Subscribe:

Ads 468x60px

04 يوليو، 2015

ألغاز سيناء وأحزانها

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 17 رمضان 1436 – 4 يوليو 2015
ألغاز سيناء وأحزانها – فهمي هويدي

ما عادت سيناء أرض الفيروز ومستودع المعادن، لأنها غدت أرض الألغاز والأحزان.
على الأقل فإنها بدت هكذا فى نشرات أخبار الأسبوع الماضى التى كان الإرهاب فى سيناء أبرز عناوينها.
ولم يكن ذلك مفاجئا تماما لأن أحداثها الدامية ما برحت تطل علينا بين الحين والآخر طوال العام الأخير.

ومنذ خضبت دماء الجنود المصريين أرضها أثناء الحروب وبعدها. فإن لون الدم خطف الأبصار وأنسى الجميع حكاية الفيروز. وحين تجدد فيها القتال ضد الجماعات الغامضة التى تشكلت وكبرت فى الظلام حتى توحشت، فإن أخبار سيناء أصبحت زبونا دائما فى صفحات الحوادث دون صفحات الترويح والسياحة. واحتلت صور الإرهابيين وجثثهم مكان صور الأفواج السياحية فى منتجعاتها وشواطئها.

بالنسبة للمواطن العادى ظلت سيناء بعيدة عن العين والقلب طول الوقت.
لذلك أصبحت عَصِيَّة على الفهم ومسكونة بالألغاز والأحاجى قبل الاحتلال الإسرائيلى (عام ١٩٦٧) وبعده، ثم شغل النظام فى مصر بعد اتفاقية السلام باستثمارها سياحيا بأكثر مما عمل على احتضانها وتنميتها اقتصاديا وعمرانيا، حتى ذهب خيرها للسائحين بأكثر مما ذهب لأهلها المقيمين. وانتهى بها المطاف منطقة عسكرية مغلقة صار المجهول فيها أكثر من المعلوم. والمعلوم تلاحقه الشائعات بأكثر مما تسوقه المعلومات.

ما حدث فى شمال سيناء يوم الأربعاء الماضى (الأول من يوليو) يقرب الصورة إلى الأذهان، ذلك أن جيشا صغيرا من أنصار بيت المقدس (جريدة الشروق ذكرت أن عددهم أكثر من ٣٠٠ شخص) حاول أن يقتحم مدينة الشيخ زويد الرئيسية فى محافظة شمال سيناء.

فى وقت مبكر من صباح ذلك اليوم هاجموا ١٥ كمينا ونقطة ارتكاز، بعدما قاموا بتلغيم الطريق إلى المدينة لقطع الطريق على أى إمداد للدفاع عنها (تم تفكيك ٥٥ عبوة ناسفة من محيطها).
واستخدموا فى ذلك عربات دفع رباعى وأسلحة ثقيلة مثل مدافع هاون وقذائف آر بى جى. وبعض تلك الأسلحة لم يظهر من قبل مثل صواريخ «كورتينا» المضادة للطائرات.

وبعدما دخل المهاجمون إلى المدينة وحاولوا استعراض قوتهم فيها، تحركت القوات الجوية وظهرت فى سماء المدينة طائرات إف ١٦ المقاتلة ومروحيات الأباتشى التى حصدت المهاجمين وأفشلت خطتهم.

وتضاربت المعلومات الخاصة بأعداد الضحايا المصريين، الذين ذكر فى البداية أنهم ٦٤ شخصا، ولكن المتحدث العسكرى صوَّب الرقم بحيث أصبح ١٧ فقط، فى حين أن قتلى المجموعة الإرهابية تجاوز عددهم ١٧٠ شخصا.

إذا نحينا جانبا التضارب فى المعلومات المتعلقة بأعداد الضحايا، فالثابت أننا كنا بصدد عملية كبيرة فى تجهيزاتها ومقاصدها.
إذ لفت الانتباه نوعية السلاح الثقيل المستخدم، والمجموعة الكبيرة التى شاركت فيها، وجرأة المخطط الذى استهدف الاستيلاء على المدينة ورفع أعلام داعش عليها، فى محاولة لاستنساخ التجارب المماثلة التى تمت فى سوريا والعراق.
وهو ما دل على سذاجة مستوى التفكير والإدراك لدى المخططين الذين لم يدركوا الفرق بين كفاءة القوات المسلحة المصرية وبين أوضاع الجيوش الممزقة فى البلدين المذكورين.

رغم شح المعلومات التى توافرت عن المعركة، فإن ذلك لم يحجب أسئلة لا تزال مثارة حول هوية المهاجمين الذين لم نعرف ما إذا كانوا جميعا مصريين أم أن بينهم عناصر من جنسيات أخرى. (جريدة الشروق ذكرت أن بينهم فلسطينيين وأفغان وأوروبيين)

 كما أن هناك أسئلة أخرى حول مصادر ومستوى التسليح والخبرة التى توافرت لهم، وحول المخطط الذى وضع للعملية وما اتسم به من أحكام.
وقبل كل ذلك وبعده فإن ثمة أسئلة أخرى حول تزايد خطر تلك المجموعة رغم أن المحاولات الحثيثة لإجهاض عملياتها والقضاء عليها لم تتوقف طوال السنتين الماضيتين، وهو ما يفترض أن يكون قد أدى إلى إضعافها وتوجيه ضربات قوية لقدراتها، ولكن ذلك لم يحدث بل حدث العكس.

ثمة حلقات لا تزال غامضة فى خلفيات المجموعة التى بدأت فى تسعينيات القرن الماضى صدى لفكرة السلفية الجهادية وحملت اسم «التوحيد والجهاد»
وهؤلاء أصبحوا لاحقا أنصار بيت المقدس الذين نشطوا فى مواجهة إسرائيل وقاموا بتفجير أنبوب الغاز الواصل إليها عدة مرات فى عهد مبارك،
ثم التحقوا بتنظيم القاعدة وانتهوا مبايعين لزعيم جماعة داعش وإقامة ما سمى بولاية سيناء.

وهى أطوار لم نعرف ملابساتها، كما تفسر نقل نشاطها من مواجهة إسرائيل من سيناء إلى نقل ذلك النشاط إلى الداخل المصرى (الدلتا بوجه أخص).

كما أن الغموض يكتنف ارتباطات المجموعة التى هى على اشتباك دائم مع حركة حماس فى غزة.
وهو اشتباك استخدم فيه السلاح عام ٢٠٠٩ حين أعلن أقرانهم آنذاك عن إقامة إمارة إسلامية فى القطاع.
 الأمر الذى أدى إلى صدام سقط فيه ٢١ قتيلا.

وقد بثوا شريطا قبل أيام هاجموا فيه حماس بعنف بدعوى أنهم لم يطبقوا شرع الله وطال هجومهم جماعة الإخوان التى تنتمى إليها حماس.
 لذلك كان مستغربا أن تشير بعض الصحف المصرية إلى أن ثمة تنسيقا بين داعش سيناء وبين الإخوان.

من الأسئلة الأخرى التى تثيرها المواجهات المسلحة التى لم تتوقف ضد الجماعات الإرهابية فى سيناء ما يلى:
 إذا كنا لم نحقق ما نصبو إليه من حسم للصراع خلال السنتين الماضيتين، فهل نتوقع نتائج أفضل إذا سرنا على ذات النهج خلال الفترة المقبلة؟
وهل حان الوقت لطرح تفكير آخر فى الموضوع يخاطب المجتمع السيناوى بلغة أخرى ويداوى جراحه بأساليب مغايرة تتجاوز الاشتباك إلى الاحتضان والاحتواء؟
وهل يمكن أن يكون للسياسة دور فى التفكير الجديد؟
........................

02 يوليو، 2015

ضبط النفس

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 15 رمضان 1436 2 يوليو 2015
ضبط النفس - فهمي هويدي

لا أجد نداء واجب الإطلاق في مصر هذه الأيام سوى الدعوة إلى «ضبط النفس».
ذلك أن صدمة اغتيال النائب العام كان لها دويها، الذي ترددت أصداؤه في أركان السلطة وشرائح المجتمع.
 الأمر الذي أحدث درجة مشهودة من الانفعال والغضب.

 لكنني أزعم أن التفرقة في هذا الصدد واجبة بين دور ومسؤولية كل منهما.
ذلك أن انفعالات المجتمع لا ضابط لها ولا سيطرة عليها لأننا نتحدث عن بحر من البشر متعدد الاتجاهات والأمزجة، وربما الهويات أيضا، فضلا عن أنه في الحالة المصرية يفتقد إلى المؤسسات التمثيلية، التي تعبر عنه وترشد انفعالات الناس فيه.
 فلا برلمان ولا مجالس محلية وحال النقابات لا تختلف في الهشاشة والضعف عن حال الأحزاب الذي يبعث على الرثاء.

وحين يكون المجتمع بهذه الدرجة من الضعف، فلك أن تتصور حجم تأثير وسائل الإعلام فيه، خصوصا الإعلام التليفزيوني، الذى أسهمت عوامل عدة ــ يطول شرحها ــ في تحويله إلى بوق للسلطة يؤدي دور التهليل تارة والتهييج والتحريض تارة أخرى
(لا تسأل عن دوره في الترويح والتثقيف والتربية).

الأمر مختلف بالنسبة للسلطة التي هي كيان محدد ومنضبط له أدواته وقوانينه المنظمة.
من ثم فإذا كان انفعال قطاعات المجتمع وشططها مفهوما، فإن الأمر لابد أن يختلف مع السلطة.
ذلك أنها لا تغضب ولا تنتقم أو تثأر، لأن هناك دستورا وقانونا ومصالح عليا تتحراها فيما تتخذه من قرارات.
والانتقام والثأر إذا كان مقبولا في سلوك الأفراد والعائلات والقبائل، إلا أنه يستغرب في القرارات السياسية ومواقف الحكومات.

وللأسف فإن التعجل والانفعال كانا واضحين في القرارات التي اتخذت خلال الأربع والعشرين ساعة التي أعقبت اغتيال النائب العام.

 أتحدث مثلا عن قرار تغيير اسم ميدان رابعة بمدينة نصر ليحمل اسم المستشار هشام بركات
(أغلب الظن لأن الميدان ارتبط باعتصام الإخوان عام ٢٠١٣، رغم أن صلته الحقيقة بالمسجد الذي بني منذ ٥٢ عاما وحمل اسم (رابعة العدوية).

وهو ما ينسحب أيضا على القرارات الأهم التي اتخذت بشأن تعديل بعض القوانين وإجراءات التقاضي.
 وقل مثل ذلك عن مسارعة هيئة الاستعلامات إلى اتهام الإخوان بالمسؤولية عن الحادث بعد ساعات متعددة من وقوعه، وقبل أي تحقيقات أو تحريات من أي نوع.

لست ضد اتخاذ أية إجراءات مما سبق، ولكن تحفظي ينصب على مبدأ الاستعجال والانفعال، قبل إعطاء الوقت للدراسة والتحليل والرجوع إلى أهل الاختصاص خصوصا في مسألة تعديل القوانين، التي قد تستجيب لانفعالات اللحظة أو المرحلة، لكنها تضر بضمانات العدالة والثقة في القضاء.

استطرادا، فليس مفهوما ذلك الإصرار على توجيه الاتهام بناء على التخمين أو استلهاما لاتجاه الريح السياسية. في حين أن في البلد أجهزة معلومات وجهات تحقيق وقضاء يفترض أن تتولى هذا الشق،
إذ هي المنوطة بتحديد الفاعلين في ضوء الأدلة والشهادات، قبل أي جبهة أخرى.
أما أن يتم القفز فوق مراحل التحقيق والقضاء لتصدر الأحكام تبعا للأهواء أو استرشادا بجولات الصراع السياسي فهو أمر لا يسيء إلى العدالة فحسب، ولكنه يسيء إلى السياسة أيضا.

الشاهد أن الانفعال والاستعجال سمتان لموقف السلطة التي ربما أرادت أن تتفاعل بسرعة مع غضب الرأى العام إزاء الجريمة التي وقعت والفشل الأمني الذى كشفت عنه وإزاء تعثر جهود مواجهة الإرهاب خلال السنتين الماضيتين.

 إلا أن موقف بعض المثقفين كان أسوأ وأضل سبيلا، بل بدا مخجلا ومشينا.
 إذ لم يقتصر الأمر على الأصوات التي دعت إلى ضرورة التوسع في القمع وإغراق البلد في بحر من الدماء، وإنما أطلق نفر منهم الدعوة إلى مسمى بتطهير أجهزة الدولة ومؤسساتها من عناصر الإسلام السياسي، في تبشير بحملة ترويع جديدة تعيد إلى الأذهان ذكريات عار المكارثية التي عانت منها الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي
(عشرة آلاف طردوا من وظائفهم بتهمة الشيوعية)،

 الأدهى من ذلك والأمر أن آخرين تحدثوا عن إعلان الطوارئ بما يمكن أن يدخل مصر في نفقها المظلم مرة أخرى (حتى تعود رسميا إلى عصر مبارك).

حين دعوت إلى ضبط النفس فإنني اعتبرت ذلك حدا أدنى لمحاولة عقلنة الموقف. لأن الدعوة لم تكن تضمن حلا لأي مشكلة، وإنما استهدفت عدم الإقدام على أى تصرف يجعل الأمور أسوأ مما هي عليه، وربما إعطاء الفرصة للتهدئة والتفكير في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 لكن حتى ذلك الأمل المتواضع يبدو أن تحقيقه صار متعذرا. لأن الحلول القمعية والأمنية لا تزال سيدة الموقف،
أما العقل السياسي فهو في إجازة طويلة، لأن رد الاعتبار للعقل أولا وللسياسة ثانيا أمر بات صعب المنال في الأجل المنظور على الأقل.
..................

Delete this element to display blogger navbar