Subscribe:

Ads 468x60px

28 مايو، 2015

للتجمل أم للتصدير؟

صحيفة الشرق القطريه الخميس 10 شعبان 1436 – 28 مايو 2015
للتجمل أم للتصدير؟ - فهمي هويدي

كلام الجرائد المصرية حمل إلينا أكثر من بشارة هذا الأسبوع.
فقد أصدر مؤتمر وزارة الأوقاف وثيقة وطنية لتجديد الخطاب الديني ونبذ العنف، أهديت إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي من باب الأعذار وإبراء الذمة.

وقبل ذلك بأيام معدودة عقد مؤتمر وزراء الإعلام العرب اجتماعا نوقشت فيه قضايا نشر التسامح والاعتدال الفكري والتعبئة لمواجهة الإرهاب.
وبإصدار الوثيقة وقبلها توصيات مؤتمر وزراء الإعلام، نكون قد عالجنا أهم مصادر الصداع والتوتر التي تعاني منها مصر والعالم العربي،

وعلى من يشك في ذلك أن يراجع نص الوثيقة وقائمة التوصيات، وسيتأكد بنفسه في هذه الحالة أن النصوص واضحة وقاطعة في السعي لحل الإشكال الذي استنزف طاقات الأمة بقدر ما أنه فضح الإسلام والمسلمين وأساء إليهما أيما إساءة.

أيا كان رأيك في هذا الكلام، فالذي لاشك فيه أن الذين عصروا أذهانهم وأجهدوا أنفسهم في المناقشات وفي محاولة تدبيج الوثيقة وصياغة التوصيات كانوا جادين في محاولة إخراج أفصح وأوفى كلام ممكن في الموضوع.

ولست أشك في أن الذين أعدوا الوثيقة استفادوا من تلال البيانات والأوراق وحصيلة المناقشات التي شهدتها مصر منذ بداية العام، حين أطلق الرئيس السيسي دعوته إلى التجديد والثورة الدينية في كلمته التي وجهها إلى علماء الأزهر والمصريين في اليوم الأول من شهر يناير الماضي.

وطوال الأشهر الخمسة التالية وسرادق التجديد منصوب ومنصته مفتوحة لكل من هب ودب من المفتين والمزايدين والمتصيدين، إلى أن أقام وزير الأوقاف مهرجانه الذي انتهى بالوثيقة التي اعتبرها إسهاما في حل الجمود الفكري والإرهاب والتطرف.

ما فعله وزراء الإعلام العرب لم يذهب بعيدا في منطلقاته، ذلك أنهم عالجوا القضايا المعقدة المطروحة عليهم من خلال بيان أبرأوا به ذمتهم، بعدما أصبح العلاج مشكلة لغوية يستعرض فيها الكاتبون فصاحتهم ومهارتهم في الإنشاء والبيان.

حل مشكلة الجمود والتطرف والإرهاب وإشاعة التسامح والاعتدال من خلال وثيقة أو بيان يتضمن بعض التوصيات، هو نموذج للتبسيط والتسطيح الذي تواجه به البيروقراطية الملفات المعقدة.
إذ تعمد إلى معالجة مشكلاتها بأسلوب بيانات سد الخانة التي يراد بها التجمل وإبراء الذمة، بحيث يتوقف «الإنجاز» عند حدود النشر في الصحف والبث التلفزيوني.

وفي هذه الحالة فإن جوهر المشكلات يظل كما هو، لأن المهرجانات الإعلامية لا تتيح فرصة الغوص في أعماقها أو تجرى جذورها.

لا أبالغ إذا قلت إن ما سبق كان نوعا من الثرثرة في الموضوع، وأن الكلام المهم والجاد صدر عن الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته أمام مؤتمر «دافوس» الذي عقد في الأردن يوم ٢٢ مايو الحالي.

ذلك أنه أورد فقرة لم تبرزها وسائل الإعلام المصرية قال فيها ما نصه:
 إن الجمود الفكري الناجم عن التطرف والغلو الديني أو المذهبي تزداد حدته جراء اليأس والإحباط وتراجع قيم العدالة بمختلف صورها.

وبالتالي فإن جهودنا للقضاء على التطرف والإرهاب لابد أن تتواكب معها مساع نحو مستقبل تملؤه الحرية والمساواة والتعددية، ويخلو من القهر والظلم والإقصاء.

لكن تلك المساعي لا يمكن أن تكتمل دون أن تمضي بالتوازي معها خطط مدروسة للقضاء على الفقر تجسد الشق الآخر للحقوق الأساسية للإنسان في منطقتنا.

هذا الكلام يفاجئنا من أكثر من زاوية،
من ناحية لأنه لم يعمد إلى التعامل الإنشائي واللغوي الذي يكتفي بالتنديد بالجمود والإرهاب وإعلان البراءة منه.
 لكنه انطلق من تحليل اجتماعي عميق ركز على البيئة التي تنشأ فيها تلك السلبيات، بما فيها من إحباط وظلم وقهر يستلزم إحياء لقيم الحرية والعدل واحترام حقوق الإنسان.

من ناحية ثانية، لأن ذلك الكلام الرصين أطلق من على منبر محفل دولي صار يؤدي دورا مهما في السياسات العالمية. والذين استمعوا إليه كانوا نخبة متميزة أغلبهم من الأجانب، الذين لا أشك في أنهم رحبوا به وصفقوا له، لأنه يعد أفضل ما يمكن أن يقال في مواجهة الجمود والإرهاب والتطرف.

من ناحية ثالثة، فإنه اعتبر تلك المواجهة ليست مسؤولية وزارة أو جهة بذاتها وإنما هي مسؤولية السياسات العامة للدول، في التزامها الضروري بالحرية والمساواة والتعددية والعدل الاجتماعي واحترام حقوق الإنسان، مع نبذها للقهر والظلم والإقصاء.

من ناحية رابعة فإن هذا الكلام الذي يمثل إطارا لخطة عمل ناجحة وبداية لصفحة جديدة في نهج التعامل مع الجمود والإرهاب والتطرف لا نكاد نلمس له أثرا في السياسة المصرية الراهنة،
بل إن ما دعا إليه الرئيس أمام مستمعيه الأجانب هو ذاته موضوع الخلاف الأساسي بين الوطنيين المصريين والمستقلين وفي المقدمة منهم النشطاء الحقوقيون وبين النظام القائم.

وهو ما يسوغ لي أن أقول إن غاية مرادنا الآن أن يطبق الرئيس السيسي ما دعا إليه الرئيس السيسي من فوق منبر «دافوس» بالأردن، كي لا يعد كلامه استهلاكيا وللتصدير فقط.
....................

27 مايو، 2015

للشعوب رب يحميها

صحيفة السبيل الاردنيه الاربعاء 9 شعبان 1436 – 27 مايو 2015
للشعوب رب يحميها - فهمي هويدي

يفترض أن يكون اجتماع رؤساء أركان الجيوش العربية في القاهرة حدثا له رنينه الذي يثير درجات متفاوتة من الاهتمام والترقب

ــ على الأقل فإن جيلنا يختزن ذكريات تحثه على تهيب اللقاء وأخذه على محمل الجد، باعتباره مؤشرا ينبئ بأن الساحة العربية مقبلة على تطور مهم.
لكن ظهور أولئك الجنرالات في الصور هذا الأسبوع لم يكن له صدى يذكر في مختلف الأوساط، حيث لم يستوقف أحدا،
وكان الإقبال على مطالعة الصور والتفرس في الوجوه أكثر من الاهتمام بمتابعة الكلام، لأنها ذكرت الناس بأن ثمة جيوشا عربية لا تزال موجودة على الأرض، وأن على رأس تلك الجيوش رتبا رفيعة ورجالاً يحملون ألقابا طنانة، ويتحركون في مواكب مهيبة.

 ورغم أن أحدا لم يلمس أثرا إيجابيا لجهودهم، ولم يستطع أن يجد إجابة شافية ومقنعة على السؤال: ماذا يفعلون؟

منذ حرب عام ١٩٧٣ ضد إسرائيل لم نسمع شيئا عن معركة خاضتها الجيوش العربية ولا عن اجتماع لرؤساء الأركان العرب حتى شحبت صورهم في الذاكرة بمضي الوقت.
إذ ظل الحضور الأقوى لأجهزة الأمن والشرطة.
وفي أحيان كثيرة انضمت الجيوش إلى أجهزة الأمن الداخلي، حتى بدا أن أداءها مقصور على مواجهة خصوم السلطة وجماعات المعارضة الداخلية
 (سوريا والعراق والجزائر مثلا، ولا ننسى أن الجيش اليمني الآن بموالاته للرئيس السابق علي عبدالله صالح أصبح أداة في يد انقلاب الحوثيين).

لقد نقل الرئيس الأسبق أنور السادات قوله عن حرب عام ١٩٧٣ إنها آخر الحروب.
وقد تحققت تلك النبوءة بالنسبة للجيوش العربية فقط، التي لم تدخل في مواجهة ضد إسرائيل منذ ذلك الحين.
بل لا يكاد الباحث يجد إشارة إلى احتمالات تلك المواجهة في خطاب رؤساء الأركان العرب.
وحين تطرق بعضهم إلى احتمالات المواجهة فإن أحاديثهم كانت صريحة في أن العدو المقصود هو «الإرهاب».

تلك كانت ملاحظة أولى على اجتماع رؤساء الأركان العرب في القاهرة هذا الأسبوع.

 الملاحظة الثانية أن الجيوش العربية التي لم تخض معركة حقيقية منذ عام ١٩٧٣ (أي منذ ٤٥ عاما) تراجعت كفاءتها إلى حد كبير، حتى إن بعضها صار ينهزم ويفر أمام الجماعات المسلحة، كما حدث في الرمادي بالعراق، وفي أدلب وجسر الشغور في سوريا.

وحين دخلت بعض تلك الجيوش في مواجهات مع الجماعات الإرهابية، فإنها لم تنجح في القضاء عليها، وهو الحاصل في دول عربية أخرى.

الملاحظة الثالثة إنه في حين خرجت الجيوش العربية من ساحة المواجهة مع العدو محتلا كان أم غازيا، فإن المجموعات المسلحة هي التي تولت المهمة وحققت نجاحا فيها، وهو ما فعله حزب الله في لبنان، وما فعلته حماس والجهاد الإسلامي والقوى الوطنية في غزة،
وما قامت به فصائل المقاومة ضد الأمريكيين في العراق،
وها نحن نجد المقاومة الشعبية في اليمن هي التي تتولى صد تمدد الحوثيين.

بقيت عندي ملاحظات أخرى تتعلق بموضوع القوة العربية التي اجتمع رؤساء الأركان العرب لتشكيلها قبل نهاية شهر يونيو المقبل، طبقا لقرار القمة العربية في شرم الشيخ.

هذه الملاحظات تتلخص فيما يلي:

*
ستكون مفارقة لا ريب أن تتولى القواعد العسكرية الغربية تأمين، وحراسة مصالحها المفترضة في كل الدول العربية المهمة، من الناحيتين الاستراتيجية أو الاقتصادية والنفطية،
وفي الوقت ذاته تشكل قوة مسلحة عربية، لا يعرف بالضبط الهدف من وراء إنشائها.

*
تشكيل القوة العربية وتشكيل مجلس أعلى للدفاع يفترض اتفاقا حول العدو وحول الأهداف الاستراتيجية.
وحين ذكر أن المشاركة في تلك القوة اختيارية، فذلك يعنى أن ذلك الاتفاق ليس قائما،
وأن الدول التي ستشارك فيها ستحدد موقفها في ضوء مصالحها وحساباتها الخاصة.

فقد تستشعر مصر أنها بحاجة إلى غطاء لتدخلها في ليبيا،
وقد تجد السعودية أن تدخلها في اليمن يحتاج بدوره إلى غطاء.
 وقد تتردد الدولتان في المشاركة في التحالف المناهض لتمدد تعظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق.
والشيء المؤكد أن مشروع القوة العربية لا علاقة له بالقضية، التي كانت مركزية يوما ما، حيث لم يشر إلى إسرائيل من قريب أو بعيد في التصريحات والأدبيات ذات الصلة بالمشروع.

*
اتصالا بما سبق، لا مفر من الاعتراف بأن العالم العربي مختلف الآن حول العدو الذي يتعين عليه أن يواجهه،
وهل هو إسرائيل أم إيران أم أنه تآمر الأمريكان والغرب،
وتلك مسألة فارقة، لأنه في غياب الاتفاق عليها يبدو الكلام عن القوى العربية مجرد غطاء لتصفية حسابات ضيقة لبعض الأنظمة، لا علاقة له بالمصالح العليا للأمة العربية.

*
مشروع القوة العربية بصورته تلك إذا أضيف إلى التفاعل الحاصل والمنتظم بين وزراء الداخلية العرب، فإنه يبعث إلى الجميع برسالة خلاصتها أن العمل العربي المشترك بات محصورا على الدفاع عن الأنظمة وأمنها،
وأن مصالح الشعوب وتطلعاتها في التقدم والنمو والحرية والعدل لم تعد مدرجة على جدول الأعمال.
وعلى الشعوب أن تدبر حالها من باب آخر.
..............................

Delete this element to display blogger navbar