Subscribe:

Ads 468x60px

15 يناير، 2017

تقشف هنا وبذخ هناك

صحيفة الشروق الجديد المصريه الاثنين 18 ربيع آخر 1438 – 16 يناير 2017
تقشف هنا وبذخ هناك – فهمي هويدي

لا أحد يصدق أن البلد الذى دعى المواطنون فيه إلى المساهمة فى الأزمة الاقتصادية أن «يصبَّح» الواحد منهم على مصر بجنيه كما نصحوا بأن يكتفوا بوجبتين فقط فى اليوم بدلا من ثلاث،

هذا البلد هو ذاته الذى قرر أن يضخ عشرات إن لم يكن مئات الملايين من الجنيهات فى مشروع إعلامى لا لزوم له.
أتحدث عن مشروع شبكة القنوات الجديدة التى أطلقت يوم السبت الماضى (14/1)،
وسبقتها حملة دعائية هائلة وباذخة، أغرقت أغلب الشوارع الرئيسية فى العاصمة باللافتات وملأت بالإعلانات صفحات وصفحات نشرتها الصحف اليومية.

سبقنى آخرون لم يستطيعوا أن يخفوا دهشتهم إزاء تلك الخطوة المحيرة،
 ليس فقط لأن للدولة منابرها التليفزيونية التى تخضع بالكامل لنفوذها وتوجيهها المباشر،
ولكن أيضا لأن الفضاء المصرى متخم بالقنوات الخاصة الخاضعة بدورها للتوجيه غير المباشر.

إذ لم تجرؤ واحدة على استضافة شخص غير مرضى عنه (إلغاء بث الحوار مع المستشار هشام جنينة نموذج يشهد بذلك) ناهيك عن أن يكون الضيف معارضا أو صاحب صوت آخر.

الخلاصة أنه ليس هناك سبب واحد مقنع يبرر إضافة شبكة جديدة فى وجود شبكات الإعلام الرسمى والخاص (شبه الرسمى).

وليس مفهوما أن تحرص بعض الجهات الخاصة على أن تتولى بنفسها إطلاق القنوات الجديدة، فى حين أن لها اليد الطولى فى توجيه القنوات الحكومية والخاصة، طوال السنوات الأخيرة.

وتلك معلومات لم يعد فيها سر، بعد أن تواتر ذكرها فى كتابات المعلقين الذين تناولوا الموضوع فى الأسبوع الماضى.

أما المدهش والمحير حقا فهو الشائعات المثيرة التى يتداولها الوسط الإعلامى عن ميزانية المشروع الجديد التى من الواضح أنها مفتوحة ومتجاوزة كل الحدود المتعارف عليها، بدءا من الأجور المبالغ فيها للإعلاميين ومقدمى البرامج وانتهاء بالتجهيزات التى أريد لها أن تتفوق على كل ما هو موجود بالسوق.

وتتضاعف الدهشة إذا علمنا أن ذلك يحدث بشكل مواز مع الحديث المستمر عن أهمية التقشف وتقليص الخدمات بدعوى ندرة الموارد.

لقد غابت الشفافية عن المشروع، الأمر الذى فتح الباب لأسئلة كثيرة فى مقدمتها ما يلى:

<
لماذا تلجأ السلطة إلى إطلاق مشروع إعلامى جديد فى حين أن لديها جهازا إعلاميا عمره نحو ستين سنة،
 ولماذا لم يوجه عشر معشار ميزانية المشروع الجديد لإعادة الحياة ورفع كفاءة المشروع القائم، الذى يعد «ماسبيرو» رمزا له.

<
ما هى مصادر تمويل المشروع وكيف تقررت وما هى الجهة التى أجرت دراسة جدواه؟

<
طبقا للدستور، فإن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يفترض أن يشرف على الصحف اليومية ومؤسسات الإعلام المرئى الرسمى. ولكل منهما هيئة وطنية خاصة،
والأمر الذى يثير السؤال التالى:
 هل ستخضع الشبكة الجديدة لإشراف الهيئة الوطنية للإعلام المرئى.
 أم أنها ستظل خارج نطاق إشرافها وستعامل باعتبارها ذات وضع «خاص»؟

<
ما هو ترتيب المشروع ضمن أولويات أجندة العمل الوطنى فى المرحلة الحالية،
وهل إنفاق عشرات الملايين عليه هو أفضل توظيف لهذا المبلغ فى ظل متطلبات الوقت الراهن؟

ثمة شبه كبير بين مشروع القنوات الجديدة وبين فكرة العاصمة الإدارية التى وصفت بأنها «مشروع عملاق»،

والقاسم المشترك بينهما أنهما يستنزفان كما هائلا من الأموال ولا يضيفان جديدا يذكر.

فنحن لسنا بحاجة إلى عاصمة جديدة. بقدر ما إننا لسنا بحاجة إلى قنوات تليفزيونية جديدة.
كما أن لدينا ما هو أهم من العاصمة الجديدة،
وثمة أوجه أخرى للإنفاق فى مجالات الخدمات تتقدم على حكاية القنوات الجديدة،
مع ذلك فربما كانت العاصمة الجديدة أفضل حالا، لأنها تقيم شيئا قد ينفع الناس فى الأرض يوما ما.
أما القنوات الجديدة فإنها تحدث ضجيجا فى الفضاء يسوق لنا وهما ولا نرى له طحنا يذكر.

..............................

انعطافة مهمة

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 16 ربيع آخر 1438 – 14 يناير 2017
انعطافة مهمة - فهمي هويدي

تدعو جميع النقابات والجمعيات والروابط والأحزاب وكل مواطن ومواطنة يبحثون عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية في كل موقع ومصنع، وفى كل حي سكني، إلى الانخراط في الحملة الشعبية للتصدي لسياسات الإفقار
ــ هذا نداء أطلق لأول مرة مساء يوم الجمعة (١٣ يناير الحالي).
وعلى أهميته ورمزيته فقد تجاهلته وسائل الإعلام المعتمدة. ولم يظهر له أثر إلا في مواقع التواصل الاجتماعي.

 
أثار انتباهي في الإعلان أربعة أمور:
الأول أنه تحدث عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولم يشر إلى الحقوق السياسية،
الأمر الذي يعنى أن الذين أصدروا البيان أرادوا أن يتحركوا خارج دائرة الاشتباك السياسي، وأن يعبروا عن تطلعات المجتمع بأسره الذي قضَّت مضاجع أفراده الإجراءات الاقتصادية الأخيرة
وهو ما يتعذر معه اتهامهم باستهداف «إسقاط الدولة» أو تصنيفهم ضمن «أهل الشر».

الأمر الثاني أن الذين أصدروا البيان ووقعوا عليه ٨٨ كيانات عمالية ونقابية هي
الاتحاد المصري للعاملين في البترول ــ الاتحاد الإقليمي لنقابات الدلتا
ــ اتحاد المعلمين المصريين ــ اتحاد منتجي قصب السكر (تحت التأسيس)
ــ رابطة شباب المهندسين (بناء) ــ المؤتمر الدائم لعمال الإسكندرية
ــ النقابة المستقلة للعاملين بالتعليم ــ جبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات
ــ لجنة الحريات بنقابة الصحفيين.
كما تضامنت مع البيان سبعة أحزاب هي: التحالف الشعبي الاشتراكي ــ الاشتراكيون الثوريون ــ مصر القوية ــ الكرامة ــ
وحزبان تحت التأسيس هما: التيار الشعبي والعيش والحرية.

 
الأمر الثالث أن الذين أصدروا البيان وتضامنوا معه بسرعة إضافة إلى الكيانات النقابية، أحزاب وتجمعات سياسية مختلفة المرجعية تراوحت بين الماركسية والإسلامية.

 
الأمر الرابع أن البيان الذي تجاهلته وسائل الإعلام استقبل بترحيب ملحوظ.
ذلك أن الذين وقعوا عليه بأسمائهم إلكترونيا وصل عددهم إلى ٣٥٤ شخصا (حتى صباح أمس) أي في أقل من ٢٤ ساعة،
وفيما أعلن فإن إعلان أسماء المنضمين الجدد للحملة ستعلن كل ٢٤ ساعة.

 
الحملة تبنت ثلاثة مطالب هي:
زيادة الأجور والمعاشات بما يتناسب مع معدلات التضخم الكبيرة لكل العاملين بأجر،
وتعديل هيكل الأجور لتقليل الفجوة بين الحدين الأدنى والأقصى
ــ إقرار سياسات ضريبية عادلة، بحيث تتوزع الأعباء الضريبية بشكل عادل
ــ زيادة الأموال الموجهة لدعم برامج الحماية الاجتماعية (بطاقة التموين والضمان الاجتماعي... إلخ)، بتمويل هذه البرامج من الضرائب المحصلة من الفئات الأغنى.

 
قل ما شئت في جدوى المطالب أو في أوزان الذين أطلقوا النداء، وتضامنوا معه (رغم تحفظي على عنوان الحملة التي رفعت شعار «عاوزين نعيش» لحساسيتي إزاء استخدام المفردات العامية مادام لها ما يقابلها في الفصحى).
إلا أنني أدركت أن في التحرك الذي أطلق النداء جديدا له رمزيته المهمة.
إذ وجدت فيه تعبيرا عن ارتفاع صوت المجتمع واتساع دائرة الغضب فيه،

ذلك أننا إذا تتبعنا مؤشر الاشتباك الداخلي خلال السنوات الثلاث الأخيرة فسنجد أنه بدأ مع الإخوان ومن لف لفهم.
ثم تطور إلى اشتباك مع المنظمات الحقوقية التي هالها حجم الانتهاكات التي حدثت في ثنايا الاشتباك الأول.

اتسعت الدائرة بعد ذلك بحيث شملت اشتباكا مع شباب ثورة يناير الذين انتبهوا إلى تحركات عناصر الثورة المضادة وإجراءات التضييق على الحريات العامة.

في هذه المرحلة بدأ تفكيك ائتلاف ٣٠ يونيو، خصوصا في مرحلة الانتخابات التشريعية حين ظهرت بوادر تهميش البرلمان وتفريغه من مضمونه.

أما الصدمة التي أصابت النخب الوطنية ووسعت من دائرة الغضب وأنهت تماما ائتلاف ٣٠ يونيو فكانت اتفاقية التنازل عن جزيرتي البحر الأحمر.
وحين تتابعت القرارات الاقتصادية المجحفة التي تمثلت في رفع الدعم وتعويم الجنيه فإن دائرة الغضب تضاعفت كثيرا، بحيث انتقل السخط من النخب السياسية إلى القاعدة العريضة للمجتمع.

وهو ما أعتبره انعطافا مهما، يعيد إلى الأذهان روح يناير عام ٢٠١١.
وهو ما يستحق منا انتباها،
كما أنه يبعث إلى السلطة برسالة جديرة بالقراءة الرشيدة.
..............

14 يناير، 2017

خصام وانتقام؟

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 16 ربيع آخر 1438 – 14 يناير 2017
خصام وانتقام؟ - فهمي هويدي

عناوين نشرة أخبار القهر في عام ٢٠١٦ ــ المسكوت عليها ــ تكسر القلب وتعذب الضمير.
إذ نقرأ فيها أن الأستاذ محمد مهدي عاكف أصيب بالسرطان في سجنه وهو مقبل على عامه التسعين،
وأن أستاذ الجيولوجيا بعلوم القاهرة الدكتور رشاد بيومي ممدد على سرير آخر في سجن طرة وهو في عامه الرابع بعد الثمانين.
كما نقرأ أن المستشار محمود الخضيري أجرى عملية قلب مفتوح ويكاد يفقد بصره وهو في عامه السابع بعد السبعين.
وفقدان البصر مع تدهور الحالة الصحية يعاني منه كثيرون في مقدمتهم الصحفي مجدى أحمد حسن وهشام جعفر رئيس مجلس أمناء مؤسسة التنمية الإعلامية،
نقرأ أيضا أن المهندس أحمد ماهر مؤسس جماعة ٦ أبريل بعدما أمضى ثلاث سنوات في السجن، خرج ليقضي الليل كله في أحد أقسام الشرطة لثلاث سنوات أخرى، وهو الآن يبيت في المخفر يوميا تحت السلم من السادسة مساء حتى السادسة صباحا،

وما سبق ليس حصرا بطبيعة الحال، لكنها مجرد نماذج لها نظائرها وربما ما هو أفدح منها في محيط المسجونين السياسيين الذين هم أسوأ حظا من الجنائيين لأسباب مفهومة.

 
حين نطالع تلك الأخبار التي تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي ولا نرى لها أثرا في وسائل الإعلام، فلا تفسير لذلك إلا أننا صرنا نعيش نعاني من أزمتين، أزمة ممارسة القهر وأزمة السكوت عليه.

 
أدري أن بعض ذوى الضمائر الحية ما برحوا يلحون هذه الأيام ــ بعدما هزمنا البرد القارس ــ على إنقاذ بعض من ذكرت من الموت البطيء الذي يتعرضون له.
كما أن أصواتا مماثلة ضاقت بالصمت المخجل الذي ران على فضائنا فسعت إلى تذكيرنا عبر التغريدات بمحنة المظلومين القابعين في الزنازين ممن يتعرضون لمختلف أساليب القهر والإذلال.

 إلا أننا ينبغي أن نعترف بأمرين.
الأول أن أصوات أصحاب الضمائر الحية صاروا نماذج استثنائية تسمع من خارج مؤسسات الدولة ومنابرها المعتمدة،
 الثاني أن الأغلبية استسلمت لخطاب التنكيل والإبادة، فتجمدت قلوبها وتشوهت ضمائرها وتراجع منسوب الإنسانية لديها. ومن ثم قبلت بالتعذيب والتنكيل،
وبعضها ذاب في خطاب الكراهية والانتقام حتى بات يتشوق لرؤية المشانق ويحتفي بإسالة الدماء.

 
لا أدافع عن آراء ولا أفعال، لكنني أدافع عن إنسانية المحتجزين وكراماتهم، حتى إذا أدانهم القضاء،
ذلك أن السجن وتقييد الحرية عقوبة كافية في حالة الإدانة،
ولم يقل أحد ــ كما أنه ليس من الشجاعة أو المروءة ــ أن يقترن السجن بالإذلال أو التنكيل أو تعريض حياتهم للخطر.

وتلك بديهيات غابت عن واقعنا، حتى أصبحت المنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان من أكثر الكيانات القانونية التي تتعرض للملاحقة والاضطهاد،
 وصار السعي لاستصدار قانون لمنع التعذيب أو علاج ضحايا التعذيب بمثابة اتهامات تعرض أصحابها للمساءلة والقمع والمصادرة.

 
سيكون محزنا ومفجعا أن يبرر كائنا من كان التعذيب والتنكيل بأنه واقع على أناس ارتكبوا جرائم أو اتهموا بالإرهاب،
وردي على ذلك أن كل من أدين في جريمة بعد محاكمة عادلة يحاسب بالقانون وليس بالتنكيل والتعذيب،
 ليس فقط احتراما لإنسانيته ولكن أيضا لأننا تعلمنا أن العنف يولد العنف وأن الذين يمارسون القمع يزرعون بذور الكراهية والثأر، ثم يحصدون المُرّ في نهاية المطاف.

 
لا يقولن أحد إن التنكيل بهؤلاء أخذا بثأر رجال الجيش والشرطة الذين قتلوا في سيناء وغيرها،
 وردي أن من يثبت بحقه القتل ينبغي أن يحاسب على فعلته ولا جدال في ذلك.

ثم إن الدولة المتحضرة لا تثأر ولا ترتهن عشرات الألوف لعدة سنوات حتى تنتهي من التمييز بين الظالمين والمظلومين،
ولكنها تحاسب بالقانون وتحتكم إليه.

وفي كل الأحوال فإن الخصام لا يبرر التنكيل والانتقام.
 
لقد ازداد سعر كل شيء في مصر، وصار غاية مرادنا أن يضم سعر «المواطن» إلى القائمة يوما ما.

..................

12 يناير، 2017

لُغز سيناء

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 14 ربيع آخر 1438 – 12 ديسمبر 2017
لُغز سيناء - فهمي هويدي

منذ منع دخول الصحفيين إلى سيناء، وطلب منا أن نتابع ما يجري من خلال البيانات الرسمية وتصريحات المتحدث العسكري، فإننا لم نفهم شيئا مما يجري فيها.

وكانت النتيجة أنها صارت لغزا دمويا عصيا على الحل. ذلك أنه لم يعد يمر أسبوع دون أن نطالع في البلاغات أخبار الاشتباكات والتفجيرات التي يسقط فيها الضحايا من الجنود والأهالي والإرهابيين.

وفي غيبة المعلومات فقد ترجمت الأحداث إلى أرقام للضحايا تطل علينا بين الحين والآخر.
وإزاء استمرار العمليات طوال السنوات الثلاث الأخيرة بوجه أخص، فإن ذلك أعطى انطباعا بأننا إزاء حرب لا نهاية قريبة لها،
حتى قرأت في الآونة الأخيرة دعاء ورجاء تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي لسيناوي قال فيه:
 اللهم إننا استودعناك سيناء وأهلها، فاحفظها واحفظ أهلها بما تحفظ به عبادك الصالحين.
اللهم احقن الدماء واجعل الغمة تزول عن بلادنا.

وهو ما ذكرني بمسيرات السوريين الذين شاع بينهم القنوط حين ضجوا بحجم القصف والبراميل المتفجرة، فخرجوا إلى الشوارع منادين:
ما إلنا غيرك يا الله.

 
يوم الاثنين الماضي هوجمت ثلاث مكامن للشرطة في مدينة العريش الأمر الذي أدى إلى استشهاد ٨ مجندين وقتل عشرة من الإرهابيين.

وفي مساء اليوم ذاته أثير الموضوع في البرنامج التليفزيوني الذي يقدمه الإعلامي عمرو أديب، فتدخل الرئيس السيسي معلقا،

ومما قاله إن المعركة ضد الإرهاب مستمرة وإن الجيش حشد في سيناء ٤١ كتيبة عدد أفرادها يصل إلى ٢٥ ألف مقاتل،
وذلك غير الشرطة بطبيعة الحال.
وكان الرئيس قد ذكر في يوم ٣ يونيو ٢٠١٦، في مناسبة مرور سنتين على توليه السلطة أن نشاط الإرهابيين يتركز في منطقة محدودة في الشمال، تقع بين حدودنا مع غزة إلى جانب العريش، وهي تمثل ما بين ٢ و٣٪ فقط من سيناء.

 
استنتجت أن ذلك العدد الكبير من مقاتلي القوات المسلحة لا يؤِّمن فقط ذلك الشريط الواقع في الشمال الذي ينشط فيه الإرهابيون، ولكنه يؤِّمن شبه جزيرة سيناء كلها.

مع ذلك ظل السؤال قائما: طالما أن مسرح العمليات محدود فلماذا لم تنجح عملية تطهيره من الإرهابيين طوال السنوات الثلاث الماضية؟
اتكأت على ما ذكره الرئيس وحاولت أن أستكمل الصورة من بعض الخبراء المقيمين في العريش، الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، (فسر ذلك أحدهم بقوله إنه في دائرة الخطر)،

خلاصة ما قالوه كالتالي:

 <
إن الصورة ملتبسة في وسائل الإعلام المصرية، لأن مسرح العمليات اختلف في الوقت الراهن حيث تراجع نشاط الإرهابيين بعد تأمين القوات المسلحة للشريط الممتد بين مدينتى رفح والشيخ زويد،

لذلك فإنهم اتجهوا إلى العريش التي اعتبروها حلقة أضعف.
إذ تؤمنها الشرطة وليس القوات المسلحة، التي تتمتع بقدرة قتالية عالية.

ولأنهم لم يجدوا حاضنة شعبية لهم فيما بين رفح والشيخ زويد، فقد اعتبروا في الكثافة السكانية بالعريش بيئة يمكن أن تساعدهم على التخفي وتوفر لهم الغطاء الذي ينشدونه.

لذلك فإنهم توقعوا أن تظل العريش مستهدفة طوال الأشهر المقبلة.
عبر عن ذلك أحدهم حين كتب تغريدة قال فيها إن ٢٠١٧ ستكون سنة صعبة على العريش.

 <
على الجملة يمكن القول بأن العمليات الإرهابية تراجعت بعد تطهير المستطيل الذي يضم رفح والشيخ زويد.
 أسهم في ذلك تشدد حماس في عملية التأمين،
الأمر الذي أضعف كثيرا حركة الإرهابيين ما بين غزة وسيناء.
وقد ردت مجموعاتهم التي تعمل تحت اسم «ولاية سيناء» على إجراءات حماس المشددة بمحاولة قطع الطريق على حركة التجارة بين سيناء والقطاع التي تتم عبر الأنفاق المؤمنة.

 <
صار معلوما أن حملة مكافحة الإرهاب نجحت في القضاء على مسؤول «ولاية سيناء» الذي عرف باسم أبو دعاء الأنصاري، الذي كان من أبناء سيناء.
وهو ما أكدته صحيفة «النبأ» التي يصدرها تنظيم داعش،

وأعلنت الصحيفة لأول مرة اسم القائد الجديد الذي قيل أن اسمه أبو هاجر الهاشمي ويرجح أن يكون من غزة
(التي تعرف بأنها غزة هاشم نسبة إلى هاشم بن عبدمناف جد النبي محمد الذي مات فيها).

وقد اعتبر الرجل وجماعته أن حماس مرتدة والإخوان كفار، وأطلق تهديداته باستهداف الجميع.

وهو ما يعني أن ثمة معركة قادمة بين عناصر «ولاية سيناء» وبين كتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس.

 
لا أعرف ما إذا كان ما سبق قد حل اللغز أم لا،
لكني أتمنى أن يكون قد ألقى ضوءا على بعض جوانبه.

................

11 يناير، 2017

لا كرامة لمخالف

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 13 ربيع آخر 1438 11يناير 2017
لا كرامة لمخالف - فهمي هويدي

غاية ما يمكن أن يقال عن الدكتور محمد البرادعي أنه اختلف فاستقال ثم غادر واعتكف.
وظل نشاطه «السياسي» طوال السنوات الثلاث الماضية مقصورا على التغريدات التي كان يدونها بين الحين والآخر،
 ثم قرر أخيرا أن يتكلم مستعرضا مسيرته وعارضا تجربته.

في تغريداته، فإن الرجل كان ناقدا ومتحفظا حقا، لكنه ظل مهذبا وعف اللسان،
إذ احترم نفسه وغيره فلم يتعرض لأشخاص ولم يحرج أحدا ولم يوجه اتهاما.
في حين ظل ملتزما بدق الأجراس والتحذير من مواضع الذلل.
ولأن تلك كانت حدوده طول الوقت، فلا أحد يستطيع أن يدعي أنه انخرط في أي تجمع معارض رغم أن الفضاء الخارجي يتحمل ذلك ويحميه،
ولا يجرؤ أحد أن يزعم أنه صار خائنا أو عميلا أو إرهابيا.

 
لأن الأمر كذلك، فإن المرء لابد أن يستغرب الحملة الإعلامية الشرسة التي شنت ضده في مصر حين تكلم أخيرا، (يوم السبت الماضي ٧/١) في أولى حلقات الحوار الذي أجرته معه قناة «العربي» اللندنية،

ولم يكن هناك من تفسير لتلك الحملة إلا أن جهة ما أفزعها ظهوره في السنة السابقة على الانتخابات الرئاسية، فقررت اغتياله أدبيا وسياسيا.

وبدا الفزع مثيرا للدهشة كما أن التعبير عنه بدا أكثر إدهاشا.
إذ كان مستغربا أن تهتز أركان الدولة لمجرد ظهور الرجل على شاشة التليفزيون رغم أن سقف كلامه معروف وحدوده متواضعة، فضلا عن أن لغته في التعبير تتسم بالرصانة والمسؤولية،
وهو ما يفترض أن يقابل بهدوء وثقة من جانب أجهزة الدولة على الأقل.

 
تضاعفت الدهشة حين لاحظنا أن السلطة لم تكن مضطرة للرد عليه، خصوصا في الحلقات التي يتحدث فيها عن سيرته الشخصية.
ثم إنها حين تسرعت في الرد من خلال أبواقها التليفزيونية فإنها لم تسع إلى هدم أفكاره أو نقضها، وإنما استهدفت هدم الشخص وتجريحه، من خلال «الردح» الذي لا يليق لا بدولة محترمة ولا بإعلام محترم،
حتى إن بعض المحسوبين على السلطة اتهموه بالخيانة، وطالبوا بإسقاط الجنسية عنه، وسحب قلادة النيل التي منحت له بعد فوزه بجائزة «نوبل».

 
لازمتنا الدهشة المضاعفة حين وجدنا أن وسيلة التصدي تمثلت في بث تسجيلات له، تضمنت خليطا من الثرثرة السياسية، والغمز من جانبه في الأشخاص المحيطين به.
وهو ما اعتبر محاولة لفضحه والوقيعة بينه وبين أولئك الأشخاص،

وحكاية التسجيلات هذه تحتمل كلاما كثيرا يسيء إلى السلطة بأكثر مما يسيء إلى الدكتور البرادعي.
وإذا لاحظت أن أحدها كان لحوار مع رئيس الأركان بالقوات المسلحة، فستدرك أن العملية كانت تصرفا غير مشروع، أريد به تحقيق هدف غير مشروع.
ناهيك عن أن العملية جاءت إعلانا عن أن كل مشتغل بالشأن العام مهما كان مقامه، يجري التسجيل له لاستخدام الأشرطة ضده عند اللزوم.
وهذا التسجيل هو سلاح لفضح الشخص، واستباحة خصوصياته وعرضه إذا رفع عنه الرضا لأي سبب.

 
لا أبالغ إذا قلت إن الحلقة الأولى كانت لصالح الدكتور البرادعي، وليست ضده.
 ذلك أن الرد التليفزيوني المصري أعاده إلى الواجهة مرة أخرى، بعدما كاد الناس ينسونه،

ثم إنها كشفت هشاشة وضعف الأجهزة المصرية التي ارتعشت لمجرد ظهور الرجل مجددا على شاشة التليفزيون.
ولا سبيل لإنكار دور تلك الأجهزة فيما جرى. فوحدها هي التي تستطيع تسجيل الاتصالات الهاتفية،
ولا أحد غيرها سلم الأشرطة وقرر عرضها على الرأي العام.
إلى جانب ذلك فإن البث وجه في مستهل السنة الجديدة رسالة تهديد للناقدين والمعارضين في الداخل،
خلاصتها أنه لا كرامة لأي مختلف ولا حدود لتصفية الحساب معه حيث يمثل الاغتيال المعنوي والسياسي حدها الأدنى.
 وأرجوك لا تسألني عن الحد الأقصى.
................


Delete this element to display blogger navbar