Subscribe:

Ads 468x60px

29 يوليو، 2016

من فعلها ولماذا؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 25 شوال 1437 30 يوليو 2016
من فعلها ولماذا؟ - فهمي هويدي

نحتاج إلى تقصى حقائق ما جرى فى محافظة المنيا، وأدى إلى تعدد الاشتباكات بين المسلمين والأقباط.
لست صاحب الاقتراح لكنى أؤيده، وأضم صوتى إلى صوت الأنبا بولا الذى دعا إليه.

وكانت جريدة «الشروق» قد نشرت فى عدد الثلاثاء ٢٦/٧ تقريرا عن صدى أحداث المنيا بمناسبة مناقشة الموضوع فى لقاء البابا تواضروس الثانى مع أعضاء اللجنة الدينية فى مجلس النواب.

وكان اقتراح الأنبا بولا أسقف طنطا المسئول عن صياغة قانونى الأحوال الشخصية وبناء الكنائس ضمن ما ذكر فى هذا السياق.
إذ ورد على لسانه قوله إن ما جرى فى المنيا ينبغى أن تتولى لجنة تقصى الحقائق دراسته للتعرف على السبب الحقيقى وراء الاحتقان الذى أدى إلى توتير العلاقة بين المسلمين والأقباط وتفجيرها بين الحين والآخر.

وهو ما اعتبره مدخلا صحيحا ورصينا للتعامل مع الملف، خصوصا أن وسائل الإعلام المصرية حفلت بسيل من التعليقات التى تناولت أعراض الداء. ولم تنل جذوره وأصوله العناية التى تستحقانها.

لى ثلاث ملاحظات على اقتراح الأنبا بولا،

 الأولى أننى أتمنى أن تشمل مهمة تقصى الحقائق محاولة توفير الإجابة عن أسئلة هى:
هل الاحتقان مقصور على محافظة المنيا وحدها أم أن الظاهرة متكررة فى محافظات أخرى؟
 ثم، ما هى الأسباب الكامنة وراء ذلك الاحتقان،
هل هو التعصب الدينى أم أنها الثأرات والصراعات القبلية والشخصية،
 وهل للدس والوقيعة دور فى ذلك؟
 أم أنها مجمل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التى يعانى منها الجميع،
 أم أن هناك أسبابا أخرى.

الملاحظة الثانية أن السعى ينبغى ألا يكتفى بمحاولة الإجابة عن السؤال «لماذا» على أهميته، لأنه من الأهمية بمكان أن يبذل جهد للإجابة أيضا عن السؤال «من»؟

 ــ أعنى أننا نريد أن نتعرف على الفاعل والمحرض، هل هو فرد أم مجموعة أم أفراد؟
 وما هى هوياتهم؟
وإذا كانوا ينتمون إلى جماعات فإن جهدا ينبغى أن يتواصل لتحديد ماهية تلك الجماعات.

وإذا كان الإعلام المصرى قد دأب على وصف الفاعلين بأنهم متعصبون أو إرهابيون دون أى تحديد أو تخصيص، فإن ذلك ربما خدم الأجواء السياسية والصراعات الداخلية،
إلا أنه لم يخدم الحقيقة، لأن العناوين الفضفاضة توزع التهم بالمجان وقد تضلل، فتصرف الانتباه عن الفاعلين وتثير الشبهات حول الأبرياء.

الملاحظة الثالثة تتلخص فى أن تقصى الحقائق ينبغى أن يشمل كل الأطراف المعنية، لأن بين المسلمين متعصبون ومتشنجون حقا، لكن هؤلاء لهم نظائرهم بين الأقباط أيضا.

ثم إننى لم أفهم الغمز فى دور الشرطة التى كثيرا ما تتهم بالتراخى فى القيام بما عليها، وهو ما أشك فيه.

وإذا تصورنا من الناحية النظرية أن يكون ذلك موقف فرد فمن الظلم أن يعمم الأمر على الجهاز.
ذلك أن الصراع الحاصل يحفز الشرطة لمحاصرة العنف واستئصال جذوره، وليس للتساهل معه أو تشجيعه.

لدى ملاحظة رابعة على الفكرة لا أستطيع أن اكتمها، ذلك أن تقصى الحقائق لا يحقق المراد منه بمجرد تشكيل لجنة أو عدة لجان من الخبراء والمختصين،
 لكنه أيضا بحاجة إلى بيئة سياسية ومجتمعية تشجع على ذلك وترحب بالنتائج أيا كانت.

وفى بعض المجتمعات غير الديمقراطية فإن التشكيل ذاته يخضع لتدخلات السلطة وتحيزاتها، بما قد يسحب من رصيد الثقة فى عملية التقصى المنشود.

وإذا توافرت للجان التقصى ضمانات الاستقلال والحرية، فإن مصير تقاريرها يصبح محفوفا بالمخاطر التى يصبح التجاهل حدا أدنى لها.

وذلك ليس استنتاجا ولكنه من دروس خبرتنا فى مصر.
إذ ليس غائبا عن الأذهان مصير محاولتى تقصى حقائق ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ أو مرحلة حكم المجلس العسكرى فى ٢٠١٢.
وقد شكلت لكل منهما لجنة رأسها أحد كبار القضاة، وضمت عددا من المتخصصين والخبراء المستقلين،
 ولكن التقريرين لم يوافقا الهوى السياسى فتم استبعادهما،
 وأعيدت صياغة «حقائق» المرحلتين على نحو جديد وافق الريح السياسية المستجدة، بحيث صار للمرحلتين تاريخان أحدهما أهلى مستقل والثانى حكومى «معدل».

ولم يكن ذلك مسلكا استثنائيا لأن الغموض لايزال يحيط بقائمة طويلة من الأحداث والعمليات الإرهابية التى تلاحقت بعد ذلك. وبقيت حقائقها خاضعة للصياغة الحكومية والأمنية،
وهو ما تعلمنا منه أن لجان تقصى الحقائق لا تستطيع أن تؤدى مهمتها على النحو المرتجى إلا فى ظل مناخ يضمن لها الاستقلال والحرية والنزاهة.

وهى العناصر التى توافرت فى بريطانيا مثلا لإصدار تقرير السير جون شيلكوت ومساعديه الذين تقصوا حقائق ملابسات اشتراك بريطانيا فى غزو العراق.
وهو ما استغرق سبع سنوات وتكلف نحو ١٥ مليون دولار.

لست أدعو إلى استبعاد خيار تقصى حقائق تجاذب النزاعات الطائفية بواسطة لجنة خاصة،
 لكنى أذكر بأن ثمة شروطا لنجاح مهمتها ومن ثم التعويل على صدقية تقريرها.

........................

27 يوليو، 2016

قمع تحت القبة

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 23 شوال 1437 – 28 يوليو 2016
قمع تحت القبة - فهمي هويدي

في مجلس النواب المصري حدثت القصة التالية:
في أثناء جلسة الاثنين ٢٥/٧ عرض على النواب مشروع قانون بزيادة جديدة في المعاشات العسكرية بنسبة ١٠٪ اعتبارا من ١/٧ بحد أدنى ١٢٥ جنيها.

 وأثناء عرض الموضوع طلب النائب محمد السادات الكلمة، وتساءل عن وضع ضابط القوات المسلحة الذي يحصل على معاش
وفي الوقت ذاته يعمل في إدارة شركة أو غيرها من الوظائف العامة.

إلا أن رئيس المجلس قاطعه قائلا: غير مسموح لك الكلام في هذا الأمر.
وعلى أي عضو يتحدث عن القوات المسلحة أن يقف احتراما وإجلالا.
ولا نقبل هذا الكلام في القاعة، التي ينحني أعضاؤها إجلالا واحتراما لها.

وطبقا لما ذكرته صحيفة «الشروق» أمس فإنه ما إن توقف رئيس المجلس الدكتور علي عبدالعال عن الحديث حتى صفق الأعضاء ووقفوا، وكان بينهم اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع،

حينذاك استكمل الدكتور عبدالعال كلامه قائلا:
 الرسالة وصلت ليس فقط للسيد العضو ولكن للجميع.

والمحكمة الدستورية اعتبرت أن الاحتفاظ بالمعاش حق.
ثم منع رئيس المجلس محاولات السادات الحديث مجددا،
وقال: القاعة ردت عليك، في رسالة لك، ولكل من يرغب في فصل الشعب عن قواته المسلحة.

في الخبر المنشور أنه للمرة الأولى تم التصويت على المشروع وقوفا، بدلا من التصويت الإلكتروني أو التصويت برفع اليد.
وفور انتهاء العملية صفق غالبية الأعضاء للمرة الثانية.

فخاطب اللواء ممدوح شاهين الجلسة قائلا:
ما رأيته في المجلس يعد مظاهرة حب وتقدير لقواتكم المسلحة وأنقل إليكم تحيات القائد العام والقوات المسلحة بالكامل، وما حدث اعتبره موافقة على القانون بنسبة ١٠٠٪.

تعليقا على ما جرى نقلت الجريدة عن النائب محمد الحسيني قوله:
 كلنا جيش، كلنا جيش، نحن جيش «عامل نفسه» شعب.
 إحنا نايمين في البيت والجيش يدافع عنا.
والكلام موجه للطابور الخامس.

كما نقلت عن النائب محمد سلامة الجوهري مقرر موضوع التصويت قوله
 إن فلسفة التعديل استندت إلى توجيهات رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة الهادفة إلى تحسين أحوال أصحاب المعاشات ورفع المعاناة عن فئات الجماهير المختلفة...إلخ.

من ناحية أخرى طالب النائب خالد حماد بتطبيق زيادة مماثلة لصالح الشرطة.
 وقال النائب خالد عبدالعزيز شعبان إنه لا فرق بين أبناء الشعب المصري والقوات المسلحة جزء من الشعب المصري.

لي على هذه اللقطة التي أزعم أنها تاريخية عن ملاحظات هي:

<
أن تساؤل النائب محمد السادات كان استفهاميا وبريئا،
 وما فعله الرجل أنه حاول أن يمارس حقه المشروع في المناقشة أثناء جلسة عرض الموضوع.

<
أن موقف رئيس المجلس كان مدهشا.
 إذ رغم أنه رد عليه بحجة لا تخلو من وجاهة، وهي أن المحكمة الدستورية اعتبرت أن الاحتفاظ بالمعاش حق، إلا أنه قاطع العضو ومنعه من الكلام في الموضوع، واعتبر أن تساؤله يخل باعتبارات الاحترام والإجلال.

<
ليس ذلك فقط وإنما وجه إليه رئيس المجلس اتهاما حين غمز في قناته ضمنا ونسب إليه رغبته في فصل الشعب عن الجيش.
وزايد عليه عضو آخر اعتبر أن تساؤل العضو من حيثيات الالتحاق بالطابور الخامس.
وهو ما اعتبر نوعا من التخويف والإرهاب الفكرى أريد به إسكات العضو وتحذير غيره من توجيه أي استفهام بخصوص الموضوع.

<
مثل هذه التلويحات تبدو مستغربة تحت قبة البرلمان، الذي يفترض أنه يقوم بمهمة الرقابة على السلطة التنفيذية.
وقد توافرت الحصانة للنواب تحت القبة لكي يتاح لهم أن يجهروا في الجلسات بما لا يستطيعوا البوح به خارجها، وأن يفتحوا كل الملفات التي تهم الرأي العام بجرأة وبغير حساسية.

<
أنه لا تعارض بين الاستفهام الذي قدمه العضو وبين الاحترام الواجب للقوات المسلحة، لأنها إحدى مؤسسات الدولة وليس لأنها مؤسسة تعلو فوق مؤسسات الدولة.

 لذلك لا يفهم قول رئيس مجلس النواب للعضو أنه غير مسموح الكلام في الموضوع.
وحين يكون رئيس المجلس أستاذا متخصصا في القانون الدستوري فإن إطلاق هذا الحكم بلا سند أو دليل يسيء إليه كما أنه يسيء إلى المجلس ودوره.

لقد تمنيت أن تتسم المناقشة بالهدوء والموضوعية، وبغير تشكيك أو ترهيب خصوصا من جانب رئيس المجلس، الذي اقنعنا أداؤه منذ توليه المنصب بأنه ذراع للسلطة التنفيذية وليس رقيبا عليها.
وهو ما أقنعني بصحة ما قاله أحد الأعضاء قبل أيام من أن مجلس النواب الحالي لا مثيل له في تاريخ مصر، ولكن بالمعنى السلبي وليس الإيجابي.

إنني أخشى على سمعة القوات المسلحة ممن يتزيدون ويسعون إلى تحويل الاحترام الواجب إلى تقديس لها،
وأذكر بالمقولة التي تقرر أن الشيء إذا زاد على حده فإنه ينقلب إلى ضده.

 وأزعم في هذا الصدد أن القوات المسلحة ليست بحاجة إلى تهليل المصفقين،
وأن جهودها في تأمين الوطن من الداخل يظل وساما على صدرها مرئي للجميع.
وثقتنا كبيرة في أن تحقق الانجاز ذاته حين تنهض بواجبها المرتجى في تأمين الوطن ضد مخططات أعداء الخارج، وعلى رأسهم العدو الاستراتيجي الذي يتربص بنا وهو يتمدد في فلسطين المحتلة.

.........................

26 يوليو، 2016

حضور في زمن الغياب

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 22 شوال 1437 – 27 يوليو 2016
حضور في زمن الغياب - فهمي هويدي

في الأخبار أن القمة العربية التي انعقدت في نواكشوط وصفت بأنها «قمة الأمل»،
وأكدت في بياناتها التمسك بمركزية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك،
 وهو ذات المعنى الذي ردده الأمين العام للجامعة العربية في خطابه الذي ألقاه أمام وزراء الخارجية قبل القمة.
 إذ قال إن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية للأمة، التي تحتل «أهمية قصوى» على أجندة الحاضر والمستقبل.
كما أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية يظل تهديدا أساسيا للأمن القومي العربي.

لا يستطيع القارئ العربي أن يصدق كلمة واحدة مما سبق،
 فما كان ليس قمة عربية شهدتها العاصمة الموريتانية، وإنما كان مجرد «قعدة» عربية استغرقت ساعات محدودة يوم الاثنين٧/٢٥ (حضرها ٨ رؤساء وأمراء وغاب عنها ١٤حاكما عربيا).

 أما الحديث عن مركزية القضية الفلسطينية فقد صار ادعاء كاذبا في الوقت الحاضر لا دليل عليه.

وحكاية «الأهمية القصوى» التي أشار الأمين العام للجامعة العربية مجرد تعبير بلاغي لا علاقة له بالواقع.

 أما اعتبار الاحتلال الإسرائيلي تهديدا أساسيا للأمن القومي العربي، فهو نكتة من شقين،

 أولهما أن شواهد الحال تدل على أنها لم تعد كذلك،
كما أن بعض الدول صارت تعتبر إسرائيل حليفا أساسيا وليس تهديدا أساسيا.

 الشق الثاني فإن حكاية الأمن القومي العربي لم تعد مأخوذة على محمل الجد من جانب أغلب، وربما أهم الدول العربية.
 إذ ما عاد أحد مشغولا بالأمن القومي، وإنما الكل مشغول فقط بالأمن السياسي المحلى وليس القومي.

بيان مؤتمر نواكشوط حوّل القضية المركزية إلى قضية لغوية، فضلا عن أن القمة كانت بمثابة إجراء روتيني فيه من القيام بواجب الحفاظ على العادة واستمرار التقليد المتبع منذ أكثر من نصف قرن (أول قمة عربية عقدت بالقاهرة عام ١٩٦٤)، حين كان للعرب حضور، ولهم رأس وجسم متماسك، وقبل أن يغيب الرأس وتختفي «البوصلة»، ويتحلل الجسم بصورة تدريجية.

 لذلك أزعم أن «قعدة» نواكشوط كانت أقرب إلى الديوانية التي توافد إليها بعض الحكام العرب من باب المجاملة، في حين رأت الأغلبية أنه حتى المجاملة لم يعد لها لزوم.

لا أظن أن شيئا من ذلك صدمنا أو فاجأنا. فقمة الإسكندرية (عام ١٩٦٤) قررت إنشاء قيادة عسكرية مشتركة مقرها عمان لمواجهة المخططات الإسرائيلية.

وبعد هزيمة ١٩٦٧ عقدت القمة العربية في الخرطوم وأطلقت اللاءات الثلاث الشهيرة (لا تفاوض ولا اعتراف ولا سلام مع إسرائيل).

وقمة عام ١٩٩٢ قررت استخدام القوات العربية لتحرير الكويت.

وقمة بيروت عام ٢٠٠٢ تبنت المبادرة السعودية التي دعت إلى التطبيع مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي العربية.

والقمة الاقتصادية التي عقدت بالكويت عام ٢٠١٠ دعت إلى تحقيق النهوض الاقتصادي والتضامني مع غزة بعد تعرضها للعدوان الإسرائيلي..إلخ.

الخلاصة أن مؤسسة القمة ــ في حدها الأدنى ــ لم تؤخذ بدورها يوما ما على محمل الجد،
 إذ تأسست تعبيرا عن حماس وغيرة في زمن المد القومي (كانت اقتراحا مصريا ردا على قرار إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن)،
 لكنها تحولت بمضي الوقت إلى مكلمة عربية لتسويق الأوهام ومحاولة تعطير الفضاء العربي من خلال مظاهر تقام واجتماعات تعقد وبيانات تصدر، ولا شيء من كل ذلك له علاقة بالفعل العربي
(أستثنى التعاون الأمني بين الأنظمة بطبيعة الحال).

إزاء ذلك فلعلنا نقول إن ما صدر عن قمة نواكشوط هو من جنس ما سبقه، لكنه اختلف عن سوابقه في الدرجة وليس في النوع.

ذلك أنه يعبر عن زمن الغياب الكبير الذي لم يختفِ فيه العالم العربي من خرائط السياسة الدولية فحسب، وإنما أصبحت أقداره تصنعها القوى الكبرى.

 وهذه لم تعد مقصورة على الدول الغربية بعدما انضمت روسيا إلى قائمة صناع مصيره.
ليس ذلك فحسب وإنما أصبح الصراع محليا، سواء داخل بعض الدول العربية ذاتها أو بين الأشقاء العرب والعجم، مقدما على الصراع ضد نفوذ الدول الكبرى أو ضد العدو الصهيوني.

ناهيك عن أن بعض القادة العرب أصبحوا يستقوون بالدول الغربية وإسرائيل للتغلب على أشقائهم الذين يختلفون معهم في المنطقة.

لا أعرف في التاريخ العربي المعاصر مرحلة شهدت مثل ذلك التشرذم والوهن الذي تعيشه الأمة في الوقت الراهن.
 فبعضه يذكرنا بنموذج ملوك الطوائف في إسبانيا (القرن الميلادي الحادي عشر) حين سقطت الدولة الأموية في الأندلس، وتحولت إلى أشلاء ضمت ٢٢ إمارة متحاربة فيما بينها.
وكان بعض الأمراء المسلمين يستقوون بالصليبيين المتربصين بالجميع، للتغلب على أشقائهم المنافسين.

يذكرنا المشهد أيضا بمصطلح «عهد السقوط» الذي استخدمه في مذكراته عالم الاجتماع العراقي الشهير الدكتور على الوردي، حين تحدث في مذكراته عن مرحلة ما بعد الاحتلال البريطاني للعراق (عام ١٩١٧).
 وذكر أن الناس دأبوا على وصف الذين ولدوا في تلك المرحلة بأنهم «أولاد السقوط».

إلا أنني حين قرأت بيان القمة ووقعت على خطبة الأمين العام للجامعة، ووجدت أن الواقع يناقض أهم ما جاء في هذا وذاك،

 استعدت على الفور رواية «١٩٤٨» للكاتب الأيرلندي جورج أورويل.
ذلك أنه تحدث عن مملكة وهمية يدار كل شيء فيها بالغش والتدليس.
فوزارة الحقيقة تتفنن في الكذب، ووزارة الوفرة تزيف الندرة، ووزارة السلام تقود الحرب، ووزارة الحب تشيع الكراهية وتبرر القمع...إلخ.

 وهو ما ينطبق على «القعدة» التي وصفت بأنها قمة الأمل.
كما ينطبق على مختلف الإشارات التي وردت في خطاب المؤتمر وأدبياته، التي جاءت على النقيض تماما مما نلمسه على أرض الواقع.
................


محاولة لفهم الزيارة السعودية لإسرائيل – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 21 شوال 1437 – 26 يوليو 2016
محاولة لفهم الزيارة السعودية لإسرائيل – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

صدمتنا زيارة الوفد السعودى لإسرائيل حقا، لكنها لم تفاجئنا تماما.

(1) 

لولا الصورة التى نشرت لما صدقنا.
إذ ظهر السيد أنور عشقى رجل المخابرات السابق الذى أصبح مدير مركز للدراسات فى جدة، وسط بعض أعضاء «الكنيست» فى القدس.

 ولاستكمال دلالة المشهد وقف بينهم الجنرال السابق عوفر بارليف أحد صقور حزب العمل، الذى قاد وحدة «سييرت متكال» المسئولة عن عمليات الاغتيالات فى الدول العربية،
 وكان يتباهى فى حملته الانتخابية بأنه قتل العدد الأكبر من العرب أثناء خدمته العسكرية.

وممن التقاهم الرجل فى القدس المدير العام لوزارة الخارجية دورى جولد، مؤلف كتاب «مملكة الكراهية»، الذى كرسه لإثبات الإدعاء بأن السعودية دعمت الإرهاب فى العالم.

عدد صحيفة «هاآرتس» الصادر فى ٢٢/٧ ذكر أن السيد عشقى (٧٢ سنة)، اصطحب معه وفدا غير رسمى ضم عددا من الأكاديميين ورجال الأعمال.

وأشارت إلى أنه لا يشغل أى منصب رسمى، إلا أن زيارته لم تكن لتتم بغير موافقة السلطات السعودية.

لم يظهر أعضاء الوفد فى الصور التى نشرت، لكننا فهمنا أن رئيسه الذى استأثر بالأضواء عقد عدة لقاءات مع المسئولين الإسرائيليين وأعضاء البرلمان (الكنيست)،
 ولم تتم اللقاءات فى مكتب حكومى، ولكنها عقدت فى فندق الملك داود الذى أقام فيه عشقى ومن معه.

وإلى جانب الزيارة التى تمت للقدس فإن الرجل زار رام الله والتقى الرئيس محمود عباس وبعض الشخصيات الفلسطينية.

وفهمنا من الكلام المنشور أن اللواء عشقى سبق له أن زار رام الله عدة مرات،
 وأنه التقى مسئولين إسرائيليين أثناء تلك الزيارات،

وبسبب زيارته تلك أصبح يوصف بأنه عراب التطبيع بين إسرائيل والمملكة السعودية، رغم أنه يقدم نفسه باعتباره مديرا لمركز للأبحاث ومفكرا وباحثا استراتيجيا،
ولم يعد يذكر خلفيته العسكرية ودوره كرجل مخابرات سابق، ترك الخدمة لكنه لم ينفصل عن السلطة.

(2)

إذا كان إعلان الزيارة قد صدمنا، فإن تبريرها أدهشنا.
 ليس فقط لأنه تحدث عن أن العملية مجرد مبادرة ذاتيه، وأن المركز الذى تبناها مستقل عن الحكومة،
ولكن لأنه حاول إقناعنا بأنها من أجل فلسطين.

 إذ فى حديثه لوسائل الإعلام السعودية ذكر أنه لم يزر إسرائيل ولكنه زار فلسطين، والقدس التى يعتبرها الإسرائيليون عاصمة لدولتهم هى فى نظره فلسطينية وقضية عربية وإسلامية.

 أضاف أنه أثناء الزيارة اجتمع مع أسر الشهداء الفلسطينيين وحضر حفل زفاف ابن القيادى الفلسطينى مروان البرغوثى.
وقد أم المصلين لصلاة المغرب فى بيت المقدس،
كما تولى إمامتهم فى مسجد عمر بن الخطاب الذى يقع فى المهد ببيت لحم،
وكان الهدف من كل ذلك هو نصرة القضية الفلسطينية.

فى تصريح آخر ذكر السيد عشقى أن هدف الزيارة كان مناقشة مبادرة السلام العربية، التى أطلقتها السعودية وتبنتها قمة بيروت العربية عام 2002.

وعلق عضو الكنيست عيسوى فرجى على كلامه بقوله إنه اقترح عليه عقد لقاء موسع مع أعضاء البرلمان الذين يؤيدون المبادرة،
 مضيفا أن السعوديين أصبحوا راغبين فى الانفتاح علنا على إسرائيل لاستكمال مسيرة الرئيس الراحل أنور السادات.

الانفتاح العلنى الأخير على إسرائيل لم يكن الأول فى بابه،
 كما أن السيد عشقى لم يكن الوحيد الذى تصدى له.

إذ فى شهر يناير من العام الماضى (2015) نشرت له صورة وهو يصافح ضاحكا مدير عام وزارة الخارجية دورى جولد، حين اشتركا معا فى ندوة عقدها مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية فى واشنطن.
وفى وقت لاحق (مايو من العام ذاته) أجرت معه صحيفة «يديعوت أحرونوت» حوارا وصف بأنه جرىء، ذكر فيه أن السعودية مستعدة لفتح سفارة لها فى إسرائيل إذا ما قبلت المبادرة السعودية/العربية.

من ناحية أخرى فإن الأمير تركى الفيصل مدير المخابرات السابق كان قد سبقه بلقاء عقده مع مسئولين إسرائيليين بالعاصمة البلجيكية بروكسل فى 26 مايو عام 2014، أثناء مناظرة نظمتها منظمة «مارشال» الألمانية لمناقشة القضية الفلسطينية ومكافحة الإرهاب.
 وكان ممثل إسرائيل فى المناظرة الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات بالجيش الإسرائيلى عاموس يادلين.

 وفى السادس من شهر مايو للعام الحالى استضاف معهد واشنطن مناظرة بين الأمير تركى الفصيل واللواء الإسرائيلى يعقوب عميدور مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق.
 وتحدث الاثنان عن ضرورة تواصل الحوار لتحقيق الأمن والسلام.

ونشرت صحيفة «هاآرتس» فى شهر فبراير من العام الحالى صورة جمعت بين الأمير السعودى ووزير الدفاع الإسرائيلى السابق موشيه يعلون حين التقيا فى مؤتمر ميونخ للأمن الذى انعقد فى المدينة الالمانية.

(3) 

حين يقوم بالاتصالات العلنية مع إسرائيل اثنان من رموز السلطة فى المملكة،
 أحدهما أمير ومدير سابق للمخابرات وسفير سابق فى واشنطن
والثانى ضابط مخابرات ترقى فى مدارج السلطة حتى أصبح مستشار اللجنة الخاصة لمجلس الوزراء،
 فإننا لا نستطيع أن نعتبر تلك الاتصالات «مبادرات شخصية»،
وعند الحد الأدنى فإنها إن لم تكن برضى السلطة، فإن استمرارها يعنى أنها لم تعترض عليها.

الأمر الذى لا يقل أهمية هو أن الإعلان عن تلك الاتصالات بدءا من عام 2014 يعنى أن الطريق ممهد ومفتوح بدرجة أو أخرى بين الرياض وتل أبيب،
وأن ما تم إعلانه على الملأ كان استكمالا لما لم يعلن عنه فى السنوات السابقة.
ولدينا من القرائن ما يؤيد ذلك الاستنتاج.

فالدراسات الإسرائيلية سجلت محاولات اختراق القادة الصهاينة للعالم العربى منذ خمسينيات القرن الماضى، أى بعد سنوات قليلة من تأسيس الدولة العبرية،
وبوجه أخص بعد قيام الثورة المصرية فى 23 يوليو عام 1952، التى اعتبرت تحديا لها آنذاك، خصوصا حين تبنت خطها القومى، واعتمدت قضية فلسطين كقضية مركزية.

وكنت قد أشرت فى مقام سابق إلى الدراسة التى أعدها العميد المتقاعد موشى فرجى وأصدرها مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا (عام 2003).
إذ أفردت فصلا خاصا بالتحالف الإسرائيلى مع الأقليات العرقية والطائفية فى العالم العربى، فى المقدمة منهم الأكراد والدروز، والموارنة والجنوبيين فى السودان.

والمعلومات المنشورة وثقت حرص إسرائيل على تفتيت العالم العربى المحيط، من خلال إذكاء أى فتنة واستثمار أى ثغرة.

وإذا كان الباحث قد تحدث عن علاقة الإسرائيليين بالأقليات التى أشرت إليها توا، فإنه لم يشر إلى الدور الإسرائيلى فى التصدى لثورة ظفار التى انطلقت فى الستينيات فى جنوب سلطنة عمان ضد السلطان سعيد بن تيمور (والد السلطان قابوس الحالى).

وثمة شهود أحياء أعرفهم عاصروا اشتراك الإسرائيليين إلى جانب عناصر من جيش شاه إيران لمناصرة السلطان بن تيمور، فى مواجهة ثوار ظفار الذين كانوا مدعومين من القادة الشيوعيين فى اليمن الجنوبى.

ما يهمنا فى استدعاء هذه الخلفية أن إسرائيل كان لها دورها أيضا فى مناصرة الملكية عقب ثورة اليمن فى بداية الستينيات،
وأن المخابرات السعودية رتبت قيام الطائرات الإسرائيلية بنقل أعداد من المرتزقة الأوروبيين للحرب إلى جانب الملكيين، خصوصا أثناء معركة السبعين يوما التى حوصرت فيها العاصمة صنعاء.
وشهود تلك المرحلة من الخبراء المصريين واليمنيين لايزال بعضهم على قيد الحياة. ولديهم الكثير الذى يوثق وقائعها.
 كما أن للأستاذ محمد حسنين هيكل شهادة فى كتابه «المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل (ج 2) تحدث فيها عن التعاون الإسرائيلى السعودى أثناء حرب اليمن.

إذن تصور العاهل السعودى الراحل أن وجود جيش عبدالناصر فى اليمن يهدد عرشه أسوة بالمصير الذى حل بعرش الملك فيصل الثانى بالعراق، الذى أسقطته ثورة 1958 لتقيم الجمهورية بعد ذلك.

(4) 

هل يمكن أن نشبه مساندة إسرائيل للسعودية فى الصراع بين الملك فيصل وعبدالناصر، بإقدامها على الاصطفاف إلى جانب المملكة فى صراعها الحاصل ضد إيران؟
وهل يمكن أن نقابل بين دور مصر فى اليمن الذى أزعج الملك فيصل، بالدور الذى تقوم به إيران فى دعم الحوثيين باليمن، الذى أغضب الرياض وازعجها؟
وألا يوجد شبه بين حرص إسرائيل على إضعاف عبدالناصر وإنهاكه فى اليمن وحرصها على هزيمة إيران وكسر نفوذها فى الساحة ذاتها؟

هذه الأسئلة خطرت لى حين حاولت البحث عن أسباب التواصل بين السعودية وإسرائيل وإعلانه على الملأ فى الوقت الراهن.
ورغم أنى لا أستطيع أن أرد عليها بالإيجاب إلا أننى لا أستطيع أيضا أن اتجاهلها.
فى الوقت ذاته فإننى أجد فى مسوغات التفسير خيارات أخرى لها وجاهتها.

من ذلك أن الأجواء العربية باتت مهيأة لتواصل من ذلك القبيل، خصوصا بعد شيوع الادعاء بأن العدو لم يعد إسرائيل بل إيران، أو بأن الإرهاب صار الخطر الأكبر الذى يهدد الأمة،

وهو ما تزامن مع الزعم بأن إسرائيل صارت طرفا فى معسكر الاعتدال السنى فى مواجهة إيران الشيعية، إلى غير ذلك من الأساطير التى لوثت الإدراك العربى وبررت التصالح مع إسرائيل فى قول والتواطؤ معها فى قول آخر.

ثمة احتمال آخر ربما أسهم فى الانفتاح العلنى بين الرياض وتل أبيب، يتمثل فى الوضع المستجد لجزيرتى تيران وصنافير بعد ضمهما إلى السعودية.
إذ إنها أصبحت بمقتضى ذلك طرفا فى اتفاقية كامب ديفيد.
ذلك أن موقع الجزيرتين وتحكمهما فى مدخل البحر الأحمر يمثل أهمية استراتيجية بالغة الأهمية لإسرائيل،
 الأمر الذى يضفى عليهما وضعا عسكريا خاصا، ربما اقتضى «تفاهما» مع السعوديين.

لا نستطيع أن نخدع أنفسنا بالحديث عن أن الزيارة لها علاقة بالقضية الفلسطينية وإن تذرعت بها.

فى الوقت ذاته ليس واضحا الآن أى الأسباب السابق ذكرها أوصل الأمور إلى ما وصلت إليها.

وربما كان لكل منها له دوره فيما جرى. غير أننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن التزامن بين الزيارة السعودية وبين انعقاد القمة العربية فى نواكشوط،
 الأمر الذى جسد المسافة بين الحلم الذى تبدد وبين الواقع المزرى الذى صرنا إليه.

.....................................

Delete this element to display blogger navbar