Subscribe:

Ads 468x60px

30 يوليو، 2015

تحرير العالم العربي أولًا

صحيفة الشرق القطريه الخميس 14 شوال 1436 30 يوليو 2015
تحرير العالم العربي أولًا – فهمي هويدي

حادث اقتحام المسجد الأقصى يسلط ضوءاً كاشفاً على الفروق بين عرب ستينيات القرن الماضي وبين عرب الألفية الثالثة.

 آنذاك ـ في صيف عام ١٩٦٩ ـ أقدم أحد المستوطنين الصهاينة ـ أسترالي الأصل اسمه دينيس مايكل ـ على محاولة إحراق المسجد الأقصى (يوم ٢١ أغسطس) فأشعل النيران في الأثاث والسجاد ومنبر صلاح الدين، مُدّعياً أنه أدى واجباً دينياً وأقدم على فعلته تنفيذا لنبوءة في سفر زكريا.
وانتهى الأمر بإحراق نحو ١٥٠٠ متر مربع من المسجد الكبير من بين ٤٤٠٠ متر من كل مساحته، (الثلث تقريباً).
 إلا أن الحدث لم يمر لأنه أحدث دويه الكبير في العالم العربي الإسلامي.

 لذلك تداعى رؤساء وزعماء تلك الدول إلى اجتماع عاجل عقد بعد شهر في الرباط ـ العاصمة المغربية ـ يوم (٢١ سبتمبر)،
وصدر عن الاجتماع بيان أعلن فيه الزعماء الذين مثلوا ٢٩ دولة:
 إن حكوماتهم وشعوبهم عقدت العزم على رفض أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق لأحداث يونيو عام ٦٧.
وفي ذلك الاجتماع تقرر تشكيل إطار لتحرك تلك الدول عرف فيما بعد باسم منظمة المؤتمر الإسلامي (أصبحت لاحقا منظمة التعاون الإسلامي).

حادث الاقتحام الذي وقع قبل أيام (يوم الأحد ٢٦ يوليو) دعا إليه اتحاد منظمات الهيكل.
فيما سمي بذكرى «خراب الهيكل» إذ قامت مجموعة ضمت ٣٠٠ مستوطن يتقدمهم وزير الزراعة في الحكومة الإسرائيلية الحالية ـ أروى إريئيل ـ باقتحام المسجد من أبواب المغاربة والسلسلة وحطه تحت حراسة أمنية مكثفة بدعوى إقامة طقوس وشعائر تلمودية في داخله،

ولأن اتحاد منظمات الهيكل كان قد وجه تلك الدعوة في وقت مبكر، فإن ذلك استنفر عرب ٤٨ الذين تقاطروا إلى محيط المسجد في ساعة مبكرة من صباح الأحد.
بعضهم دخل إليه والبعض الآخر أوقفته الشرطة ومنعتهم من الوصول إلى المكان، إذ لم تسمح لمن هم دون الخمسين من العمر بدخول المسجد، رجالا كانوا أم نساء.

وكانت قوات الاحتلال قد نشرت حواجز حديدية على مداخل البلدة القديمة في القدس.
ونشرت عناصرها في المنطقة لتوفير الحماية لمسيرة المستوطنين
 وكان طبيعيا أن يؤدي ذلك إلى وقوع اشتباكات عنيفة بين الطرفين.
المستوطنون وقوات الاحتلال من جانب. والمصلون وحراس الأوقاف وسدنة المسجد الأقصى من جانب آخر.
واستخدمت شرطة الاحتلال قنابل الغاز والعيارات المطاطية في المواجهات التي أسفرت عن إصابة العشرات واعتقال آخرين من الفلسطينيين.

عقب محاصرتها واقتحامها المسجد القبلي قامت قوات الاحتلال بإخراج حراس المسجد الأقصى منه وأغلقت أبواب المصلى بالسلاسل. كما منعت موظفي الأوقاف من الدخول إلى باحته.
في حين ظل المئات من الفلسطينيين مرابطين في محيط الأقصى تحسبا لأي هجوم آخر من المستوطنين.

الشيخ عزام الخطيب مدير أوقاف القدس وشئون المسجد الأقصى اعتبر وجود وزير الزراعة بالحكومة على رأس المقتحمين بمثابة «تغيير» جديد في سياسة الحكومة، الأمر الذي ينذر بوقوع المزيد من الاقتحامات.

اعتداءات المستوطنين على المسجد الأقصى والإصرار على تدنيسه وهتك حرمته إلى جانب الاعتداءات المستمرة على المقدسات الإسلامية والمسيحية. يعد حلقة في مسلسل تهويد المدينة وإزالة آثار الوجود الإسلامي والمسيحي بها.
وهو المسلسل الذي تتصاعد مؤشراته في ظل عوامل ثلاثة هي:
 سياسة الحكومة الإسرائيلية
وتعاظم دور المستوطنين والمجموعات الأكثر تطرفا،
وانشغال العالم العربي بصراعاته الداخلية ومعاركه الأخرى التي أدت إلى تراجع القضية الفلسطينية في أجندة أولويات دول المنطقة.

ماذا كان رد فعل العالم العربي على تلك الجرأة التي مارسها المستوطنون وساندتها الحكومة، التي بلغت حد المطالبة بإغلاق المسجد الأقصى في وجوه المسلمين فيما أسموه ذكرى خراب الهيكل، لكي يؤدي فيه المستوطنون طقوسهم التلمودية.

كانت فعاليات عرب الداخل الفلسطيني قد أصدرت عدة بيانات حذرت فيها من مخططات اقتحام الأقصى
وأصدرت لجنة القدس باتحاد الأطباء العرب نداءات دعت إلى فضح المخطط وإدانته،
 إلا أن الصدى في العالم العربي لم يتجاوز حدود بيانات الاستنكار والشجب من جانب الجامعة العربية وبعض العواصم، التي ظلت تطالب الآخرين والمجتمع الدولي بأن يفعلوا شيئا لإنقاذ القدس، وكأن العالم العربي عاجز أو غير مكلف بفعل أي شيء.

لا أعتبر اجتماع القمة الإسلامية في عام ١٩٦٩ نموذجاً ولا علاجاً ناجعاً، لكنه بمعايير الحد الأدنى كان معبراً عن أن هناك أمة لها صوت وإن قصرت عن الفعل.

ولم يكن ذلك هو الفرق الوحيد. ذلك أننا حين نقارن بين الحالتين فلا ينبغي أن ننسى أن جريمة إحراق الأقصى وقعت بعد سنتين من هزيمة يونيو ٦٧،
أعني أن العالم العربي حينذاك كان غارقاً في أحزانه ولا يزال يلعق جراحه. مع ذلك كان للعالم العربي رأس تمثلت في قيادة جمال عبدالناصر،
وكان الوعي مستقرا على أن فلسطين هي قضية العرب المركزية،
وكان العدو واضحا والرؤية الإستراتيجية محسومة. ثم كان الصف الفلسطيني موحدا بصورة نسبية تحت قيادة منظمة التحرير.
كما كان للقطب السوفييتي دوره في إحداث التوازن في الساحة الدولية.
وتلك عوامل اختلفت كلها في الوقت الراهن فلا رأس ولا رؤية إستراتيجية والملف الفلسطيني تراجعت أولويته.
كما أن أمل الوحدة العربية تبدد بحيث صرنا نتطلع إلى يوم تتحقق فيه وحدة القطر الواحد وليس وحدة الأمة.
والصف الفلسطيني تشتت وانقسم كما نعلم،
والتوازن الدولي اختل بعد انتهاء عصر القطبين، إلى غير ذلك من الدروس والعبر التي خلاصتها أن تحرير فلسطين ينبغي أن يبدأ بتحرير العالم العربي أولاً.
.........................

29 يوليو، 2015

باركوا للعم زيزو

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 13 شوال 1436 29 يوليو 2015
باركوا للعم زيزو - فهمي هويدي

هذا خبر مفرح، تمنيت أن يشاركني الجميع الحفاوة به:
 عم زيزو سيحقق أمنيته ويسافر لأداء مناسك العمرة،
 إذا كنت لا تعرف الرجل فأنا لا أعرفه أيضا، إلا أنني سعدت حين قرأت في صحيفة الصباح أن طلاب كلية التجارة بجامعة القاهرة اكتتبوا فيما بينهم وقرروا تحقيق أمنية العم زيزو وتغطية نفقات أدائه للعمرة، تعبيرا عن محبتهم له.

في الخبر تقديم للرجل ــ اسمه الحقيقي عبدالعزيز ــ باعتباره أشهر عامل نظافة في جامعة القاهرة،
وقد بلغ من تعلق الطلاب والطالبات به أنه حين نقل من وظيفته يوما ما بسبب مشكلة كان مظلوما فيها، فإن الطلاب نظموا مظاهرة طالبت بعودته، ولم يهدأ لهم بال حتى أعيد الرجل إلى عمله.

ما همني في القصة ثلاثة أمور
 الأول ان الرجل صار نجما في الجامعة بخلقه وتفانيه في عمله، ورغم تواضع وظيفته فإنه نفذ إلى قلوب الجميع واكتسب احترامهم واعتزازهم به.
 الثاني ان الطلاب والطالبات قدروا جهده وقرروا مكافأته بأموالهم الخاصة بعدما رأوا فيه نموذجا متميزا وجديرا بالتقدير.
الأمر الثالث انهم عبروا عن مشاعرهم بالسعي لتحقيق إحدى أمنياته التي لم يكن بمقدوره أن يحققها بموارده الخاصة دون توصية أو مساعدة من أحد.

لست أشك في ان عم زيزو ليس فلتة ولا هو فريد في بابه. فأمثاله كثيرون في مختلف مواقع العمل وشرائح المجتمع.
ذلك أن كل واحد منا لابد أنه صادف نماذج لأولئك المخلصين البسطاء الذين يتفانون في أعمالهم في صمت، ويتحملون مشقات الحياة وشظفها في صبر،
ولأنهم كذلك فأداؤهم لا يعد خبرا تتسابق وسائل الإعلام لمتابعته،
ذلك أنهم جميعا ينتمون إلى الطبقات الفقيرة التي لا تذكر في العادة إلا على صفحات الحوادث، حين تجرفهم السيول أو يشب حريق في دورهم أو تغرق بهم مركب أو تدهسهم حافلة.
هؤلاء لا يذكرون باعتبارهم مواطنين ولا حتى باعتبارهم رعايا، ولكنهم لا يذكرون إلا بحسبانهم أرقاما وضحايا.

حين تعلقت عيون الناس بالتليفزيون الذي شغل بالهم وهيمن على مداركهم وأحوالهم، فإن الصور خطفت أبصارهم وارتبط الحس بالإبصار.
ولأن هؤلاء بلا صور فوجودهم معدوم على خرائط الإدراك. لذلك فحين تحل الكوارث فإنهم يتواجدون كأرقام وليس كأسماء أو هويات.

ولأن الجميع صاروا مشغولين بالسياسة أو النميمة السياسية فإن بسطاء الناس والخير الوفير الذي فيهم لا يثير الانتباه ولا يلقي ما يستحقه من الوقوف والنظر.

في هذا الصدد. لفت انتباهي في رسالة الدكتوراة التي أعدها الباحث إبراهيم غانم عن الأوقاف والسياسة في مصر أنه رصد مشاركات واسعة النطاق في الوقف من جانب بسطاء الناس ومتوسطي الحال منهم.

 ذلك أن التركيز يوجه في العادة إلى أوقاف الأثرياء على قلتهم. ولكن الباحث وجد في دراسته لحجج الأوقاف خلال قرن من الزمان أن أعدادا كبيرة من أولئك البسطاء كان لها إسهامها في إشاعة التكافل والخير بين الناس.

ورغم تواضع عطائهم من الناحية الاقتصادية، إلا أن رمزيته كانت مهمة.
وظلت أوقافهم تتراوح بين إقامة طلمبة وسبيل للمياه أو مظلة تحمي الواقفين من الحر أو مضيفة أو كتاب لتحفيظ القرآن.. إلخ.

هذه النماذج الفريدة بين بسطاء الناس يظلمها الإعلام وتتعالى عليها النخبة، فهم ليسوا نجوما في المجال العام، ولكن كل واحد منهم مقدر في محيطه على صغره، ثم إنهم أكثر صفاء ونقاء من كثيرين يحتلون الواجهات والصدارات.

ذلك أنهم يؤدون ما علىهم بدوافع ذاتية نابعة من اخلاصهم وقيمهم التي ورثوها.
وليست لهم طموحات ولا حسابات، ولا علاقة لهم بالاصطفافات أو الانقسامات التي تشغل بال النخب وتستهلك طاقاتهم.

لقد كانت إحدى أمنياتي التي عبرت عنها أكثر من مرة أن نكف عن اختيار كبار المسؤولين والحكام والنجوم ضمن شخصيات العام في كل سنة.
إذ رغم أن بين هؤلاء من يستحقون التكريم إلا أنهم في الأضواء طول الوقت، ثم إن هناك مناسبات أخرى كثيرة لتكريمهم، ناهيك عن أن نجوميتهم توفر لهم قدرا معتبرا من الرضى والحضور.

أما هؤلاء البسطاء النبلاء فإنهم يقبعون في الظل دائما رغم أنهم ملح الأرض وقاعدة المجتمع.
ومن حق المتميزين فيهم في مختلف مجالات الإنتاج والخدمات أن ينالوا حظهم من التكريم،
ليس فقط انصافا لهم وتقديرا لعطائهم، ولكن أيضا لكي نرد الاعتبار لقيم الإخلاص والتفاني والانضباط والاتقان وغير ذلك من القيم الايجابية التي أهلمنا رعايتها.

لقد رشحت من قبل السيدة صيصة لتكون شخصية العام في مصر بعد تكريمها في عيد الأم.
وهي السيدة الصعيدية التي كتب علىها أن تواجه العالم وحدها بعدما مات زوجها وهي حامل في شهرها السادس، فتنكرت في ثياب رجل طوال ٤٣ عاما، ونسيت نفسها تماما، وظلت تكافح كي تربي ابنتها وزوجتها، ضاربة بذلك نموذجا نادرا في الشجاعة وإنكار الذات.

لماذا يكون تكريم العم زيزو استثناء وفلتة، ومتي يمكن ان تتخلي النخب عن أنانيتها بحيث تفسح المجال للمغمورين النبلاء من أمثاله أن يفوزوا بلحظة ضوء في حياتهم قبل ان يعودوا إلى مكمنهم في عالم الرعايا والضحايا؟
......................

Delete this element to display blogger navbar