Subscribe:

Ads 468x60px

19 أكتوبر، 2014

ما وراء تنحية الخلافات

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 26 ذو الحجة 1435 – 20 أكتوبر 2014
ما وراء تنحية الخلافات - فهمي هويدي

إذا صح أن الرئيسين المصري والسوداني اتفقا على تطوير العمل المشترك وعلى تنحية الجوانب الخلافية، فستكون هذه «بشرة خير».
وأرجو أن تلاحظ أنني قلت «إذا صح» لأن العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام أخبرنا بذلك، في حين أن الإعلام المصري ظل يتحدث بلغة أخرى طوال الأسابيع الماضية، فيها من الاشتباك والتصعيد والتقاطع بأكثر مما فيها من محاولة التفاهم والتواصل.

وكان ذلك على إثر العودة إلى التجاذب بشأن مثلث حلايب وشلاتين الحدودي، الذي أعلن الرئيس عمر البشير انه جزء من السودان وخاضع لسيادته،
في حين أن مصر أعلنت أن لديها ما يثبت حقها في تلك المنطقة.

وإزاء ذلك قام الإعلام المصري بدوره التقليدي، الذي لم يكتف بتأييد وجهة النظر الرسمية وإنما وجه سهام التنديد والتجريح للطرف الآخر،
الأمر الذي أعطي انطباعا بأن البلدين بصدد الدخول في صراع مسلح تتقطع به الوشائج وتسيل فيه الدماء.

في هذه الأجواء تمت زيارة الرئيس عمر البشير، وجاء العنوان الرئيسي لجريدة الأهرام رصينا وحذرا. ولافتا الانتباه إلى مباحثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ركزت على العمل المشترك، وقامت بتنحية الجوانب الخلافية،

وقد اعتبرت ذلك بشرة خير لأن هذا النهج يعبر عن درجة من الرشد والوعي جديرة بالحفاوة والتقدير.
 ليس فقط لأنه يعلي من شأن المصالح العليا.
وليس فقط لأن التفاهم حول العمل المشترك من شأنه أن يخفف من وطأة أي توتر، فضلا عن انه يفتح الباب لتذويب الخلافات وحل عقدها،
ولكن أيضا لأن الطرف الآخر في المحادثات لم يكن بلدا عاديا، ولكنه السودان الذي هو بأمر الجغرافيا أقرب الأشقاء إلى مصر،

 الأمر الذي هيأ مناخا مواتيا لنسج تاريخ عريض مشترك بين البلدين والشعبين.
وما يقال عن السودان ينسحب بذات القدر على ليبيا الشقيق الآخر القابع في الغرب.

وقد كنت أحد الذين انحازوا إلى ضرورة الحفاظ على علاقات تفاهم ومودة مع البلدين الجارين في ظل كل الظروف.
ليس فقط وفاء بحق الجغرافيا والتاريخ، ولكن أيضا لأسباب استراتيجية وثيقة الصلة بالمصالح المشتركة وأمن مصر القومي.

ما همني في الموضوع هو تصويب النظر نحو المصالح العليا وتجنب الانزلاق في متاهات المشكلات الفرعية، التي تفسد العلاقات وتستهلك الطاقات وتصرف الانتباه عن المصالح الاستراتيجية.

وذلك لا يعني التنازل عن الحق، وإنما يعني تجنب التنازع والحذر في إدارة الخلاف، مع إعطائه حجمه الطبيعي وتحديد ترتيبه في قائمة أولوية العلاقات.

وذلك كله لا يتحقق إلا في ظل وضوح الرؤية الاستراتيجية، مع تجنب البعد عن الاستسلام للانفعال أو حملات الإثارة الإعلامية.
خصوصا بعدما قويت شوكة الإعلام وأصبح سلاحا في الحروب السياسية الباردة.

المفارقة تبدو مثيرة للانتباه. ذلك ان موضوع النزاع حول حلايب ظل محلا للتجاذب بين القاهرة والخرطوم خلال الأسبوعين الأخيرين بوجه أخص،

ثم حين جاء الرئيس البشير إلى القاهرة أعلن انه تمت تنحية المسائل الخلافية في المباحثات التي جرت بينه وبين الرئيس السيسي.
وهي التي لا تقتصر على موضوع حلايب لأن ثمة لغطا حول موقف السودان من قضية سد النهضة الإثيوبي.
 إضافة إلى أن هناك تفصيلات كثيرة تتعلق بالتزام مصر باتفاقية الحقوق الأربعة مع السودان وبالتجارة البينية والمعابر الحدودية بين البلدين.

ولأن قائمة العناوين طويلة فإنني أرجح ان الملفات المتعلقة بالعلاقات الثنائية التي قد تركت لمباحثات الوزراء المختصين على الجانبين.
 أما اجتماع الرئيسين فإنه عقد لمناقشة القضايا الإقليمية وليس العلاقات الثنائية.

وقد ألمح إلى ذلك المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية الذي نقلت عنه الأهرام أمس قوله ان «الملف الليبي حاز اهتماما خاصا في مباحثات الرئيسين»، مشيرا إلى أهمية دعم المؤسسات الشرعية الليبية وفي مقدمتها الجيش الوطني،

 الأمر الذي يعد خطوة باتجاه الاحتشاد الإقليمي لمساندة أحد طرفي الصراع في ليبيا، في مواجهة التحرك الذي تقوده الجزائر لإقامة حوار بين مختلف الأطراف.

في حدود معلوماتي فإن مباحثات الرئيسين تطرقت أيضا إلى موقف السودان من حالة الاستقطاب الإقليمي التي برزت في العالم العربي بعد عزل الدكتور محمد مرسي، خصوصا ان نظام الرئيس البشير له خلفيته الإسلامية، وظل طوال الفترة الماضية يقف على الحياد خارج دوائر الاستقطاب التي تشكلت.

أيا كانت تساؤلاتنا حول نتائج الزيارة وتقييمنا لنتائجها، فلابد ان نعبر عن ارتياحنا لفكرة تنحية الخلافات جانبا والتعامل في حدود ما هو متفق عليه.

ونرجو أن يصبح ذلك موقفا دائما وليس نهجا استثنائيا فرضته معادلات وحسابات اللحظة التاريخية.

.....................

18 أكتوبر، 2014

هاجس إعمار القطاع وتدمير القضية

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 25 ذو الحجة 1435 – 18 أكتوبر 2014
هاجس إعمار القطاع وتدمير القضية - فهمي هويدي

حفاوتنا بانعقاد مؤتمر إعمار غزة. ينبغي ألا تصرفنا عن مضمون الكلام الذي قيل في المؤتمر. وفهم انه المقابل الذي يتعين دفعه للإعمار المنشود.

 ذلك ان الإشارات التي عرضت لذلك المقابل لا توحي بالاطمئنان، وتفتح الباب للظن بأن رقبة المقاومة هي الثمن المطلوب لإتمام عملية الاعمار.

صحيح ان أحدا لم يقلها صراحة، لكن الإشارات التي وردت في الخطب الرسمية التي ألقيت تستدعي ذلك الاحتمال.

إننا إذا دققنا في الخطب التي قيلت في المؤتمر سنلتمس العذر للذين تحركت لديهم مشاعر القلق وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه في إساءة الظن. بالعبارات والاشارات التي وردت فيها.

لقد تم التركيز في الكلمات التي قيلت على 3 محاور أساسية هي:
التهدئة الدائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين
ــ التعويل على الحل السلمي الذي يقوم على استمرار المفاوضات بين الطرفين
 ــ بسط السيطرة الكاملة للسلطة الوطنية المتمركزة في رام الله على كل نواحي الحياة في قطاع غزة.

 وقبل ان اعرض ما عندي في النقاط الثلاث فإنني استأذن في التذكير بموقف الحكومة الإسرائيلية وتصريحات رئيس وزرائها قبل وبعد الاتفاق على وقف إطلاق النار في 26 أغسطس الماضي، عقب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.

ذلك ان «إسرائيل» كانت قد أعلنت على لسان رئيس وزرائها رفضها للمصالحة بين حركة فتح وحماس، ومقاطعتها لحكومة الوفاق الوطني، وإصرارها على عدم السماح لأعضاء الحكومة لعبور «أراضيها» والتوجه من الضفة إلى القطاع.

 وأثناء العدوان أعلن نتنياهو أكثر من مرة ان بلاده لن توافق على وقف إطلاق النار وإعمار القطاع إلا إذا قبل الفلسطينيون بنزع سلاح المقاومة (الذي أزعج «إسرائيل» كثيرا أثناء القتال الذي استمر 51 يوما).

رغم ان «إسرائيل» كررت هذين الشرطين أكثر من مرة. فإننا فوجئنا بأن موقفها تغير في هدوء ودون إعلان.
فقد سمحت بزيارة رئيس وزراء حكومة الوفاق لغزة،
كما انها لم تصر على مسألة نزع سلاح المقاومة في الاتفاق الذي تم توقيعه بين الطرفين.

وقتذاك قيل إن مسألة الاعتراف بحكومة الوفاق وانهاء مقاطعتها تم بناء على نصيحة أمريكية، في إطار تفاهمات لم يعلن عنها.
كما لم يفسر لنا أحد لماذا سكتت «إسرائيل» على مطلبها نزع سلاح المقاومة،
 لكننا وجدنا رائحة الإجابة عن ذلك التساؤل في الكلمات التي ألقيت في مؤتمر الإعمار الذي شهدته القاهرة في الأسبوع الماضي(انعقد في 12/10).

إذ رغم ان المؤتمر لم يكن ليعقد لولا التغيير المثير في موازين القوى الذي فرضته المقاومة بصمودها وبسالتها وابداعاتها، فإن الكلمات التي قيلت لم تشر إلى هذه الخلفية ولا إلى نضالات الشعب الفلسطيني التي أبقت على حيوية القضية رغم محاولات طمسها وتصفيتها.

في الوقت ذاته جرى الحديث عن ضرورة التهدئة الدائمة (كأنما كل المشاكل العالقة تم حلها)، والالتزام بالاتفاقيات الموقعة بين الطرفين،
كما جرى احياء مبادرة السلام العربية التي أطلقت قبل 12 عاما ثم ماتت ودفنت ولم يعد يأتي أحد لها على ذكر، إلا في سياق الحديث عن فشل المراهنة على مبادرات السلام مع «إسرائيل».

وكان مثيرا للانتباه والدهشة ان هذا الكلام اطلق في توقيت أدرك فيه الجميع ان مفاوضات الحل السلمي ظلت طول الوقت بابا للمراوغة والتسويف، وأجلا مجانيا يقدم ل»إسرائيل» لكي تنجز مخططاتها للتهويد وتوسيع الاستيطان.

ليس ذلك فحسب، وانما قيل هذا الكلام في لحظة انتصار المقاومة والثقة المتزايدة في قدرتها على الصمود والتصدي ومواصلة النضال لتحصيل الحق المسلوب.

النقطة الثالثة التي تمثلت في بسط السيطرة الكاملة لسلطة رام الله على القطاع كانت غامضة على نحو فتح الباب للظن بأنها صيغة تستجيب للمطلب الإسرائيلي الداعي إلى نزع سلاح المقاومة،

 وكانت القرينة الدالة على ذلك ما فعلته السلطة المذكورة إبان سيطرتها على الضفة، حين قضت تماما على المقاومة ليس فقط من جانب حماس والجهاد، وإنما أيضا فيما خص كتائب الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح ذاتها.
 ليس ذلك فحسب، وإنما دخلت السلطة في التنسيق الأمني مع الإسرائيلي، الذي لم يكن سوى ملاحقة لعناصر المقاومة وإجهاض عملياتها.

إن الحديث الذي تردد حول قرار واحد وسلاح واحد وسيطرة للسلطة على الانفاق ومنصات الصواريخ ومعامل تصنيع السلاح وصيانته مقبول في ظل دولة حقيقية لها استقلالها وحدودها ووضعها القانوني المعترف به.
وهو ما لابد ان يختلف حين نكون بصدد دولة افتراضية يتحكم الأمن الإسرائيلي في مفاصلها، وبوسع أي ضابط مخابرات ان يحتجز رئيس السلطة أو وزراءه بعد ان يسحب منهم تصاريح الخروج والدخول.

إن التحدي الذي يواجه المقاومة الفلسطينية والسلطة الوطنية يتمثل الآن في كيفية التوصل إلى صيغة تفتح الباب لممارسة سلطة إدارة القطاع والإشراف على إعماره، في الوقت الذي يبقي على المقاومة كقوة دفاعية مستقلة تنسق مع السلطة لكنها لا تذوب فيها.
ولا بأس من تعهدها بوقف عملياتها طالما بقي الإعمار مستمرا، على أن تتحلل من ذلك إذا ما تعرض القطاع للاجتياح أو أي عدوان إسرائيلي.

وصياغة هذا الموقف متروكة لتفاهم الطرفين الفلسطيني الذي ينبغي أن ينطلق من رفض مقايضة الإعمار برقبة المقاومة، التي هى الأمل الوحيد الباقي للدفاع عن القضية ووقف تصفيتها.

....................

17 أكتوبر، 2014

جنرالات الجامعة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 24 ذو الحجة 1435 – 18 أكتوبر 2014
جنرالات الجامعة - فهمي هويدي

«لا يمكن أن أسمح بالإساءة إلى مصر والجيش والرئيس السيسي في المظاهرات. وأكون خائنا لبلدي لو قبلت بحدوث شيء من ذلك في داخل الجامعة».

هذا الكلام قاله رئيس جامعة المنصورة في مداخلة تليفزيونية له صباح الخميس الماضي (15/10).

وكان ذلك بمناسبة إصداره قرارا بإيقاف أحد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة عن العمل وإحالته إلى التحقيق بدعوى اشتراكه في مظاهرة للطلاب، ترددت فيها بعض الهتافات المناهضة.

حين تحريت الأمر ممن أعرف في الجامعة وبين مندوبي الصحف في المدينة كان رأي الجميع أن أعضاء هيئة التدريس لا يشتركون في مظاهرات الطلاب.

وعلمت أن توجيهات شفهية صدرت بإيقاف الأستاذ وتوزيع جدوله على زملائه دون تحقيق أو مستند رسمي.

وأسر لي بعض من سألت أن مشكلة الشخص المستهدف ـ أستاذ مساعد بكلية العلوم ـ أن له ميولا إخوانية، وأن هناك حملة أمنية في الجامعة لإقصاء تلك العناصر، بأي ذريعة.

ومن بين هؤلاء ثلاثة أساتذة في كلية طب المنصورة. جرى التحقيق معهم في وقت سابق،
 ثم ألقي القبض على اثنين منهم لمثل الأسباب التي رددها رئيس الجامعة، ولم تعرف التهم الموجهة إليهما بعد.

هذا الذي قاله رئيس جامعة المنصورة لم يختلف في مضمونه كثيرا عما قاله رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر في مداخلة تليفزيونية أخرى قرر فيها أن قضية الأمن أهم ما يشغله،
وأنه لأجل ذلك كلف بعض الطلاب من بلدياته بالتجسس على زملائهم المشاغبين ونقل أخبارهم إلىه.

وكان الرجل قد دعا وزير الداخلية في حوار تليفزيوني سابق إلى إطلاق الرصاص الحي على الطلاب المشاغبين، معتبرا أن ذلك واجب شرعي.

وادعى في هذا الصدد أن أولئك الطلاب المشاغبين يطلقون الخرطوش على الشرطة، لكنهم يصيبون زملاءهم.
ولذلك يتعين معاجلتهم بالرصاص درءا لذلك الخطر.

في هذا السياق لا ينسى أن وزير الداخلية قرر الإبقاء على قوات الشرطة داخل حرم جامعة الأزهر. لأول مرة في تاريخها،

ولا ينسى أن الجامعة ألغت رسالة للدكتوراه بعد إجازتها لأن الباحث الذي أعدها وصف ما جرى في 30 يونيو بأنه انقلاب وليس ثورة.
كما أن الجامعة قررت إجراء تحقيق مع المشرف على الرسالة.

الموقف ذاته عبر عنه رئيس جامعة القاهرة، الذي قدم بلاغين ضد أحد أساتذة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، واتهمه في أحدهما بالتحريض ضد نظام الحكم ومؤسسات الدولة.
وهو من سبق أن وصف مظاهرات الطلاب بأنها «خيانة».
وقال في برنامج تليفزيوني إن بعض الطلاب يتلقون أموالا لإثارة الاضطرابات في الجامعة.

وزير التعليم العالي كان قائدا للمسيرة الأمنية.
والحوار الذي نشرته له صحيفة «المصري اليوم» (في 15/10) كان الأمن محوره، والقضاء على الإخوان قضيته الأساسية،
في حين اتهم الطلاب الذين يشاركون في المظاهرات الذين اشتبكوا مع رجال شركة الأمن الخاصة بأنهم مجرمون وإرهابيون.
 متوعدا من يلقي القبض عليه منهم بالحرمان من دخول الامتحانات.

حين يضع المرء هذه التصريحات جنبا إلى جنب، فإنه لن يصدق أنها صادرة عن أساتذة جامعيين، يربون الأجيال الجديدة التي يفترض أن تتولي قيادة المجتمع في المستقبل.

 بل إننا لو استبعدنا الصفات والوظائف التي يشغلونها. سوف يقنعنا الكلام بأنهم مجموعة من القيادات الذين ينتمون إلى الأجهزة الأمنية.

وربما خطر على البال أن شركة الأمن الخاصة التي تم التعاقد معها لم تكلف فقط بتأمين الدخول إلى الجامعات، ولكنها كلفت أيضا بإدارة الجامعة وتسيير شؤونها.

في هذه الأجواء يصبح الحديث عن استقلال الجامعة أمنية بعيدة المنال وترفا لا نملكه.
 ذلك أن مطلبنا في الوقت الراهن أصبح أكثر تواضعا،
 إذ صرنا نتحدث عن مجرد مدنية الجامعة، بمعني الكف عن عسكرتها ورفع أيدي الأجهزة الأمنية عنها.

إن التعامل مع الجامعات باعتبارها مشكلة أمنية ينبغي قمعها. واختزال المشكلة في وجود الإخوان وضرورة اقتلاعهم وتطهير الجامعة منهم، يعد اختزالا خطرا حذر بعض العقلاء من الوقوع فيه.

ومصدر الخطورة يكمن في الإصرار على تجاهل حقيقة أن ثمة مشكلة في علاقة السلطة بالشباب والمجتمع، ناشئة عن تراجع سقف الحريات والإجهاض المستمر لأحلامهم التي تعلقوا بها بعد الثورة.

وهذه المشكلة لا تحلها الأجهزة الأمنية، وإنما تزيدها تعقيدا خصوصا فيما خص الشباب. الذي ينزع إلى التحدي ولا يتردد في الصدام ولا يزيده القمع إلا عنفا وتصعيدا.

لم تعد مشكلة الجامعة مقصورة على تمرد الشباب وعنفه، ولكنها أصبحت تكمن أيضا في النخبة التي أصبحت تديرها بعقلية الأمن وليس بروح المربين وحكمة العلماء الساهرين على صناعة المستقبل.

صحيح أن أساتذة الجامعات أصبحوا مهددين بالفصل والتنكيل، على الأقل فذلك ما أوحت به التعديلات التي أدخلت على قانونهم ورفضها مجلس الدولة،
 إلا أننا ينبغي ألا ننسى أن جنرالات الجامعات لم يكونوا بعيدين عن إقرارها.

وإذا ما أضفنا إلى ما سبق ما اتخذ من إجراءات لتحريض الطلاب على التجسس على زملائهم. فإن ذلك يعني أننا لم نعد قلقين على المستقبل فحسب، وإنما على الحاضر أيضا.

بعد تأجيل الدراسة في العام الجامعي، وبعد الحديث عن إغلاق المدن الجامعية، اقترح نفر من المثقفين إغلاق جامعتي الأزهر والقاهرة لمدة عام،
وسمعت أن فكرة إلغاء العام الجامعي في كل الجامعات مطروحة للبحث في دوائر السلطة.

وإذ أرجو أن يكون ذلك من قبيل الشائعات المكذوبة، إلا أنها إذا صحت فهي تعني أمرين،
أولهما إشهار موت السياسة في مصر.
وثانيهما أننا بصدد الدخول في نفق مظلم لا نعرف كيف الخروج منه.

.......................

16 أكتوبر، 2014

من السعيد إلى «المنسي»

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 22 ذو الحجة 1435 – 16 أكتوبر 2014
من السعيد إلى «المنسي» - فهمي هويدي

اليمن يذوب وينفرط ويتجه إلى تكرار نموذج الصومال، والعالم العربي يقف متفرجا وذاهلا،

أمس الأول استولى الحوثيون على الحديِّدة المطلة على البحر الأحمر، بعدما تمكنوا من صنعاء وقبلها أحكموا سيطرتهم على صعدة بالكامل واستولوا على محافظة عمران. وذهبت طلائعهم إلى تعز.

وفي الوقت الذي يستكملون فيه الاستيلاء على المحافظات الشمالية، فإن عناصر الحراك تمسكت بالدعوة لانفصال الجنوب،
وذكرت الأنباء أنهم أملهوا الشماليين شهرا ونصف الشهر لمغادرة «أراضيهم»، في تمهيد لإزالة آثار عشرين عاما من الوحدة بين صنعاء وعدن.

إلى جانب تمدد الحوثيين فإنهم شرعوا في الاستيلاء على مخازن أسلحة الجيش ونقلها إلى معقلهم في صعدة، ونشروا رجالهم للتحكم في مختلف المواقع الأساسية والمرافق بالعاصمة.

ومن ثم لم يلتزموا باتفاق السلم والمصالحة الذي دعا إلى انسحابهم من صنعاء بعد الاتفاق على تسمية رئيس الحكومة.

 ومن الناحية العملية، فإن ممثلهم في المجلس الاستشاري الذي تشكل إلى جانب رئيس الجمهورية أصبح «المندوب السامي» الذي يملك حق «الفيتو» على قرارات الرئيس ومستشاريه والحكومة، باعتبار انه يمثل مركز القوة الأكبر في الساحة اليمنية، في الوقت الراهن على الأقل،

وفي هذا السياق فإن زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي أصدر قرارا بتعيين محافظ جديد للحديدة بعد استسلامها.

الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، إذ في حين يتمدد الحوثيون ويبسطون سلطانهم على اليمن مؤيدين في ذلك من الرئيس السابق على عبدالله صالح وأعوانه، فإن بوادر مقاومة ذلك التمدد لاحت على الجانب الآخر.

فمن ناحية، أصدرت أحزاب «اللقاء المشترك» بيانا طالبت فيه الحوثيين برفع المظاهر المسلحة وإشاعة أجواء الطمأنينة في أوساط المواطنين ووقف الانتهاكات المختلفة للمنازل والمؤسسات العامة،

ومعروف ان أحزاب «اللقاء» تضم التجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني إلى جانب 4 أحزاب أخرى،

ومن ناحية أخرى، خرجت المظاهرات في شوارع صنعاء مطالبة بإخراج الحوثيين من العاصمة.

وتحدثت بعض التقارير الصحفية عن زحف بعض قبائل «مذحج» باتجاه مأرب والجوف وذمار، وعن اجتماعات عقدها شيوخ وأعيان تلك القبائل للتصدي لتقدم الحوثيين.

وعلى صعيد آخر تناقلت وكالات الأنباء بيانات أصدرها تنظيم القاعدة المتمركز في مناطق الجنوب توعد فيها الحوثيين بمزيد من العمليات الانتحارية، بعدما أدت أحدثها إلى وقوع تفجير كبير في صنعاء راح ضحيته نحو 30 شخصا من رجالهم.

بشكل موازٍ فإن ارتفاع صوت دعاة الانفصال عاليا أيقظ النوازع الجهوية والقبلية الكامنة والراسخة في المجتمع اليمني، وللقبائل حضورها القوي في الشمال.

كما لم يندثر بعد بقايا السلطنات والمشيخات القديمة، التي كانت قائمة في الجنوب حتى ستينيات القرن الماضي.

وبسبب من ذلك فإن توزيع الحصص في التشكيلة الحكومية الجديدة صار أحد التحديات التي لن يتم تجاوزها بسهولة.

الشاهد أن اليمن يقف الآن على أبواب مرحلة من عدم الاستقرار، التي يخشى ان تدخل البلد في دوامة الصراع المسلح، بحيث تتحول صنعاء إلى بغداد أخرى، وكل اليمن إلى صومال آخر.

إذ ليست معلومة الأهداف الحقيقية للحوثيين، خصوصا في ظل تمددهم المستمر ونقلهم أسلحة الجيش إلى معقلهم في الشمال.

 كما ان احتشاد القبائل الرافضة لهيمنة الحوثيين لا تعرف وجهته.
وذلك ينطبق أيضا على موقف أحزاب اللقاء المشترك، ومخططات تنظيم القاعدة
وإذا أضفنا إلى ذلك سيناريو انفصال الجنوب فإننا لن نبالغ كثيرا إذا قلنا ان اليمن ذاهب إلى مجهول.
وأنه إذا كان قد عانى في السابق من وضع سيئ تمثل في ضعف السلطة وانتشار الفساد، فإنه دخل إلى وضع أسوأ.
والأول كان يهدد عافية الجسم اليمني وقدرته على الأداء،
 فإن الثاني يهدد وجود الجسم ذاته ويكاد يدخله في طور التحلل والفوضى.

تقلقنا في المشهد أربعة أمور.

الأول ان تستسلم صنعاء أو تسلم بتلك السهولة المذهلة التي حدثت في 21 سبتمبر.

الثاني ألا ترى في اليمن قيادة يمكن أن ينعقد الاجماع من حولها لإخراج البلد من أزمته،
 الأمر الذي أدى لأن أصبح عبدالملك الحوثي ــ زعيم الجماعة ــ هو الشخصية الأقوى في الساحة.

 الثالث ان يغيب العالم العربي تماما عن المشهد ولا يكاد يرى له أي دور.

 الرابع يكون مساعد الأمين العام للأمم المتحدة السيد جمال بنعمر هو الشخصية الأبرز التي تقوم بالدور السياسي في العلن، في حين يصبح السفير الأمريكي هو اللاعب السياسي الأهم وراء الكواليس.

ثمة علامات استفهام حول دور السعودية في المشهد، وهي الدولة التي يعتبر ما يحدث في اليمن وثيق الصلة بأمنها القومي.
 ولم يعرف في أي وقت ان ابتعدت الرياض عن مجريات الأمور في اليمن، سواء من خلال مواقف معلنة أو غير معلنة.

صحيح أن الصحافة السعودية اهتمت أخيرا بتحركات شيوخ القبائل اليمنية وأبرزت احتشادهم وتحركهم لصد تغول الحوثيين،
 إلا أن ذلك يظل مؤشرا على ان المملكة تتحرك من خلال علاقاتها الوثيقة مع القبائل، لكننا لا نزال نفتقد موقفا رسميا معلنا من الرياض.

قد يقال في هذا الصدد إن السعودية مطمئنة إلى أن الوضع في اليمن لن يخرج عن سيطرتها في كل الأحوال،
ولذلك فإن الرياض تعطي الأولوية في الوقت الراهن لمواجهة تمدد تنظيم «داعش» الذي يقترب من حدودها،

 لكن ذلك يظل مجرد استنتاج، لا يلغي حقيقة ان العالم العربي كله أدار ظهره للحاصل في اليمن، وصار منشغلا بداعش ومعركتها للسيطرة على كوباني.

حتى الجامعة العربية لم ترسل مبعوثا لها لا لإصلاح ذات البين بين الفرقاء ولكن لمجرد فهم الموقف وتقصي حقائقه على الطبيعة.
وهي التي سبق لها أن فتحت مكتبين في الصومال وجنوب السودان للغرض ذاته، لكنها ضنَّت بذلك على اليمن.

في غياب القيادة وفي الفراغ المهيمن، فإن العواصف ستظل تهب على اليمن من كل صوب، مستهدفة حلم البلد الذي كان يوصف بالسعيد يوما ما،
ثم جار علىه الزمن وانفض من حوله الأشقاء حتى أصبح اليمن «المنسي»،
 وصار نموذجا لتدهور الوضع العربي وافتقاده للبوصلة والقيادة.

..................

15 أكتوبر، 2014

مطلوب تحقيق

صحيفة السبيل الاردنيه 21 ذو الحجة 1435 – 15 أكتوبر 2014
مطلوب تحقيق - فهمي هويدي

هذه واحدة من غرائب القصص التي تدور في مصر خارج السياسة وعلى هامشها،
ما لفت انتباهي إليها تعدد الروايات التي تكفلت بسرد وقائعها،
وكان محور تلك الروايات أن ثمة صراعا داخل أروقة الحكومة حول رخصة الهاتف المحمول الرابعة التي يفترض أن تحصل عليها الشركة المصرية للاتصالات.
وهي الشركة الوطنية التي تعمل في ذلك المجال منذ 160 عاما.

ما سمعته من الرواة أن الشركة تقدمت للحصول على تلك الرخصة في عام 2009 ولكنها فشلت في استخراجها طوال السنوات الخمس الماضية.

وما فهمته أن الشركات الخاصة التي تحتكر سوق المحمول في مصر وتسيطر على 90٪ منه، شكلت قوة ضغط شديدة الوطأة، يشك في أنها عطلت إصدار الرخصة الرابعة بنفوذها القوي في مجالي الإدارة الحكومية والإعلام.

وهذه الشركات ثلاث، واحدة إنجليزية، والثانية فرنسية والثالثة إماراتية.
وهي تحقق إيرادا هائلا من وراء احتكارها السوق المصرية، يقدر بنحو 35 مليار جنيه سنويا.

الخيط الذي شدني إلى القصة كان ما سمعته في أحد اللقاءات عن محاولة انقلاب في الشركة المصرية للاتصالات للإطاحة برئيسها،
وان ثمة خلافا حول الرخصة الرابعة بين الشركات الخاصة والشركات الوطنية المصرية من ناحية،
وبين وزير الاتصالات وبين رئيس الشركة الوطنية من جهة ثانية،

 في الوقت ذاته لاحظت أن بعض الصحف الخاصة دأبت على نشر أخبار متفرقة واضح فيها أصابع ونفوذ ما يسمي بـ«لوبي» الشركات الخاصة.

منها ما تعلق بتراجع أسهم الشركة الوطنية في البورصة،
ومنها ما بدا انه إشارة إلى اعتراضات على الشركة الوطنية وإدارتها،
وبعضها هجوم حاد من الشركات الخاصة على دخول الشركة الوطنية سوق المحمول والمشاركة في إيراداته الضخمة.

ما سمعته أثار فضولي وشجعني على تتبع الموضوع الذي وجدته نموذجا يجسد صراعات القوى الحاصل في مصر بين نفوذ القطاع الخاص وسلطات الدولة.
إلا أن أكثر ما أثار دهشتي فيه كان تكبيل الشركة الوطنية بحيث يحظر عليها الدخول كمنافس في سوق المحمول، في الوقت الذي تحتكر فيه الشركات الخاصة الأجنبية تلك السوق، وتحصِّل منها أرباحا هائلة تحول من دخلنا المحلي إلى دخلها الأجنبي في الخارج،
وهو ما اعتبرته موقفا عبثيا لا نظير له في أي مكان بالعالم.

ذلك انه إذا كان مفهوما وغير مستغرب أن تحتكر الشركة الوطنية السوق المحلية وتمنع الشركات الأجنبية من الدخول إلىها ــ رغم ان ذلك لم يعد واردا الان ــ
 إلا أنه من غير المفهوم أو المعول أن تغلق السوق على الشركات الأجنبية ويحظر على الشركة الوطنية مجرد منافسة تلك الشركات فيما تقدمه من خدمات للمواطنين.

حين تتبعت القصة وحاولت التدقيق في معلوماتها توالت المفاجآت على النحو التالي:

<
تأكدت من أن الصراع قائم ومحتدم في الخفاء، وان «لوبي» الشركات الخاصة يضغط بشدة لمنع إطلاق الرخصة الرابعة التي تدخل بها الشركة الوطنية للمنافسة على سوق المحمول.

<
في إطار الاستجابة لتلك الضغوط، فإن وزير الاتصالات قام بتأجيل منح ترخيص خدمات الهاتف المحمول للشركة الوطنية عدة مرات خلال أقل من عامين.

<
تم ممارسة العديد من الضغوط على الشركة الوطنية لتتقدم من جانبها بطلب تأجيل الترخيص،
وذلك على الرغم من علم الكافة بحاجة الشركة إلى ذلك،
 فضلا عن ان ذلك حقها الطبيعي، وحرمانها منه يشكل موقفا استثنائيا، لا سابقة له ولا مثيل له في أي مكان بالعالم.

<
لم تكتف الضغوط التي مورست بعرقلة إصدار الترخيص فقط بحجج وذرائع إدارية عدة، وانما لجأت إلى محاولة ترهيب رئيس الشركة الوطنية الذي تمسك بضرورة إصدار الترخيص ولم يجد مبررا لاستمرار المماطلة في ذلك.

وهذا الترهيب مورس على مستويين،
فمن ناحية جرت محاولة للإطاحة برئيس الشركة عن طريق سحب الثقة منه بوساطة مجلس إدارتها، وهذه لم تنجح.
 ومن ناحية ثانية تم تسريب بعض الشائعات التي حدثت عن اعتراضات أمنية على استمراره في منصبه،
 وتبين أن هذه الشائعات لا تعدو ان تكون مجرد وشايات كيدية لا أساس لها.

<
رائحة الصراع فاحت ووصلت اخباره إلى مستويات أعلى في الدولة، كان قد تم الزج بها في التجاذب الحاصل في إطار ترهيب رئيس الشركة والضغط علىه.

وقد حسم الموقف من هذه الناحية حيث تم تكذيب ما أشيع في هذا الصدد.
وحسمت المستويات الأعلى موقفها بصورة أحبطت محاولة الترهيب التي تمت.

الأمر أكبر من صراع حول الرخصة الرابعة للمحمول. من ناحية لأنه يسلط الضوء على الدور الذي تلعبه مراكز القوى الاقتصادية لتعزيز مكاسبها والدفاع عن نفوذها في ظروف الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر والتي تتوسل فيها تلك المراكز باستضعاف الدولة لتحقيق أهدافها.

الناحية الثانية والأهم ان النموذج الذي نحن بصدده يسلط ضوءا آخر على مفارقة محيرة وخطرة،
إذن حين تبين أن الصراع على السوق حاصل بين الشركات الأجنبية الخاصة وبين الشركات الوطنية المصرية، اكتشفنا ان موقف الوزير في الحكومة المصرية بدا أنه يصيب في صالح الشركات الأجنبية ويتعارض مع مصالح الشركة الوطنية.

إنني أدعو إلى التحقيق في وقائع القضية للتثبت من المعلومات التي أوردتها من مصادر أثق في صدقيتها.

وفي ضوء التحقيق علينا ان نحدد موقفا واضحا ليس فقط من قضية الرخصة الوطنية العالقة، وانما أيضا من كل مسؤول حاول تعطيلها مجاملة للشركات الأجنبية وعلى حساب المصلحة الوطنية. ووزير الاتصالات على رأس هؤلاء.

........................

Delete this element to display blogger navbar