتي وقفت عند حدود رفض المعيد الاستمرار في مراقبة الطلاب أثناء ادائهم الامتحانات واعتصامه بمكتب عميد الكلية الذي لم يستطع حمايته.

لقد قرأنا مؤخرا عن عزل مدير احدى الجامعات لمجرد انه إخواني،
وعن نقل عدد من مهندسي وزارة الكهرباء بسبب التهمة ذاتها،
وهي ما تكرر في وزارة التعليم العالي.
كما نشرت الصحف اخبارا عن تطهير الازهر ووزارة الاوقاف ممن جرى الشك في انتسابهم للإخوان،
كما تحدثت الصحف عن تطهير كلية الشرطة من ابناء عائلات الاخوان،
 ونوه بعضها الى أن ابن شقيقة الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة واحد من هؤلاء، وهو الآن طالب بالسنة الثالثة بالكلية.

هذا في حدود ما أعلن وتحدثت عنه وسائل الإعلام،
أما ما لم يعلن فالله اعلم به ــ إلا أن ما يهمنا في الامر أن تلك الاجراءات اتخذت ليس بناء على وقائع أو مخالفات للقانون نسبت الى هؤلاء، ولكن لمجرد انتسابهم أو صلة القرابة التي تربطهم ببعض الاخوان أو اعتمادا على تقارير وتحريات جهاز أمن الدولة.
وهذه هي المكارثية الجديدة في مصر.

لا يقف الأمر عند ذلك الحد، فالتخويف والترهيب بالانتماء الى الاخوان اصبح اسرع سلاح يستخدم لتشويه وقمع الناقدين أو المعارضين المستقلين،
لذلك فإن نسبة غير قليلة منهم تتحسب لذلك الاحتمال ولا تعلن رأيا في أي قضية الا بعد أن تؤمن نفسها بأن تقدم له بسب الاخوان ونعتهم بأقذع الصفات، ثم تسجل بعد ذلك نقدها للوضع الذي تريد.
في ظل تلك الاجواء رفع شعار «من ليس معنا فهو ضدنا».

وصار الحياد مرفوضا ومدانا من ثم اصبح كل من لم يسب الاخوان مطعونا في حياده ومتهما بانتمائه السري الى الاخوان،
 حتى اذا لم تكن له أي علاقة بتنظيمهم.

وما لم يلجأ المرء الى إعلان البراءة عن طريق اثبات السب واللعان، فإن أي رأي يبديه في أي قضية وطنية أو عربية أو حتى رياضية ينسب الى الشك في انتمائه الايديولوجي وتنسيقه مع الجماعة وانصياعه لتنظيمهم الدولي. وعليه اذا اراد أن يثبت العكس.
واسألني في ذلك، فلا ينبئك مثل خبير.

..................

هل نحن حقا ضد الظلم والقتل؟

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 5 ذو القعدة 1435 – 31 أغسطس 2014
هل نحن حقا ضد الظلم والقتل؟ - فهمي هويدي

أحيانا يلتبس الأمر على المرء فلا يعرف ما إذا كنا ضد الظلم أم لا،
وما إذا كنا ضد القتل خارج القانون فقط أم أيضا ضد القتل الذى يتم باسم القانون؟
وهل نحن ضد القتل بقطع الرؤوس فقط أم ضد أي قتل يتم خارج القانون.
وهل ينصب استنكارنا على الجهة التي تمارس القتل. أم أن رأينا يختلف باختلاف ما إذا كان القاتل جماعة إرهابية أو سلطة حكومية مدنية كانت أم عسكرية؟.

هذه الأسئلة من وحي خليط الغضب والاشمئزاز الذي ينتابنا ونحن نقرأ أخبار الممارسات البشعة التي تقدم عليها جماعة داعش أو بوكوحرام، بعدما باتت تحتل مكانا بارزا في وسائل الإعلام المصرية والعربية.

صحيح ان تلك الأخبار توظف سياسيا، من حيث إنها تقدم خدمة جليلة للأنظمة الوحشية التي تمارس القتل بأساليب أخرى في العالم العربي (سوريا والعراق مثلا)،
إلا أن المشهد يستدعي في الوقت ذاته قائمة الأسئلة السابقة الذكر.

إن بعض الأنظمة تشدد من حملتها على داعش مثلا لكي تقنع الرأي العام بأن ذلك النموذج يمثل البديل الذي ينتظرها إذا ما هي أصرت على التمرد والثورة على الاستبداد الذي تخضع له.

وأغلب الظن أنها أرادت أن تقول لمواطنيها ان ما تمثله قد يكون سيئا حقا،
 لكن البديل الذي يلوح في الأفق (داعش في هذه الحالة) هو أسوأ وأضل سبيلا.

إنني لا أرى فرقا من الناحية الموضوعية بين من يقتل بريئا بقطع رأسه والتباهي بفعلته أمام كاميرات التليفزيون.
وبين من يلقى برميلا مليئا بالمتفجرات على مجموعة من المعارضين.
أو من يطلق صاروخا يبيد به أسرة أو مجموعة من الأسر في مجمع سكني،
 أو من يستخدم طائرة بغير طيار (درون) ولا يبالي بقتل عشرة مقابل اصطياد واحد فقط،
 أو من يحكم بالإعدام على عشرات أو مئات جراء تهم ملفقة
أو بغير تهم على الإطلاق بعد تقديمهم إلى محاكمات صورية.
 فتلك كلها جرائم لا تختلف إلا في طريقة إخراجها، وحسب اختلاف الفاعل فيها والبيئة السياسية والثقافية المحيطة بها.

إن الذين يسلطون الأضواء الإعلامية القوية على جرائم القتل التي ترتكبها داعش بحق المخالفين في الأفكار أو الاعتقاد محقون في تسجيل بشاعة الحدث،
 لكن أغلبهم يريد منا أن نكره وندين داعش وكل جماعات المعارضة التي تنسب نفسها إلى الإسلام فقط،
 الأمر الذي يعني أنهم يريدون توظيف جرائمها سياسيا لأهداف محددة.

ومن جانبي أرى أن كراهية داعش واجبة لا ريب.
لكننا نريد أيضا أن نكره كل أشكال التعصب والظلم واستباحة الآخرين بما يهدر حقهم فى الحياة، فضلا عن الكرامة.

إن بعضنا يستنكر القتل ويستنفر ضد الظلم إذا ما مارسه من يكرهون، في حين يجدون ألف تبرير وتبرير لتسويغ كل منهما إذا صدر عمن يحبون.

وذلك موقف غير مبدئي وغير أخلاقي، ينطلق في حقيقته من الانحياز للفاعل وليس للقيمة.

في الوقت ذاته فإننا كثيرا ما نستهجن القتل إذا ما مارسته جماعات،
في حين نسوغه ونعبر عن تفهمنا له حين تمارسة الحكومات.

قبل حين دعيت إلى مؤتمر في إحدى الدول الخليجية لمناقشة مكافحة الإرهاب.
وحين سألت محدثي الذي كان مديرا لإحدى الجامعات عما إذا كان البحث سيتطرق إلى إرهاب الجماعات فقط أم أنه سيتصدى لإرهاب الأنظمة والحكومات أيضا،
 فإن صاحبنا سكت ثم قال كلاما غير مفهوم، انقطع بعده الخط ثم استبعد اسمي من قائمة المشاركين في المؤتمر.
وعلمت أن اسمي أدرج ضمن الممنوعين من دخول الدولة المشار إليها.

كأننا نفرق بين قتل يمارسه الجهلاء والمتخلفون، كما هو الحاصل في حالة داعش،
وقتل آخر يمارسه الوجهاء والمتأنقون من قبيل ذلك الذي تمارسه طائرات «درون» في اليمن وأفغانستان.

كما أننا نفرق بين قتل تقدم عليه مجموعة متطرفة مثل «أنصار الشريعة»
وآخر يمارسه نظام بشار الأسد في سوريا أو نوري المالكي في العراق.

الأمر الذي يحول الجريمة إلى وجهة نظر تستهجن من طرف «ويتفهم» البعض إذا صدرت من طرف آخر.

ليس بعيدا عن أذهاننا الجدل الذي أثير في مصر بمناسبة ذكرى فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة (في 14 أغسطس عام 2013) الذي قتل فيه أكثر من ألف شخص حسب تقدير المصادر المستقلة،
وهي المذبحة التي دافع عنها البعض ولم يروا فيها غضاضة، بدعوى أن القتلى كانوا مسلحين ويستحقون ما حل بهم، حتى إذا كان ذلك قد تم خارج العدالة والقانون.

إن لدينا مشكلة تتعلق باحترام حق الآخر المختلف فى الوجود والحياة.
وللأسف فإن النخب في مقدمة الذين يعانون منها،
وأغلب الذين يظهرون في وسائل الإعلام يجسدون تلك المشكلة بعدما أفقدهم الاستقطاب توازنهم حتى أنساهم مواعظهم السابقة عن القيم والمبادئ وقائمة حقوق الآخر.

وقد كنا في السابق نتباهى بأن القرآن سبق بالنص على تقرير حق الكرامة لكل بني آدم، وان من قتل نفسا -هكذا بالمطلق- بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا،
ولكننا صرنا نستحي من التذكير بذلك؛ لأن الممارسات هزمت التعاليم وفضحتنا أمام الخلق.

..................

29 أغسطس، 2014

نبلاء اليسار

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 4 ذو القعدة 1435 – 30 أغسطس 2014
نبلاء اليسار – فهمي هويدي

بوفاة الأستاذ أحمد سيف الإسلام ـ الناشط الحقوقي ـ يختفي أحد اليساريين المحترمين، الذين يمثلون كتيبة مهددة بالانقراض في الساحة السياسية.

فالرجل كان مناضلا استمد نبله من انتمائه الإنساني ووظف يساريته لأجل الدفاع عن الحق والعدل ومواجهة الظلم السياسي والاجتماعي.

ما كان بيننا لم يتجاوز الاتصالات الهاتفية من جانبي، حيث كنت أستوضحه في بعض المعلومات القانونية المتعلقة بالقضايا المعروضة.

لكنني تابعت مواقفه وحواراته والمؤتمرات التي كان يعقدها في نقابة الصحفيين دفاعا عن المعتقلين، الذين شاءت المقادير أن يكون ابنه وابنته بينهم.

وفي حديثه ولقاءاته لم يكن الرجل يتكلم باعتباره يساريا له حساباته وتطلعاته وطموحاته الخاصة،

ولكنه كان طول الوقت ذلك المناضل الذي يرفض الظلم ويقاومه بكل أشكاله بجرأة مدهشة، جعلته لا يبالي بالثمن الذي دفعه من حريته حين أمضى خمس سنوات من عمره في السجن، عانى فيها الكثير وتعلم منها الكثير.
وهو ما ورَّثه لأسرته التي تحولت إلى حالة نضالية جديرة بالتقدير والإعجاب.

بوقوفه إلى جانب المظلومين ودفاعه عن إنسانيتهم وحقوقهم بصرف النظر عن اختلافاتهم الفكرية، في زمن الاستقطاب المروع،
فإنه بدا قريبا من الجميع ومختصرا للمسافات التي تفصل بينه وبين أي آخر مختلف معه.
ذلك أنه بإنسانيته استحضر المشترك بينه وبين كل آخر.

ومن ثم فإنه بدا نموذجا استثنائيا وفريدا بين يساريي هذا الزمان،
حتى أزعم أنه صار بموقفه ذاك أبعد عن اليسار الاحترافي في صورته الراهنة وأقرب إلى من عداهم (جنازته تشهد بذلك).

عند الحد الأدنى فالرجل ظل مخلصا لقيمه، فلا باع ولا ساوم ولا دخل في صفقات أو تحالفات أو خصومات، كغيره ممن صار اليسار بالنسبة إليهم مشروعا سياسيا استثماريا جاهزا للميل مع كل ريح، وليس مشروعا فكريا له وجهه النضالي والإنساني.

ومن المفارقات أن الرجل الذي ظل يقود حملة الدفاع عن المظلومين والمعذبين أصبح حضوره في الساحة السياسية أقوى بكثير من الذين يرفعون هذه الأيام رايات اليسار مدعين أنهم الممثل الشرعي الوحيد له.

إن شئت فقل إن الرجل ظل حاضرا بقوة في قلب الواقع السياسي، في حين أن رافعي الرايات ظل حضورهم مقصورا على الفضاء التليفزيوني والإعلامي.

 حتى أزعم أنه بالنموذج الذي قدمه كشف أزمة اليسار المصري الذي تحول إلى كيان يعرف بغيابه ولا يرى له حضورا إلا في المهرجانات والمناسبات الاحتفالية.

الذين عرفوه في وقت مبكر يذكرون له أنه كان طالبا نابها في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كما أنه كان ناشطا سياسيا وزعيما طلابيا وخطيبا مفوها.

وبسبب انغماسه في السياسة فإنه أمضى نحو ثماني سنوات في الكلية (التحق بها في عام 69 وتخرج منها عام 77).

وقد اعتبر تخرجه بداية لتفرغه للعمل السياسي والنضالي، مع رفاقه الذين جذبهم التيار اليساري.
وهو ما انتهي باتهامه بالانخراط فيما سمي آنذاك بـ«التنظيم الشيوعي المسلح».

الأمر الذي أدى إلى محاكمته في أوائل الثمانينيات والحكم عليه بالسجن مدة خمس سنوات.
وإذ أرادوا أن يعاقبوه بذلك فإن الفترة التي قضاها في السجن صارت نقطة التحول الكبرى في حياته.

فقد التحق خلالها بكلية الحقوق وتخرج منها لكي يصبح فيما بعد محاميا نابها،
ثم إنه تعرض لتعذيب شديد ملأه بالغضب الذي دفعه لأن يكرس حياته للدفاع عن ضحايا التعذيب.
وكانت تلك هي الخلفية التي دفعته إلى تأسيسه مركز هشام مبارك للمساعدة القانونية.

وكتبت له المقادير أن يلتحق بعد خروجه من السجن بمكتب للمحاماة لم يتعلم فيه أصول المهنة فحسب،
ولكن لأن المكتب كان خاصا بأحد نبلاء اليسار في زمانه، الأستاذ نبيل الهلالي، فإنه تعلم هناك أيضا أخلاقيات وقيم النبل السياسي الذي كان صاحب المكتب رمزا له.

في مكتب المحاماة التحق الأستاذ أحمد سيف بكتيبة نبلاء اليسار الذين عرفتهم مصر خلال الأربعين سنة الأخيرة. الذين كان نبيل الهلالي على رأسهم،
كما كان منهم الدكاترة والأساتذة اسماعيل صبري عبدالله وعبدالعظيم أنيس وفؤاد مرسي وإبراهيم سعد الدين ومحمود العالم ومحمد سيد أحمد. وآخرون ربما لم يتح لي أن أتعرف عليهم.

الشاهد أن هؤلاء رحلوا عن دنيانا واحدا تلو الآخر، الأمر الذي سوغ لي بأن أصفهم بأنهم كتيبة منقرضة.

ولست أشك في أن هؤلاء الراحلين لم يأخذوا النبل معهم، لأنني علي ثقة من أن بين أهل اليسار قلة لا يزالون يرون فيه وجهه الإنساني إلى جانب وجهه النضالي والتقدمي.

بقدر ما أنني على ثقة من أن الواجهات الحالية التي ترفع رايات اليسار ليست أفضل تعبير عنه.
 وبقدر ما ينتابنا شعور الحزن لفقدان أركان كتيبة النبلاء الذين كان الأستاذ أحمد سيف أحدهم،
فإن شعور الرثاء المختلط بالاستنكار والدهشة هو أول ما يتملكنا حين نطل على السرادق المنصوب باسم اليسار هذه الأيام خصوما بعدما تحول إلى حليف لليمين.
وغدا ذلك «تقدميا»، لكن إلى الوراء.

....................

28 أغسطس، 2014

آن لغزة أن تفرح

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 2 ذو القعدة 1435 – 28 أغسطس 2014
آن لغزة أن تفرح - فهمي هويدي

لأول مرة منذ خمسين يوما اختفت الجنازات من شوارع غزة، وارتسمت على وجه القطاع ابتسامات الزهو والفرح التي ترددت أصداؤها فى الضفة وبين الفلسطينيين داخل «إسرائيل».

فرحوا لأنهم بصمودهم وبسالة شبابهم دحروا العدوان وكسروا كبرياءه، ونقلوا الخوف لأول مرة إلى داخل البيت الإسرائيلي حتى أربكوا قيادته وأحرجوا حكومته التي تدهورت شعبيتها بعدما طال أمد الحرب ولم تحقق شيئا من أهدافها.

تجلى ذلك في نتائج الاستطلاع الذي أجرته القناة الثانية، وبيَّن أن 80٪ من الإسرائيليين مستاؤون من أداء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو،
في حين أن 90٪ منهم غير راضين عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن في القاهرة مساء الثلاثاء الماضي 26/8.

ليس ذلك فحسب وإنما تتحدث التقارير الصحفية عن أن نصف أعضاء المجلس الوزاري المصغر الثمانية يعارضون الاتفاق،
حيث كان السؤال الذى ردده الجميع هو:
كيف أنه بعد 50 يوما من الحرب نضطر إلى القبول بواقع كنا نرفضه؟

 في هذا الصدد ذكر المعلق السياسي للقناة الثانية امنون إبراموفيتش أن الحرب فتحت أعين الكثيرين على حقائق جديدة من بينها ما تثيره الأسئلة التالية:
إذا كانت إسرائيل تهدد إيران حقا، فكيف كانت ستبدو لو أنها اضطرت لخوض حرب على جبهتي القطاع ولبنان في ذات الوقت؟

ثم كيف سيتصرف نتنياهو ويعلون (وزير الدفاع) وهما أصحاب نظرية أن المسألة الفلسطينية غير قابلة للحل، بعد أن فشلت نظرية إدارة الصراع؟
وكيف اضطرت إسرائيل التى ترفع شعار عدم التفاوض تحت النيران إلى التفاوض على وقف النار تحت النار؟
وأليس الإنجاز الوحيد الذي حققه نتنياهو هو أنه استطاع أن يوقف حرب الاستنزاف التي استدرجته إليها المقاومة الفلسطينية بكفاءتها العسكرية وثباتها، وإصرارها على عدم الرضوخ أو التراجع، حتى إنها ظلت تطلق صواريخها حتى قبل دقائق من سريان وقف إطلاق النيران؟

صحيح أن كل سكان غزة عانوا من الجحيم الذي فرض عليهم، وجميعهم دون استثناء اشتركوا في دفع الثمن من دمائهم وفلذات أكبادهم ودورهم التي تحولت إلى خرائب وقبور.

لكن الضحايا احتفظوا بكبريائهم طوال الوقت ونسوا أحزانهم حين ذاع نبأ وقف القتال الذى فشل في تركيعهم وإذلالهم.
كانوا يعلمون أن المقاومة أوجعت إسرائيل وتحدت صلفها.

فصواريخها طالت أهم المدن الإسرائيلية ومقاتلوها نجحوا في عمليات الإنزال خلف خطوط العدو من خلال الأنفاق تارة وعبر الكوماندوز البحرى تارة أخرى،
فضلا عن الكمائن التي نصبوها ومكنتهم من الإيقاع بالمدرعات،
وسحب الجنود المذهولين من داخلها.
وهو ما أدى إلى قتل أعداد من قوات النخبة الإسرائيلية تعادل أربعة أضعاف ما خسرته فى حرب لبنان عام 2006.

الصمود الذي عبر عنه المقاتلون على الجبهة كان له صداه في المفاوضات التي جرت في القاهرة، التي تمت برعاية مصرية حقا، لكنها تجاوزت أفق المبادرة المصرية التي أعلنت فى 14 يوليو الماضي؛
 ذلك أن المبادرة كانت تحركت في حدود تفاهمات 2012 ولم تقدم شيئا يذكر إلى المقاومة. وإنما كبلتها في بعض المواضع،
إلى جانب لغة الحياد التي اتسمت بها، حيث تعاملت مع الطرفين على قدم المساواة، واعتبرت ما يصدر من كليهما «أعمالا عدائية» ضد الطرف الآخر، دون تفرقة بين المحتل القاتل، وبين صاحب الحق القتيل.

فقد نصت مثلا على وقف «الأعمال العدائية» من جانب الفلسطينيين جوا وبحر وبرا، وتحت الأرض مع تأكيد وقف إطلاق الصواريخ بمختلف أنواعها.
وهو نص يكاد يشل حركة المقاومة ويمنعها من حفر الأنفاق التي كانت إحدى إبداعات المقاومة التي ظهرت في الحرب الأخيرة.

كما دعت المبادرة إلى فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع «في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض».
ومقتضى هذا الشرط الأخير ألا تفتح المعابر على الإطلاق؛ لأن تقدير استقرار الأوضاع الأمنية متروك لإسرائيل، وبمقدورها أن تتعلل بعدم استقرار تلك الأوضاع طوال الوقت.

ولم يكن الأمر مقصورا على ثغرات تخللت المبادرة، ولكن المراوغات الإسرائيلية لم تتوقف خلال المفاوضات، حيث ظل الإسرائيليون حريصين على ألا تحقق المقاومة أي إنجاز على أي صعيد.

 إلا أن إصرار الوفد الفلسطيني على مطالبه وتمسكه بالاقتراب قدر الإمكان من هدف فك الحصار وتحقيق الإعمار، والتخفيف من معاناة وعذابات سكان القطاع،

وفي الوقت ذاته استعداد فصائل المقاومة للاستمرار في الحرب إلى أجل أطول لم تألفه إسرائيل،

هذه العوامل كان لها دورها فى إخراج الاتفاق بالصورة التي أعلنت في بيان وزير الخارجية المصرية مساء الثلاثاء.

صحيح أن إسرائيل لم تستجب لكل ما طلبه الوفد الفلسطيني، لكن القدر الذي وافقت عليه أحدث نوعا من «الحلحلة» التي طورت المبادرة المصرية وعالجت عيوبها.

 ذلك أن الاتفاق تجاوز سقف تفاهمات 2012 ونص على الإعمار وفتح المعابر بغير شروط، وتمكين أهل غزة من الصيد فى حدود ستة أميال بحرية بدلا من ثلاثة.

ولم تلتزم المقاومة إلا بوقف إطلاق النار.

وكان الإنجاز الوحيد الذي حققه الإسرائيليون أنهم أوقفوا بدورهم القتال وتجنبوا استمرار الاستنزاف.

من حق القطاع وأهله أن يستشعروا ثقة واعتزازا بما تم، لكن أتمنى ألا نبالغ في الانتشاء بالنصر الذي أزعم أن ثمة شوطا طويلا ينبغي أن ينجز لتحقيقه على النحو المنشود،
فضلا عن أن الإنجاز الذي تحقق من خلال الاتفاق لن يكتمل إلا بتنفيذ بنوده وتنزيلها على الأرض.
وهو ما سيخضع للاختبار خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

......................

27 أغسطس، 2014

غارة الإمارات على ليبيا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 1 ذو القعدة 1435 – 27 أغسطس 2014
غارة الإمارات على ليبيا - فهمي هويدي

في حين كانت صواريخ المقاومة الفلسطينية تستهدف مشارف تل أبيب ومطار بن جوريون في «إسرائيل»،
 فإن الطائرات الإماراتية كانت تستهدف مطار طرابلس وأهدافا أخرى في ليبيا.

حدث ذلك في بداية الأسبوع الحالي، وفي حين أبهجنا جهد المقاومة ورفع معنوياتنا، فإن غارات الطائرات الإماراتية صدمتنا، وسربت إلينا شعورا امتزج فيه الإحباط بالدهشة والبؤس.

تلك مفارقة أولى يستشفها المرء من الأخبار التي تسربت يوم الاثنين الماضي حول الغارة الإماراتية غير المسبوقة. التي نقلت الصراع العربي العربي إلى طور جديد تماما، استدعى إلى أذهاننا أحد أسوأ الكوابيس،

وكنت قد ذكرت في مرة سابقة أن الفلسطينيين أصبحوا وحدهم في قلب معركة التحدي التاريخي الذي تخوضه الأمة العربية ضد «إسرائيل».

في حين ان كل المعارك الأخرى التي تستنزف الجهد العربي تتم على جبهات فرعية وتصوب السلاح العربي في غير وجهته الطبيعية، وأحيانا إلى الظهر أو الصدر العربي ذاته.

وما خطر على بالي آنذاك ان تقدم الإمارات العربية الدليل على صحة هذه الرؤية، في إعلان صريح على أن خصومة بعض العرب لأشقائهم أصبحت أشد وأعمق من تخاصمهم مع أعدائهم.

القصف الإماراتي لليبيا بدأ شائعات لم تتأكد. سربتها أطراف ليبية هذا الأسبوع، بل ان صحيفة «الحياة» اللندنية وصفتها بأنها غارات خفية مجهولة المصدر(عدد الأحد 24/8)

إلا أن الشائعات ثبتت صحتها في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 25/8،

ونقلت فيه على ألسنة أربعة من الجنرالات الأمريكيين قيام الطائرات الإماراتية بقصف بعض المواقع في طرابلس، خصوصا بعدما استولى ثوار مصراتة على مطار المدينة، الذي كان تحت سيطرة قبائل الزنتان الموالية للقذافي تاريخيا، وهي الآن مؤيدة للواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي أعلن تمرده في بنغازي خلال شهر مايو الماضي.

إضافة إلى المعلومات التي نشرتها الصحيفة الأمريكية ان الطائرات الإمارتية ما كان لها ان تصل إلى أهدافها في ليبيا إلا بعد ان انطلقت من إحدى القواعد المصرية،
الأمر الذي يعني أن العملية تمت اعتمادا على تسهيلات مصرية.

وهو ما لا يتعارض مع النفي الحذر الذي صدر عن الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي قال فيه إنه لا توجد لمصر قوات عسكرية في ليبيا، كما انها لم تقم بأية أعمال عسكرية هناك.

 وذلك كلام صحيح لأن الدور المصري تم خارج هاتين الدائرتين، الأمر الذي يعني ان مصر لم تكن طرفا فاعلا في القصف الذي تم، ولا ينفي أنها كانت شريكا في التجهيزات التي سبقت الفعل الذي تم.

إذا أردنا ان نكون أكثر دقة فربما جاز لنا أن نقول بأن التدخل الخارجي والخليجي بوجه أخص في مسار الأحداث التي شهدتها بعض الأقطار العربية ليس جديدا.
 فالسعودية والإمارات حاضرتان بقوة في الفضاء السياسي بالمشرق والمغرب أيضا،
كما ان قطر كانت حاضرة في العديد من الأحداث السياسية أيضا.

 أما الجديد في الأمر فهو شكل التدخل وموضوعه أو أهدافه.
إذ ليس سرا ان بعض الدول الخليجية مولت بالمال والسلاح العديد من التفاعلات التي شهدتها المنطقة في العراق وسوريا ولبنان والمغرب العربي.

ولا ينسى ان مصر فعلت نفس الشيء في المرحلة الناصرية.
والنموذج المصري كان واضحا في انطلاقه من السعي إلى مقاومة الاستعمار ودعم حركات التحرر، الأمر الذي يضفي شرعية على التدخل، على الأقل من وجهة النظر النضالية.

إلا أن الغارات الإماراتية ينبغي أن تقرأ من منظور مختلف تماما. فهي تمثل انتقالا من التدخل غير المباشر إلى التدخل العسكري المباشر،
ثم انه لا يعد مساندة للدولة ولكنه محاولة لترجيح كفة طرف ضد آخر في ذات الدولة.

إذ لم يتم إلا بعد ما خسر الزنتان سيطرتهم على المطار وبعد خسران اللواء حفتر لبعض مواقعه المهمة،
وكان الهدف من الغارات تعويض تلك الخسائر وتقوية صف اللواء حفتر في مواجهة خصومه.

في الوقت ذاته فإن التدخل الإماراتي السافر الذي توسد بالقوة العسكرية.
وفاجأ الأمريكيين أنفسهم ــ كما ذكرت نيويورك تايمز والـ«بي.بي.سي» ــ يعد منعطفا مهما يفتح الباب لاحتمالات تطويره في المستقبل،
خصوصا ان الإمارات ليست وحدها، ولكنها تستند إلى شراكة سعودية وأخرى مصرية على الأقل.

صحيح أن السعودية تدخلت في البحرين في شهر مارس عام 2011، إلا أن ذلك التدخل كان له سياق آخر تمثل في كونه يتم في إطار البيت الخليجي، ثم انه كان موجها ضد النفوذ الإيراني بالدرجة الأولى.

وتلك عوامل تختلف تماما عن سياق التدخل في الشأن الليبي، المدفوع بثلاثة اعتبارات أخرى هي:
 إضعاف القوى الإسلامية وضرب معسكرات التطرف في ليبيا،
ومن ثم تعزيز موقف قوى الضد المعارضة للإسلاميين.

الاعتبار الثاني تمثل في إجهاض ثورة فبراير وتصفية آثار الربيع العربي الذي تجلت أصداؤه في بعض الأقطار، وحققت السعودية والإمارات نجاحا في التصدي لبعض رياحه.

أما الاعتبار الثالث فهو حصار النفوذ القطري ووقف تمدده.

إن ليبيا لاتزال تدفع ثمن الحقبة القذافية السوداء التي دمرت فيها الدولة حتى صارت مستودعا للفوضى ومغرية لكل طامع أو مغامر مهما صغر شأنه.

 أما الدور المصري فليته ظل مقصورا على حل الأزمة، بدل أن يصنف طرفا فيها.

....................

Delete this element to display blogger navbar