Subscribe:

Ads 468x60px

26 مارس، 2017

رسالتان من واشنطن

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 28 جمادى الآخره 1438 – 27 مارس 2017
رسالتان من واشنطن – فهمي هويدي

ما تنقله وكالات الأنباء من واشنطن فى الآونة الأخيرة، بالنسبة لنا، ليس أخبارا مثيرة فحسب ولكنه رسائل مهمة جديرة بأن تقرأ جيدا.

 أتحدث عن احتشاد القوى الحية فى المجتمع لتحدى الرئيس الجديد دونالد ترامب، بعدما تبين أن سياسته تهدد قيم المجتمع الأمريكى وتقاليده السياسية الراسخة.
وكانت الهزيمة المدوية التى منى بها ترامب هذا الأسبوع أحدث جولات الصراع بين المجتمع والرئيس.

ذلك أنه منذ حملته الانتخابية دأب على التنديد بمشروع الرعاية الصحية الذى تبناه الرئيس السابق باراك أوباما (أوباما كير)، ووعد بهدمه وتقديم مشروع بديل له.
وحين فعلها، اكتشف أنه لن ينال الأغلبية التى تسمح بتمريره.
 فما كان من رئيس مجلس النواب، بول ريان، إلا أن سحب المشروع تجنبا للفضيحة وسترا لموقف الرئيس.
إذ تبين أن رافضى المشروع لم يكونوا خصومه الديمقراطيين فحسب ولكن بعضا من أنصاره الجمهوريين انضموا إليهم فى المعارضة الشرسة له.

وعلق على ذلك المحلل السياسى الجمهورى البارز شارلى سايكس بقوله إن ذلك أكثر يوم جرى فيه تحدى رئاسة ترامب، معتبرا أن ذلك «لم يكن فشلا فحسب، ولكنه فشل مدوٍّ».

ليس ذلك الموقف الوحيد للكونجرس الذى يعارض فيه الرئيس ويتحداه،
ذلك أن أعضاء من الديمقراطيين وبعض الجمهوريين لم يكفوا عن انتقاد سياسته، حتى أن أحدهم طالب بالكشف على سلامة قواه العقلية للتثبت من قدرته على الاستمرار فى الحكم.
ولا يزال التحقيق فى علاقته بروسيا موضوع جدل داخل الكونجرس، بسبب تمسك الديمقراطيين بالدعوة إلى إجراء تحقيق خاص فى الموضوع.

إلى جانب الدور الذى يقوم به الكونجرس. فإن أحدا لا ينسى أن القضاء كان سباقا فى كبح جماح الرئيس ورفض أوامره التى دعت إلى منع دخول رعايا ٧ دول ذات أغلبية إسلامية إلى الولايات المتحدة.
 إذ تولت المحاكم الفيدرالية نقض قراراته وتعليقها،
 الأمر الذى أثار غضب ترامب ودفعه إلى مهاجمة القضاء واتهامه بأنه أصبح يهدد أمريكا.

فى هذا الصدد فلا أحد يستطيع أن ينسى الدور الذى يقوم به الإعلام فى انتقاد الرئيس وفضح سياساته منذ حملته الانتخابية.
ولاتزال كبريات الصحف الأمريكية وأشهر البرامج التليفزيونية تقوم بذلك الدور، سواء من خلال رصد الأكاذيب التى يروج لها أو إفساح المجال لآراء الأكاديميين وعناصر النخبة الذين تصدوا له بكل شجاعة وإصرار،
 وهو ما أغضب الرجل حتى فقد أعصابه واعتبر الإعلام «عدوا» له، خاصمه وقاطع بعض منابره.

خلاصة الكلام أن المجتمع الأمريكى ممثلا فى مؤسساته المستقلة هو الذى يتحدى الرئيس الآن ويحاصره.

الكونجرس من ناحية
والقضاء من ناحية ثانية
والإعلام من ناحية ثالثة.

 وهو ما ينبهنا إلى أمرين ويبعث إلينا برسالتين مهمتين،
 الأولى أن تلك المؤسسات ما كان لها أن تقوم بذلك الدور الجليل إلا لأنها تشكلت ومارست فى أجواء من الحرية والديمقراطية التى وفرت لها الاستقلال وسلحتها بالجرأة والنزاهة السياسية.

الأمر الثانى أن قوة مؤسسات المجتمع المدنى هى الحصن الحقيقى الذى يحميه من تغول السلطة ونزق القائمين عليها.

وليس صحيحا أن المجتمع تحميه عضلات السلطة أو سلاحها،
 فتلك لها أهميتها فى لحظات معينة وحدود مقدرة،

 أما القوة الحقيقية والباقية فتتمثل فى مؤسسات المجتمع التى تخرج من رحمه ويكون ولاؤها الأول له، بحيث تظل معنية بدعمه وليس التعلق بأهداب السلطة.

.........................

25 مارس، 2017

كل الفيلم أم بعضه؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 27 جمادى الآخره 1438 26 مارس 2017
كل الفيلم أم بعضه؟ - فهمي هويدي

بعدما تمت تبرئة مبارك وعاد إلى بيته معززا مكرما فى حين لايزال الذين ثاروا ضده فى السجون، لا مفر من الاعتراف بأن «الفيلم» حقق نجاحا مشهودا، وأن الأطراف التى أشرفت على انتاجه وإخراجه بلغت مرادها، حتى إشعار آخر على الأقل.

 وترتب على ذلك أن ارتفع فى الفضاء المصرى شعار «آسفين يا ريس»، بحيث كاد ينسى كثيرون أن نحو ألف من أجمل شباب مصر قتلوا وما لا يقل عن أربعة آلاف اصيبوا أو تمت إعاقتهم وتشويههم، قبل أن يتم خلع الرجل الذى جثم مع أعوانه على صدر مصر نحو ثلاثين عاما.

كان عنوان البراءة للجميع هو ما أعلن فى أعقاب تبرئة الرجل، التى سبقتها خطوات محكمة ومدروسة مهدت لذلك من خلال تبرئة أعوانه واحدا تلو الآخر،
ومن ثم غسل أيديهم من دماء الشهداء ومن الفساد الذى استشرى والتدليس والتزوير الذى كان إحدى سمات عصره.
وبعد إسدال الستار على المشهد الأخير من الفيلم طرح السؤال:
 لماذا لا نسمع شهادة الرجل على عصره؟

وهو ما فتح الباب لاستدعاء سؤال آخر يقول:
ولماذا لا يتكلم الآخرون من أعوانه، وفى المقدمة منهم وزير الداخلية حبيب العادلى لكى نستكمل توثيق تاريخ تلك المرحلة؟

وإذ لا أستبعد حسن نية بعض الذين طرحوا هذه القضية، فإننى أستبعد أن تؤدى مثل تلك الشهادات إلى التعرف على حقائق المرحلة التى سبقت الثورة التى كان مبارك وأعوانه قائمين على الأمر فى مصر خلالها.

وأقطع بأن كلامهم عن أحداث الثورة التى استغرقت ١٨ يوما لن يخدم الحقيقة بأى حال.
كما أننى لا أشك فى أنه سيسعى إلى طمسها وتشويهها.
ذلك أن شهاداتهم ستظل من قبيل الدفاع عن النفس، الذى لا يمكن أن يصنف باعتباره تاريخا، ولكنه سيظل مستهدفا تبييض تاريخ الرئيس الأسبق ورجاله وعصره.
وهو أمر مبرر ومفهوم. لابد أن يكون المحامون قد لجأوا إليه فى سياق إقامة مهرجان تبرئة الجميع.

ليس لدى كلام عن سنوات حكم مبارك. لأن الإجماع الشعبى الذى بلغ ذروته فى ٢٥ يناير كان بمثابة محاكمة حقيقية له، أدانته وأسقطته بجدارة استحقها.

وأزعم أن فيلم وقائع الثورة الذى أتحدث عنه جرى إنتاجه وإخراجه بعد ذلك هو ما يستحق الحديث.
ذلك أن الفيلم كتبت له روايتان
 إحداهما أعدها القضاء النزيه
والثانية كتبتها الدولة العميقة.

الرواية الأولى كتبت فى مرحلة براءة الثورة وصفاء الإجماع الوطنى، وتمثلت فى لجنتى تقصى الحقائق التى رأسها اثنان من أرفع القضاة وأكثرهم نزاهة هما المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض الذى رأس لجنة تقصى حقائق أحداث الثورة.

 واللجنة الثانية رأسها المستشار عزت شرباص رئيس محكمة النقص الأسبق،
وهذه تقصت حقائق مرحلة المجلس العسكرى.

وبطبيعة الحال فقد شارك مع كل منهما عدد معتبر من الإخصائيين والخبراء الذين تولوا بأنفسهم تحرى الحقيقة فى هاتين المرحلتين.

أما الرواية الثانية فقد كتبتها عناصر الدولة العميقة واعتمدت على تحريات وتقارير الأجهزة الأمنية التى استعادت موقعها ودورها، واستهدفت إزالة آثار «عدوان» ٢٥ يناير.

ولأسباب مفهومة تم إعدام الرواية الأولى ولم يعد لها ذكر.
 فى حين أصبحت الرواية الثانية بمثابة التاريخ الرسمى للثورة الذى أعاد مبارك إلى بيته مرة أخرى بعدما غاب عنه فى إجازة استغرقت ٦ سنوات، واقتضاها حسن إخراج المشهد.

ليس ما حدث استثناء فى الثورات التى عرفتها البشرية.
ذلك أن ما كتب فى ظلها كان مجرد شهادات أغلبها كان تزويرا وتدليسا، ولم يكتب تاريخها إلا بعد زوالها.
وهو ما يستدعى السؤال التالى:

هل عودة مبارك إلى بيته هو كل الفيلم أم جزؤه الأول؟

...................

24 مارس، 2017

رسالة تسمم التلاميذ

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 26 جمادى الآخره 1438 25 مارس 2017
رسالة تسمم التلاميذ – فهمي هويدي

ما عدنا قادرين على التحقق من حجم كارثة تسمم تلاميذ المدارس.
فجريدة الأهرام تتحدث عن عشرات الضحايا،
والشروق أشارت إلى المئات.
 أما المصرى اليوم فقد أشارت فى عدد الخميس الماضى (٢٣/٣) إلى ٢٢٦٠ إصابة فى محافظة سوهاج وحدها، وأقل من ذلك فى المنوفية، وبعدهما جاءت أسوان وبنى سويف والسويس والقاهرة.

إلا أن القدر المتفق عليه يتمثل فى أن التسمم صار ظاهرة تفشت بأعداد متباينة فى العديد من المحافظات المصرية.

وحين يحدث ذلك فإنه يثير سيلا من الأسئلة ليس فقط بخصوص فساد الموردين،
وإنما أيضا عن دور مسئولى المدارس والمناطق التعليمية، ودور أجهزة الرقابة سواء التى تستهدف حماية المستهلك،
أو الرقابة الشعبية المتمثلة فى مجالس المحافظات والمدن والقرى.

 ذلك أن استشراء حالة التسمم يعنى أمرين،
 الأول أننا لسنا بصدد حوادث استثنائية،
والثانى أن احتمالات التواطؤ تظل واردة فى أجواء الفساد الراهنة.

شاءت المقادير أن يتواتر نشر أخبار تسمم تلاميذ المدارس مع فتح ملف اللحوم البرازيلية الفاسدة، التى دأب المستوردون على استيرادها نظرا لرخص أسعارها،
ثم تسويقها فى أوساط الفقراء الذين يسكنون الأحياء الشعبية، وهم العاجزون عن شراء اللحم نظرا لارتفاع أسعاره حتى أصبحوا يقبلون على شراء أرجل الدجاج وعظامها.

 وكانت جريدة الشروق قد أبرزت القضية على صفحتها الأولى يوم الخميس الماضى ٢٣/٣ فى تقرير أبرزت عناوينه تصريحات لمسئول فى وزارة الزراعة تحدث عن
«لحوم برازيلية فاسدة تغرق الأسواق الشعبية». و.. تعليق التعامل مع ٢١ مجزرا برازيليا لحين ورود تقرير اللجنة المصرية.

ومن المعلومات المنشورة أن كميات كبيرة من اللحوم البرازيلية الفاسدة دخلت إلى مصر خلال الفترة الماضية، وتم توزيعها على الأسواق المحلية والشوادر الشعبية.
وهو ما ينذر بكارثة تهدد حياة الناس، بسبب الإقبال المنتظر عليها خصوصا بعد انتهاء صيام الأقباط وبدء دخول شهر رمضان.
 وما ذكره التقرير المنشور أن مصر تستورد من البرازيل ٢٥٪ من اللحوم التى تستجلب من الخارج، وهى كمية كبيرة جدا بالمعايير النسبية.

إذا وضعنا مظاهر الفساد سابقة الذكر إلى جانب تعدد مظاهر التوتر والغضب التى بدأ ظهورها على السطح فى مختلف أنحاء مصر، فإننا نصبح بإزاء رسالة يجب أن تقرأ جيدا.

 أتحدث عن مظاهرات الخبز التى تفجرت حين لم يستطع حملة بطاقات التموين الحصول على حصصهم اليومية.

 فى ذهنى أيضا المظاهرات التى خرجت احتجاجا على نقص أنابيب البوتاجاز،
أو غضبا وسخطا على الشرطة بعدما تكررت حوادث موت المحبوسين جراء التعذيب فى الأقسام.

وما جرى فى سوهاج خلال الأسبوع الماضى أحدث نموذج لذلك، حين اشتبك أهالى إحدى قرى أخميم مع الشرطة احتجاجا على إقامة محطة للصرف الصحى من شأنها أن تدمر مزارع الدواجن التى يرتزق منها الأهالى.
وقوع هذه الحوادث التى هى قليل من كثير، يعبر عن تحولات اجتماعية تحتاج إلى تحليل ودراسة،
ولا يكفى فيها أن يترك الأمر إلى مديريات الأمن للتعامل معها فى حين يقف الجميع متفرجين عليها.

ومن الخفة والعجز أن تنسب إلى أهل الشر أو اللهو الخفى،
 ذلك أن ثمة واقعا يتسم بالتفكك والقلق ينبغى أن يدرس، لينبه أولى الأمر إلى جذور التشوهات التى طرأت على واقع الناس،
وهل هى راجعة إلى وطأة الأزمة الاقتصادية،
 أم إلى ضيق مجالات التعبير المشروع الذى يدفع الناس إلى اللجوء إلى ما ليس مشروعا،
 أم أنه صدى لضيق صدر السلطة ولجوئها إلى قمع المخالفين،
 أم أنه راجع إلى تدهور قيمة القانون وتراجع هيبة القضاء.

 وإلى أى مدى أثر موت السياسة وطغيان الانشغال بالأمن على كل ما عداه.
لست فى وارد الإجابة عن تلك التساؤلات، لكنى أتمنى أن يتذكرها أهل الاختصاص قبل فوات الأوان.

........................

22 مارس، 2017

هزل في موضع الجد



صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 24 جمادى الآخره 1438 – 23 مارس 2017
هزل في موضع الجد - فهمي هويدي

لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة أن مصر دخلت مرحلة الفقر المائي.
وهو ما أدى إلى تناقص نصيب الفرد من المياه بحيث وصل إلى ٧٠٠ متر مكعب سنويا، في حين أن المعدلات العالمية تصل بذلك النصيب إلى ألف متر مكعب.

هذا الكلام ليس لي، لكنه جاء على لسان وزير الإسكان الدكتور مصطفي مدبولي، في حديث له أمام مؤتمر لمناقشة توطين صناعة تحلية المياه في الوطن العربي، الذي عقد بالقاهرة في منتصف شهر مارس الحالي.

إذ قال أمام السامعين إن التزايد المطرد في عدد السكان بمصر مع ثبات مواردنا التقليدية من مياه الشرب، لم يترك أمامنا خيارا آخر.
إذ لا مفر من المضي قدما وبسرعة شديدة في مجال تحلية مياه البحر،
وهو ما ينبغي أن يعد خيارا استراتيجيا وثيق الصلة بالأمن القومي في المرحلة الراهنة.

هذه الرسالة تدق الأجراس عالية منبهة إلى خطر موشك يهدد الحياة في مصر، التي يندر فيها المطر،
وتظل مياه النيل مصدر الحياة والنماء فيها منذ عصور الفراعنة وحتى الوقت الراهن،
 لذلك لم يبالغ المؤرخ الرحالة اليوناني هيرودوت حيث قال إن مصر هبة النيل، بما يعني أن له فضله في وجودها.

حين قرأت تفاصيل المؤتمر التي نشرتها صحيفة «المصري اليوم» في ١٧/٣، تذكرت أنني قرأت هذا الكلام قبل عدة أشهر.

وحين راجعت أوراقي عثرت على قصاصة لتقرير إخباري نشرته صحيفة «الوطن» في الخامس من شهر ديسمبر الماضي، أي قبل أكثر من أربعة أشهر،
وكان عنوانه الرئيسي الذي ظهر باللون الأحمر هو:
 وزير الري: انتهى عصر رفاهية استخدام المياه.

وفي نص التقرير المنشور أن الدكتور محمد عبدالعاطي وزير الري، والموارد المائية قال أمام المؤتمر الدولي للتطور العلمي والتكنولوجي في إدارة الموارد المائية إن عصر الرفاهية في الاستخدام المفرط للموارد المائية قد انتهى.
وأن الزيادة المستمرة في السكان تفرض إعادة النظر في كيفية ترشيد استهلاك المياه إلى جانب التوجه إلى تحلية مياه البحر.

الملاحظة الأساسية على تصريحات الوزيرين أنها جاءت أمام مؤتمرين علميين للخبراء تطرقا إلي موضوع أزمة المياه وتقنيات تحليتها.
ثم أنهما وجها نفس التحذير. مع فارق زمني بينهما يصل إلى نحو أربعة أشهر.
 في حين أن أمرا بهذه الخطورة ينبغي أن يوجه إلى الرأي العام وليس إلى الخبراء دون غيرهم،
ثم أن إطلاق الكلام كان ينبغي أن يكون مقدمة لشن حملة قومية تنبه وتحذر وترشد الناس إلى كيفية المشاركة في إنقاذ البلد من مجاعة مائية تهدد البشر والزرع والضرع.

حين لم يحدث شيء من ذلك، في الوقت الذي امتلأت فيه شوارع العاصمة بالإعلانات والملصقات التي تروج للمسلسلات الجديدة ونجوم البرامج التليفزيونية.
فإن ذلك لا يدع مجالا للشك في أن الأمر ليس مأخوذا على محمل الجد، وأن ما قيل في حقيقته هو مجرد كلام مناسبات ليس أكثر.
وربما أعطى ذلك انطباعا بأن الوزيرين بالغا في الأمر، حيث لا توجد مشكلة ولا يحزنون.

وأسوأ من ذلك بطبيعة الحال أن تكون هناك مشكلة حقيقية ولكن عقلية التركيز على الإنجازات وإشاعة الفرحة والتفاؤل بين الناس تجاهلتها وهونت من شأنها، أملا في أن يأتينا حل من السماء من حيث لا نحتسب.

ثمة ملاحظة أخرى مهمة تتمثل في أن كلام الوزيرين أشار إلى أن الأزمة ناتجة عن الزيادة في عدد السكان، ولم يتطرقا إلى موضوع سد النهضة الإثيوبي الذي من شأنه التأثير على حصة مصر من المياه،
 وهو ما يثير عدة أسئلة حول دوافع السكوت على ذلك الجانب، وغموض الموقف المصري إزاء الفاجعة المنتظرة بعد تمام بناء السد.

صحيح أن الغموض يكتنف العديد من قضايا المصير السياسية، لكن حين يتعلق الأمر بالقضايا المعيشية فإن الغموض فيها يصبح استهانة بالمآلات، لا يوصف بأقل من أنه لعب بالنار.
.....................

كارثة عندهم وفرصة عندنا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 23 جمادى الآخره 1438 22 مارس 2017
كارثة عندهم وفرصة عندنا - فهمي هويدي

إذا كنت من المتدينين المواظبين على الصلاة، فنحن أحوج ما نكون إلى دعائك في الوقت الراهن لأن مستقبل البلد في خطر.
 قد لا أستغرب أن يردد كثيرون هذه الدعوة في بلادنا التي حالها كما تعلم،
لكننا لابد أن نستغرب أن يطلقها صحفي محترم، أصبح أحد أشهر نجوم التليفزيون الأمريكي وأكثرهم صدقية.
ثم إن الأمر لا يخلو من مفارقة، لأننا اعتدنا أن نلجأ إلى أمريكا لكي تشملنا بالرعاية والرضى وتحل مشاكلنا،
ولم يخطر على بالنا أن تدور دورة الزمن بحيث ترتفع الأصوات هناك داعية للجوء إلى الله لكي يحل مشكلة الأمريكيين ويجبر بخاطرهم.

 
صحيح أن صاحب العبارة التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي هو الإعلامي المخضرم دان راثر،
إلا أنني قرأت الدعوة التي أطلـــــــــقها في كتابات أخرى لمثقفين أمريكيين
قال بعضـــــهم إنه بعدما ابتليت الولايات المتحدة بإعصار ترامـــــب الذي يهـــــدد بتدمير الكثير من القيم التي تعتز بها الولايات المتحدة، فقد حان الوقت لكي يقضي الأمريكيون وقتا أطول لتكثيف الدعاء إلى الله كي يرفــــــع الغمة عن بلادهم.

 
في نظر النخبة الأمريكية فترامب «كارثة».
 لكنه يعد فرصة يراهن عليها كثيرون في دوائر القرار بالعالم العربي.
وذلك وجه آخر للمفارقة.

وأحسب أن الشق الأول من هذا المنطوق لم يعد بحاجة إلى إثبات، إذ تتكفل به أغلب التقارير اليومية القادمة من واشنطن التي لم تعد ترى في الرجل فضيلة تستحق الذكر، حتى تكاد تجمع على أنه لن يكمل سنواته الأربع،
خصوصا إذا وصلت التحقيقات الجارية بخصوص علاقته بالروس إلى نتيجة ليست في صالحه،

بل لم يستبعد صحفي مخضرم ومحترم هو توماس ريكس (له خبرته في الواشنطن بوست) أن يؤدي استمراره في السلطة إلى تعميق الانقسام الأمريكي بما يفضي إلى وقوع حرب أهلية في الولايات المتحدة.

 
إذا كان الأمريكيون سيدبرون أمرهم لأن المجتمع بمؤسساته أقوى من السلطة،
 إلا أن ما يقلقنا أن يكون لذلك الرئيس الأمريكي دوره في تدبير أمورنا نحن في العالم العربي.

ولست واثقا من دقة التسريبات التي تحدثت عن أن استئناف ضخ النفط السعودي لمصر أخيرا كان من ثمار اجتماع الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد في المملكة مع الرئيس ترامب.
(أشارت التسريبات إلي أن إسرائيل القريبة من قلبه وعقله كان لها دورها في ذلك).

مع ذلك فإن شعورنا بالقلق لابد أن يتضاعف حين نطالع الأخبار والتسريبات الأخري التي تتحدث عن حلف «سُنِّي» تشارك فيه إسرائيل وترعاه الولايات المتحدة لمواجهة إيران.

وتلك التي تتحدث عن مشروع أمريكي للتوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية لا نتوقع له إلا أن يكون «نكبة» أخرى.

كما أننا لم نفهم ــ ولا نتوقع خيرا بطبيعة الحال ــ مما تردد عن علاقة جديدة لمصر مع حلف الأطلنطي وإقامة بعثة دبلوماسية مصرية لدى الحلف في بروكسل.
علي الأقل فذلك ما نما إلى علمنا وفاجأنا، والله وحده أعلم بما يجري بعيدا عن أعيننا في الاتصالات والاجتماعات السرية.

 
إنهم في الولايات المتحدة يتطلعون إلى إزالة الكابوس وكيفية احتواء الكارثة التي حلت بهم. في حين أن الرجل القادم من خارج السياسة والمرحب به في العالم العربي، يقوم بدور رئيسي في رسم خرائطه وترتيب أوضاعه.
وذلك تحليل إذا صح فهو علامـــــة على بؤس العالم العربي والمدى الذي وصل إليه هـــــوانه.

 
وفي أجواء الغيبوبة التي نعيشها، فإن أخشى ما أخشاه أن ينصرف البعض عن التفكير في مصير المنطقة الذي يتشكل الآن في واشنطن، لينشغلوا بالجدل حول ما إذا كانت صلاة الأمريكيين في هذه الحالة ستقـــــــبل أم لا؟!

............................

Delete this element to display blogger navbar