Subscribe:

Ads 468x60px

22 أكتوبر، 2014

المصالحة مع المجتمع أهم

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 29 ذو الحجة 1435 – 23 أكتوبر 2014
المصالحة مع المجتمع أهم - فهمي هويدي

هل تستعيد مصر عافيتها السياسية بمجرد التصالح مع الإخوان وفلول نظام مبارك؟
 السؤال من وحي دعوة بهذا المضمون كانت عنوانا وموضوعا لمقالة نشرتها صحيفة «المصري اليوم» (عدد السبت 18/10).

ورغم أنني لم أجده مقنعا الربط بين الجماعة والفلول، حيث لا وجه للمقارنة بين مشكلة الأولين ووضع الأخيرين،
إلا أنني لا اختلف مع الدعوة لانصاف كل مظلوم،
 كما انني لا اختلف في ان المصالحة الوطنية تظل هدفا نبيلا ينبغي السعي لتحقيقه بكل السبل.

إلا أنني أزعم أن المصالحة المفترضة إذا تمت فلن تعيد إلى مصر عافيتها المنشودة، لأن مشكلة مصر الراهنة أكبر من الإخوان ومن الفلول.

ولا اخفي اقتناعا بأن الفلول المدللين منذ قامت الثورة، ومبارك على رأسهم، لا يمثلون مشكلة حقيقية في الساحة السياسية،
 في حين أن مشكلة الإخوان أكثر جسامة وتعقيدا.

ذلك أن آلافا منهم قتلوا في فض الاعتصامات أو احتجزوا في السجون والمعتقلات
(الكاتب قدر عدد الإخوان والمتعاطفين معهم بنحو عشرة ملايين شخص)،

ولأن حضور الإخوان أكبر في مواقع التواصل الاجتماعي، فقد لاحظت أن كثيرين منهم يشيع بينهم الاعتقاد بأن أزمتهم مع السلطة هي مشكلة مصر الحقيقية، وان حل هذه المشكلة كفيل بعودة الاستقرار والهدوء إلى البلد.

تقديري أن اختزال مشكلة مصر في الإخوان أو غيرهم يعد تبسيطا شديدا وقراءة مبتسرة ومغلوطة للواقع السياسي.

لا أريد أن أقلل من أزمة الإخوان، لكنني أعتبرهم جزءا من المشكلة وليسوا كل مشكلة مصر الراهنة.
 بل يساروني الشك في ان ذلك الاختزال قد يكون مرغوبا ومطلوبا من بعض الجهات، لصرف الانتباه عن الأوجه الأخرى للمشكلة التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بأي فصيل سياسي، الإخوان أو غيرهم.

وسأضرب بعض الأمثلة التي تؤيد ما أدعيه، التي منها ما يلي:

<
فجريدة المصري اليوم التي نشرت المقالة التي كتبها الدكتور سعد الدين إبراهيم أستاذ علم الاجتماع المعروف أبرزت على صفحتها الأولى لنفس العدد عنوانا تحدث عن انتفاضة واسعة لدعم حرية الصحافة في مواجهة محاولات تكميم الأفواه وتقييد حرية الرأي والتعبير.

وكانت تقصد بذلك البلاغ الذي قدمته وزارة الداخلية ضد رئيس تحرير الجريدة وأحد المحررين واتهمتهما فيه بسرقة مستندات إحدى القضايا.

<
قبل ذلك بيومين (في 16/10) أعلن مركز كارتر المعني بمتابعة الانتخابات انه أغلق مكتبه في مصر بعد ثلاث سنوات على افتتاحه، نظرا لغياب الديمقراطية والحريات الأساسية الأمر الذي لا يمكنه من أداء مهمته.

<
في يوم الجمعة 17/10 نشرت جريدة الشروق مقالة للدكتور إبرهيم العيسوي الخبير الاقتصادي البارز تحت عنوان «فاجعة الجامعة» وهو الوصف الذي شخَّص به الأوضاع الراهنة للجامعات التي أطاحت السلطة باستقلالها، ويجري الآن تعديل قانونها.
كما انتقد فيه تشديد القبضة الأمنية على الأساتذة والطلاب، معتبرا أن من شأن ذلك «زيادة الإحساس بالظلم والقهر، وهو ما يفضي إلى المزيد من الغضب والتمرد والجموح».

<
وكانت جريدة الشروق قد نشرت يوم الثلاثاء 14/10 مقالة للدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء السابق انتقد فيها قانون الجمعيات الجديد، الذي اعتبره «نقطة تحول في علاقة الدولة بالمجتمع المدني (الذي) يعلق سيفا على رقاب ليس فقط العاملين في الجمعيات الأهلية وإنما كل من له نشاط عام، بما في ذلك الحزبي والنقابي والأهلي والاجتماعي»، معتبرا أن ذلك وضع لم تعرفه مصر منذ زمن طويل.

هذه النماذج تتابعت خلال الأسبوع الأخير وحده، وهي ترسم بعضا من معالم أزمة الواقع الراهن، التي لا علاقة للإخوان بها، وجميعها متجاوزة لحدود الجماعة، ووثيقة الصلة بقضية الحريات العامة التي تشهد تراجعا لا يلقي ما يستحقه من انتباه واهتمام، بسبب التركيز على ملاحقة الإخوان وتسليط القسط الأكبر من الأضواء على المحاكمات والتحقيقات والاعترافات وتقارير الأجهزة الأمنية حول الإرهاب بمختلف تجلياته.

لم أتحدث عن استقلال القضاء والتعديل الذي أدخل على قانون الإجراءات الجنائية بمد أجل الحبس الاحتياطي لكي يكون بديلا عن الاعتقالات والطوارئ.
ولا عن قانون التظاهر الذي ينتهك الدستور وبسببه تم سجن مئات من شباب الثورة (بعضهم مضرب عن الطعام الآن).

كما لم أتحدث عن التسريبات التي كشفت عن الاتجاه لتعديل الدستور لتوسيع سلطات رئيس الجمهورية.

 ولم أتعرض للرؤى الاقتصادية واخلالها بقضية العدل الاجتماعي.
 ولا عن السياسة الخارجية والتحالفات الجديدة في المنطقة العربية التي انضمت إلىها مصر، وعلاقة تلك التحالفات بمخططات الدولة العبرية...إلخ.

كل هذه العناوين لا شأن لها بموضوع الإخوان،
 الأمر الذي يؤيد الادعاء بأن قضية الحريات والمسار الديمقراطي هي مشكلة مصر الأولى.
 أما موضوع الإخوان فإنه يعد قضية تالية في الترتيب.

وإذ أقر بأنها ستظل وجعا لا بد من علاجه يوما ما، وأعتبر ذلك أمرا مهما لا ينبغي التقليل من شأنه،
 إلا أنني عند رأيي في ان اطلاق الحريات العامة وتصويب المسار الديمقراطي هو العنوان الأهم بكل المعايير.

والأولى مشكلة الجماعة وأنصارها
أما الثانية فهي مشكل الوطن كله، بل العالم العربي بأسره.

وقد تكون الأولى قضية خلافية، في حين أن الثانية تشكل عنوانا لا يختلف علىه ويحظي بتأييد الأغلبية واجماعها.

إن المصالحة مع المجتمع ينبغي أن تقدم على المصالحة مع الجماعة، أي جماعة.

.............

سبوبة النقد البناء

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 28 ذو الحجة 1435 – 22 أكتوبر 2014
سبوبة النقد البناء - فهمي هويدي

حين يعبر المسؤول عن امتعاضه مما يسمعه ثم يستدرك قائلا إنه يرحب بالنقد البناء، فثق أن الرجل لا يريد أن يسمع شيئا سوى المديح.

أقول ذلك بمناسبة ما صرح به أحد الوزراء تعقيبا على واقعة قطع إرسال بث أحد البرامج التليفزيونية لأن مقدمه انتقد أداء بعض وزارات الحكومة في مصر.

وليس عندي كلام عن مسألة قطع الإرسال، التي هي فضيحة بحد ذاتها كشفت عن المدى الذي بلغته الرقابة على البث التليفزيوني، التي باتت تراعي حساسية السلطة بأكثر مما تحترم المشاهد.
حتى انها لم تعد تتردد في إهانة مقدم البرنامج أو النيل من سمعة القناة مجاملة للحكومة واستجابة لتحفظاتها.

 أعني أن دلالة قطع الإرسال واضحة، ولا يحتاج المرء لأن يبذل جهدا في تسليط الضوء على سلبياتها.
 لكن محاولة تغطية التصرف بشعار النقد البناء هي التي تحتاج إلى مراجعة وتحقيق.

إذ لأول وهلة يبدو للمتلقي ان المسؤول يرحب بالنقد ويشجعه، لكنه يشترط فيه فقط ان يكون «بناء».

وهي حجة تعني أنه اعتبر المعلومات التي وردت في البرنامج التليفزيوني من قبيل النقد الهدام الذي ينبغي وضع حد له، لمنعه من أن يحقق غرضه الخبيث وهدفه الشرير.

والحقيقة ان الخبيث في الأمر ليس سوي المنطق الذي بني علىه الوزير حجته،
ذلك انه لم يتعرض لصحة المعلومات أو كذبها، لكنه شكك في نوايا مقدم البرنامج ومعديه،
وبذلك فإنه ترك المعلوم الذي يمكن تقييمه ايجابا أو سلبا، إلى المجهول الذي يتعذر إثباته أو نفيه.

في مجتمعاتنا التي غابت عنها الممارسة الديمقراطية لم تعد الصدور تتسع للقبول بأي نقد، حتى صارت أي ممارسة من ذلك القبيل شذوذا وخروجا على المألوف.

وهو أمر مفهوم لأن السلطة التي لا تتعرض للمراجعة والمساءلة من جانب الرأي العام أو ممثليه،
ومن ثم تتوقع من الآخرين أن يقتصر دورهم على الامتثال المقترن بالتصفيق والتهليل.

وإذا كانت المعارضة لها قيمتها واحترامها في النظم الديمقراطية.
 إلا أنها في المجتمعات غير الديمقراطية محاطة بالشبهات والاتهامات.
 وفي أحسن أحوالها فإنها توصف بأنها «طابور خامس».
(لنا في مصر خبرة خاصة في هذا الصدد ليست بعيدة عن الأذهان).

حتى أزعم بأن المبدأ المتداول في أوساط المتصوفة، الذي يقرر ان من «اعترض انطرد» صار قاعدة في أوساط السلطة الأبوية، التي يريحها كثيرا ان تكون علاقتها بالمجتمع مماثلة لعلاقة المريد بشيخه في عالم التصوف.

يذهب الدكتور جمال حمدان في مؤلفه حول «شخصية مصر» إلى أن نصوص الأخلاق في مصر الفرعونية القديمة تلح إلحاحا شديدا على الصمت باعتباره فضيلة ينبغي أن يتحلي بها المواطن الصالح.

ومن بين ما استشهد به في ذلك نص منسوب إلى الملك خيتي (حوالي سنة 2000 قبل الميلاد) نبه فيه ابنه مريكارع إلى «أن رجلا يتكلم أكثر من اللازم لهو كارثة على المدينة».

وبطبيعة الحال فالكلام المقصود في الوصية الفرعونية هو النقد الذي يتناول الأخطاء، لأنه لو كان مديحا لما اعتبر كارثة، ولصار «نقدا بناء» مرحبا به.

بسبب من ذلك فلعلى لا أبالغ إذا قلت ان مصطلح «النقد البناء» قد يكون مهذبا وإيجابيا في ظاهره باعتبار أنه يحمي الصالح العام، لكنه مخادع في حقيقته.
 لأن النقد إما أن يكون موضوعيا أو غير موضوعي.

والموضوعي هو الذي يتخير المنبر المناسب ويعتمد على معلومات صحيحة معروضة بصورة تخلو من الإثارة والتحريض.
وفي هذه الحالة لا يهم ان تعجب أي مسئول أو لا تعجبه، وليس له أن يعترض على ذكرها، لكن من حقه أن يفندها أو يصوِّبها أو يكذبها،
ولكن ليس من حقه أن ينقب في أعماق مصدرها لكي يفتي بأنه يقصد البناء أو الهدم.

 أما النقد غير الموضوعي فهو الذي ينبني على معلومات غير صحيحة
 أو يتوصل إلى نتائج مقطوعة الصلة بالمعلومات الصحيحة،
 أو أنه ذلك الذي يترك الموضوع ليطعن في الشخص ويجرحه.

مصطلح النقد البناء فضفاض وحمَّال أوجه. وهو يماثل في مراوغته مصطلح «الفن الهادف» الذي يراد به اخضاع الفن لوصاية سلطة من خارجه ــ سياسية في الغالب ــ هي التي تحتكر تحديد الأهداف وتقرر مدي صلاحيتها.
في حين ان الفن فيه الجيد والردئ ومعايير كل منهما متعارف عليها.
وكل فن جيد هو بناء بطبيعته حتى إذا كان ينشد امتاع الناس واضحاكهم.
ومن الممكن ان يصبح الفن رديئا حتى إذا امتلأ بالمواعظ والإرشادات التي تنفع الناس في الدنيا والآخرة.
وما يسري على الفن ينطبق على الأدب والشعر.

ربما يقال ان النقد البناء ينبغي أن يراعي ملاءمات معينة تراعي الظروف التي تمر بها البلاد.
بمعني ان التوقيت له أهميته في توجيهه.
وهذا صحيح بصورة نسبية إلا أنه ينقل الحوار من المستوي المهني إلى المستوي السياسي.
ولا ينبغي له أن يكون ذريعة لإسكات الأصوات الناقدة.
 إلا أن ذلك القيد يجب أن يظل محصورا في الأسرار العسكرية بحيث يصبح الهدف منه حماية مصالح الدولة العلىا وليس التستر على عورات النظام وأخطاء المسئولين.
علما بأن أي تجاوز خارج تلك الدائرة يتعين ان يعالج بواسطة مؤسسات المهنة وليس بأدوات السلطة السياسية.

لقد أشرت توا إلى اختلاف المفاهيم والقيم في المجتمعات الديمقراطية عنها في الدول غير الديمقراطية التي تشيع فيها أساليب وحيل تكميم الأفواه ومحاصرة الإبداع.

لذلك فإن جوهر القضية لا يكمن في كون النقد بناء أم غير بناء،
 ولكنه فيما إذا كنا مع الديمقراطية وحرية التعبير أم ضدهما.

...................

20 أكتوبر، 2014

محاولة لفهم ما يجرى في ليبيا – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 27 ذو الحجة 1435 – 21 أكتوبر 2014
محاولة لفهم ما يجرى في ليبيا – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الحقيقة في ليبيا أصبحت أحد أبرز ضحايا الاستقطاب الحاصل في العالم العربي.

(1)

يوم الخميس الماضي 16/10 قام الشيخ محمد بن زايد ولى عهد أبو ظبي بزيارة للجزائر، التقى فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،
وفى حين أعلنت الرئاسة الجزائرية أن الزيارة تمت في إطار "حرص البلدين الشقيقين على تمتين أواصر الأخوة والتعاون في المجالات كافة"،
 إلا أن التقارير الصحفية تحدثت عن أن أزمة ليبيا كانت موضوع الزيارة. 

فقد ذكرت صحيفة "الحياة" اللندنية في عدد الجمعة أن المحادثات انصبت على التحضيرات الجزائرية لمؤتمر الحوار الليبي، الذى دعت إليه الجزائر وبصدد استضافته.
 وأشارت إلى اهتمام الإمارات بمعرفة التوجه الجزائري بالنسبة للأطراف المدعوة للحوار.

تشكل الزيارة التي استغرقت يوما واحدا أحد مفاتيح فهم الوضع الحاصل في ليبيا،
 ذلك أنها لأول وهلة تثير تساؤلا حول دوافع اهتمام أبو ظبي بمؤتمر للحوار الليبي سيعقد في الجزائر، إلى الحد الذى يدعو ولى العهد لأن يطير إلى الجزائر لتقصى الأمر.

(للعلم: بوتفليقة أمضى سنوات منفاه الست (1981-1987) ضيفا على أبوظبي)

 في الوقت نفسه فإن الزيارة تستدعى إلى الأذهان قصة الطائرات الإماراتية التي قامت بقصف بعض المواقع العسكرية بطرابلس، في أواخر أغسطس/آب من العام الحالي.
وهو الخبر الذى بثته صحيفة نيويورك تايمز ونقلته الوكالة الفرنسية وأكدته مصادر وزارة الدفاع الأميركية في وقت لاحق.

في خلفية الزيارة أيضا معلومات متواترة عن دور محوري تقوم به أبو ظبي في ليبيا، ليس وحدها ولكن ضمن حلف يضم مصر والمملكة العربية السعودية.
 وهو ما يشكل منعطفا يتجاوز السياسة التقليدية للشيخ زايد رحمه الله، الذى كان حريصا على أن تؤدى أبو ظبي دورا وفاقيا بعيدا عن المحاور العربية.

(صحيفة القدس العربي اللندنية انتقدت غارة الطائرات الإماراتية وقالت في تعليق نشرته في 26 أغسطس/آب إن الطائرات الإماراتية قطعت آلاف الأميال لكى تقصف طرابلس.
بينما جزر الإمارات التي تحتلها إيران صارت نسيا منسيا،
وفيما الطائرات الإسرائيلية تقصف غزة وتهدم أبراجها وبناياتها فوق ساكنيها).

تحري خلفيات الزيارة يلفت الانتباه إلى أن الحلف الذى تشارك أبو ظبي في قيادته يساند أحد طرفي الصراع، المتمثل في اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومعسكره الذي يتخذ من طبرق قاعدة له،
 في حين تؤدى الجزائر دور الوسيط، وتدعو إلى حوار تشترك فيه مختلف أطراف الصراع تؤيدها في ذلك تونس من المجموعة العربية،
وهى في ذلك تؤدي دورها باعتبارها مسؤولة عن الملف السياسي في مجموعة الدول الست المجاورة لليبيا. 

في الخلفية أيضا سنجد أنه في الوقت الذى تساند فيه أبو ظبي ومعها السعودية ومصر معسكر اللواء حفتر وجماعته، فإن قطر تساند الطرف الآخر في الصراع.

 والأولون يصطفون وراء مجلس النواب المنتخب والمتمركز في طبرق، في حين أن الأخيرين يدعمون المؤتمر الوطني المنتخب الذى ادعى الآخرون انتهاء ولايته وهو يتمركز في طرابلس.

(ثمة طعن في انتخابات مجلس النواب معروض على المحكمة الدستورية، يفترض أن يتم الفصل فيه قبل نهاية الأسبوع الحالي).

(2)

من يحارب من؟ وماذا يريد كل طرف؟
الإجابة ليست سهلة، لأن الجزء الغاطس من المشهد أكبر بكثير مما ظهر منه،

صحيح أن غارة طائرات الإمارات على طرابلس وزيارة ولى عهد أبو ظبي كانتا بمثابة إعلان سافر عن دور صراعات الإقليم في أحداث ليبيا،
 إلا أننا لا نعرف بالضبط حدود ذلك الدور إلا في حدود ما يتسرب من معلومات بعضها لم يتأكد. 

فحين أعلن اللواء خليفة حفتر الانقلاب على السلطة في 21/5/2014، فإن بيانه جرى بثه من قناة العربية التابعة للسعودية، ولها مقرها المعروف في دبى،
واستخدام منبر سعودي في أمر بهذه الأهمية لم يكن مجرد مصادفة، ولا يمكن أن يعد سبقا إعلاميا،
 لكنه كان رسالة سعودية تسلط الضوء على دور الحلف الذي تشكل لمساندة الرجل،

في الوقت نفسه فإن المعلومات تشير إلى إقامة القيادات المدنية الموالية للواء حفتر في أبو ظبي، في حين أن هناك غرفة عمليات للتنسيق مع الطرف الآخر في الدوحة. 

وفى الوقت الذى تتحدث فيه هذه الأيام أغلب المنابر الإعلامية العربية الناطقة باسم دول حلف موالاة اللواء المتقاعد وجماعته عن نجاحات عسكرية على الأرض ضد "مليشيات الإرهابيين" في بنغازي،
فإن منابر الطرف الآخر ما برحت تتحدث عن تراجع عناصر الثورة المضادة، وتفصل في عمليات الاغتيال التي مارستها مليشيات "الصحوات" التابعة لها، وهي مجموعات قبلية تضم أعدادا من خريجي السجون وأنصار القذافي. 

هذا التعاون واضح في تغطية قناة العربية الموالية لحفتر، ومتابعات قناة الجزيرة المؤيدة للطرف الآخر.
حتى ليبدو وكأن كل قناة تتحدث عن أحداث بلد مختلف، في حين أنها معركة واحدة يقرؤها كل طرف من زاويته، وحسب ما يتمناه.

الملاحظة المهمة في هذا الصدد أنه في حين يبدو الاستقطاب واضحا في خطاب الإعلام العربي، فإن وسائل الإعلام الغربية تحللت من ذلك القيد إلى حد كبير، بحيث أصبحت فرصة فهم مجريات الأحداث في ليبيا أفضل لدى من يتابعها. 

أجد نموذجا لذلك في مقالة تحت عنوان: أخطاء في تحليل الأزمة الليبية، كتبها دبلوماسي فرنسي سابق، اسمه باتريك حايمزاده، ونشرها موقع "أوريان 21" في 6 أغسطس/آب الماضي. 

ومن أهم ما ذكره الرجل أنه انتقد فكرة توصيف الصراع باعتباره بين معسكرين أحدهما إسلامي والآخر ليبرالي،
واعتبر ذلك من قبيل الاجتزاء والتبسيط المغلوط،
وأعرب عن دهشته من أن يضم المعسكر "الليبرالي" ضباطا سابقين في جيش القذافي وسياسيين من رجاله،
وقال إن جميع قادة ذلك المعسكر يشملهم قانون العزل السياسي الذى يمنع من شغلوا مناصب رفيعة في ظل النظام السابق من أداء أي دور في الحياة السياسية الليبية. 

أما الثوار الذين قاتلوا قتالا شرسا من أجل الديمقراطية ونجحوا في إسقاط نظام القذافي، فقد أصبحوا يقدمون في وسائل الإعلام باعتبارهم إسلاميين متشددين وإرهابيين،

وفى رأيه أن تحالف الثوار يضم بعض الإسلاميين حقا، لكنهم لا يشكلون أغلبية،
وضرب لذلك مثلا تحالف مصراتة الذى يخوض المعركة ضد حفتر وجماعته، حيث قال إن نواته الصلبة تتألف من الوجهاء المحللين والتجار. 

ثمة تحليلات أخرى غربية عزت الصراع إلى جذور النزاع بين الشمال والجنوب، وبين سكان تعود أصول أكثريتهم إلى السواحل والمدن، وسكان آخرين يغلب عليهم الطابع البدوي.
ومن الباحثين من ربط بين الصراع الحاصل والخلافات المناطقية والقبلية القديمة.
(ميشال ديلاميار-إيكونومى دي ماتان- 17/10).

(3)

في خلفية الأزمة الليبية تبرز عوامل عدة، منها مثلا أن رأس النظام سقط لكن رجاله ظلوا في مواقعهم،
فرئيس المجلس الانتقالي كان وزير العدل في حكومة القذافي.
ورئيس الحكومة أو المكتب التنفيذي كان أمين مجلس التخطيط في نظامه،
 ونائب رئيس الأركان كان أحد رموز مواجهة احتجاجات الطلاب في سبعينيات القرن الماضي... إلخ.

وكانت النتيجة أن حكومتي الثورة والقذافي ظلتا تعملان جنبا إلى جنب،
 وهذا التشكيل الهجين للسلطة ظل عاجزا عن استيعاب الثوار، خصوصا في المنطقة الشرقية التي ظل ضباط القذافي يتحكمون في إدارة أجهزتها،

وبسبب رفض استيعاب الثوار ظهرت المجموعات القبلية المسلحة، خاصة في منطقة الجبل الغربي التي برزت فيها قبائل الزنتان،
 وهو ما رصدته أجهزة الاستخبارات التي مدت جسور الاتصال بين الزنتان وبعض الدول النشطة في ليبيا وفى المقدمة منها فرنسا والإمارات.

وإذ تنامى حضور القبائل فإنها حاولت أن تعقد مؤتمرا لها في بريطانيا،
ولما لم يرحب بها طرحت الفكرة على إيطاليا التي اعتذرت بدورها، وانتهى الأمر بعقد المؤتمر في دولة الإمارات. 

ومنذ ذلك الحين تحولت قبائل الزنتان إلى رأس حربة في الاشتباك مع الثوار، وبدأت ملامح التجاذب بين أنصار النظام السابق الذين تحالفوا مع الرموز الرافضة للتوجه الإسلامي الذى برز في محيط الثوار،
وبدا التنافس بين المجموعتين حول إدارة شؤون البلاد،
وهو ما كان سياسيا في البداية، إلا أن المجموعة الأولى التي قدمت نفسها بحسبانها تيارا مدنيا ووجها ليبراليا لم تنجح في تحقيق طموحها،
 فدخل اللواء خليفة حفتر وفريقه على الخط بحيث تحول التجاذب السياسي إلى صراع مسلح، استعان فيه حفتر بالقوى الخارجية التي ساندته عسكريا بعدما تحصن في طبرق، التي كان تمويلها بالعتاد ميسورا عن طريق البحر.

(4)

التطورات التي حدثت في مصر كان لها صداها القوى في ليبيا.
فحين قام اللواء حفتر بانقلابه فإنه اتهم مجموعات الثوار الأخرى بأنهم متشددون وإرهابيون، ورفع شعار الدعوة إلى تطهير ليبيا من الإرهابيين،

إلا أن الطرف الآخر المؤيد للثورة كانت له كياناته النشطة على الأرض، وقد اكتسبوا خبرة من مرحلة الصراع ضد نظام القذافي.

بالتالي كان بمقدورهم أن يسيطروا على طرابلس وأن يفشلوا محاولة قوات حفتر التي كانت مدعومة جوا من السيطرة على بنغازي. 

وفى الوقت الراهن فإن قوات الثوار التي حملت اسم "فجر ليبيا" سيطرت -إلى جانب طرابلس- على المنطقتين الوسطى والغربية وأغلب منطقة الجبل الغربي.
ومجلس ثوار بنغازي لا يزال ثابتا في دفاعه عن المدينة.

 أما قوات حفتر فإنها تسيطر على منطقة الجبل الأخضر ابتداء من المرج إلى طبرق، باستثناء مدينة درنة، وهى تحاول جاهدة أن توسع من نطاق سيطرتها على الأرض، قبل صدور قرار المحكمة الدستورية.

وبالنسبة لمنطقة الهلال النفطي غرب أجدابيا وشرق سرت فهي تحت سيطرة قوات محايدة لم تشترك في المعارك.

في الوقت الراهن هناك دعوات لوقف إطلاق النار وإجراء حوار بين المتصارعين، وهو ما يتحرك لأجله المبعوث الدولي الجديد برناردينوليون.

كما أن فكرة حوار الفرقاء الذى دعت إليه الجزائر قد تساعد في التواصل إلى الهدنة المنشودة، إلا أن البعد الإقليمي للمشكلة قد يكون عنصرا مساعدا على إجهاض فكرة التوصل إلى مصالحة،

 ذلك أن رياح الثورة المضادة القوية في الإقليم قد تكون حافزا لإبقاء حسم المواجهة عن طريق السلاح وليس من خلال التفاهم والبحث عن حل وسط ومشترك. 

يعزز هذا الموقف أن الثورة المضادة حققت نجاحات عدة في دول أخرى، بفضل التحالف مع القوى الليبرالية والمدنية، وهو ما يطمئنها ويشجعها على مواصلة التقدم وعدم التوقف أو التراجع تحت أي ظرف، بصرف النظر عن الثمن الباهظ الذى يدفع لقاء ذلك من أرواح الناس وعمران البلاد.

.......................

19 أكتوبر، 2014

ما وراء تنحية الخلافات

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 26 ذو الحجة 1435 – 20 أكتوبر 2014
ما وراء تنحية الخلافات - فهمي هويدي

إذا صح أن الرئيسين المصري والسوداني اتفقا على تطوير العمل المشترك وعلى تنحية الجوانب الخلافية، فستكون هذه «بشرة خير».
وأرجو أن تلاحظ أنني قلت «إذا صح» لأن العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام أخبرنا بذلك، في حين أن الإعلام المصري ظل يتحدث بلغة أخرى طوال الأسابيع الماضية، فيها من الاشتباك والتصعيد والتقاطع بأكثر مما فيها من محاولة التفاهم والتواصل.

وكان ذلك على إثر العودة إلى التجاذب بشأن مثلث حلايب وشلاتين الحدودي، الذي أعلن الرئيس عمر البشير انه جزء من السودان وخاضع لسيادته،
في حين أن مصر أعلنت أن لديها ما يثبت حقها في تلك المنطقة.

وإزاء ذلك قام الإعلام المصري بدوره التقليدي، الذي لم يكتف بتأييد وجهة النظر الرسمية وإنما وجه سهام التنديد والتجريح للطرف الآخر،
الأمر الذي أعطي انطباعا بأن البلدين بصدد الدخول في صراع مسلح تتقطع به الوشائج وتسيل فيه الدماء.

في هذه الأجواء تمت زيارة الرئيس عمر البشير، وجاء العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام رصينا وحذرا. ولافتا الانتباه إلى مباحثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ركزت على العمل المشترك، وقامت بتنحية الجوانب الخلافية،

وقد اعتبرت ذلك بشرة خير لأن هذا النهج يعبر عن درجة من الرشد والوعي جديرة بالحفاوة والتقدير.
 ليس فقط لأنه يعلي من شأن المصالح العليا.
وليس فقط لأن التفاهم حول العمل المشترك من شأنه أن يخفف من وطأة أي توتر، فضلا عن انه يفتح الباب لتذويب الخلافات وحل عقدها،
ولكن أيضا لأن الطرف الآخر في المحادثات لم يكن بلدا عاديا، ولكنه السودان الذي هو بأمر الجغرافيا أقرب الأشقاء إلى مصر،

 الأمر الذي هيأ مناخا مواتيا لنسج تاريخ عريض مشترك بين البلدين والشعبين.
وما يقال عن السودان ينسحب بذات القدر على ليبيا الشقيق الآخر القابع في الغرب.

وقد كنت أحد الذين انحازوا إلى ضرورة الحفاظ على علاقات تفاهم ومودة مع البلدين الجارين في ظل كل الظروف.
ليس فقط وفاء بحق الجغرافيا والتاريخ، ولكن أيضا لأسباب استراتيجية وثيقة الصلة بالمصالح المشتركة وأمن مصر القومي.

ما همني في الموضوع هو تصويب النظر نحو المصالح العليا وتجنب الانزلاق في متاهات المشكلات الفرعية، التي تفسد العلاقات وتستهلك الطاقات وتصرف الانتباه عن المصالح الاستراتيجية.

وذلك لا يعني التنازل عن الحق، وإنما يعني تجنب التنازع والحذر في إدارة الخلاف، مع إعطائه حجمه الطبيعي وتحديد ترتيبه في قائمة أولوية العلاقات.

وذلك كله لا يتحقق إلا في ظل وضوح الرؤية الاستراتيجية، مع تجنب البعد عن الاستسلام للانفعال أو حملات الإثارة الإعلامية.
خصوصا بعدما قويت شوكة الإعلام وأصبح سلاحا في الحروب السياسية الباردة.

المفارقة تبدو مثيرة للانتباه. ذلك ان موضوع النزاع حول حلايب ظل محلا للتجاذب بين القاهرة والخرطوم خلال الأسبوعين الأخيرين بوجه أخص،

ثم حين جاء الرئيس البشير إلى القاهرة أعلن انه تمت تنحية المسائل الخلافية في المباحثات التي جرت بينه وبين الرئيس السيسي.
وهي التي لا تقتصر على موضوع حلايب لأن ثمة لغطا حول موقف السودان من قضية سد النهضة الإثيوبي.
 إضافة إلى أن هناك تفصيلات كثيرة تتعلق بالتزام مصر باتفاقية الحقوق الأربعة مع السودان وبالتجارة البينية والمعابر الحدودية بين البلدين.

ولأن قائمة العناوين طويلة فإنني أرجح ان الملفات المتعلقة بالعلاقات الثنائية التي قد تركت لمباحثات الوزراء المختصين على الجانبين.
 أما اجتماع الرئيسين فإنه عقد لمناقشة القضايا الإقليمية وليس العلاقات الثنائية.

وقد ألمح إلى ذلك المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية الذي نقلت عنه الأهرام أمس قوله ان «الملف الليبي حاز اهتماما خاصا في مباحثات الرئيسين»، مشيرا إلى أهمية دعم المؤسسات الشرعية الليبية وفي مقدمتها الجيش الوطني،

 الأمر الذي يعد خطوة باتجاه الاحتشاد الإقليمي لمساندة أحد طرفي الصراع في ليبيا، في مواجهة التحرك الذي تقوده الجزائر لإقامة حوار بين مختلف الأطراف.

في حدود معلوماتي فإن مباحثات الرئيسين تطرقت أيضا إلى موقف السودان من حالة الاستقطاب الإقليمي التي برزت في العالم العربي بعد عزل الدكتور محمد مرسي، خصوصا ان نظام الرئيس البشير له خلفيته الإسلامية، وظل طوال الفترة الماضية يقف على الحياد خارج دوائر الاستقطاب التي تشكلت.

أيا كانت تساؤلاتنا حول نتائج الزيارة وتقييمنا لنتائجها، فلابد ان نعبر عن ارتياحنا لفكرة تنحية الخلافات جانبا والتعامل في حدود ما هو متفق عليه.

ونرجو أن يصبح ذلك موقفا دائما وليس نهجا استثنائيا فرضته معادلات وحسابات اللحظة التاريخية.

.....................

18 أكتوبر، 2014

هاجس إعمار القطاع وتدمير القضية

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 25 ذو الحجة 1435 – 18 أكتوبر 2014
هاجس إعمار القطاع وتدمير القضية - فهمي هويدي

حفاوتنا بانعقاد مؤتمر إعمار غزة. ينبغي ألا تصرفنا عن مضمون الكلام الذي قيل في المؤتمر. وفهم انه المقابل الذي يتعين دفعه للإعمار المنشود.

 ذلك ان الإشارات التي عرضت لذلك المقابل لا توحي بالاطمئنان، وتفتح الباب للظن بأن رقبة المقاومة هي الثمن المطلوب لإتمام عملية الاعمار.

صحيح ان أحدا لم يقلها صراحة، لكن الإشارات التي وردت في الخطب الرسمية التي ألقيت تستدعي ذلك الاحتمال.

إننا إذا دققنا في الخطب التي قيلت في المؤتمر سنلتمس العذر للذين تحركت لديهم مشاعر القلق وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه في إساءة الظن. بالعبارات والاشارات التي وردت فيها.

لقد تم التركيز في الكلمات التي قيلت على 3 محاور أساسية هي:
التهدئة الدائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين
ــ التعويل على الحل السلمي الذي يقوم على استمرار المفاوضات بين الطرفين
 ــ بسط السيطرة الكاملة للسلطة الوطنية المتمركزة في رام الله على كل نواحي الحياة في قطاع غزة.

 وقبل ان اعرض ما عندي في النقاط الثلاث فإنني استأذن في التذكير بموقف الحكومة الإسرائيلية وتصريحات رئيس وزرائها قبل وبعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في 26 أغسطس الماضي، عقب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

ذلك ان «إسرائيل» كانت قد أعلنت على لسان رئيس وزرائها رفضها للمصالحة بين حركة فتح وحماس، ومقاطعتها لحكومة الوفاق الوطني، وإصرارها على عدم السماح لأعضاء الحكومة لعبور «أراضيها» والتوجه من الضفة إلى القطاع.

 وأثناء العدوان أعلن نتنياهو أكثر من مرة ان بلاده لن توافق على وقف إطلاق النار وإعمار القطاع إلا إذا قبل الفلسطينيون بنزع سلاح المقاومة (الذي أزعج «إسرائيل» كثيرا أثناء القتال الذي استمر 51 يوما).

رغم ان «إسرائيل» كررت هذين الشرطين أكثر من مرة. فإننا فوجئنا بأن موقفها تغير في هدوء ودون إعلان.
فقد سمحت بزيارة رئيس وزراء حكومة الوفاق لغزة،
كما انها لم تصر على مسألة نزع سلاح المقاومة في الاتفاق الذي تم توقيعه بين الطرفين.

وقتذاك قيل إن مسألة الاعتراف بحكومة الوفاق وانهاء مقاطعتها تم بناء على نصيحة أمريكية، في إطار تفاهمات لم يعلن عنها.
كما لم يفسر لنا أحد لماذا سكتت «إسرائيل» على مطلبها نزع سلاح المقاومة،
 لكننا وجدنا رائحة الإجابة عن ذلك التساؤل في الكلمات التي ألقيت في مؤتمر الإعمار الذي شهدته القاهرة في الأسبوع الماضي(انعقد في 12/10).

إذ رغم ان المؤتمر لم يكن ليعقد لولا التغيير المثير في موازين القوى الذي فرضته المقاومة بصمودها وبسالتها وابداعاتها، فإن الكلمات التي قيلت لم تشر إلى هذه الخلفية ولا إلى نضالات الشعب الفلسطيني التي أبقت على حيوية القضية رغم محاولات طمسها وتصفيتها.

في الوقت ذاته جرى الحديث عن ضرورة التهدئة الدائمة (كأنما كل المشاكل العالقة تم حلها)، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين الطرفين،
كما جرى احياء مبادرة السلام العربية التي أطلقت قبل 12 عاما ثم ماتت ودفنت ولم يعد يأتي أحد لها على ذكر، إلا في سياق الحديث عن فشل المراهنة على مبادرات السلام مع «إسرائيل».

وكان مثيرا للانتباه والدهشة ان هذا الكلام اطلق في توقيت أدرك فيه الجميع ان مفاوضات الحل السلمي ظلت طول الوقت بابا للمراوغة والتسويف، وأجلا مجانيا يقدم ل»إسرائيل» لكي تنجز مخططاتها للتهويد وتوسيع الاستيطان.

ليس ذلك فحسب، وانما قيل هذا الكلام في لحظة انتصار المقاومة والثقة المتزايدة في قدرتها على الصمود والتصدي ومواصلة النضال لتحصيل الحق المسلوب.

النقطة الثالثة التي تمثلت في بسط السيطرة الكاملة لسلطة رام الله على القطاع كانت غامضة على نحو فتح الباب للظن بأنها صيغة تستجيب للمطلب الإسرائيلي الداعي إلى نزع سلاح المقاومة،

 وكانت القرينة الدالة على ذلك ما فعلته السلطة المذكورة إبان سيطرتها على الضفة، حين قضت تماما على المقاومة ليس فقط من جانب حماس والجهاد، وإنما أيضا فيما خص كتائب الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح ذاتها.
 ليس ذلك فحسب، وإنما دخلت السلطة في التنسيق الأمني مع الإسرائيلي، الذي لم يكن سوى ملاحقة لعناصر المقاومة وإجهاض عملياتها.

إن الحديث الذي تردد حول قرار واحد وسلاح واحد وسيطرة للسلطة على الانفاق ومنصات الصواريخ ومعامل تصنيع السلاح وصيانته مقبول في ظل دولة حقيقية لها استقلالها وحدودها ووضعها القانوني المعترف به.
وهو ما لابد ان يختلف حين نكون بصدد دولة افتراضية يتحكم الأمن الإسرائيلي في مفاصلها، وبوسع أي ضابط مخابرات ان يحتجز رئيس السلطة أو وزراءه بعد ان يسحب منهم تصاريح الخروج والدخول.

إن التحدي الذي يواجه المقاومة الفلسطينية والسلطة الوطنية يتمثل الآن في كيفية التوصل إلى صيغة تفتح الباب لممارسة سلطة إدارة القطاع والإشراف على إعماره، في الوقت الذي يبقي على المقاومة كقوة دفاعية مستقلة تنسق مع السلطة لكنها لا تذوب فيها.
ولا بأس من تعهدها بوقف عملياتها طالما بقي الإعمار مستمرا، على أن تتحلل من ذلك إذا ما تعرض القطاع للاجتياح أو أي عدوان إسرائيلي.

وصياغة هذا الموقف متروكة لتفاهم الطرفين الفلسطيني الذي ينبغي أن ينطلق من رفض مقايضة الإعمار برقبة المقاومة، التي هى الأمل الوحيد الباقي للدفاع عن القضية ووقف تصفيتها.

....................

Delete this element to display blogger navbar