Subscribe:

Ads 468x60px

27 أغسطس، 2016

مبادرة وقف العنف

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 25 ذوالقعده 1437 – 28 أغسطس 2016
مبادرة وقف العنف – فهمي هويدي

الذين نسوا «مبادرة وقف العنف» التى أطلقت فى مصر قبل تسعة عشر عاما معذورون،
 فنشرة أخبار العنف التى تبث طوال السنوات الثلاث الأخيرة لا تدع مجالا للحديث عن مبادرة وقفه التى أطلقت فى أواخر القرن الماضى.

والذين تناسوا المبادرة معذورون أيضا، لأن الأجواء الراهنة لا تحتمل سوى خطاب واحد يلعن العنف ولا يكف عن التلوح بخطره،
ومن ثم شيطنة أهله الذين صاروا من «الأشرار» الذين لا حديث يعلو فوق نداءات الخلاص منهم.

وحدهم الذين أعدوا المبادرة لايزالون يذكرونها ولا يملكون سوى اجترار ذكريات إطلاقها فى مجالسهم،
وهو ما يتم بعيدا عن الأضواء خشية الاتهام وتجنبا لسياط الإعلام الأمنى الذى بات يعتبر كل من انتمى ــ ولو تاريخيا ــ للإسلام السياسى متهما وملعون الوالدين حتى يثبت العكس،

ومن الأشرار الذين لا يستحقون الحصول على رخصة الانضمام إلى الأبرار الذين يملأون الفضاء تهليلا وتصفيقا وتسبيحا.

يوم أمس (السبت 27 أغسطس) التقى نفر من أصحاب المبادرة فى «الذكرى السنوية» لها.
وليس لدى تفسير لاختيار ذلك التوقيت لأن المبادرة أطلقت فى الخامس من شهر يوليو فى عام 1997 وقد خطر لى أن تكون الحسابات الأمنية وراء ذلك.
 اللهم إذا كانوا قد عقدوا ذلك الاجتماع فى «الذكرى الأربعين» للحدث الذى دفن فور إعلانه.

لاتزال المبادرة حية لم تمت، لسبب جوهرى هو أننا لم نطرح حتى الآن صيغة سياسية لوقف العنف.
صحيح أننا عقدنا عشرات المؤتمرات وألقيت علينا آلاف المواعظ وأصدرنا ما لا حصر له من البيانات،
 إلا أن العنف استمر بدرجة أو أخرى فى الوقت ذاته فإننى لا أستطيع أن أتجاهل احتمال أن تكون التعبئة الإعلامية ضده مطلوبة لاستمرار استنفار المجتمع وإشعاره بالخطر، لتبرير حاجة السلطة إلى تشديد القبضة واللجوء إلى الإجراءات الاستثنائية لمواجهة ذلك الخطر.

تكمن أهمية مبادرة وقف العنف التى أعلنتها الجماعة الإسلامية قبل 19 عاما فيما يلى:

<
أنها كانت تجربة فريدة على المستوى المحلى والإقليمى جسدت انتقال فصيل مسلح بشكل طوعى من العنف إلى السلم على إثر مراجعات داخلية، أعلنت على الملأ فى أربع دراسات شرعية وسياسية مفصلة.

<
التجربة نجحت فى إطار الجماعة الإسلامية بدليل التزام أعضاء الجماعة طوال تلك المدة بالعمل السياسى السلمى.
 يشهد بذلك أنه طوال تلك المدة لم يحدث خرق واحد من جانب عناصر الجماعة لقرار نبذ العنف.
وهو ما حدث حتى فى أوقات الفراغ الأمنى بعد ثورة يناير، رغم وجود دوافع الانتقام والتشفى وتصفية الحسابات القديمة.

<
فى التعبير عن الالتزام بالمبادرة والتزاما بموقف نبذ العمل السرى، فإن الجماعة أنشأت حزب البناء والتنمية للمشاركة فى العمل السياسى العلنى.
وأثبت الحزب فى الممارسة تمسكه بمبادئ الحوار والمواطنة واعتماد الآليات الديمقراطية فى الممارسة السياسية.

<
سجل الحزب موقفا إيجابيا واضحا إزاء المشكلات الطائفية، حيت أطلق مبادرة «وطن واحد وعيش مشترك» لترسيخ الاصطفاف الوطنى.

هذه المحاور لم تكن شعارات فقط، ولكنها كانت نهجا التزم به الحزب منذ عام 1997.
إذ لم ينسب إلى أحد من أعضائه أى ضلوع فى كل عمليات العنف التى تمت خلال السنوات التى خلت، وحتى اللحظة الراهنة.

مشكلة المبادرة فى جديتها. أعنى فى أنها صادرة عن فصيل ينتمى إلى الإسلام السياسى، طوى صفحة العنف وأبدى رغبة فى المشاركة السياسية والتغيير السلمى والديمقراطى.

ولأنها كذلك فإن تجميدها أو تجاهلها يبدو منسجما مع أجواء إقصاء الإسلام السياسى وإبادته سياسيا وثقافيا.
ولأن ذلك التيار بمختلف فصائله يعد تعبيرا عن هوية إسلامية للمجتمع أصيلة وراسخة، فإن الإصرار على إقصائه يعد موقفا عبثيا وغير ديمقراطى،
 خصوصا إذا تعلق الأمر بفصائله المصرة على الالتزام بالسلمية والالتزام بالقيم الديمقراطية.

وهو تفسير إذا صح فهو يعنى أن موقف الإقصاء لمثل هؤلاء لا يعد فقط مصادرة لحق من حقوق الإنسان.
لكنه يعد أيضا تزويرا للديمقراطية وانتهاكا لقيمها.

وإذا كان الخطاب السياسى قد أطلق على كل فصائل الإسلام السياسى وغيرهم من المغضوب عليهم مصطلحا مبتدعا هو «أهل الشر»، فواقع الأمر يؤكد لكل ذى عينين أن فصيل البناء والتنمية يضم بعضا من خيار أولئك الأشرار.

..........................

26 أغسطس، 2016

قنبلة هشام جنينة

صحيفة الشروق الجديد المصريه السبت 24 ذوالقعدة 1437 27 أغسطس 2016
قنبلة هشام جنينة – فهمي هويدي

المعلومات الخطيرة التى كشف عنها المستشار هشام جنينة في حديثه عن الفساد فى مصر تحتاج إلى وقفة طويلة وحازمة.
حتى أزعم أن كل من يسكت عليها يصبح ضالعا فى الفساد ومتواطئا معه.
ذلك أن الحجم الذى تحدث عنه يفتح أعيننا على حقيقة أن الفساد استشرى حتى صار من «الكبائر» التى يغدو إنكارها فرض عين على الجميع، وعلى رأسهم أولو الأمر الذين ائتمنوا على مقدرات البلد ومصالحه.

كان الرجل شجاعا فى الحوار الذى أجرته معه جريدة «المصرى اليوم» ونشرته على يومين (٢٣ و٢٤ أغسطس)،
 إذ قال ما قاله وهو يعلم أن باب السجن لايزال مفتوحا له.
 لكننا ينبغى أن نسجل أيضا أن الجريدة التى نشرت الحوار والصحفى الذى أجراه لهما نصيبهما من الشجاعة أيضا.

ذلك أن الرجل الذى كان مسئولا عن مكافحة الفساد وعوقب جراء ذلك، قال ما لم يقله أحد من قبل عن حجمه وأطرافه.
وإذا كان ما أفصح عنه خطيرا بما فيه الكفاية، فلابد أن يكون الأخطر منه ما لم يفصح عنه.

من ذلك مثلا أنه حين سئل عن أسماء ومواقع «أصحاب الحظوة» من الأكابر الذين تخصص لهم الأراضى بأثمان زهيدة بصورة غير مشروعة،
كان رده بليغا حيث قال: لا داعى لذكر الأسماء والأرقام، لأن ذلك كفيل ليس بسجنه فحسب وإنما لسجن المحرر أيضا.
 الأمر الذى لم يكن له تفسير سوى أن هؤلاء يملكون من السلطة والنفوذ ما يمكنهم من ذلك.

الحوار الذى أجرى مع الرئيس السابق لجهاز المحاسبات نشر على صفحتين كاملتين، ولا أستطيع تلخيصه،
 لكننى سأكتفى بإيراد بعض النقاط ذات الدلالة التى جاءت على لسانه ومنها ما يلى:

<
فكرة فتح ملف الفساد وتحديد حجمه هى بالأساس مشروع لوزارة التخطيط.
 إذ رغب وزيرها فى إعداد دراسة عنه فى بداية عام ٢٠١٥، بناء على بروتوكول بين الوزارة والمركز الإنمائى للأمم المتحدة.
وعندئذ طلب الوزير الاستعانة باثنين من خبراء جهاز المحاسبات للجنة التى شكلها لذلك الغرض.

وقد قدرت تلك اللجنة حجم الفساد فى السنة الواحدة بمبلغ ٢٤٧.٧ مليار جنيه.
وحين أرسل تقريرها إلى جهاز المحاسبات لاعتماده فإنه أبدى تحفظه عليها لأن أرقامها غير موثقة،
 وحين روجع وزير التخطيط فى ذلك تم الاتفاق على أن يتولى خبراء الجهاز إعداد التقرير بحيث يشمل الفترة بين عام ٢٠١٢ و٢٠١٥.

<
الرقم الحقيقى لحجم الفساد فى السنوات الأربع يتجاوز بكثير مبلغ الـ٦٠٠ مليار جنيه الذى أثار اللغط فى الإعلام المصرى.
ذلك أن الرقم الحقيقى الذى لم يكلف أحد نفسه عناء البحث عنه يتجاوزه إلى حد كبير.

 آية ذلك أن مبلغ الـ٦٠٠ مليار جنيه هو مجرد تقرير للفساد فى بند واحد من ١٤ بندا أجريت عليها دراسة مستفيضة شملت السنوات من عام ٢٠١٢ إلى ٢٠١٥،
«ولأن لدينا مستندات ووثائق تؤكد صحة المعلومات التى وردت فيها فنحن واثقون من صواب تقديراتها».

<
هذه الدراسات أرسلت نتائجها إلى رئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير التخطيط، ولم يتلق الجهاز أى تعقيب أو تصويب لما ورد فيها من تقديرات.
وبعد مضى أكثر من شهر على إرسالها بدأت وسائل الإعلام فى الحديث عن بلاغات ضد الجهاز اتهمته ببث معلومات كاذبة تهدد المصالح العليا للبلد.

 وكان يفترض أن يصدر ذلك عن الحكومة التى تلقت التقارير إلا أن ما كان مثيرا للانتباه والارتياب أن مقدمى البلاغات كانوا أفرادا عاديين
(ليس معروفا كيف شكلوا انطباعاتهم عن التقارير التى أرسلت إلى الجهات الرسمية الثلاث السابق ذكرها).

<
المشكلة برزت منذ أعلن رئيس الجهاز التقرير الأول للجهاز فى مؤتمر صحفى، التزاما بالدستور والقانون.
إلا أن البعض لم يسترح لأن التقرير شمل أسماء وزراء ومسئولين حاليين ومتقاعدين إضافة إلى بعض الشخصيات فى عدد من المواقع الحساسة جدا.
وهو ما أثار غضبهم، الأمر الذى ترتب عليه تحريك الدعاوى ضده غير عدد من التهديدات التى تلقاها، وإزاء الحركة الواسعة التى قام بها هؤلاء على مختلف الأصعدة، فإن ذلك جاء دالا على أن شبكة الفساد فى مصر أقوى من الأجهزة الرقابية.

وفى عهد الرئيس المؤقت عدلى منصور فإن الرجل حين نقل الصورة إليه المستشار جنينة، فإن الرئيس المؤقت دعاه إلى الاستمرار فى نهجه مطمئنا إلى أنه لن يستطيع أحد أن ينال منه، خصوصا أنه محل ثقة وتقدير.
وحين تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى منصبه فإنه طلب لقاءه مرتين يشرح له الموقف، لكنه لم يتلق ردا حتى صدور قرار عزله.

<
صور الفساد فى المجال العقارى هى الأشد والأخطر.
والحصة الأكبر من الفساد فى ذلك المجال من نصيب هيئة المجتمعات العمرانية وهيئة التنمية السياحية وهيئة التنمية الصناعية والزراعية.

ذلك أن الأراضى فى تلك القطاعات تخصص بالأمر المباشر بأسعار زهيدة تقل عن ثمنها الحقيقى، ثم تحول بعد ذلك إلى أرض للبناء لتباع بأسعار خيالية.
وهؤلاء المتنفذون يركزون فى مشترياتهم على أراضى الحزام الأكبر فى أكتوبر ومارينا، وأحمد عرابى والقاهرة الجديدة.

<
تعد الصناديق الخاصة فى الوزارات من أبرز مظاهر الفساد التى كشفت عنها تقارير الجهاز.
ذلك أنه يتم اقتطاع مبالغ مالية كبيرة من ميزانية بعض الوزارات وإيداعها فى تلك الصناديق بشكل عشوائى دون رقابة من الجهاز أو وزارة المالية.

 أما بند الهدايا التى تقدم للمسئولين فهو يشمل فصوص الألماظ والساعات الذهبية والجنيهات الذهبية، فضلا عن الثلاجات والمكيفات.

وفى بعض الأحيان كانت قيمة الهدايا تقدر بالملايين، كما أنها كانت تشمل تأثيث بيت كامل بجميع احتياجاته وتقديمه «هدية» للمسئولين فى بعض المناسبات.

هذا قليل من كثير ذكره المستشار هشام جنينة، وهو ما اعتبره عريضة اتهام ومحاكمة للذين حاربوه بمختلف السبل (خص بالذكر منهم وزير الداخلية السابق).

وبأى معيار سياسى فإن كلامه يعد قنبلة أطلقها فى فضاء مصر السياسى، إذا لم يؤد إلى استقالة الوزارة.
 فعلى الأقل فإنه يستنفر البرلمان ويحفزه لأخذ الحملة ضد الفساد على محمل الجد.
 وتلك أجواء طبيعية فى الدول الديمقراطية التى لسنا منها.

......................

24 أغسطس، 2016

إذا ترجمت الأقوال إلى أفعال

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 22 ذو القعدة 1437 25 أغسطس 2016
إذا ترجمت الأقوال إلى أفعال – فهمي هويدي

لو أن عناوين الصحف الصادرة هذه الأيام ترجمت إلى أفعال لأصبحت مصر جنة الفقراء.
ولو أن كل حرف منها وزع على فقير فى المحروسة لكفاه ذلك هو وذريته إلى يوم الدين.
ولو أن أهل العالم المحيط صدقوا ما تقوله وسائل الإعلام عن تحقيق أحلام الفقراء ومحدودى الدخل، لتدفقت قوافل المهاجرين نحو الموانئ المصرية، ولطلبت مصر معونة دولية لوقف زحف جحافلهم الجرارة.

ليس فيما أدعيه مبالغة، لأن من يطالع تصريحات المسئولين التى تنقلها وسائل الإعلام هذه الأيام صباح مساء يلاحظ أنها جميعا تردد مقطوعة واحدة بصياغات شتى.
أما عنوانها الرئيسى فهو أن الفقراء ومحدودى الدخل هم «نور أعين» الحكومة،
وأن كل ما يتخذ الآن من إجراءات لرفع الأسعار لن يمسهم بسوء ولكنه فى صالحهم فى نهاية المطاف.

لحسن حظ الحكومة أن الناس لم يعودوا يصدقون كلامها،
وأن الإعلام الأمنى والرسمى فقد صدقيته،
 لأنهم لو أخذوا كلامها على محمل الجد وصدقوها فسيخرجون غاضبين إلى الشوارع مطالبينها بتنفيذ وعودها ومحاسبين المسئولين على ما أطلقوه من تصريحات وما روجوا له من مشروعات.

من خبرتنا فى مصر تعلمنا ألا نستبشر خيرا بتكثيف التصريحات حول أية قضية.
وربما كان ذلك راجعا إلى تخوف كامن فى ثقافتنا يعبر عن القلق على المستقبل.
حتى الفرحة والضحك إذا ارتفعت وتيرتهما فإن المصرى يسارع إلى التوجس مرددا عبارة «اللهم أجعله خيرا».

صحيح أن المصريين مشهورون بالظرف ومعروف عنهم أنهم أهل نكتة.
 إلا أننى لم أجد فى التراث الثقافى الذى وقعت عليه أنهم أهل فرح.
وكأن الفرح ليس من تقاليد مجتمعاتنا الراسخة.

وسواء كان ذلك راجعا إلى شيوع الظلم أو الفقر، فإننا تعلمنا أن المبالغة فى التصريحات والوعود المتفائلة لا تكون فى الأغلب رسالة إيجابية.
وإنما هى فى حقيقة الأمر تحاول أن تستر شيئا ما سلبيا أو مقلقا.

حتى فى أوساط مهنة الصحافة فإننا تعلمنا أن الخبر الذى تشدد الحكومة على نفيه وتلح على توصيل رسالة النفى إلى أوسع دائرة ممكنة من البشر، عادة ما يكون خبرا صحيحا ولكن الحسابات الأمنية والسياسية تسعى إلى طمس معالمه ومحوه من الذاكرة.

ما يحدث فى مصر الآن يؤيد ذلك الادعاء.
فالمبالغة فى التأكيد على أن الإجراءات الاقتصادية المتخذة لن تؤثر على الفقراء ومحدودى الدخل دالة على أن أولى الأمر أدركوا أن الفقراء ومحدودى الدخل هم أكثر من يكتوى بنار الأسعار،
 وأن الأغنياء لا يسعدهم حقا الزيادات التى حدثت فى الأسعار.
لكنها لن تجبر أحدا منهم على تغيير نمط حياته.

ما يحدث بالنسبة للوعود التى تحاول دغدغة مشاعر الفقراء وترطيب جوانحهم. نستطيع أن نعممه على حكاية الإنجازات، التى باتت تتنافس الصحف على إبرازها والتهليل لها.
إذ رغم أن أحدا لا يستطيع أن ينكر أن ثمة إنجازات فعلا واضحة فى مشروعات شق الطرق مثلا،
إلا أن المبالغة فى الحديث عن الإنجاز المبهر وكيف أنه تجاوز الخيال وحقق ما لم يحققه الأولون والأخيرون تفوح منه رائحة المبالغة بقوة. على نحو يفقدنا الثقة فيها.

 وهو ما ينطبق عليه المثل القائل بأن الشىء إذا زاد على حده انقلب إلى ضده.

دعوا الأفعال تتكلم عن نفسها، بحيث يلمسها الناس ويرونها بأعينهم بأكثر مما يسمعون عنها أو يهتف الإعلام لها.
 بكلام آخر فإن النموذج الذى يضرب والواقع الذى يتبلور يظل أكثر إقناعا بمراحل من سيل التصريحات وضجيج الإعلام وهتاف المهللين وتصفيقهم.

على صعيد آخر فإن المسئولين الذين يعولون على الإعلام ويغرقون الناس بالوعود على صفحات الصحف وبرامج التليفزيون، يخاطبون المجتمع بلغة تجاوزها الزمن.
 فما عاد الإعلام مؤثرا وتحت السيطرة كما كان عليه فى القرن الماضى،
 ذلك أن تطور وسائل الاتصال أخرج الإعلام من سيطرة السلطة.
 بحيث ما عادت صاحبة الصوت الوحيد الذى يسمعونه،
ولكن ظهرت إلى جانب إعلام السلطة منابر ووسائط أخرى خارج السيطرة وأقوى تأثيرا على المجتمع.

ولا ينسى أيضا أن ما تطور ليس وسائل الإعلام والاتصال فحسب، ولكنه أيضا وعى الناس الذين انتشر بينهم التعليم وأصبحوا أكثر قدرة على التواصل مع العالم الخارجى.

ومن الملاحظات ذات الدلالة فى هذا الصدد أن ظهور الإعلام المستقل والخارج عن السيطرة له دوره المشهود الذى انعكس على تراجع توزيع الصحف المطبوعة وتراجع أعداد مشاهدى البرامج الحوارية (توك شو).

ليس لدينا المسئول الذى يملك شجاعة وثقة الإعلان على الملأ أنه يعد الناس بالعرق والدماء والألم،
 كما قال ونستون تشرشل حين رأس الحكومة البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية.
لكننا نعرف الكثير عن أساليب مداهنة الجماهير وتسويق الأوهام لها.

ومن الفوارق المهمة بين النموذجين، أن الأول يعرف أنه سيساءل ويحاسب على ما يقول ويفعل،
أما الثانى فهو مطمئن إلى أنه فوق الحساب والمساءلة.
الأول يضع فى اعتباره قوة المجتمع.
فى حين أن الثانى يعول على حناجر المهللين وربما قوة السلطة.

إن حديث الإنجازات لن يشبع الفقراء أو يقنعهم.
وما لم يلمسه هؤلاء بأيديهم وداخل بيوتهم، أو أن تدل الشواهد اليقينية على أن الفرج القريب قادم. فإنه سيصبح دخانا فى الهواء يختفى أثره فى غمضة عين.

ملاحظتى الأخيرة أننا نسمع الكثير عن الإصلاح الاقتصادى، وكأن الإصلاح السياسى ليس واردا على الأجندة، فلا مستقبل له ولا أمل فيه وأنه من قبيل الأحلام بعيدة التحقيق التى لن يتسنى لجيلنا أن يرى لها أثرا على أرض الواقع.

.....................

23 أغسطس، 2016

الأربعة الذين خطفوا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 21 ذو القعده 1437 – 23 أغسطس 2016
الأربعة الذين خطفوا - فهمي هويدي

ثمة جديد في قصة الفلسطينيين الأربعة الذين اختطفوا في الأراضي المصرية قبل عام بعد اجتيازهم معبر رفح.
إذ تم تسريب صورة بثتها قناة «الجزيرة» يوم الاثنين الماضي (٢٢/ ٨) ظهر فيها اثنان منهم ضمن آخرين في أحد المقار الأمنية.

وذكرت التقارير التي خرجت من غزة مساء اليوم ذاته أن الاثنين هما ياسر زنون وعبدالدايم أبو لبدة.

ورغم أن السلطات المصرية التزمت الصمت إزاء الموضوع خلال الأربع وعشرين ساعة التي اعقبت بث الخبر والصورة،
إلا أن ذلك التطور يعيد فتح الملف من جديد.

وإذا ثبتت صحة المعلومة فإنها تشير إلى أمرين،
 أولهما أن أولئك الشبان لايزالون على قيد الحياة،
والثاني أنهم في أيدي السلطات المصرية.
على الأقل فذلك أصبح مرجحا بالنسبة للاثنين اللذين ظهرا في الصورة.

أغلب الظن أنها مجرد مصادفة أن يختفي الأربعة يوم ١٥ أغسطس عام ٢٠١٥، ثم يظهر اثنان منهم في الصورة يوم ٢٢ أغسطس من العام التالي،

ورغم أن القصة نسيت في الذاكرة المصرية، إلا أن الموضوع ظل حيا وبقوة في الشارع الفلسطيني، وفي غزة بوجه أخص.
 ليس فقط لأنها السابقة الأولى من نوعها التي تحدث على الأراضي المصرية،
ولكن أيضا لأن أهالي المخطوفين بعشائرهم وقبائلهم إضافة إلى منظمات المقاومة لم يصادفوا بابا للتعرف على مصير الأربعة إلا وطرقوه.

وفي حدود علمي فإن الموضوع ظل مدرجا على جدول أعمال المحادثات الفلسطينية التي جرت مع الجهات المختصة في القاهرة على مدار العام.
وهي الجهود التي ابقت على الموضوع حيا في المجال العام،
 لكنها لم تنجح في فض ألغازه التي بدت محيرة ومقلقة لكل العابرين الفلسطينيين على الأقل.

خلاصة القصة المثيرة أنه في يوم الأربعاء ١٩ أغسطس من العام الماضي سمح لحافلتين تكدس فيهما الركاب القادمون من القطاع باجتياز معبر رفح.
وكان الأربعة بينهم، حيث كان مقررا أن يتوجهوا من مطار القاهرة إلى تركيا، بعضهم للدراسة والبعض الآخر للعلاج.
حسب شهادة الشهود فقد أثار انتباههم تأخير عبور الحافلتين إلى ما بعد موعد حظر التجوال بساعتين.
كما أثار دهشتهم أن الحافلة التي كان الأربعة بين ركابها لم يصحبها أحد من رجال الأمن الذين اعتادوا مرافقة المسافرين.
كما لم يظهر مندوب السفارة الذي جرى العرف على وجوده في مثل تلك الحالة.

الشاهد أنه بعد العبور، وعلى بعد ٢٠٠ متر من البوابة التي دخلوا منها إلي الأراضي المصرية سمع الركاب صوت إطلاق الرصاص نحو الحافلة، مع أمر لسائقها بالتوقف.
وحين حدث ذلك صعد أربعة أشخاص إلى الحافلة، ثلاثة ملثمون ورابعهم مكشوف الوجه.

وكان واضحا أنهم يعرفون الأربعة، لأنهم ظلوا يتفرسون في الوجوه ثم يخرجونهم واحدا تلو الآخر.
 من النافذة رآهم الركاب وهم يأمرونهم بخلع ثيابهم، ثم ينهالون عليهم بالضرب ــ الذي كان لسائق الحالفة منه نصيب ــ وبعد ذلك ابتلعهم الظلام، وسمح للحافلة بمواصلة الرحلة إلى القاهرة.

إزاء الغموض الذي اكتنف العملية، فإن استنتاجات عدة حول مصيرهم ترددت آنذاك.

فمن قائل إن الإسرائيليين يمكن أن يكونوا وراءها. خصوصا أن الأربعة ينتمون إلى حركة حماس.

ورشحت «داعش» لتكون احتمالا آخر، لأن حماس اعتقلت عددا منهم في غزة،
 وبدا واردا أن يكون اختطاف الأربعة إما ردا على ذلك أو وسيلة للضغط والمقايضة.

 وتحدث البعض عن أن يكون للأمر علاقة بالثأر والتصفيات القبلية في المنطقة.

ولم يكن قيام السلطات المصرية باختطاف الأربعة مستبعدا، خصوصا في ظل بعض القرائن التي دلت على أنه مرتب سلفا كما سبقت الإشارة.
 وظلت تلك مجرد تخمينات وتكهنات تدعمها قرائن ولا دليل قطعيا يؤيد أيا منها.

الصورة التي ظهرت هذا الأسبوع حسمت الأمر، حيث ينطبق عليها المثل العربي الشائع «قطعت جهيزة قول كل خطيب».
 الأمر الذي يسوغ للبعض القول بأن الصورة قامت مقام الأَمَة «جهيزة» التي نقلت الخبر إلى الجمع في القصة الشهيرة.

سألني في الموضوع أحد الصحفيين من غزة مساء اليوم ذاته فقلت إن الأمر إذا كان مرجحا فينبغي أن يخضع للتبين أولا، حتى يمكن القطع بأن اللذين ظهرا في الصورة وسط جمع من المحتجزين هما بالفعل ياسر وعبدالدايم.
ولا سبيل إلى التحقق من ذلك إلا من خلال السلطات الأمنية المصرية.

 وإلي أن يتم التثبت والتبين فإن القضية ينبغي التعامل معها بهدوء. بعيدا عن الضجيج والإثارة التي يجيدها الإعلام.
 وفي كل الأحوال فينبغي أن يظل الهدف هو التفهم والتفاهم وليس التصعيد وتعميق التوتر القائم بالفعل بين حماس والقاهرة.
 إذ إن الأعين ينبغي أن تظل مصوبة نحو مستقبل العلاقات بين الطرفين.

وفي كل الأحوال فإن من حق الطرف الفلسطيني أن يطمئن على مصير الاثنين الآخرين،
 كما لا ينكر حقه في أن يعرف حقيقة ما هو منسوب إليهما وأن يوفر للأربعة الضمانات القانونية اللازمة لحمايتهم.

إذا اعتبر الفلسطينيون ظهور الاثنين مفاجأة، فإن القصة تفقد عنصر المفاجأة بالنسبة للمواطن المصري.
 ذلك أنه في أجواء التدهور الأمني الراهنة تعددت حالات اختفاء الأشخاص حينا من الدهر، ثم ظهورهم فجأة أثناء التحقيقات أو اكتشاف وجودهم مصادفة أثناء زيارات بعض المحامين.
ومما يؤسف له أن يصبح ذلك خبرا عاديا، تطغى فيه مشاعر الفرحة لظهورهم على رصيد اللوعة والأسى المتراكم طوال غيابهم.

حين صاحت أم الإيطالي جوليو ريجيني غاضبة بعدما رأت جثته وقالت إن ابنها القتيل عذب كما لو كان مصريا،
 فإن الرسالة كانت مخزية ومفجعة، إلا أنها صارت مثلا،

 الأمر الذي يدعونا إلى مناشدة السلطات المصرية ألا تكون قد تعاملت مع المخطوفين الأربعة كما لو كانوا مصريين.

وإذا ما ثبتت صحة القصة التي نحن بصددها فإن مسؤول الداخلية الذي نفى وجود شيء اسمه الاختفاء القسري في مصر، يصبح مطالبا بأن يدلي بدلوه في الموضوع.

......................

الإفك المبين فى تغير موقف الإسرائيليين – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 20 ذوالقعده 1437 – 23 أغسطس 2016
الإفك المبين فى تغير موقف الإسرائيليين – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الفضيلة الوحيدة لأحاديث التطبيع أن اللعب فيها صار على المكشوف،
إذ سقطت الأقنعة وغدا الكلام فيها مباشرا بغير مواربة أو حياء.

(1)

حين رفض لاعب الجودو المصرى إسلام الشهابى مصافحة خصمه الإسرائيلى فى أوليمبياد ريو، فإن أحد المثقفين المصريين انتقده فى عمود نشرته صحيفة المصرى اليوم (عدد ١٤ /٨) تحت عنوان «سقطة الشهابى».

 أما الرسام البرازيلى فينى أوليفيرا فقد كانت له قراءة مختلفة للمشهد.
ذلك أنه رسم المتصارعين المصرى والإسرائيلى، لكنه أظهر العلم الإسرائيلى على صدر الأخير وهو يقطر دما.

 وأوحى بذلك للقارئ أن المصارع المصرى لم يرَ الإسرائيلى رياضيا ولا مصارعا، لكنه رآه قاتلا واستحضر التاريخ فى قطرات الدماء التى هطلت من العلم.

 وكان ذلك تعبيرا بليغا صوّر المفارقة بين مثقف مصرى من أنصار التطبيع سقطت القضية من ذاكرته، وبين فنان برازيلى شريف ظلت القضية حاضرة فى وعيه.

هذه اللقطة تشكل مدخلا لقراءة خطاب دعاة التطبيع من جانب المثقفين المصريين والعرب.
ذلك أن أغلبهم ــ إن لم يكن كلهم ــ فعلوا ما فعله نموذج المثقف المصرى. حين سقطت من ذاكرته الجريمة التاريخية، بحيث لم يعد يرى سوى اتجاهات الريح والحسابات السياسية الراهنة.

 ولست أتردد فى التعميم على الأقل فهم فى مصر واحد من اثنين.
إما أنهم يتجاهلون الجريمة تماما، فلا ذكر فى خطابهم عن اغتصاب فلسطين أو الاحتلال الاستيطانى.
وفى أحسن أحوالهم فإنهم اعتبروا ربما أن هناك قضية ولكن لا ينبغى أن نشغل أنفسنا بها فى الوقت الراهن بعدما ضيعنا سنين طويلة من العمر فى رفع راياتها والهتاف لها.

هذا التجاهل لقضية الاغتصاب والاحتلال يعبر عن خلل فادح آخر فى الرؤية يهز أساس نظرية الأمن القومى المصرى والعربى.
ذلك أن فكرة إقامة دولة لليهود إذا كانت حلما راود قادة الحركة الصهيونية منذ القرن التاسع عشر
فإنها أيضا كانت استجابة للحرص الغربى على تطويق مصر وإقامة رأس حربة للغرب فى المشرق العربى.

وأى قارئ لتاريخ الحركة الصهيونية يعرف جيدا أن من بين الأفكار المبكرة التى طرحت لإقامة وطن قومى لليهود أن تكون شبه جزيرة سيناء أو أوغندا مقرا له.
والأولى داخل حدود مصر والثانية لدى منابع نيلها.
وقد تحدث وزير المستعمرات البريطانى فى عام ١٩٠٣ عن حكم ذاتى لليهود فى أوغندا.
كما سافر إلى هناك لذلك الغرض وفد يمثل المؤتمر اليهودى العالمى. إلا أنه عاد غير مقتنع بالفكرة.

جرى الحديث أيضا عن وطن لهم فى ليبيا (على حدود مصر الغربية).
ولكن رجحت فى النهاية أيضا فكرة إقامة الوطن فى فلسطين التى استمدت شرعيتها من الزعم الأسطورى بأنها «أرض الميعاد» التى خص الله بها «شعبه المختار».

 من ثم جاء اختيار فلسطين حلا توفيقيا استهدف إصابة ثلاثة عصافير بحجر واحد.
 الأول يلبى مطالب الوطن القومى الذى ألحت عليه الحركة الصهيونية.
 الثانى يهدد مصر ويراقبها.
الثالث ينشئ القاعدة الغربية فى قلب العالم العربى.
وكان ذلك وراء صدور وعد بلفور عام ١٩١٧، من جانب وزير خارجية بريطانيا، القوة الاستعمارية الكبرى فى ذلك الزمان.

(2)

هذه الخلفية ظلت حاكمة للنظر المصرى إلى إسرائيل منذ ظهرت إلى الوجود.
 ومن ثم صارت أحد أهم أسس نظرية أمنها القومى.

 إلا أننا نسمع من دعاة التطبيع «اجتهادا» آخر يهدم النظرة من أساسها مستدعيا ثلاث حجج هى:
أن إسرائيل اختلفت الآن وقدمت نموذجا مغايرا لذلك التى استقر فى أذهان جيلنا
 ــ وأنها صارت قوة مهمة فى المنطقة اقتصاديا وعسكريا الأمر الذى حولها إلى شريك فى رسم خرائطها وينبغى ألا تترك لتنفرد بذلك
 ــ الحجة الثالثة أن العرب قاطعوها طوال نحو سبعين عاما. لكن ذلك لم يغير شيئا، وإنما ظلت الرياح تجرى لصالحها طوال الوقت.

الحجة الأولى هى الأخطر والأكثر تدليسا. ذلك أن «إسرائيل الجديدة» حسب تعبيرهم هى الأسوأ فى تاريخها ــ من حيث هى الأكثر استعلاء ويمينية وعنفا.

 لن أستشهد فى ذلك بمقولات معارضين تاريخيين لسياساتها مثل ناعوم تشومسكى أستاذ اللغويات اليهودى الشهير المقيم فى الولايات المتحدة،
ولا إسرائيل شاحاك الذى رأس منظمة حقوق الإنسان فى إسرائيل.
ولن أستعرض آراء الناقدين لسياستها العنصرية والاستعمارية من أمثال جدعون ليفى وأميرة هاس فى كتاباتهما التى تنشرها صحيفة هاآرتس.

 لكننى سأنقل بعضا من مئات الشهادات الصادرة عن عناصر فى داخل النظام الحاكم منها ما يلى:

شهادة البروفيسور زئيف شترنهال رئيس قسم العلوم السياسية فى الجامعة العبرية،
 ففى مقابلة أجراها مع موقع «يسرائيل بلاس» (فى ٢٤/ ٥/ ٢٠١٦) ذكر ما نصه:
«ممارسات إسرائيل كدولة وكمجتمع تجاه الفلسطينيين تستند إلى بواعث فاشية،
وهى تعيد إلى الأذهان ما أصبحت عليه ألمانيا بعد وصول النازيين إلى الحكم».

إيهود باراك رئيس الوزراء ووزير الحرب الأسبق ذكر أنه:
 فى إسرائيل تتعاظم مظاهر الفاشية باطراد. والنخب السياسية الحاكمة تشجع على ذلك (صحيفة ميكور ريشون ٢٢/ ٥ / ٢٠١٦).

المفكر الصهيونى اليمينى اينمار كرمز كرر الفكرة السابقة ذاتها فى نفس الجريدة (عدد ١٧/ ٥/ ٢٠١٦) حيث قال:
بات واضحا أن المجتمع (الإسرائيلى) يمضى على ذات المنهج الذى سار عليه الألمان بعد صعود النازيين إلى الحكم.

نائب رئيس هيئة أركان الجيش يائير جولان نقل عنه قوله:
يقلقنى أن اسرائيل باتت تتجه ببطء لكن باطراد نحو المكان الذى كانت فيه ألمانيا فى ثلاثينيات القرن الماضى (هاآرتس ٥/ ٥/ ٢٠١٦).

فى العلن يتباهى رئيس الوزراء نتنياهو بـ«بطولات» منظمة «اتسل» التى نفذت مذبحة دير ياسين الشهيرة (٩/ ٤/ ١٩٤٨) ويعتبر منفذيها «أبطالا» (هاآرتس ٣/ ٤/ ٢٠١٦).

أطلقت بلدية مدينة بيت شميش اسم الجندى اليور أذاريا، الذى اعدم الفتى الفلسطينى الجريح عبدالسلام الشريف فى مارس الماضى (هاآرتس ٣١/ ٣/ ٢٠١٦).

بين استطلاع أجرى بين الإسرائيليين أن أكثر من ٥٠٪ من الإسرائيليين يؤيدون التمثيل بجثث الفلسطينيين بعد قتلهم (معاريف ٧/ ١١/ ٢٠١٥).

(3)

من الملاحظات المهمة فى هذا الصدد أن أفيجدور ليبرمان نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع الحالى الذى يعد أحد رموز الإرهاب فى إسرائيل امتدح فى تصريح أخير العلاقة الاستراتيجية الناجحة بين إسرائيل ومصر.
 إذ اعتبرها أهم حليف لبلاده فى المنطقة.

 وهو ذاته الذى صرح فى عام 2009 بأن مصر أخطر على إسرائيل من إيران.

 أسوأ من ذلك أنه دعا إلى قصف السد العالى وإغراق مصر، وكان ــ ولايزال ــ يسخر من عملية السلام (الصحفى أورى أفنيرى اعتبر أن ضمه إلى حكومة نتنياهو عمل جنونى وانتحارى ــ هاآرتس ٢٥/ ٥/ ٢٠١٦).

هذا التباين فى موقف الرجل إزاء مصر قد يراه البعض تطورا «إيجابيا»،
 لكننى أزعم أن دلالاته أكبر وأعمق من ذلك التبسيط المخل والساذج.

إذ لا يمكن لعاقل حتى فى داخل إسرائيل ذاتها وبين عناصر اليمين هناك أن يخطر على باله احتمال أن يكون الرجل قد تغير.
لكن الذى تغير حقا هو الدور المصرى. فحين تحدث ليبرمان عن ضرب السد العالى فإنه كان يرى مصر الكبيرة التى لا سبيل إلى التعامل معها وكسر كبريائها إلا بمثل ذلك الأسلوب.

لكن مصر بدت له على صورة أخرى فى السنوات الأخيرة، إذ يراها صغيرة تستحق التعاطف والمهادنة وليس القصف والإغراق.

كما أنه رأى تأثير ذلك على أنظمة العالم العربى التى اقتنعت بأن عدوها الاستراتيجى بات إيران وليس إسرائيل.

وهو ما يؤيد ما سبق أن قلته من أن المتغير الحقيقى فى المشهد كان الطرف المصرى والعربى، فى حين أن إسرائيل لم تتراجع خطوة واحدة إلى الوراء سواء فى مخططات التوسع والاستيطان التى ترتفع مؤشراتها حينا بعد حين، أو فى الإصرار على قمع الفلسطينيين وإذلالهم.

(4)

من أغرب ما روج له المطبعون الادعاء بأن إسرائيل تخطط لبناء شرق أوسط جديد تحتل فيه دورا مركزيا،
ولا ينبغى على مصر أن تقف متفرجة إزاء ذلك.
 فذلك مستوى آخر من التدليس والتغليط يعظم من الدور الإسرائيلى ويلغى على نحو مدهش العالم العربى والإسلامى.
حيث لا يرى فيها سوى أنظمة منبطحة وشعوب عاجزة. وهم يتخذون لحظة الانفراط والانكسار الحالية من جانب الأنظمة لكى يبنوا عليها رؤية للمستقبل. غير مدركين أن تلك لحظة عابرة فى التاريخ، اسهم الانكسار والانكفاء المصرى بدور أساسى فى إطلاقها.
فى حين أن هذه ليست مصر الحقيقية. وأن الفوضى التى ضربت العالم العربى لا تعبر عن حقيقة الشعوب العربية. فضلا عن توتر العلاقات مع إيران أو مخاصمة تركيا ليس أبديا، ولكنه سحابة صيف لا تلبث أن تزول.

هم أيضا يسوغون الانبطاح بدعوى أنه بعد سبعين سنة من الخصام. فإن إسرائيل ازدادت تمكينا وقوة.
بالمقابل فلا المقاطعة أفلحت ولا فلسطين تحررت ولا العالم العربى استفاق ونهض.
 وردى على ذلك أن الفشل ــ إذا صح ــ فإنه يحسب على الأنظمة وليس على الشعوب.
 وأنه يعالج باستعادة صوت الشعوب ودورها وليس التسليم للعدو.
 كما يكون بالسعى للملمة الصف العربى والإسلامى وليس تجاهله والارتماء فى أحضان العدو.

وإذا تذكرنا أن الاحتلال هو الموضوع الرئيسى الذى لا يسقط بالتقادم. فلا حل له سوى المقاومة بأشكالها المختلفة.
 الأمر الذى يعنى أن التطبيع يظل غطاء للهزيمة الشاملة وإشهارا للانبطاح والإفلاس.

وإذا طال به الأجل، فنحن مسئولون عن الالتزام بالموقف الشريف ولسنا مسئولين عن نتائجه.

ولست أنسى فى هذا الصدد ما سمعته من الرئيس البوسنى الراحل على عزت بيجوفيتش بعدما وقع على اتفاق «دايتون» لإنهاء الحرب بين بلاده وصربيا (عام ١٩٩٥) حين قال:
بوسع أى قائد أن يعقد ما شاء من اتفاقات لإقرار السلام.
ولكن يحظر عليه أن يتنازل عن حقه الأساسى،
 فربما استطاعت الأجيال اللاحقة أن تستعيد ذلك الحق. إذ بوسعه أن يتعامل مع الحاضر قدر استطاعته. لكنه لا يملك الحق فى مصادرة المستقبل.

للموضوع بقية فى الأسبوع المقبل بإذن الله

......................

Delete this element to display blogger navbar