Subscribe:

Ads 468x60px

25 أبريل، 2015

انتصار للجهل والكراهية

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 6 رجب 1436 25 أبريل 2015
انتصار للجهل والكراهية - فهمي هويدي

من بين التشوهات التي أصابت وعي البعض في مصر أنهم أصبحوا يحاسبون الفنانين والشعراء والعلماء ونجوم الرياضة على آرائهم السياسية وليس على عطائهم وإبداعهم الذي قدموه.

 يحدث ذلك رغم أن آراءهم السياسية تشكل صفحة واحدة في سجلهم، ولا تقدم أو تؤخر من الناحية العملية، في حين أن عطاءهم يضيف الكثير من المتعة والبهجة والمعرفة إلى حياتنا.

أقول ذلك بمناسبة ما عبرت عنه أصوات بعض عناصر المعارضة من شماتة وتنديد بالشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي توفاه الله يوم الثلاثاء الماضي في ٢١/٤.

استفزتني تلك الشماتة حيث اعتبرتها موقفا طفوليا غير لائق من الناحيتين الأخلاقية والإنسانية، حيث للموت جلاله واحترامه.
 ليس ذلك فحسب، وإنما اعتبرته ظلما كبيرا للرجل، هون من شأنه وأبخسه حقه من وجهة النظر الموضوعية والسياسية والتاريخية،
إذ حين ينسي ويتجاهل ما قدمه الأبنودي من إبداع خلال الأربعين سنة الماضية، ثم يختزل عطاؤه في مواقفه السياسية خلال السنوات الأربع الأخيرة. التي أيدها البعض واستنكرها آخرون، فإن ذلك لا يعد من الانصاف في شيء.

ليس عندي دفاع عن آراء الأبنودي السياسية، لكنني أعتبره زعيما لا يشق له غبار في الشعر الشعبي، فإنني أصنفه في الصف الأول من نجوم ذلك الفن الجميل، جنبا إلى جنب مع بيرم التونسي وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم وسيد حجاب وفؤاد حداد وأمثالهم من أصحاب القامات الشعرية الرفيعة.

وطالما أنهم لم يقدموا أنفسهم كنشطاء سياسيين، وطالما أنهم لم ينحازوا إلى عدو للوطن، ولم يتاجروا بفنهم ولم يوظفوه لأجل النفاق والانتهازية الرخيصة، فكل خلاف معهم بعد ذلك يهون، ويتعين احترامه واحتماله.
 وفي كل الأحوال فطالما ان الشاعر أو الفنان يعبر عن اقتناعه الشخصي، اتفقنا معه أو اختلفنا فلا تثريب عليه ولا لوم.

هذا الذي أدعو إليه ليس اختراعا جديدا، وإنما هو من سمات المجتمعات المتحضرة والسياسات الرشيدة التي تغتني بالتنوع والاختلاف.

ما حدث مع الأبنودي الذي نسي البعض إبداعه وتذكروا فقط تأييده للرئيس السيسي تكرر مع أحمد فؤاد نجم الذي عبر هؤلاء عن شماتتهم في وفاته بسبب اختلافهم السياسي معه،

وليس ذلك استثناء للأسف الشديد لأن ذلك السلوك تحول إلى ظاهرة أدت إلى التضييق على بعض المبدعين بسبب الاختلاف مع آرائهم السياسية (السيناريست بلال فضل مثلا) وإلى تشويه صورة عدد غير قليل من المثقفين النادرين (طارق البشري مثلا) ناهيك عن عدد من العلماء من عمداء وأساتذة الجامعات إلى جانب عدد آخر من كبار القضاة الذين تم اقصاؤهم واضطهادهم بسبب شبهة الاختلاف مع آرائهم السياسية، ودون أي اعتبار لعطائهم وقيمتهم العلمية والأخلاقية.

الظاهرة تحتاج إلى تحليل، في هذا الصدد فإنني أزعم أن وراءها عاملين أساسيين،

 الأول هو: غياب ثقافة احترام الآخر والقبول بالاختلاف
، والثاني يتمثل في المدى الذي ذهب إليه الاستقطاب في مصر،

ذلك أننا ما زلنا ننظر بتوجس وامتعاض إلى أصحاب الرأي المغاير والمخالف، ونعتبر أن موقفهم ذاك راجح إلى الجحود والعداء الشخصي، وذلك أمر شائع ومفهوم في المجتمعات غير الديمقراطية. تلك التي تعودت على الرأي الواحد، وغدا الاختلاف فيها من المنكرات المذمومة.

لذلك فإن الآخر المختلف ينظر إليه لا بحسبانه صاحب وجهة نظر أخري يمكن ان تكون مصدرا للإغناء أو التصويب أو التجويد ولكن باعتباره عدوا يجب إسكاته بقمعه والخلاص منه.

وكما ان الصوفية التي تقوم على انقياد المريد للشيخ يعتبرون أن «من اعترض انطرد»، فإن المجتمعات غير الديمقراطية تطبق نفس الفكرة إذ يظل القبول والانصياع هو المطلوب من المواطن «الصالح» الذي يراد له ان يصبح «مريدا» للسلطة وليس مواطنا له حق الاختلاف والاتفاق.

إذا أضيف الاستقطاب الذي يقسم المجتمع إلى غياب ثقافة الاختلاف، فإن الأمر يصبح أكثر حدة وتعقيدا، وللأسف فإن ذلك هو الحاصل في مصر.
ذلك ان الاستقطاب حين غذَّاه ضيق صدر السلطة وأججه الإعلام بغلوه وجموحه، فإنه أسهم بدور لا ينكر في تشويه المدارك والضمائر. وهو ما سحب الكثير من توازن البعض ومن إنسانية البعض الآخر.

ومما يؤسف له ان تلك التشوهات أصابت عددا من المثقفين الذين أبدوا استعدادا مذهلا للتراجع عن أفكار ومبادئ طالما بشروا بها ودافعوا عنها لأجل تصفية حساباتهم مع مخالفيهم، وكانت النتيجة انهم اصطفوا إلى الجانب المعارض للحريات والداعي إلى القمع وممارسة مختلف الانتهاكات التي تستبيح المخالفين وتسعي لاستئصالهم.

سواء صح ذلك التحليل أم لم يصح فإن الشماتة في وفاة المبدعين أيا كان اتجاههم وموقفهم الفكري يعد انتصارا للجهل ولثقافة الكراهية، ناهيك عن أنها من تجليات الغباء السياسي، الذي يفضح أصحابه ويسحب من رصيد الثقة فيهم.
........................

23 أبريل، 2015

في القانون أم في السياسة؟

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 4 رجب 1436 23 أبريل 2015
في القانون أم في السياسة؟ - فهمي هويدي

لا يستطيع المرء أن يكتم شعوره بالحيرة والدهشة حين يقارن بين الذي جرى في مظاهرات قصر الاتحادية التي قتل فيها عشرة أشخاص، بما حدث لمتظاهري ثورة ٢٠١١ التي اقترب قتلاها من الألف.

المقارنة فرضتها الأحكام التي صدرت يوم الثلاثاء ٢١/٤ في القضية الأولى. وقضت بسجن الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي و١٢ آخرين من قيادات الإخوان ٢٠ سنة لكل منهم، وعاقبت اثنين آخرين بالسجن عشر سنوات لكل منهما.

من ناحية أخرى فالمعروف أن أعدادا كبيرة من الرافضين لحكم الإخوان وللإعلان الدستوري الذي أصدره الدكتور مرسي، تجمعوا واعتصموا أمام قصر الاتحادية الرئاسي في الرابع من شهر ديسمبر عام ٢٠١٣ تعبيرا عن احتجاجهم وغضبهم.
إلا أن عناصر من جماعة الإخوان تصدت لهم يوم ٥ ديسمبر، إزاء انتشار شائعات تحدثت عن نيتهم اقتحام بوابات القصر الجمهوري.
وأسفر الاشتباك بين الطرفين عن سقوط عشرة من القتلى وبعد عزل الدكتور مرسي أحاله النائب العام في الأول من سبتمبر ٢٠١٢ ومعهم عدد من قادة الإخوان إلى المحكمة الجنائية، حيث وجه إليهم الاتهام بالقتل العمد واستعراض القوة والتعذيب والعنف فيما عرف لاحقا باسم قضية أحداث الاتحادية.
وبسبب تلك الاتهامات فإن النيابة طالبت بإعدام الدكتور مرسي والمتهمين لارتكابهم الجرائم التي ذكرت في أمر الإحالة.

 
ليس لدي كلام في الوقت الراهن بخصوص وقائع القضية ولا الأحكام التي صدرت، وسوف أسلم بصحة المعلومات التي انبنت عليها القضية.

ذلك ان المقارنة التي أشرت إليها في بداية الكلام هي التي شغلتني، من حيث انها أبرزت مفارقة تحتاج إلى تفسير.

إذ في قضية أحداث الاتحادية التي وقعت عام ٢٠١٢ حققها ودرس ملفها قاض جليل هو المستشار أحمد صبري يوسف.
وقد أصدر حكمه بناء على ما توفر لديه من معلومات وشهادات.

 أما أحداث ثورة يناير ٢٠١١ فقد قامت بتحقيقها لجنة تقصي الحقائق التي رأسها المستشار الدكتور عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض إضافة إلى فريق من كبار القانونيين والباحثين الاجتماعيين، وساعدهم في مهمتهم فريق من المحققين المختصين.

 وهؤلاء أعدوا تقريرا تم اخفاؤه، لكن خلاصته لاتزال متوفرة على الإنترنت. وقد سبق ان أشرت إليه أكثر من مرة. ومن أهم ما أبرزه انه أكد مسؤولية الشرطة عن قتل المتظاهرين.

وهو ما اثبتته عدة فقرات منها ما يلي:

<
تبين للجنة ان رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من فوق أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير.
خاصة من قبل وزارة الداخلية ومن فوق فندق النيل هيلتون ومن فوق مبني الجامعة الأمريكية،

وقد دل على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة ومن مطالعة التقارير الطبية التي أفادت أن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة والصدر.

علما بأن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط الوزارة.

<
كما تبين للجنة كذلك ان سيارات مصفحة للشرطة كانت تصدم المتظاهرين عمدا، فتقتل وتصيب أعدادا منهم، وقد شوهدت في وسائل الإعلام المرئية وسجلت على شبكة التواصل الاجتماعي إحدى هذه السيارات تنحرف نحو أحد المتظاهرين وتطرحه أرضا، وأخرى تسير للخلف لتصدم متظاهرا آخر وترديه قتيلا.

<
دل على أن الشرطة استخدمت القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين ما يلى:

١ــ كثرة الوفيات والإصابات، إذ بلغ عدد القتلى نحو ٨٤٠ قتيلا وتعدت الإصابات عدة آلاف من المتظاهرين،
وذلك جراء إطلاق الأعيرة النارية والقنابل المسيلة للدموع التي كانت تستعملها الشرطة.

٢ــ ان أكثر الإصابات القاتلة جاءت في الرأس والصدر، بما يدل على ان بعضها تم بالتصويب والقنص. فإن لم تقتل الضحايا فقد شوهت الوجه وأتلفت العيون.
وقد كشفت الزيارات وأقوال الشهود والأطباء ــ خاصة مستشفى قصر العيني ــ ان المستشفيات استقبلت عددا هائلا من إصابات العيون خاصة في يومي ٢٨ يناير و٢ فبراير ٢٠١١، بلغ المئات وان حالات كثيرة فقد بصرها جراء ذلك.

٣ــ أصابت الطلقات النارية والخرطوش التي اطلقتها الشرطة أشخاصا كانوا يتابعون الأحداث من شرفات ونوافذ منازلهم المواجهة لأقسام الشرطة.
 وغالبا ما كان ذلك بسبب إطلاق النار عشوائيا أو لمنعهم من تصوير ما يحدث من اعتداءات على الأشخاص.

<
خلصت اللجنة إلى أن أمرا صدر من وزير الداخلية وقيادات وزارته إلى رجال الشرطة باستعمال السلاح الناري في تفريق المتظاهرين وقد وصل ذلك الأمر من خلال التدرج الرئاسي إلى رجال الشرطة المسلحين في موقع الأحداث.
 دل على ذلك أن الأعيرة النارية من الشرطة على المتظاهرين عم معظم محافظات القطر بما يؤكد أن أمرا صدر لهم بذلك من سلطة مركزية بوزارة الداخلية تجب طاعتها.
وهذا الأمر لا يتسنى إلا لوزير الداخلية الذي يملك تلك السلطة.
علما بأن صرف الأسلحة النارية والذخيرة الحية لرجال الشرطة لاستعمالها في فض المظاهرات بكافة المحافظات لا يكون إلا بأمر من السلطة العليا في وزارة الداخلية.

إن المقارنة بين الحالتين تثير السؤال التالي:
 لماذا تمت إدانة الدكتور محمد مرسي ومعاونيه في مظاهرة الاتحادية التي قتل فيها عشرة أفراد، في حين تمت تبرئة حسني مبارك ووزير الداخلية في عهده ومعاونيه في مظاهرات الثورة التي قتل فيها نحو ألف شخص، ولم يحاسب أحد على قتلهم،

وهل نجد تفسيرا لذلك في ملف القضية أم في متغيرات المناخ السياسي؟
.....................

22 أبريل، 2015

نحن ننتحر وهم يربحون

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 3 رجب 1436 22 أبريل 2015
نحن ننتحر وهم يربحون - فهمي هويدي

لأن مصائب قوم عند قوم فوائد، فإن الصراعات الحاصلة في منطقتنا أنعشت صناعة السلاح في الولايات المتحدة، وجعلت أباطرة تلك الصناعة يتوقعون مستقبلا زاهرا لبضاعتهم خلال السنوات القادمة.
 وهم لا يخفون سعادتهم سواء بالصراع الذي يلوح في الأفق بين السنة والشيعة، أو بصراعات أهل السنة فيما بينهم.
حيث يتوقعون أن تستمر المناكفات مع إيران من ناحية،
 كما يرون ان الحرب ضد تنظيم داعش أو الجماعات الإرهابية لن تحسم خلال السنوات القليلة القادمة.

مظاهر وخلفيات تلك الفرحة التي ترددت أصداؤها في البنتاجون (وزارة الدفاع) وفي دوائر الكونجرس، سجلها تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز قبل أيام (في ١٨/٤) أعده اثنان من محرريها هما: مارك مازيتي وهيلين كوبر.

من الملاحظات المهمة التي سجلها التقرير ان مبيعات السلاح الأمريكية للدول العربية كانت في السابق محكومة بسقف معين، يراد به في نهاية المطاف ان يظل التفوق الإسرائيلي قائما طول الوقت.
وكان مفهوما ان ذلك القيد أريد به ألا يسمح للدول العربية ان تتفوق على إسرائيل في قدراتها العسكرية تحت أي ظرف.
 إلا أن الأمر اختلف هذه المرة، بعدما بدا ان الدول العربية ــ أغلبها على الأقل ــ أصبحت معنية بالاحتشاد ضد إيران، ولم تعد تعتبر إسرائيل الخطر الأكبر الذي يهددها.
 لذلك فإن الإدارة الأمريكية تساهلت في شرط ضمان التفوق الإسرائيلي، ولم تحدد سقفا لمبيعات السلاح للدول العربية، نظرا لاطمئنانها إلى أنه لن يوجه ضد إسرائيل، وانما سيستخدم في الصراع ضد إيران أو في الصراعات الداخلية أو ضد الجماعات الإرهابية المحلية.

تحدث التقرير عن استخدام السعوديين حاليا في اليمن للطائرات المقاتلة اف ١٥ التي تنتجها شركة «بوينج»، وان الطيارين الإماراتيين يقودون طائرات اف ١٦ التي تنتجها شركة «لوكهيد»، وهذه تستخدم في اليمن وضد تنظيم داعش في سوريا.
 كما ان الإمارات بصدد التعاقد مع صفقة طائرات «درون» التي تطير بدون طيار، لكي تقوم بمهمات تجسس في محيطها.
ونوه إلى أن مسئولي صناعة السلاح أبلغوا الكونجرس باعتزامهم عقد صفقة كبيرة تضم آلاف الصواريخ مع دول التحالف المشاركة في حرب اليمن وهي:
 السعودية والإمارات والبحرين والأردن ومصر.

من المعلومات الأخرى المهمة التي تضمنها التقرير ما يلي:

<
إن المملكة العربية السعودية انفقت على التسليح في العام الماضي ٨٠ مليار دولار، وهو رقم كبير لم تبلغه من قبل، كما أنه يتجاوز انفاق كل من فرنسا وبريطانيا على التسليح، ويجعل من المملكة رابع أكبر دولة مشترية للسلاح في العالم، حسب تقرير مركز استوكهولم الدولي للسلام.

<
دولة الإمارات انفقت على التسليح في العام ذاته (٢٠١٤) ٢٣ مليار دولار تقريبا، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف انفاقها في عام ٢٠٠٦.

<
قطر شاركت في سباق التسلح الذي تشهده منطقة الخليج، فقد عقدت صفقة مع البنتاجون بقيمة ١١ مليار دولار لشراء صفقة طائرات «آباتشي» ومعدات دفاعية أخرى.
 وهي بصدد التفاوض مع شركة بوينج لعقد صفقة طائرات اف ١٥، لكي تحل محل طائرات ميراج التي تستخدمها في الوقت الراهن.

ومعلومات البنتاجون تشير إلى أن أمير قطر سيحضر معه قائمة بمشتريات أخرى للسلاح، حين يلتقي الرئيس الأمريكي في الشهر القادم. وبسبب اتجاه قطر إلى تعزيز قدراتها العسكرية، فإن شركة بوينج فتحت مكتبا لها في الدوحة في العام الماضي،

كما ان شركة لوكهيد خصصت قسما خاصا لمباشرة مبيعاتها الخارجية من السلاح، بعد تزايد الطلب عليها من جانب الدول الخليجية عاما بعد عام.

<
نظرا لاحتمال استمرار حروب المنطقة لعدة سنوات وإقبال دولها على تحديث قدراتها العسكرية فإن التنافس القادم سيكون على شراء الطائرة المقاتلة «اف ٣٥»، التي تعد دُرة صناعة السلاح الأمريكية. لأنه يصعب رصدها من جانب الرادارات ــ وكان قد سبق تسويقها للدول الأوروبية والآسيوية الحليفة للولايات المتحدة. لكنها لم تسوق في العالم العربي بسبب القلق من احتمالات استخدامها ضد إسرائيل. وهو قلق لم يعد واردا في الوقت الراهن للأسباب التي سبق ذكرها.

وأغلب الظن أن الإقبال على الطائرة الجديدة سيتزايد بعدما قررت روسيا تزويد إيران ببعض أسلحتها المتقدمة، وهي خطوة يفترض ان تدفع الدول العربية إلى محاولة الحصول على أسلحة أكثر تقدما.

جميعهم يتابعون جولات الصراع العربي بمشاعر يختلط فيها الارتياح مع البهجة، في عواصم الغرب وواشنطن في مقدمتها وفي إسرائيل بطبيعة الحال. ذلك أن الاقتتال في بلادنا يترجم عندهم إلى أرباح بالمليارات وانتعاش اقتصادي هم أحوج ما يكونون إليه،
كما انه يترجم في إسرائيل إلى المزيد من الاسترخاء الاستراتيجي الذي لم تنعم به إسرائيل منذ انشائها.

أما السؤال الذي يظل معلقا في الفضاء طول الوقت وكاشفا لعبثية المشهد فهو:
ماذا يكون حال العالم العربي لو أن هذه المليارات انفقت لتنمية العالم العربي وليس لانتحاره؟

........................

21 أبريل، 2015

دعوة إلى تجديد الخطابين السياسي والأمني – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 2 رجب 1436 21 أبريل 2015
دعوة إلى تجديد الخطابين السياسي والأمني – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

لأجل تفكيك الإرهاب والنجاح في التصدي له، لا بديل عن تجديد الخطابين السياسي والأمني وفتح الأبواب للاجتهاد فيهما.

(1)

رسالة الإرهاب في الأسبوع الثاني من شهر أبريل الحالي كانت أفصح من سابقتها، إذ في اليوم الثاني عشر من الشهر اقتحمت سيارة محملة بالمتفجرات قسم شرطة ثالث العريش،
 الأمر الذي أسفر عن سقوط ستة قتلى بينهم رئيس المباحث وإصابة خمسين شخصا حسب التصريحات الرسمية.
وكان الجيش قد أعلن صبيحة اليوم ذاته أن ستة من أفراده استشهدوا وأصيب اثنان، جراء تدمير مدرعة كانت تقلهم.

بعد ذلك بيومين ــ في ١٤ أبريل ــ وقعت عدة تفجيرات استهدفت أبراج الكهرباء في مدينة ٦ أكتوبر بالقرب من القاهرة، منها ما أصاب برجين للضغط العالي في منطقة المصانع، ومنها ما استهدف البرج الذي يغذي مدينة الإنتاج الإعلامي،
 الأمر الذي تسبب في وقف بث عدة قنوات لبعض الوقت.

يوم ١٥ أبريل انفجرت قنبلة في إستاد كفر الشيخ، مما أدى إلى مصرع اثنين من طلبة الكلية الحربية وإصابة ٦ آخرين.

هذه الأحداث التي تتابعت خلال الأيام ١٢ و١٤ و١٥ أبريل، كان لها صداها السريع في دوائر السلطة،
 ذلك أن الرئيس عبدالفتاح السيسي دعا إلى اجتماع حضره قادة الجيش والشرطة في اليوم التالي مباشرة (١٦ أبريل) لمناقشة الموقف.

وجاءت عناوين صحف الجمعة ١٧ أبريل معبرة عن أجواء الاجتماع وخلاصته.
 فكان العنوان الرئيسي لجريدة «الأهرام» كالتالي:
 مواجهة الإرهاب بقوة وحزم.

أما جريدة «الشروق» فقد تحدث عنوانها الرئيسي عن:
 مجلس حرب على الإرهاب في القصر الرئاسي.

وهو ذات المعنى الذي عبر عنه عنوان جريدة «المصري اليوم» حين ذكر أن:
الملف الأمني يسيطر على اجتماعات السيسي ومحلب.

 أما عناوين جريدة «الوطن» فقد كانت أكثر إفصاحا، إذ جاءت كالتالي:
السيسي غاضب من الأمن
 ــ الرئيس يبدي استياءه من التعامل الأمني مع سلسلة التفجيرات الأخيرة
ــ أهالي شهيدي الكلية الحربية: حاسبوا الذين قصروا في حماية أولادنا.

(2)

ما الذي يعنيه ذلك؟
لابد أن ننحي جانبا التعليقات الساذجة التي حاولت أن تصرف الانتباه عن حقيقة رسالة الإرهاب التي أقلقت رئيس الدولة ودفعته للمسارعة إلى عقد اجتماع مع القيادات الأمنية لمحاولة تدارك الموقف،

 إذ حين تقول افتتاحية جريدة محترمة إنه في كل هجوم خسيس يخسر الإرهاب وتكسب مصر،

وحين يقول أحد المحللين الاستراتيجيين إن التفجيرات سوف تستمر طالما استمرت نجاحات الرئيس السياسي،

فإننا نصبح إزاء محاولات للتدليس والضحك على عقول الناس، خصوصا أن أحدا لم يدلنا على الذي كسبته مصر من التفجيرات، فضلا عن أن هذا الكلام يريد إقناع الخلق بأن النجاحات التي تداعب أحلامهم هي التي تجلب إليهم كابوس الإرهاب وتفجيراته.

إن الموقف يستحق تفكيرا أفضل يتسم بالجدية والمسؤولية، ذلك أن ما حدث حين يقع بعد مضي ٢٢ شهرا من المواجهات التي لم تتوقف مع مختلف مظاهر العنف والإرهاب فهو يعني أن ثمة خطأ أو خللا ما أوصلنا إلى هذه النتيجة،

وحين نفكر في الموضوع فينبغي أن ننطلق من الإقرار بعدة أمور منها ما يلي:

إننا لم نتعرف بعد على ملامح خريطة الإرهاب، وإزاء تعدد الجهات التي اتهمت بالضلوع فيه، فلم نعرف بالضبط من فعل ماذا.
ولا ينسى في هذا الصدد أن تفجير مديرية أمن الدقهلية في ٢٤ ديسمبر ٢٠١٤ اتهم فيه الإخوان وبناء عليه صدر قرار مجلس الوزراء باعتبارهم جماعة إرهابية في اليوم التالي مباشرة،
إلا أنه بعد يومين بثت جماعة أنصار بيت المقدس بيانا وشريطا أكدا مسؤوليتها عن الحادث.

إن العمليات الإرهابية ليست مقصورة على مكان واحد، ولكنها تتحرك في مختلف المحافظات، وما حدث في الأسبوع الذي سبقت الإشارة إليه يشهد بذلك،
 فعملية العريش في شمال سيناء أعقبتها عملية أخرى في ضواحي القاهرة، ثم عملية ثالثة في كفر الشيخ، بقلب الدلتا.

إن سيناء بعد حظر التجول فيها ورغم إجراءات التمشيط والحملات العسكرية التي لم تتوقف في البر والجو، لا تزال لغزا لم نستطع حله، وإشكالاً لم نستطع حسمه،
ومن الواضح أن كل الإجراءات الأمنية على شدتها وقسوتها لم تفشل في القضاء على الإرهاب، فقط، وإنما خلفت من الدمار والضحايا بأكثر مما حققت من الأمن والسلام.
وهو ما حول سيناء إلى جرح كبير ووجع مزمن جعل أرض الفيروز أرضا للأحزان.

إنه لا يوجد أفق خارج النطاق الأمني للتعامل مع المشكلة،
وإذا كان اجتماع الرئيس السيسي مع القيادات الأمنية دون غيرها في أعقاب الأسبوع الدامي له دلالته في هذا الصدد،
إلا أن الدلالة الأكبر تمثلت في صدور قانون الكيانات الإرهابية في منتصف شهر فبراير الماضي. وسبقه في أكتوبر من العام الماضي إصدار القانون الذي اعتبر المنشآت الحيوية منشآت عسكرية.
 وصياغة القانون الأول تسمح الاستباحة بأي مواطن باعتباره كيانا إرهابيا (إذا اتهم بالإضرار بالبيئة أو السلام الاجتماعي أو النظام العام).
 أما الثاني فإنه يحول محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري من استثناء مكروه إلى قاعدة مستقرة، لا نستطيع لها ردا ولا نقضا.

(3)

إذا أقررنا بما سبق، وسلمنا بحقيقة أن السياسات المتبعة لم تنجح في القضاء على الإرهاب،
وإذا أردنا أن نحصل على نتيجة مختلفة عما شهدناه ولمسناه،
 فينبغي أن نفكر بطريقة مختلفة، وتلك مغامرة كبرى، لأننا في هذه الحالة سوف نصطدم بمفاجأة لا تخطر على البال،

 إذ سنكتشف أن باب الاجتهاد في هذا الموضوع بالذات مغلق ولا سبيل إلى فتحه.
ليس ذلك فحسب، وإنما سوف تتعرض أي محاولة من ذلك القبيل للتشهير والتجريح والاتهام.

وذلك أمر لا يخلو من مفارقة. ذلك أنه في حين تعلو الأصوات وتشن الحملات داعية إلى تنقيح ومراجعة كتب التراث، باسم التجديد الديني، ويفسح المجال لكل من هب ودب لتسفيه آراء أئمة كبار وعلماء أجلاء مثل ابن تيمية والبخاري وأبوهريرة وغيرهم،
فإن الباحث في زماننا لا يجرؤ على المطالبة بمناقشة أو نقد تقارير ضباط جهاز أمن الدولة.
وهي التي باتت تقدم باعتبارها مسلمات تنبني عليها قرارات بإعدام مئات وسجن ألوف وتضييع مستقبل شباب كل جريمتهم أنهم اعترضوا على بعض القوانين الظالمة.

وإذ يحتج في رد مقولات الأئمة الكبار بأنهم رجال ونحن رجال ــ وذلك صحيح لا ريب إذا تساوت المعارف والمقامات ــ فإن تقارير الأجهزة الأمنية تضفي عليها قداسة لا تسمح بردها، باعتبارها تقارير «سيادية» أصدرها من لا نعرف ولا يسأل عما يفعل.

وتكون الخلاصة في نهاية المطاف أن الباب مفتوح على مصراعيه للتهريج باسم الخطاب الديني، لكنه مغلق أمام أي مراجعة أو مناقشة موضوعية للخطابين السياسي والأمني.

وسنجد مثقفين وسياسيين وإعلاميين يهللون للعبث بالخطاب الديني، في حين يقفون بمنتهى الخشوع والاحتشام والانصياع أمام مفارقات الخطابين السياسي والأمني.

ولابد أن تدهشنا وتعقد ألسنتنا في هذه الحالة تلك الجرأة التي يخوض بها البعض في الخطاب الأول، إذا ما قورنت بالتقديس والتسليم الذي يعامل به الخطاب الثاني.

في هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن منابر التعبير وتشكيل الرأي العام في مصر ــ أغلبها إن لم تكن كلها ــ خاضعة لنفوذ الأجهزة الأمنية وإدارات التوجيه المعنوي.

وهو ما كشفته عنه بعض التسريبات التي جرى بثها، وسمعنا فيها بآذاننا كيف تتم هذه المسألة في وسائل الإعلام بصورة يومية.
وكيف تعالج مختلف القضايا العامة على النحو الذي يخدم الخط السياسي والاعتبارات الأمنية.

إضافة إلى ذلك، فمما لاشك فيه أن الاستقطاب الحاصل في المجتمع ألغى إلى حد كبير إسهام المثقفين والسياسيين في التناول الموضوعي والمستقل لمختلف القضايا المطروحة، الأمر الذي أخرجهم من دائرة الاجتهاد المنشود.

ذلك أن أغلب هؤلاء فقدوا حيادهم وانخرطوا في الانتصار للخطابين السياسي والأمني حتى في تضييقه على الحريات العامة وانتهاكاته لحقوق الإنسان.

صحيح أن ذلك لا يخلو من إيجابية، من حيث أنه كشف عن الوجه الحقيقي للعديد من الرموز السياسية والتي حسبناها وطنية مستقلة، إلا أن ذلك كان على حساب أهداف الثورة وتطلعاتها.

(4)

وحده إطلاق الحريات العامة وفتح باب الاجتهاد في تحليل ظاهرة الإرهاب هو الذي يوفر الإجابة الصحيحة على العديد من الأسئلة المعلقة في الفضاء، والتي لم نتلق لها إجابة مقنعة طوال الاثنين والعشرين شهرا التي مضت،
من هذه الأسئلة ما يلي:

لماذا تغيب السياسة عن معالجة القضايا الراهنة،
ولماذا ينفرد الأمن بتقرير مصير الأحداث في مصر؟

هل هناك تصور لحل أزمة الاستقطاب والاحتقان السياسي في البلاد؟
 وإذا كان ذلك التصور موجودا فمن الذي وضعه ولماذا لا يشترك المجتمع في الاطلاع عليه ومناقشته؟

إلى أي مدى أسهمت السياسات الأمنية في إشاعة التوتر والنزوع إلى العنف والثأر، ومن ثم شكلت تربة مواتية لتصاعد مؤشرات الإرهاب؟

لماذا يلاحق ويتهم الإرهاب الذي تمارسه الجماعات ويغض الطرف عن العنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية ويحصن الضالعون فيه؟

ما هي الجماعات التي تمارس الإرهاب في مصر،
وهل هي جماعة واحدة تدير العملية، أم أنها جماعات عدة تختلف أساليبها وأهدافها؟
 وإذا كان هناك عقل واحد يدير ويخطط كما يذهب البعض، فبماذا يفسر التفاوت الشديد في مستوى الأداء، بين عمليات بالغة التعقيد وشديدة الإحكام والكفاءة تمارس في سيناء مثلا، وبين قنابل بدائية ومخططات ساذجة تنفذ في القاهرة والمحافظات الأخرى.

لماذا فشلت الجهود العسكرية في القضاء على الإرهاب في سيناء؟
 وبماذا يفسر اتجاه أنصار بيت المقدس إلى ارتكاب عمليات إرهابية في أنحاء مصر، في حين أنها حصرت جهدها في الماضي في محاولة التصدي لإسرائيل ومخططاتها؟
وما هي طبيعة التفاهمات المصرية ــ الإسرائيلية حول إجراءات مواجهة الإرهاب في سيناء؟

هل مخابرات الدول الكبرى ضالعة حقا في مؤامرة إشاعة عدم الاستقرار في مصر،
وإذا صح ذلك كما ذكرت الصحف المصرية فيما نقلته عن المصادر السيادية، فكيف استقبلت القاهرة مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وهي التي تحتل رأس أولئك الذين اتهموا بالتآمر على النظام القائم؟

ما مدى نسبة الافتعال في القضايا المعروضة على المحاكم التي بسببها تم الزج بمئات المهتمين في كل قضية؟

كم عدد المعتقلين السياسيين الذين يجري التمديد لاحتجازهم منذ أكثر من عام، دون أن يقدموا إلى التحقيق أو يعرضوا على أي محكمة؟

لماذا لم يتحقق وعد الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي كرره أكثر من مرة منذ شهر يناير الماضي بإطلاق سراح الأبرياء والمظلومين الذين كانوا ضحايا حملات التمشيط والاعتقال العشوائي؟

لن نستطيع أن نتصدى بشكل جاد للإرهاب إلا إذا قمنا بتفكيك الظاهرة، وفتح باب الاجتهاد في الموضوع، والكف عن إرهاب وتوزيع الاتهام بالتآمر والأخونة والخيانة لكل من حاول أن يقول رأيا يختلف عن الصياغات الأمنية المقررة لتجاوز أزمة السياسة في مصر، أخطأ في ذلك أم أصاب.

......................

20 أبريل، 2015

حظوظ المبدعين المغمورين

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 1 رجب 1436 20 أبريل 2015
حظوظ المبدعين المغمورين - فهمي هويدي

أن يكون الحاكم هو الرجل الأول في الدولة، فذلك لا يعنى أنه فلتة زمانه والأول في كل شيء.
وأن يكون الأعلى مقاما فذلك لا يعني بالضرورة أنه الأطول قامة.
ثم إن دخوله إلى مقر الحكم لا يعني دخوله إلى التاريخ، ناهيك عن أن للتاريخ أبوابا عدة قد يدخل الحاكم إليه من باب ويدخل آخرون من الأبواب الأخرى.

أقول ذلك تعليقا على اختيار الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس دولة الإمارات وحاكم دبي شخصية العام الثقافية، باعتباره ـ كما ذكر القرار المنشور ـ واحدا «من أبرز صناع التحول في مختلف حقول التنمية الثقافية. ولا تزال بصمته الفريدة وجهوده الحثيثة تمتد إلى ربوع الأرض كافة».

لا أجادل في أن الرجل حفر لنفسه مكانة متميزة في تاريخ منطقة الخليج.
 ولست أشك في أنه يستحق جوائز عدة في مجالات الإبداع والإعمار والتنمية.
 ولا يقلل من شأنه ولا يضيف إليه شيئا ألا يكون شخصية العام الثقافية،
ولا أجد مسوغا لذلك الاختيار سوى أنه صادر عن مجلس أمناء جائزة الشيخ زايد للكتاب، التي سبق لها أن منحت الجائزة ذاتها في دورة سابقة للعاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

لست في وارد انتقاد منح الجائزة للشيخ محمد بن راشد، فضلا عن أن لدي استعدادا لتفهم ملابسات القرار، بل قبوله استنادا إلى المعايير النسبية،
 ذلك أن منحها لرجل أنجز الكثير في مجالات أخرى يظل أفضل من إهدائها لمن لم ينجز شيئا في حياته سوى أن المصادفة دفعت به إلى سدة الحكم.
 ذلك أننى مشغول بشيء آخر هو تسجيل التحفظ على احتكار الحكام للجوائز وهم ليسوا بحاجة إليها ولا تضيف إلى رصيدهم شيئا.
 في حين أن منحها لغيرهم من المبدعين القابعين في الظل أجدى وأنفع.

في خلفية هذا النزوع إلى إغراق الحكام وأولى الأمر بالجوائز وإضفاء أوصاف الأفضل والأرفع على أقوالهم وأفعالهم تكمن فكرة أساسية تحكم نظرة البعض إليهم في بلادنا.
ذلك أن الحاكم عند هؤلاء هو قدر مكتوب وليس قرار المجتمع واختيار الناس. هو هبة من الله (البعض يتواضع ويصفه بأنه من رسل الله) وليس مواطنا منتخبا لأجل معلوم.

ولأن الأقدار هي التي ساقته فذلك يسوغ له احتكار السلطة والثروة والمجد أيضا.
لذلك فلا غرابة أن يظل المواطن الأول والخبر الأول، والفائز الأول في أي منافسة أو سباق.

هناك اعتبارات أخرى تدفع في ذات الاتجاه يتعلق بعضها بثقافة القبيلة والنظرة إلى شيخها الذي لا يعلو فوق مقامه مقام، باعتبار أن العين لا يمكن أن تعلو على الحاجب.

كما أن الأمر لا يخلو من تزلف البعض للحكام وإغراقهم بشهادات السمو والمجد جنبا إلى جنب مع إغراقهم بالأضواء وبمظاهر التعظيم والأبهة، التي تقدمهم بحسبانهم كائنات فوق البشر وخارقة للعادة.

الحكام وأولو الأمر ليسوا بحاجة لكل ذلك. فلديهم من الهالات والأضواء والألقاب والنياشين ما يكفي وزيادة.
 أما المبدعون المغمورون، والمتفانون المنجزون القابعون في الظل، الذين لا حظ لهم في الضوء ولا يذكرون في وسائل الإعلام إلا إذا حلت بهم مصيبة أو نزلت بهم فاجعة، فهؤلاء هم الأحوج إلى التكريم والمكافأة والتمجيد،
وفي حين أن تمجيد الحكام لا يضيف شيئا لا إليهم ولا إلى المجتمع، فإن مكافأة المغمورين من المبدعين تصب في مصلحة الإبداع وفي مصلحة المجتمع.

كنت قد دعوت قبل عدة سنوات إلى الكف عن منح الجوائز للحكام ووجهاء القوم، ممن صار تكريمهم أمرا مسلما به. استحقوا ذلك أم لم يستحقوه.
وتمنيت أن تتصرف لجان الجوائز إلى البحث عن المبدعين والمنجزين من المواطنين العاديين. سواء الذين أضافوا إلى حياتنا شيئا، أو أولئك الذين تفانوا في أعمالهم موظفين أو مدرسين أو أطباء أو مهنيين وفنانين أو عمالا أو غير ذلك، رجالا كانوا أم نساء.

 ورشحت ذات مرة السيدة صيصة، لتكون سيدة العام في مصر، وهى التي مات زوجها وهي حامل في ستة أشهر.
ولكي تحمى نفسها وابنتها التي أنجبتها في بيئة الصعيد الذكورية، فإنها تنكرت في هيئة رجل، وظلت تكافح طيلة ٤٣ عاما حتى حققت ذاتها وزوجت ابنتها ورأت أحفادها.
وضربت بذلك نموذجا نادرا في الشجاعة وإنكار الذات.
ولست أشك في أن بلادنا مليئة بالنماذج المضيئة التي لو أنها أخذت حظها من الرعاية والتشجيع لشكلت إضافة مهمة إلى مساعى النهوض والتقدم.

لا أخفي أن المسألة في جذورها وثيقة الصلة بقيمة المواطن العادي في المجتمع. وبمعايير التقدم المعمول بها. وهو ما يختزله السؤال التالي:
هل الكفاءة والإبداع يكفيان وحدهما لفتح الأبواب وتوفير الفرص للنوابغ والمبدعين، أم أن إتاحة تلك الفرص لها شروط أخرى شخصية واجتماعية وليست موضوعية.

ولعلي لا أكون مبالغا إذا قلت إن معايير توزيع الجوائز ومكافأة المبدعين في الدول الديمقراطية مختلفة تماما عنها في الدول غير الديمقراطية. لأن احتكار السلطة يفضي إلى احتكار الثروة وذلك يفضي إلى احتكار الواجهات وما يستصحبه ذلك من احتكار فرص الترقي والفوز والجوائز.
 ثم لا تنس أن الدول الديمقراطية تتوافر لها مؤسسات الرقابة الشعبية التي تضمن للمجتمع حضورا وحيوية يسهمان في إنضاج وإذكاء طاقات الإبداع فيه، على العكس تماما من الدول غير الديمقراطية التي يتوارى فيها دور المجتمع وتضيق فيها تلك الفرص.
ولا أعرف إن كان هذا التحليل أسهم في إيضاح الموضوع أم أنه زاده تعقيدا.
.....................

Delete this element to display blogger navbar