Subscribe:

Ads 468x60px

14 فبراير، 2016

أجراس يوم الكرامة

صحيفة الشرق القطريه الأحد 5 جمادى الأولى 1437 14 فبراير 2016
أجراس يوم الكرامة فهمي هويدي

في ليلة يوم الكرامة الذي أعلنه الأطباء المصريون من نقابتهم حدث ما يلي:

 صدم أمين شرطة شابا وسيدة على طريق قراقص بمركز دمنهور (محافظة البحيرة) حين كان يقود دراجة نارية (موتوسيكل) بدون لوحات معدنية.
 المواطنون أمسكوا بأمين الشرطة واتجهوا صوب مستشفى دمنهور لإنقاذ المصابين اللذين كانا في حالة يرثى لها.

في طريقهم إلى نقطة المستشفى لكتابة محضر بالواقعة تم تهريب أمين الشرطة المتسبب في الحادث بمساعدة زملاء له.
أحدهم حاول التحرش بسيدة من أهالي المصابين فنهره الشباب الذين جاءوا مع المصاب، فما كان من أمين الشرطة إلا أن قادهم إلى النقطة بمن فيهم المصاب ومنها نقل الجميع إلى مركز شرطة المدينة.
 وهناك تم احتجازهم والتعدي عليهم في وجود الضابط المناوب (غ. ش). وقضوا الليلة هناك انتظارا لعرضهم على النيابة.

هذه خلاصة قصة حدثت مساء يوم الخميس ١١/٢، وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي طوال نهار الجمعة التي احتشد فيه الأطباء في نقابتهم.

ورغم أنني لا أملك وسيلة للتثبت من صحة وقائعها، فإنني أوردتها لصلتها بموضوع احتشاد الأطباء، إذا صحت بطبيعة الحال.
وحتى إذا لم تصح فثمة حالات أخرى عديدة مماثلة تؤيد ما ورد فيها.

 ذلك أنني أزعم أن يوم الكرامة الذي سجله آلاف الأطباء في نقابتهم، احتجاجا على اعتداء أمناء الشرطة في حي «المطرية» على زملائهم بالضرب والسحل ثم اعتبار رجال الشرطة ضحايا والأطباء جناة،

هذا الحادث يثير قضية مهمة تستحق وقفة واهتماما. فاعتداء الشرطة على الأطباء ما كان ليحدث لولا أنه يجسد موقف الاستباحة الذي تتعامل به مع كرامات عامة المصريين، منذ أطلقت يد الشرطة في ذلك دون حساب بدعوى مقاومة الإرهاب.

ولا ينسى أن قانون الإرهاب أضفى شرعية على تلك الممارسات حين نص في مادته الثامنة على إعفاء رجال الشرطة من المساءلة الجنائية «إذا استعملوا القوة لأداء واجباتهم أو لحماية أنفسهم من خطر محدق...»

ــ إزاء ذلك فإن غضب الأطباء في حقيقته ليس مقصورا على إهدار كرامة بعض زملائهم ولكنه ينبغي أن يحمل أيضا بحسبانه رفضا لاستباحة كرامة عموم المصريين، التي ذهبت الشرطة بعيدا في إهدارها.
من ثَمَّ فإن ما جرى يجب أن يستقبل بحسبانه جرس إنذار ينبه إلى ضرورة وضع حد لمثل تلك التجاوزات التي طالت كثيرين،
 وكان بعض المحامين من ضحاياها ولكن نقابتهم لم تملك شجاعة إعلان الاحتجاج لأسباب مفهومة.

وإذ يقدر موقف نقابة الأطباء الذي اتسم بالجرأة والنزاهة، فلعلي لا أبالغ إذا قلت إن ذلك الموقف يعد نقطة تحول كسرت جدار صمت النقابات المهنية على الاعتداءات والإهانات التي تعرض لها أعضاؤها.

وفي ذات الوقت فإن المشهد يوجه رسائل أخرى يجب أن تستقبل بحسبانها أجراسا تنبه وتوقظ وتحذر، ومن ثم يجب قراءتها بعناية وتدبر.

من تلك الرسائل ما يلي:

إن احتشاد الأطباء رغم أنه تم في إطار الغيرة المهنية، فإنه أعاد إلى الأذهان لحظات الإجماع النادرة في التاريخ المصري المعاصر.
 ذلك أن الغضب للكرامة جمع الأطباء باختلاف هوياتهم وانتماءاتهم السياسية والدينية والجهوية.

ومن المهم أيضا في هذا السياق ملاحظة أن القوى الوطنية الحية في مصر تضامنت معهم في غضبهم. فقد أيدتهم المنظمات الحقوقية المستقلة. وأحزاب المصري الديمقراطي والتحالف الشعبي والكرامة ومصر القوية. إضافة إلى قائمة طويلة للمثقفين الوطنيين.
وهذا الإجماع على إدانة موقف وزارة الداخلية وضرورة الدفاع عن كرامة المصريين، مؤشر ينبغي ألا نغفل دلالته.

إن الاشتباك الذي أصبحت القوى الوطنية الحية طرفا فيه صوَّب من صورة التجاذب الحاصل في مصر، الذي يحصره البعض في صراع السلطة مع الإخوان أو الإرهاب.
حيث يظل ذلك جانبا من الصورة وليس كل الصورة،

وما جرى يوم الجمعة كان إشارة إلى أن ثمة جانبا آخر أكثر أهمية مسكوتا عليه محوره علاقة السلطة بالمجتمع يتجلى في انتهاكات حقوق الإنسان والقوانين المقيدة للحريات، والتغول الأمني في مختلف الأنشطة الثقافية والجامعية والدعوية.

إذا وسعنا الدائرة بعض الشيء فسوف نقرأ دلالة ما جرى في نقابة الأطباء ليس بحسبانه تعبيرا عن اشتباك الأطباء مع الشرطة، لأنه في حقيقته أحد مظاهر اشتباك الدولة الأمنية مع المجتمع.
 نلاحظ ذلك في الهجوم الجارح والبذيء من جانب الإعلام الأمني على نقابة الأطباء خصوصا النقيب ووكيلة النقابة.

الملاحظة الأخرى المهمة أن المشهد في جملته جاء دالا أيضا على موت السياسة وإهدار قيمة القانون.
ذلك أن الحادث الذي بدأت به أزمة الأطباء كان يمكن احتواؤه بأسلوب متحضر يقوم على التصالح واحترام القانون،

 ولكن نزعة التحدي وروح القمع هيمنت على المشهد من بدايته فجرى ما جرى.
وتمثلت أبرز علامات التحدي. في اعتبار الأطباء جناة كما في إطلاق سراح أمناء الشرطة التسعة الذين اشتركوا في إهانتهم وسحلهم قبل ٢٤ ساعة من انعقاد الجمعية العمومية للأطباء، في رسالة استعلاء وإغاظة عنوانها: أعلا ما في خيلكم اركبوه.

إن أجراس يوم الكرامة عالية الرنين والرسالة مهمة، لكن السؤال الكبير هو:
من يسمع أو يقرأ؟

...................

13 فبراير، 2016

حين اهتزت الثقة في القضاء

صحيفة السبيل الاردنيه السبت 4 جمادى الاخر 1437 13 فبراير 2016
حين اهتزت الثقة في القضاء - فهمي هويدي

 
أزمة العدالة في مصر أكبر بكثير مما نتصور، إذ لم يعد الأمر مقصورا على تراجع ثقة المصريين في القضاء أو العبث بالقانون أو حتى التصريحات الصادمة لوزير العدل وتدخلات السياسة والأمن في الأحكام.

ذلك أن تلك الممارسات أحدثت صدى محزنا في خارج مصر وليس في الداخل فحسب.
وترتب على ذلك أن الدوائر الأجنبية ذات الصلة فقدت بدورها الثقة في القانون المصري وفي القضاء المصري أيضا.

نبهني إلى ذلك بعض المحامين الدوليين الذين أخبروني بأن الصورة السلبية التي شاعت عن القضاء دفعت الجهات الأجنبية التي لها أي نشاط في مصر، استثماري أو غيره، إلى النص في العقود التي تبرمها على «شرط التحكيم» الذي يخرج أي نزاع ينشأ من ولاية القضاء والقانون في مصر.

وبمقتضى ذلك الشرط فإن النزاع إذا ما وقع أثناء ممارسة النشاط في مصر فإنه لا يعرض على القضاء المحلي، وإنما تفصل فيه لجنة تحكيم يتفق على مواصفات أعضائها.
وتستمع اللجنة إلى وجهة نظر الطرفين، ثم تصدر حكمها الملزم طبقا للقانون الساري في بلد الطرف الأجنبي.

وفي بعض العقود فإن الطرف المصري لا يسمح له بحضور جلسة التحكيم، وإنما ينوب عنه محاميه فقط.
ولأنه يكون الأضعف في هذه الحالة، فإنه يخسر القضية في أغلب الأحوال.

ليس الأمر على جسامته مقصورا على الغرامات المقدرة بالملايين التي أرهقت الخزينة المصرية جراء انهيار الثقة في القضاء، لأن ذلك الوضع يسيء كثيرا إلى سيادة الدولة والقضاء في مصر،
ويكاد يعيدنا عمليا إلى زمن القضاء المختلط الذي كان مطبقا في القرن التاسع عشر.

 وبمقتضاه فإن المنازعات المدنية التي يكون الأجنبي طرفا فيها كانت تعرض على تلك المحاكم التي كان قضاتها أجانب والقانون الذي تطبقه أجنبي
 (أنشئت المحاكم في عهد الخديو إسماعيل عام ١٨٧٠ وألغيت عام ١٩٤٩، الذي استردت مصر فيه سيادتها القضائية على أراضيها).

الوضع الراهن يعيد إلى الأذهان مرحلة السيادة المنقوصة وينذر بما هو أسوأ.
ذلك ان القضاء المختلط نشأ في ظل قوة النفوذ الأجنبي ورعاية الاحتلال البريطاني،

كما انه كان مختصا بالمنازعات المدنية والتجارية. لكن يفترض أن مصر الآن في وضع مختلف تماما،
 إلا أن أزمة القضاء ثغرة أعادتنا إلى ما أجواء ذلك الزمن الغابر.

إذ صرنا في وضع سمح للنفوذ الأجنبي بأن يتدخل حتى في المسائل الجنائية فضلا عن القضايا المدنية والتجارية.

 إذا أضافه إلى شيوع شرط التحكيم، فإننا شهدنا في الحوادث الأخيرة التي عرفتها مصر كيف ان الأجانب طلبوا المشاركة في التحقيقات والإجراءات بعدما ضعفت الثقة في القضاء والقانون.
وهو ما تمثل في المطالبة بالتثبت من تأمين المطارات بعد حادث تفجير الطائرة الروسية
والمشاركة الأجنبية في التحقيقات بعد حادث تعذيب ومقتل الباحث الإيطالي ريجيني.

في مقام سابق ذكرت أن المستثمرين الأجانب لم يعودوا يستعينون بالمكاتب الاستشارية المصرية لإبرام عقودهم، نظرا لعدم ثقتهم في القوانين واللوائح المصرية.
 لذلك فإنهم أصبحوا يلجؤون في الاستعانة بوسطاء من الضباط المتقاعدين لإنجاز معاملاتهم بعيدا عن الروتين وقفزا فوق تعقيدات اللوائح وتعنت بعض الموظفين.

ليس الهدف أن نتجمل أمام الأجانب ونطمئن المستثمرين، رغم أن ذلك لا يعيبنا، وإنما الأهم ان تستعاد الثقة في القانون والقضاء في مصر.

ولابد ان يثير دهشتنا ان تكون الممارسات التي تهز تلك الثقة وتخصم منها خارجة من داخل المرفق القائم على العدالة،
وان يسهم وزير العدل في ذلك بتصريحاته وتدخلاته، وانشغاله بتصفية الحسابات السياسية والشخصية بأكثر من انشغاله بتعزيز الثقة في القضاء والدفاع عن استقلاله في مواجهة ضغوط السياسة وتدخلات الأمن.

إن أزمة القضاء حين يكون لها تلك الأصداء في الخارج فضلا عن الداخل، فإنها تستدعي تدخلا لا يحتمل الانتظار من جانب أولي الأمر، يحتويها ويوقف التدهور الذي يعتريها.

 ذلك أن المسألة لا تقف عند حد استعادة الثقة والاحترام للقضاء والقانون وإنما الأمر وثيق الصلة بسيادة الدولة على أرضها وبرد الاعتبار لقيمة العدل التي هي ركن أساسي في هيبة الدولة وشرعيتها.

ومن المفارقات ان بعض التجاوزات التي تجرح صورة العدالة تتم باسم الدفاع عن الدولة،
الأمر الذي يذكرنا بقصة الدبة التي قتلت صاحبها وهي تهش الذباب بعيدا عن وجهه.

.......................

10 فبراير، 2016

تقدم على طريق الندامة

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 2 جمادى الأولى 1437 11 فبراير 2016
تقدم على طريق الندامة - فهمي هويدي

قررت محكمة النقض إلغاء الحكم بإعدام ١٤٩ شخصا ودعت إلى محاكمتهم أمام دائرة جنائية أخرى، وكان ذلك رابع حكم تلغيه المحكمة لنفس القاضي.

في قضية أخرى اكتشفت المحكمة أن ثمة تلاعبا في تشكيل هيئة المحكمة بحيث حضر جلسة النطق بالحكم قاضيان غير اللذين سمعا المرافعة ولم يوقعا على المسودة.

وفي واقعة ثالثة أصدر مجلس الدولة بيانا شديد اللهجة انتقد فيه وزير العدل واستهجن ما اعتبره «تدخلا صارخا» من جانب الوزير في عمل جهة قضائية مستقلة.

هذه الأخبار التي نشرتها الصحف متناثرة في الآونة الأخيرة بمثابة «عيِّنة» من القرائن الدالة على الأزمة التي يعاني منها مرفق العدالة في مصر،

 وهي أزمة مسكوت عليها رغم خطورتها التي تتجاوز بكثير أزمة ممارسات الأجهزة الأمنية التي تطل علينا شواهدها وتصدمنا حينا بعد حين،

كما ترددت أصداؤها قوية في العالم الخارجي بعد حادث تعذيب وقتل الباحث الإيطالي ريجيني.

وإذ لا أقلل من حجم الممارسات التي تنسب إلى الأجهزة الأمنية، وأعتبرها انتهاكات جسيمة لكرامة الإنسان المصري وحقوقه، وإساءة بالغة للنظام القائم، فإنني عند رأيي في اعتبار أزمة العدل أكثر خطورة وأعمق أثرا.

ذلك أن ممارسات الأجهزة الأمنية مرتبطة بالسياسات التي يمكن أن تتغير تبعا لتقلباتها.
 أما أزمة مرفق العدالة فقد تؤثر التقلبات السياسية في بعض قطاعاته دون الأخرى،
إلا أن أخطر ما فيها أنها تهدر ثقة الناس في القضاء وتشكك في استقلال بعض القضاة،
 وهو ما يستغرق عقودا لتقويمه وإصلاحه بحيث يستعيد القضاء كبرياءه وشموخه.

أدري أن مصادر التشوهات التي أصابت مرفق العدل محدودة في ذلك القطاع المهم والحساس. الذي يضم نحو ١٦ ألف قاض، إذا أضفنا إليهم قضاة مجلس الدولة.
مع ذلك فإن محدودية تلك المصادر سحبت الكثير من رصيد الثقة في القضاء. في داخل مصر وخارجها.
 فالدوى الذي أحدثته دعوة وزير العدل إلى قتل عشرة آلاف إخواني أو متعاطف معهم مقابل كل جندي يقتل، تجاوز الحدود المصرية العربية.
وهو ما دفع منظمة حقوقية دولية مثل هيومان رايتس ووتش يوم الاثنين الماضي (٨/٢) إلى توجيه رسالة إلى الرئيس السيسي طالبته فيها «برد قوي» على ما وصفته بأنه دعوة للقتل الجماعي، تتعارض مع الدستور المصري والقانون الدولي،
 إذ لا يخطر على بال إنسان سوى أن يطلق الدعوة وزير مسؤول في دولة عصرية فضلا عن أن يكون وزيرا للعدل.

إن النقد الغاضب والحاد الذي وجهه مجلس الدولة لوزير العدل، كان سببه أن الوزير استنكر رفض المجلس طلبه تعديل قانون الإجراءات الجنائية بحيث يسمح للقاضي بالاستغناء عن الشهود في القضايا المنظورة.
وهو ما يعد إهدارا للحق في الدفاع وإخلالا فادحا بسير العدالة، لا يتصور أن يصدر عن وزير للعدل.

الأمر الذي يثير الدهشة أيضا أن الوزير منذ تولى السلطة عمد إلى التنكيل بكل من اختلفوا معه أثناء رئاسته لنادي القضاة، خصوصا المجموعة التي تبنت الدفاع عن استقلال القضاء بين عامي ٢٠٠٥ و٢٠٠٦.
ولم يسلم من التنكيل الذين رفعوا دعوى ضده في عام ٢٠١٠ بسبب بيعه لقطعة أرض في بورسعيد يملكها النادي في ملابسات محاطة باللغط.
 وحين رفضت الدعوى في عام ٢٠١٢، فإن الرجل الذي كان رئيسا للنادي آنذاك ما إن عين وزيرا حتى وجه بمطالبة كل واحد ممن رفعوا الدعوى (١٥ قاضيا) بمبلغ ٧٥٠ ألف جنيه بدعوى تسوية الرسوم، التي قضى مجلس الدولة ببطلان قانونيتها في وقت لاحق.

قائمة المخالفات والمكايدات طويلة.
 ومن أبرزها استخدام تقارير أجهزة الأمن في تصفية الحسابات والكيد للمخالفين.

وللأسف فإن تلك التقارير أو التحريات استخدمت كدليل للإدانة في أغلب القضايا السياسية التي نظرتها المحاكم في الآونة الأخيرة، رغم أن المحكمة الدستورية العليا لم تعتبرها دليلا يعتد به،
ولذلك فإن الأحكام جميعها مصيرها البطلان إذا ما عرضت على محكمة النقض.

وفي الأسبوع المقبل (يوم ١٤/٢)يفترض أن ينظر القضاء في اتهام نائب رئيس النقض المستشار ناجي دربالة بالدعوة إلى تأسيس حركة «قضاة من أجل مصر» بناء على تحريات الأمن. في حين أن الرجل كان معارا لدولة الإمارات ولم يكن موجودا في مصر في الفترة ما بين عامي ٢٠٠٦ و٢٠١٢. فضلا عن أن له كتابات منشورة انتقد فيها موقف الحركة.

ذلك كله في كفة والمذبحة التي تعد لعزل ٥٥ قاضيا ممن وقفوا ضد تزوير الانتخابات ودافعوا عن استقلال القضاء واشتركوا في إصدار بيان في عام ٢٠١٣ دعوا فيه إلى احترام الدستور والقانون وطالبوا أطراف النزاع بالاجتماع على كلمة سواء تحقق صالح الوطن.
وما أقدموا عليه كان بمثابة محاكاة للبيان الذي أصدره المستشار ممتاز نصار في عام ١٩٦٨ووجه فيه الدعوة إلى سيادة القانون واحترام الحريات بعد هزيمة ١٩٦٧.

هؤلاء القضاة جرى التشهير والتنكيل بهم منذ عام ٢٠١٣،
وفي التحقيق معهم واستجوابهم تم العصف بكل قواعد القانون وضمان العدالة فيه، حتى حرموا من الاطلاع على أوراق قضيتهم أو الدفاع عن أنفسهم.

وسيقدمون في الشهر الحالي (يوم ٢٢) إلى مجلس للتأديب مطعون في تشكيله لأنه ضم قضاة من مجموعة وزير العدل، شارك بعضهم في الإبلاغ ضد زملائهم «المتهمين»، ولهم موقف سابق من القضية يجرح حيادهم وعدالتهم.

لا يبدو أننا تعلمنا الدرس من تدهور سمعة الأجهزة الأمنية، لأننا نكرر الخطأ ذاته على نحو أفدح في ملف العدالة، كأن هناك إصرارا مدهشا على المضي قدما على طريق الندامة.

....................

09 فبراير، 2016

يحزننا ولا يدهشنا

صحيفة السبيل الاردنيه الأربعاء 1 جمادى الأول 1437 – 10 فبراير 2016
يحزننا ولا يدهشنا - فهمي هويدي

إذا كان وزير الداخلية قد أبدى دهشته من الشائعات المتداولة حول تورط جهاز الأمن في مقتل الباحث الإيطالي الذي عثر على جثته في ضواحي القاهرة، فإننا لا نستطيع أن نخفى دهشتنا إزاء اندهاش الوزير.

 وإذ أؤيد الانتظار حتى تنتهي التحقيقات في الموضوع، وأتمنى أن تثبت براءة أجهزة الأمن من تعذيب الرجل وقتله،
إلا أنني أتفهم العوامل التي أسهمت في الإسراع بإثارة الشبهات حول دور الشرطة المصرية فيما جرى للرجل،

وإلى أن تتضح الحقيقة في الموضوع، ينبغي أن نتساءل:
 لماذا كان أول ما خطر على بال كثيرين في خارج مصر إن للشرطة المصرية يدا في الموضوع؟

وأضيف هنا أن بعض التقارير المنشورة في الصحافة الأجنبية قطعت بذلك الدور ولم تتعامل معه باعتباره شكوكا أو أحد السيناريوهات المطروحة.

وأوجعني كثيرا أن أطالع رسما كاريكاتوريا، تداولته مواقع التواصل الاجتماعي ظهر فيه جبل من الجثث ووقف أمامه أحد ضباط الشرطة المصريين متسائلا:
أين يوجد ذلك الإيطالي؟

ــ وكانت رسالة الصورة واضحة في أن الباحث القتيل ريجينى، من وجهة نظر الرسام والجريدة، ليس سوى واحد من مئات الضحايا الآخرين الذين لقوا نفس المصير في مصر.

إحدى المشكلات التي كشفت عنها الحادثة أن الذين يوجهون الإعلام الأمني في مصر تصوروا أن ما تبثه وسائل الإعلام المحلية من تقارير ينطلي على وسائل الإعلام الأجنبية والمنظمات الحقوقية الدولية. ناسين أن هؤلاء يعرفون ما يجرى في مصر أكثر مما يعرف كثير من المصريين.

وعند الحد الأدنى فلتلك الدول سفارات في القاهرة كما أن للمنظمات باحثين يتابعون بدقة ما يجرى، فضلا عن أن المنظمات الحقوقية المستقلة المحاصرة إعلاميا في مصر، تستقبل تقاريرها بثقة واحترام في الخارج.

ليست المسألة مجرد سمعة أشاعت انطباعا سلبيا عن دور جهاز الأمن في مصر، لأن ما صدم كثيرين في الخارج في جريمة تعذيب وقتل الباحث الإيطالي، لم يقابل بدهشة كبيرة في أوساط الحقوقيين المصريين فضلا عن أهالي المسجونين،

صحيح أن الأمر موجع ومفجع ومثير لمشاعر الحزن والأسى، لكنه ليس باعثا على الدهشة بأي حال.
 فثمة حالات في مصر واجه فيها الضحايا ذات المصير الذي انتهى إليه الباحث المغدور ــ لكنها لم تحدث ضجة في وسائل الإعلام، سواء لكثرتها وتعددها أو لأن الإيطالي وراءه دولة غضبت وحكومة أوفدت وفدا أمنيا وسفيرا عاين الجثة وصدمه ما رآه،
 ثم إن الجثة نقلت إلى روما وتوفر لها من يستطيع أن يفحصها جيدا، ويعد تقريرا مستقلا عما جرى.

لقد ذكرت قبل قليل أن أول ما خطر على بال كثيرين «في خارج مصر» إن للشرطة يدا في الموضوع. ولم أشر إلى أصداء الحادث داخل مصر.
وتوا قلت إن ما جرى للرجل أحزننا ولم يدهشنا، ليس فقط لأن الانطباعات في الداخل أسوأ بكثير،
ولكن أيضا لأن الحالات المماثلة مرصودة ومعلومة للكافة، وتشكل مادة لا تغيب عن مواقع التواصل الاجتماعي.

ربما يذكر كثيرون حادث المحامى كريم حمدي الذي ألقى القبض عليه في شهر فبراير من العام الماضي، وقام اثنان من ضباط الأمن الوطني بتعذيبه الأمر الذي انتهى بقتله.
 وأدانتهما في ذلك محكمة جنايات القاهرة وحكمت على كل منهما بالسجن المشدد مدة خمس سنوات.
وفى حيثيات الحكم ذكرت المحكمة التي نشرتها الصحف في ١٩/١٢/٢٠١٥ أن الرجل قتل جراء «توقف القلب والتنفس نتيجة الإصابات بالصدر والبطن والعنق، وما أصابه من كسور بالأضلاع الصدرية وتهتك بالرئتين وتكدم بالقلب والكبد وكيس الصفن.
 وما صاحب ذلك من نزيف بتجويفي الصدر والبطن وبالخصيتين وحول الكليتين... إلخ.
وتلك تفاصيل لا تختلف كثيرا عما أصاب الباحث الإيطالي.

ما جرى للمحامى كريم حمدي ليس حادثا استثنائيا.
يشهد بذلك تقرير مركز «النديم» لعلاج ضحايا العنف والتعذيب عن عام ٢٠١٥ المنقضى،
إذ أورد ما وصفه بأنه «أرقام مفزعة» لضحايا التعذيب (التقرير موجود على موقع المركز).

وفى تقديمه إشارة إلى أن التعذيب أصبح منتشرا في أقسام الشرطة ومقار أمن الدولة، «بحيث كاد يغطى خريطة مصر كلها من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها».

معذورون هم إذا سارعوا بالشك ومعذورون نحن أيضا إذا أصابتنا دهشة الوزير بالدهشة.

ومن حقنا في هذه الحالة أن نردد قول من قال إن الوزير إذا كان لا يعلم بما يجري فتلك مصيبة، وإذا كان يعلم فالمصيبة أعظم.

....................

08 فبراير، 2016

العالم العربى صار مهددًا فى حدوده ووجوده – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 30 ربيع آخر 1437 9 فبراير 2016
العالم العربى صار مهددًا فى حدوده ووجوده – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

ليست المشكلة الآن فيمن يقود العالم العربى، وإنما هى فى مصير ذلك العالم الذى أصبح فى مهب الريح.

(1)

فى كلمة ألقاها سفير دولة الإمارات العربية فى واشنطن أمام مؤتمر جامعة الدفاع الوطنى التابعة لوزارة الدفاع قال ما يلى:
إن دولة الإمارات هى التى تقود المنطقة العربية بمبادراتها ومشاركتها فى ستة تحالفات مع الولايات المتحدة.

 أضاف السفير يوسف العتيبة إن بلاده هى الوحيدة التى شاركت ومازالت شريكة للولايات المتحدة فى كل العمليات العسكرية خلال الـ٢٥ عاما الأخيرة، سواء فى أفغانستان أو العراق أو سويا.

وطبقا لما نشرته صحيفة «القدس العربى» فى ١٠/١ فإن السفير أشار إلى أن فى بلاده قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة بها ٣٠٠٠ جندى،
 كما أن جميع العمليات التى تقوم بها السفن الحربية الأمريكية بالمنطقة تنطلق من ميناء جبل على.

تحدث أيضا عن قيام دولة الإمارات بدور مهم فى نشر الإسلام المعتدل من خلال مجلس حكماء المسلمين الذى ترعاه، ويضم علماء متنورين يؤمنون بالفكر الوسطى وليس المتطرف.

كما تحدث عن التنسيق القائم بين الإمارات والولايات المتحدة لمواجهة الأفكار المتطرفة من خلال المشاركة معا فى مركز «صواب» المتخصص فى النهوض بهذه المهمة من خلال شبكات التواصل الاجتماعى.

بشكل مواز كتب الباحث الأكاديمى الإماراتى الدكتور عبدالخالق عبدالله القريب من دائرة القرار السياسى فى الإمارات على صفحته فى ١١/١ قائلا إن السعودية هى اليوم مركز الثقل السياسى العربى والإسلامى، باعتراف الأصدقاء والأعداء،

وفى تعليق له نشره فى الأسبوع الماضى ذكر أن دبى وأبوظبى والشارقة وبقية المدن الخليجية، وليس بيروت والقاهرة وبغداد هى التى تقود حركة التنوير والحداثة بالمنطقة العربية فى القرن الواحد والعشرين،

ثم قال فى وقت لاحق إن البعض يلوموننا حين نكرر أن الإمارات هى اليوم الدولة القدوة فى العالم العربى، وأن هذه لحظة الخليج فى التاريخ العربى المعاصر،

 وهذه الفكرة الأخيرة عبر عنها السياسى الكويتى المخضرم السفير عبدالله بشارة (الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجى) حين نقل عنه قوله إن القرار العربى انتقل من دول الماء إلى دول النفط.

(2)

مصر لها نصيبها من هذه الرؤية المستجدة لخرائط المنطقة.
عبر عن ذلك أحد الكتاب والأكاديميين السعوديين البارزين، الدكتور خالد الدخيل أستاذ العلوم السياسية.
فى مقالة له نشرتها صحيفة الحياة اللندنية فى ٢٩/١١/٢٠١٥،

ففى حديثه عن أجواء العلاقات المصرية السعودية ذكر أن معضلة العلاقة فى الظروف الإقليمية الراهنة تكمن فى أن النخبة المصرية المثقفة «تريد أن تستعيد مصر دورها القيادى فى الإقليم كما كان عليه فى النصف الأول من القرن الماضى (و) يعبر الموقف الرسمى المصرى عن الأزمات التى تعصف بالمنطقة عن الرؤية ذاتها،
لكن غموض ذلك الموقف يعبر عن إحباط ناتج كما يبدو من إدراك متمكن بأن إمكانية استعادة هذا الدور القيادى لم تعد متاحة كما كانت عليه من قبل،
فمصر فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى وقبله عهد محمد مرسى القصير لم تعد مصر فى العهد الملكى ولا مصر فى عهد عبدالناصر.
والعالم العربى الآن يبتعد كثيرا عن العالم العربى كما كان عليه فى أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

أصبح من الواضح أن استعادة مصر دورها القيادى تتطلب تغييرا فى مصر قبل أى مكان آخر، يضعها فى مقدم المنطقة كما كانت عليه من قبل.

أضاف أنه لا أحد يعترض على استعادة مصر دورها، لكن السياسة والأدوار القيادية فيها لا تتحقق بالأمانى والتعلق بأحلام تعود لماض بعيد.

 لم تعد مصر فى مقدم المنطقة لا فى الاقتصاد ولا فى السياسة، ولا حتى فى التنمية والعلم.
عصر عمالقة مصر بالمعايير المصرية انتهى.
 باتت الدولة فى مصر تعانى مما تعانيه دول عربية كثيرة، تعترف بأن التغيير أصاب مجتمعها كما أصاب المنطقة والعالم. لكنها تنتظر من هذا التغيير أن يتأقلم معها لا أن تتأقلم هى معه ومع مقتضياته.

تحدث الدكتور الدخيل عن أنه بعد انهيار سوريا والعراق لا يمكن إنقاذ المنطقة إلا بتعاون مع السعودية،
وذلك يتطلب رؤية مشتركة مع مصر للحلول والمخارج،
إلا أن مصر فى وضعها الاقتصادى والسياسى الصعب تخشى فيما يبدو أن يكون التوصل إلى رؤية مشتركة مع الرياض فى صالح اعتراف إقليمى بتبلور قيادة سعودية للمنطقة على حسابها.

وعلق على ذلك قائلا إن مصر «تريد المساعدات المالية السعودية والخليجية، لكنها لا تريد أن يكون لهذا ثمن عليها أن تدفعه ضمن معادلة المصالح العربية المتبادلة».

(3)

هذا الكلام ليس مجرد آراء شخصية أو اجتهادات لنفر من مثقفى الخليج، ولكنه يعبر عن رؤية تبلورت خلال السنوات الأخيرة وعكست بعض جوانب الخرائط التى استجدت فى العالم العربى فى ضوء الحقيقة التى لا مفر من الاعتراف بها. وهى أن مصر صغرت والآخرين كبروا.

أضع بين قوسين المبالغات والشطحات التى وردت فى بعض التعليقات، خصوصا تلك التى ألغت أدوار بيروت والقاهرة وبغداد لصالح دبى وأبوظبى والشارقة وقيادة الأخيرين للتنوير والحداثة فى القرن الواحد والعشرين.

فيما عدا ذلك لا يخلو من صواب ذلك الحديث عن انتقال مركز القرار العربى إلى دول النفط (رغم انخفاض أسعاره)، كذلك لا يخلو من منطق تحليل الدكتور الدخيل.

فى كتابات سابقة أشرت أكثر من مرة إلى أن قيادة العالم العربى ليست وقفا ولا حكرا على بلد دون آخر، لكنها مسئولية لها شروطها، من استطاع أن ينهض بها فهو جدير بها،

 لذلك فإن السؤال الصحيح ليس من يقود ولكنه فى معايير تبوُّء مقعد القيادة والقدرة على الوفاء باستحقاقاتها من وجهة نظر المصالح العربية العليا.

وما عاد سرا أن مصر تخلت عن القيادة السياسية للعالم العربى. بعد رحيل الرئيس جمال عبدالناصر وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل فى عام ١٩٧٩.
 إذ منذ ذلك الحين ظل مقعد القيادة شاغرا، رغم محاولات ملئه من جانب الرئيس العراقى صدام حسين تارة والعقيد معمر القذافى تارة أخرى.

وحين توالت الانهيارات فى المشرق بوجه أخص فى ظل الفراغ المخيم برز دور دول الخليج التى امتلكت من القدرة الاقتصادية ما لم يتوافر لغيرها من دول الإقليم.

وبقوتها تلك فإنها تصدرت المشهد وتعاظم دورها السياسى بصورة نسبية، وأصبحت صاحبة القرار فى الجامعة العربية على الأقل، إلا أن ذلك تم فى ظروف بالغة التعقيد،
 أزعم أنها الأسوأ فى التاريخ العربى المعاصر،

صحيح أن تراجع أسعار النفط حد من القدرة المالية لتلك الدول، إلا أنها لاتزال تؤدى دورها النسبى فى توجيه القرار العربى، لأن أوضاع بقية الدول العربية الأخرى أكثر ضعفا.

الظروف المعقدة التى أعنيها تتمثل فيما يلى:

<
إن دول الخليج تعانى خللا خطيرا فى تركيبتها السكانية يؤثر على استقرارها فى الأجل البعيد،
 إذ حسب تقديرات المركز الإحصائى لدول مجلس التعاون الخليحى الست فإنها تضم نحو ٤٩ مليون نسمة (فى عام ٢٠١٣)
إلا أن العمالة الآسيوية تمثل ١٦ مليون نسمة فى الوقت الراهن
ويقدر لها أن تصل إلى ٣٠ مليونا فى عام ٢٠٢٥.

وطبقا لتقديرات الباحث الإماراتى الدكتور حسين غباشى فإن نسبة العمالة الأجنبية تصل إلى ٩٠٪ فى دولة الإمارات و٨٥٪ فى قطر فى حين تتراوح بين ٣٠ و٦٠٪ فى بقية الدول.

<
إن دولة وهى تتصدر المشهد العربى وتمسك بزمام القرار العربى تعانى من الخوف والقلق من محيطها الخارجى خصوصا بعد التدخل الإيرانى فى اليمن.

ورغم أن دوله تتصدر قائمة الدول الأكثر إنفاقا على التسليح، حتى إن الإمارات تعد واحدة من أعلى خمس دول فى العالم تشترى السلاح، إلا أنها تعتمد اعتمادا شبه كلى على الحماية الأجنبية.
 لذلك فإن القواعد العسكرية الأجنبية منتشرة فى كل دولها بغير استثناء.

ولم يعد الأمر مقصورا على الأمريكيين والإنجليز والفرنسيين، وإنما اصطف إلى جانبهم الأستراليون والقادمون من كوريا الجنوبية.
وقد التحقت تركيا بالقائمة مؤخرا، حين أقامت لها قاعدة عسكرية فى قطر.

<
إن مستقبل العالم العربى أصبح يتقرر خارج حدوده.
واللاعبون الكبار فى الإقليم أصبحوا محصورين فى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وروسيا وإيران وتركيا.

وذلك واضح تماما فى الملف السورى الذى تتولاه تلك الدول ولروسيا فيه كلمة مسموعة بحكم وجودها على الأرض فى سوريا.

ومن الواضح أن القرار العربى لا تأثير له على الملف السورى، فضلا عن أنه لم يحل شيئا فى مشكلتى ليبيا واليمن.

<
إن حالة الهشاشة التى يعانى منها العالم العربى جعلته أكثر قابلية للتشرذم والانفراط، على نحو جعل احتواءه ومحاولة رأب تصدعاته عملية بالغة الصعوبة الأمر الذى يلغى دور أى قيادة عربية،

وقد رأينا بوادر التقسيم فى العراق سواء بين السنة والشيعة فضلا عن دعوة مسعود البرزانى رئيس إقليم كردستان إلى الاستفتاء على الاستقلال.

كما أن خرائط تقسيم سوريا وإقامة دولة علوية تبدو تحت الإعداد.
 ولا يعرف مصير أقاليم ليبيا كما أن ملف دارفور لم يغلق بعد فى السودان.

 وهذه الهشاشة أطلقت يد إسرائيل فى الأراضى الفلسطينية المحتلة ففرضت حصارها على رام الله والبيرة وقباطية،
 إلى جانب حصارها التقليدى لقطاع غزة فضلا عن استمرار محاولاتها اقتحام المسجد الأقصى.

(4)

إذ تحل هذا العام الذكرى المئوية لتقسيم العالم العربى طبقا لاتفاقية سايكس بيكو التى وقعت عام ١٩١٦، بعد الحرب العالمية الأولى، فإن المئوية الجديدة تنبئ بما هو أسوأ.

 ذلك أن الاتفاقية وقعت بعد انهيار الدولة العثمانية التى وصفت بأنها رجل أوروبا المريض، وهو وضع قريب الشبه بانهيار النظام العربى وتراجع دور مصر التى صارت رجل العرب المريض.

وكما انكسرت راية الدولة العثمانية آنذاك، فإن الإرادة العربية انكسرت بدورها بعد خروج مصر على الإجماع العربى فى معاهدة السلام مع إسرائيل، وبعد تعرضها للهزات السياسية والاقتصادية.

وذلك الانكسار فتح الباب واسعا لمختلف التصدعات التى فتحت شهية كثيرين للحديث عن إعادة تقسيم العالم العربى ورسم خرائط جديدة له،
وقد أشرت توا إلى حظوظ العراق وسوريا والسودان منها، كما أن مشروع دولة الخلافة (داعش) يبدو ضمن تجلياتها.

ثمة ملاحظتان أساسيتان تردان فى هذا الصدد.

الأولى أن العالم العربى فى ظل الخرائط الجديدة لم يعد مهددا فى حدوده فحسب، وإنما فى وجوده أيضا.
 وذلك حاصل فى الوقت الراهن دون غزو من الخارج، وبفعل عوامل داخلية فى الأغلب.

 الملاحظة الثانية أن موازين القوى المحيطة تغيرت هذه المرة. فلئن كانت إنجلترا وفرنسا وراء اتفاقية سايكس بيكو قبل مائة عام، فإن رعاة القسمة هذه المرة تضاعفوا، وانضمت إليهم الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل.

ولذلك حديث موجع آخر أستكمله فى الأسبوع المقبل بإذن الله.

...........................

Delete this element to display blogger navbar