Subscribe:

Ads 468x60px

20 فبراير، 2017

حين أصبح الإلحاق مطلباً

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 23 جمادى أول 1438 – 20 فبراير 2017
حين أصبح الإلحاق مطلباً - فهمي هويدي

التراشق الحاصل الآن في مصر حول انتخاب نقيب الصحفيين يحذر من خطرين،
أولهما تدهور أوضاع المهنة،
وثانيهما سيطرة فصيل واحد على مقدرات النقابة.

وتلك وجهة نظر طرف واحد يريد الإطاحة بالنقيب الحالي (المرشح) وبمجلس الإدارة المتهم باختطاف النقابة.
ولأنني أحد المتابعين للمعركة (من منازلهم)، فإنني أزعم أن المشكلة الحقيقية ليست في داخل النقابة ولكنها في خارجها،
بمعنى أنها سياسية بالدرجة الأولى وليست مهنية.

ولست أدعي أن النقابة ليست بلا مشاكل، ولكن لها مشاكلها التقليدية العديدة غير المثارة في الصراع الحالي. (الأجور والخدمات وغير ذلك)

كما أنني أوافق على أن الصحافة المكتوبة في أزمة، ليس في مصر وحدها ولكنها في أغلب بلاد العالم.
ولأن الأزمة وثيقة الصلة بمنافسة التليفزيون وبالثورة التي حدثت في عالم الاتصال، وأدت إلى تراجع دور الإعلام الورقي والمكتوب،
 فإن علاجها يفوق بكثير قدرة وكفاءة أي نقيب أو مجلس إدارة في أي مكان بالكرة الأرضية،

مع ذلك فثمة عوامل تساعد على صمود الإعلام المكتوب رغم كل الظروف المعاكسة والضاغطة،
 وعلى رأس تلك العوامل استقلال الصحف ونزاهة وشجاعة مواقفها،

لذلك أزعم أن الصحافة القوية لم تعد تستمد نفوذها من انفراداتها الإخبارية، التي باتت نادرة وحقق البث التليفزيوني سبقا فيها،
 وإنما باتت تعتمد في قدرتها على ما يتسم به موقفها من نزاهة وشجاعة،
الأمر الذي جعل صحافة الرأي في موقع متقدم على صحافة الخبر، في الوقت الراهن على الأقل.

 
هذه الخلفية تسلط بعض الضوء على مشكلة الصحافة في مصر، ومشكلة النقابة بالتالي.
ذلك أن أهل المهنة يعرفون جيدا أن انتعاشها أو انتكاسها مرهون بمساحة الحرية المتاحة، فهي تنتعش مع اتساع تلك المساحة وتتراجع وتنتكس تبعا لمقدار انحسارها.

 
للدقة فتلك ليست مشكلة نقابة الصحفيين وحدها، ولكنها مشكلة مزمنة عانت فيها كل منابر التعبير الحر عن الرأي العام، بما في ذلك النقابات المهنية والعمالية والأحزاب والمنظمات الأهلية وغيرها،

 إذ في ظل أزمة الديمقراطية في مصر المستمرة منذ عقود، فإن السلطة ظلت ساعية طول الوقت للسيطرة على كل تلك المنابر وإلحاقها بسياساتها.
ولا مفر من الاعتراف بأنها حققت نجاحات مشهودة في ذلك اختلفت نسبتها باختلاف مساحة الحرية المتاحة في كل مرحلة.

ومنذ تأميم السياسة وإلغاء الأحزاب في مصر، فإن النقابات المهنية واجهت ضغوطا عديدة لإخضاعها،
الأمر الذي عرض بعضها للتجميد ووضع البعض الآخر تحت الحراسة (نقابة المهندسين مثلا)،
لكن الأجهزة الأمنية أولت نقابتي المحامين والصحفيين اهتماما خاصا بحكم اتصالها الوثيق بالمجال العام والرأي العام.
حيث لم يكن التسامح مع انتخاباتهما واردا في أي مرحلة.

وبعدما تحقق المراد وتم الإلحاق في نقابة المحامين، فإن ترويض نقابة الصحفيين صار مطلوبا بإلحاح، خصوصا أن النظام الراهن يولي الإعلام أهمية قصوى.
وإذ ضمن النجاح المنشود في مجال الإعلام المرئي، فقد حل الدور على الإعلام المقروء،
 الأمر الذي عرض نقابة الصحفيين لمسلسل من الأزمات المفتعلة طوال العام الأخير،
وأدى إلى صدور حكم بسجن نقيب الصحفيين واثنين من مساعديه لأول مرة في التاريخ النقابي في قضية وهمية ملفقة.

 
مشكلة النقابة الحالية أنها أرادت أن تكون مستقلة، ورفضت الإلحاق والاستتباع، لم تكن معارضة، وإنما حرصت على أن تظل متفهمة ومتعاونة،
وبسبب استقلالها فإنها احتملت أصواتا معارضة بقدر ما اتسعت لأصوات المؤيدين.

 لكن ضيق الصدور رفض وجود نقابة مستقلة حتى إذا كانت مع النظام وليست ضده.
وهي ذات الأزمة التي واجهت حزب «المصريين الأحرار» وأدت إلى الانقلاب الذي وقع فيه.

وذلك جوهر المسعي الذي تعرضت له نقابة الصحفيين طوال العام الفائت، واشتركت فيه صحف يفترض أنها محترمة وصحفيون كبار.
وكانت الذريعة التي استخدمت لطعن مجلس النقابة الحالي أن أعضاءه يمثلون اتجاها واحدا،

ورغم أني لست متأكدا من ذلك، إلا أن الأمر لا يخلو من غرابة، لأن الأهم من ذلك أنهم اختيروا من خلال انتخابات حرة ونزيهة،
وتلك آفة منتشرة في جماعاتنا، إذا فاز من نحب فهو اكتساح، ولو فاز من نكره فهو اختطاف،

 في حين أن احترام الممارسة الديمقراطية يقاس بمقدار احتمالك وتعايشك مع من تكره وليس من تحب.

...............

18 فبراير، 2017

أين العقلاء والراشدون؟

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 22 جمادى أول 1438 – 18 فبراير 2017
أين العقلاء والراشدون؟ - فهمي هويدي

أغلب الظن أنها مصادفة، أن يزور الرئيس الإيرانى حسن روحانى سلطنة عمان والكويت، يوم الأربعاء 15/2،
وهو نفس اليوم الذى أجرى فيه رئيس الوزراء الإسرائيلى مباحثاته فى واشنطن مع الرئيس الأمريكى الجديد.

ورغم أن ذلك لم يكن مرتبا، إلا أن ثمة علاقة بين الزيارتين.
فإيران تستشعر أنها مستهدفة من جانب الرئيس الجديد الذى أصبح يتصيد لها ويريد أن يوقع بها فى أى فرصة.
ونتنياهو لم يتخل عن سعيه إجهاض المشروع النووى الإيرانى.

وفى الوقت ذاته فإن طهران خسرت العلاقة مع دول الخليج، فضلا عن أغلب الدول العربية الأخرى،
وبالنتيجة فإن الخليج وجد نفسه مصطفا إلى جانب إسرائيل فى مواجهة إيران،
 واستغلت تل أبيب ذلك الاصطفاف لتدعى أنها أصبحت تقف إلى جانب دول الاعتدال السنى فى مواجهة المد الشيعى.
وأن العالم العربى أدرك أن الخطر الذى يهدده مصدره إيران وليس إسرائيل.
وهو خطاب انطلى على قطاعات لا يستهان بها فى المشرق العربى، فضلا عن أنه يطرب كثيرا الرئيس الأمريكى الجديد وإدارته.

إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلى قد تطلع إلى لقاء الرئيس الأمريكى كى يختبر وعوده إحداث «نقلة تاريخية» فى مسيرة إسرئيل
 فلست أشك فى أن الرئيس روحانى كان متطلعا بدوره لزيارة الخليج لوصل ما انقطع مع طهران ومحاولة ترميم الجسور مع دول الخليج جراء ما وصفه بـ«فوبيا إيران والشيعة».

وإذا كانت عوامل نجاح زيارة نتنياهو مرجحة، لأن الأرض ممهدة له وأبواب واشنطن مفتوحة أمامه على مصاريعها.
 إلا أننى أزعم أن طريق طهران إلى الخليج حافل بالأشواك والألغام،
 لذلك فإننى أشك كثيرا فى أن زيارة الرئيس روحانى يمكن أن تحقق مرادها قبل إزالة تلك الألغام، أو البدء فيها على الأقل.

أدرى أن ذلك ملف كبير حافل بالفصول والتحفظات، وأن الكلام فيه يطول،
 لكن هناك نقاطا أساسية يتعين وضعها فى الاعتبار عند التفكير فى الموضوع هى:

<
أكرر الدعوة إلى ضرورة التفرقة بين السياسة الإيرانية والمذهب الشيعى،
إذ لنا أن نختلف مع الأولى ونخاصمها، إلا أننا نرتكب خطأ جسيما إذا استسلمنا لدعوات الغلاة الذين يريدون تحويلها إلى حرب مقدسة ضد الشيعة، تعيدنا إلى الصراعات التاريخية بين الصفويين والعثمانيين.

<
إن إسرائيل تظل العدو التاريخى والاستراتيجى للأمة العربية، ليس فقط لاغتصابها فلسطين،
ولكن أيضا لأنها تمثل رأس حربة للهيمنة الغربية التى تستهدف استمرار إخضاع العالم العربى وتكريس تبعيته لسلطانها.

<
إن ثمة أخطاء متبادلة بين بعض الدول العربية وإيران، إلا أننى أزعم أن أخطاء طهران أكبر وهو ما تمثل فى أمرين
 أولهما السعى إلى التمدد فى العالم العربى على نحو هدد بعض دوله (العراق وسوريا والسعودية مثلا)
ــ وثانيهما التخلى عن مبادئ الثورة الإسلامية لصالح التطلعات الإقليمية.
 وقد ذكرت فى مقام سابق ــ فى طهران وفى بعض الكتابات ــ أن الثورة الإسلامية أسقطت الشاه فى إيران، ولكنها بعد ربع قرن ذهبت إلى سوريا لكى تقتل السوريين وهى تدافع عن شاه آخر.

<
إن التمدد الإيرانى فى العالم العربى يتحمل قدرا من المسئولية عن تيسير الاختراق الإسرائيلى لبعض الأنظمة العربية.
 ولعب التدخل فى اليمن دورا حاسما فى ذلك، لأنه بمثابة تهديد مباشر للسعودية.
وكان ذلك التهديد هدية قدمتها إيران لإسرائيل.

<
أخيرا فإن ذلك الملف لا ينبغى أن يظل مغلقا أو محظورا. لأنه لا توجد فى التاريخ معارك سياسية أبدية،
وعند العقلاء والراشدين فإن الصراع مع الأشقاء والجيران هو نوع من الانتحار، الكل فيه مهزوم فى نهاية المطاف. إن لم يكن عسكريا فتاريخيا.

 الأمر الذى يطرح السؤال التالى:
 أين هؤلاء العقلاء والراشدون على الجانبين
ولماذا لا يسمع لهم صوت يصلح ما فسد فى علاقات الأشقاء؟

..................

أخطأ فى العنوان!

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 21 جمادى أول 1438 18 فبراير 2017
أخطأ فى العنوان! - فهمي هويدي

التجاذب الحاصل داخل حزب «المصريين الأحرار» ليس جديدا في الساحة السياسية.
ذلك أن الانقلابات التي تتم لتصفية حسابات الأجنحة المختلفة لأسباب شخصية أو استجابة لضغوط أمنية باتت أمرا مألوفا فبعضها تصدر عناوين الصحف مثلما جرى في حزب الوفد،
والبعض الآخر تم في هدوء مثلما جرى في حزب التجمع

وكقاعدة فما من حزب في مصر يتحرك الآن بعيدا عن أصابع الأجهزة الأمنية.
يؤيد ذلك ويشهد به تركيبة مجلس النواب الحالي، الذي لم يعد يختلف أحد على أن الأمن كان حاضرا ليس فقط في ترشيح أغلب أعضائه، وإنما أيضا في حركتهم داخل المجلس.

 
لست بصدد الدخول في موضوع صراعات المصريين الأحرار التي أدت إلى إطاحة مؤسسه رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس وتشكيل قيادة جديدة له،

لكن ما دعاني إلى التطرق للموضوع واقعة سجلتها جريدة الشروق أمس (الجمعة ١٧/٢) وأبرزتها على الصفحة الأولى في عناوين مثيرة منها تهديد وجهه إلى نجيب ساويرس عضو مجلس النواب السيد علاء عابد قال له فيه سأحبسك.
 وعلى صفحة داخلية استكملت الجريدة العنوان بحيث أصبح نصه كالتالي:
 سأحبسك بالقانون ولو كنت أنا خبيرا في التعذيب فأنت خبير في هدم الأنظمة.

 
هذا العنوان له قصة، خلاصتها أن السيد ساويرس قال في تصريح صحفي له عن أسباب الخلاف داخل الحزب،
إنه أبدى رأيا اعترض فيه على تأييد الحزب لانتخاب علاء عابد رئيسا للجنة حقوق الإنسان بالمجلس في حين أن الرجل خبير في التعذيب. ولكن رأيه لم يؤخذ به.

هذه المعلومة التي كررها ساويرس أكثر من مرة أثارت غضب علاء عابد المؤيد من رئيس الحزب الجديد، فرد عليه بتهديده بالحبس على النحو الذي ذكرت.

 
حين طالعت تصريحات السيد علاء عابد التي نشرت مع التقرير أمس لاحظت أن الرجل لجأ إلى الهجوم والتنديد بساويرس، لكنه لم ينف التهمة التي وجهت إليه.
 إذ لم يتطرق بكلمة إلى ما نسبه صاحبنا إليه بخصوص خبرته أو صلته بالتعذيب،

وذلك أسلوب شائع في بعض مدارس الحوار، التي يلجأ فيها من تضعف حجته إلى تجريح الشخص بدلا من مناقشة الموضوع. كأن تختلف مع آخر في قضية فيكون رده أنك إرهابي أو إخوانجي أو غير ذلك من الصفات التي تنتقص من الرجولة.

 وقد لاحظت أن السيد علاء عابد اتبع نفس الأسلوب. إذ بدلا من أن يفند الادعاء عليه بأنه خبير في التعذيب، فإنه اتهم السيد ساويرس في وطنيته وبسخريته من المصريين.
ولم ينف الموضوع الأصلي المتعلق بدوره في التعذيب،
 وهو ما أفهمه، لأن سجل الرجل المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يضعف موقفه كثيرا في هذه النقطة،

 ذلك أن التفاصيل المنشورة بالأسماء والتواريخ تضطره إلى تجاهل دوره في التعذيب، لأنه لو نفاه لفتح على نفسه بابا لا يستطيع إغلاقه،
 وأغلب الظن أنه سيفقده ــ أدبيا على الأقل ــ شرعيته كرئيس للجنة حقوق الإنسان بالبرلمان.

 
الملاحظة الثانية على كلام السيد علاء عابد تنصب على تهديده للسيد ساويرس بالحبس،
وأرجح أن جريدة الشروق حين أبرزت الكلمة على الصفحة الأولى دفعتها إلى ذلك غرابة التهديد ووجه الإثارة فيه،
أعنى أنها لم تأخذه على محمل الجد،
لكنى أختلف معها في ذلك لأن السيد عابد حين قالها فإنه تكلم بلغة «المقدم» ضابط المباحث الذي قضى نحو ٢٥ عاما في الخدمة.

 ذلك أن خبرته تعلمه أن بوسعه أن يحبس أي شخص بتهم جاهزة لا أساس لها، وشهود حاضرين، وتحريات أمنية تؤدى الغرض وتقارير وشهادات للطب الشرعي لا يخر منها الماء.
 وفى السجون والمعتقلات الآن مئات أو أكثر من الأبرياء حبس كل واحد منهم بكلمة من ضابط للمباحث أو أمين للشرطة.
ولدى المنظمات الحقوقية ولدىّ شخصيا نماذج من تلك الحالات.

 
ما أريد أن أقوله إن السيد عابد كان جادا في تهديده لأن مثله يملك ذلك حقا،
لكن المشكلة أنه حين أصاب فيما قاله فإنه أخطأ العنوان!

.............................

15 فبراير، 2017

يحمون الدولة من الرئيس

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 19 جمادى أول 148 16 فبراير 2017
يحمون الدولة من الرئيس - فهمي هويدي

مسلسل العجائب مستمر في أمريكا.

ذلك أن القاضي الفيدرالي في سياتل جيمس روبارت الذي أمر بتجميد مرسوم الرئيس الأمريكي بحظر دخول مواطني ٧ دول رفض طلب الرئاسة تأخير دراسة جوهر القضية.
كما أن محكمة استئناف فيدرالية في سان فرانسيسكو رفضت طعن الرئاسة في قرار القاضي، الذي جاء بعدما طعنت ولاية واشنطن في قانونيته.
وقد أعرب المدعي العام في واشنطن عن سروره لرد القاضي روبارت طلب الرئاسة،
في الوقت ذاته فإن القاضية الاتحادية في ولاية فرجينيا أصدرت بدورها قرارا مؤقتا بتجميد تنفيذ حظر السفر استجابة لطلب من الولاية.

 
الفقرة السابقة تصور جانبا من المشهد الأمريكي الراهن، الذي انتفض فيه القضاء لوضع حد لما اعتبره تجاوزا رئاسيا لحدود السلطة التنفيذية،
إذ اعتبر القضاء أن المرسوم الذي أصدره الرئيس موجه ضد بلاد أغلبها من المسلمين،
وهو ما يضمر معيارا دينيا لحق الهجرة.
وهو ما يتعارض مع الدستور الأمريكي ومنظومة القيم السائدة في المجتمع.

 
هذا المشهد يفاجئنا من حيث إنه يتعارض مع أعرافنا و«ثوابتنا».
وهي التي تعتبر أن كلام الرئيس لا يرد،
وأن الاعتراض عليه إساءة إلى الدولة في قول، وسعي إلى إسقاطها في قول راجح ومشهور.
ثم إنه يضع حدودا لدور الرئاسة، ويفصل بينها وبين القضاء الذي توافر له الاستقلال الذي يسمح له بأن يوقف الرئيس عند حده، ويمنع تنفيذ قراراته.
ناهيك عن أنه يعتبر «توجيهاته» يؤخذ منها ويرد،
وقد تصبح منعدمة القيمة والأثر.

وإذا كان القضاء يتكئ في ذلك على الدستور والقانون ولا يرى للرئيس حصانة أو قداسة، فإن محاكمة الرأي العام للرئيس الأمريكي مستمرة ليل نهار، عبر وسائل الإعلام والبرامج التليفزيونية الحوارية والفكاهية.
إذ لم تترك له تصرفا أرعن إلا وفضحته، ولا زلة لسان إلا وحولته إلى أضحوكة تندر بها كل من هب ودب.

 
أمثالنا يستغربون الفصل بين الدولة والنظام والرئيس.
لأن خبراتنا علمتنا أن الثلاثة مختزلون في واحد.
 فالنظام هو الدولة رغم أنه أحد أركانها وجزء منها،
من ثم فإن معارضته هي مناهضة للدولة ودعوة إلى إسقاطها،
ولأن النظام صار هو الرئيس فقد أصبح الرئيس هو الدولة.

وفي نموذج موقف القضاء الأمريكي نجد الأمر مختلفا تماما.
فقد عارض القضاء الرئيس بدعوى الحفاظ على دستور الدولة والحفاظ على منظومة القيم التي أرساها النظام عبر تاريخه،
ومن هذه الزاوية قام القضاء بدور الحارس للديمقراطية وللحقوق المدنية.

 
شتان بين هذا الذي نقرؤه عن التجاذب الحاصل في الولايات المتحدة، وبين الذي نعيشه في بلادنا وفي مصر هذه الأيام.

 إذ حين أبدى الرئيس رأيا عرضيا في حديث له انتقد فيه الطلاق الشفوي،
ثم رأت هيئة كبار العلماء رأيا مغايرا استندت فيه إلى المراجع الفقهية،
فإن البعض اعتبروا موقف العلماء الذين هم أدرى بالموضوع تمردا ومروقا،
وخصصت بعض الصحف صفحات لتحرير «المواجهة» بين الأزهر و«الدولة».
ووصف اختلاف الرأي مع الرئيس بأنه «معركة»، أججها نفر من الصائدين الذين همزوا في قناة الأزهر، واتهموه بـ«الأخونة» التي صارت مقابلا للخيانة العظمى.

 
حين يقارن المرء بين النموذجين فإن السؤال الأول الذي يخطر له هو:
 كم سنة ضوئية نحتاجها لكي تصبح معارضة الرئيس دفاعا عن الدولة وليست مؤامرة لإسقاطها؟

.........................

زيتنا في دقيقنا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 18 جمادى أول 1438 15 فبراير 2017
زيتنا في دقيقنا - فهمي هويدي

يكفي أن تقرأ خبر إغلاق وتشميع مركز النديم لعلاج ضحايا التعذيب لكي تعرف كل الحكاية.
فهذا قرار دولة، والذين نفذوه تابعون لوزارة الداخلية.
والهدف من الإغلاق هو منع علاج ضحايا التعذيب من ناحية،
 وإسكات صوت المركز الذي كان يتابع مختلف الممارسات التي تنتهك كرامة البشر وتعد جرائم بحق الإنسانية،

ولست واثقا من تعليق أحد المدونين الذي قال فيه إن إغلاق المركز أريد به عدم تعطيل مهام التعذيب التي تقوم بها الشرطة.

 
في السابق كان المسؤولون يرددون في مختلف المناسبات أنه لا يوجد تعذيب في مصر، وأن إثارة الموضوع أريد به تشويه صورة النظام،
وهي المهمة التي يقوم بها «أهل الشر» المصريون وأعوانهم من أشرار المنظمات الحقوقية في العالم الخارجي. وهو ما كان يثير الشك حول صحة التقارير المحلية والدولية.

ولكن قرار الإغلاق والتشميع حوّل الشك إلى يقين.
وبرأ ساحة «الأشرار» في الداخل والخارج من تهمة تشويه صورة مصر،

إذ صار بوسع أي أحد أن يتساءل قائلا إذا لم يكن هناك تعذيب ولا يحزنون،
وإذا كانت أيدي النظام وشرطته بريئة من دماء المصريين،
فلماذا خاضت السلطة وأجهزتها الأمنية معركتها الشرسة ضد المركز،
 واستخدمت مختلف الحيل والألاعيب لإسكات صوته وإغلاقه، ودفعت بموظفيها في يوم العطلة إلى تشميع بابه وحظر الدخول فيه.

 
من المفارقات أن الذين أغلقوه خدموه من حيث لا يحتسبون.
كما أن الذين تصورا أن تقارير المركز تسيء إلى سمعة البلد، هم أنفسهم الذين لوثوا تلك السمعة وفضحوها،
 فقد تحول إغلاق المركز إلى خبر ترددت أصداؤه في أوساط الحقوقيين في العالم الخارجي،
من ثم ذاعت شهرته وتابع قضيته وعرف بأمره كل من لم يسمع به.

ثم إن من حسنت نواياه وشك يوما في أن مصر تمارس التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان، أصبح متأكدا الآن بأن التعذيب حاصل وأن الدولة التي تحرض على ستره واخفائه ضاقت بجهود كشفه وعلاج ضحاياه.

 لذلك فإنها انقضت على المركز وضمته إلى ضحايا الاختفاء القسري، مع فارق بسيط أن مكان المركز بات معلوما.

 إذا كانت السلطة قد قدمت خدمة للمركز بالقرار الذي اتخذته، فإن ضحايا التعذيب وحدهم الذين أضيروا بالإغلاق،
وكان بوسع فريق العمل الذي يديره أن يتخلى عن مهمته محملا السطة وحدها مسؤولية التوقف عن علاج ضحايا التعذيب،
 إلا أن إصرار السيدات المناضلات اللاتي يؤدين ذلك الدور على الاستمرار في المهمة رغم ما جرى بدا مثيرا للدهشة والإعجاب.

إذ فوجئت ببيان تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي جاء فيه ما يلي:
 نظرا لتشميع عيادة النديم من قبل السلطات يوم الخميس ٩ فبراير ٢٠١٧،
وإلى حين نتمكن من اللقاء وجها لوجه مرة أخرى، يمكن للناجين والناجيات من العنف أو التعذيب أو أهالي المختفين قسريا أو المعتقلين أن يتصلوا على الأرقام التالية لتلقي المشورة النفسية،
وذلك في نفس أوقات عمل عيادة النديم، من السبت إلى الأربعاء. من الساعة ١٠ صباحا إلى الثالثة مساء.
 وسوف نعمل ما بوسعنا لتقديم المساعدة، وإلى لقاء قريب.
وحمل البيان أسماء وأرقام خمس طبيبات هن: د. مني حامد ــ د. رغدة سليط ــ د. عايدة سيف الدولة ــ د. سوزان فياض
 ــ ولحالات العنف ضد النساء د. ماجدة عدلي.

 
إن قرار تشميع مركز النديم نموذج للقرارات العشوائية التي تصدر مفتقدة للذكاء في مصر بحيث يصبح الضرر فيها أكثر من النفع.
 وهو ما يدعونا إلى القول بأنه في ظل أداء من ذلك القبيل لا تكون مصر مضطرة للإشارة إلى «أهل الشر» في الإساءة إليها.
إذ صار زيتنا في دقيقنا.

..........

Delete this element to display blogger navbar