Subscribe:

Ads 468x60px

19 أبريل، 2014

اﻟﺳورﯾون ﯾﺑﺣﺛون ﻋن ﺻدﯾق

صحيفة السبيل الأردنيه السبت  19 جمادى الأخره  1435 –  19 أبريل  2014
اﻟﺳورﯾون ﯾﺑﺣﺛون ﻋن ﺻدﯾق فهمي هويدي

ھل أﺻﺑﺢ اﻟﺳورﯾون ﺣﻘﺎ ﺑﻼ أﺻدﻗﺎء؟
 ھذا اﻟﺳؤال اﻟذي ﯾردده ﺑﻌض اﻟﻣﺛﻘﻔﯾن اﻟﺳورﯾﯾن ﻣوﺟﻊ وﻣﺧٍز ﻓﻲ ذات اﻟوﻗت.
ﻣوﺟﻊ ﻷﻧﮫ ﻣﺎ ﻛﺎن ﻟﮫ ان ﯾطرح ﺑﺎﻷﺳﺎس، ﻷن ﻣﺎ ﺑﯾﻧﻧﺎ -ﻧﺣن اﻟﻣﺻرﯾﯾن واﻟﻌرب- وﺑﯾن اﻟﺳورﯾﯾن ﯾﻔﺗرض اﻧﮫ أﻛﺑر وأﻋﻣق وأﻗوى ﻣن ان ﯾوﺻف ﺑﺄﻧﮫ ﻣﺟرد «ﺻداﻗﺔ».

ﺣﺗﻰ إﻧﻧﻲ ﻻ أﺑﺎﻟﻎ إذا ﻗﻠت اﻧﮭم ﻓﻲ وﺟدان ﺟﯾﻠﻧﺎ ﻋﻠﻰ اﻷﻗل ــ وﻓﻲ اﻟوﺻف اﻟدﻗﯾق ــ «ﻧﺣن» ﻓﻲ ﻣﻛﺎن آﺧر،
ذﻟك ﻓﺿﻼ ﻋن ان ﻣﻧﺗدﯾﺎت «اﻷﺻدﻗﺎء» ﻓﻲ اﻟﺧطﺎب اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ اﻟﻣﻌﺎﺻر ﺻﺎرت ﺗﺿم ﺧﻠﯾطﺎ ﻣن اﻟﻣﺣﺳﻧﯾن واﻻﻧﺗﮭﺎزﯾﯾن واﻟﺳﯾﺎﺳﯾﯾن اﻟﻣﺣﺗرﻓﯾن.

ﻣن ﻧﺎﺣﯾﺔ أﺧرى، ﻓﺈﻧﻧﻲ اﻋﺗﺑر اﻟﺳؤال ﻣﺧزﯾﺎ ﻷن اﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﻧﮫ ﻟﯾﺳت واﺿﺣﺔ أو ﺣﺎﺿرة، واﻧﻣﺎ ﺗﺗﻌدد ﻓﯾﮭﺎ اﻻﺟﺗﮭﺎدات ﺗﺑﻌﺎ ﻟﺗﻌدد اﻟﻘراءات.
ﻟذﻟك أزﻋم ﺑﺄن اﻟﺳؤال ﯾﺣﺗﺎج إﻟﻰ ﺗﻔﻛﯾك، ﺑﻘدر ﻣﺎ ان اﻟﺑﯾﺋﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ اﻟراھﻧﺔ ﺗﺣﺗﺎج ﺑدورھﺎ إﻟﻰ ﺗﺣدﯾد وﺗدﻗﯾق. أﻗﻠﮫ ﻟﻛﻲ ﻧﻌرف طﺑﯾﻌﺔ أﺟواء اﻟﻣرﺣﻠﺔ، وﻣﻼﺑﺳﺎﺗﮭﺎ اﻟﻣﻌﻘدة.

ﻗﺑل أي ﻛﻼم أذﱢﻛر ﺑﺄﻧﻧﺎ ﻧﺗﺣدث ﻋن اﻧﺗﻔﺎﺿﺔ اﻟﺷﻌب اﻟﺳوري اﻟﺗﻲ ﺗدﺧل اﻵن ﻋﺎﻣﮭﺎ اﻟراﺑﻊ، ﺑﻌدﻣﺎ ﺗﻔﺟرت داﻋﯾﺔ إﻟﻰ إﺳﻘﺎط اﻟﻧظﺎم اﻟﻘﻣﻌﻲ اﻟﻘﺎﺑض ﻋﻠﻰ اﻟﺳﻠطﺔ ﻣﻧذ ﻧﺣو ﻧﺻف ﻗرن
(ﺣزب اﻟﺑﻌث ﺗوﻟﻰ اﻟﺳﻠطﺔ ﻓﻲ ﻋﺎم 1963).

ورﻏم ان ﻣﻘﺎوﻣﺔ اﻟﻧظﺎم ﻟم ﺗﺗوﻗف وﺗﻌددت أﺷﻛﺎﻟﮭﺎ طوال ﺗﻠك اﻟﻔﺗرة، إﻻ أن ﺛورة اﻟﺷﻌب اﻟﻛﺑرى ﺑدأت ﻓﻲ ﺷﮭر ﻓﺑراﯾر ﻣن اﻟﻌﺎم 2011، وﺗطﺎﯾرت ﺷراراﺗﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻔور ﻓﻲ أﻧﺣﺎء اﻟﺑﻼد، ﻓﻲ ﺗزاﻣن ﺗﺟﺎوب ﻣﻊ أﺻداء اﻟرﺑﯾﻊ اﻟﻌرﺑﻲ اﻟﺗﻲ ﺗﺟﻠت ﻓﻲ ﺗوﻧس وﻣﺻر واﻟﯾﻣن ﻓﻲ ذﻟك اﻟوﻗت.

ھﻲ ﺛورة ﻛﺑرى ﺑﺎﻣﺗﯾﺎز، ﺣﺗﻰ وان ﻟم ﺗؤت ﺛﻣﺎرھﺎ ﺣﺗﻰ اﻵن. إﻻ أن ﺑﺳﺎﻟﺔ اﻟﺷﻌب اﻟﺳوري وﺻﻣوده اﻟﻣدھش، واﺳﺗﻌداده اﻟﺧراﻓﻲ ﻟﻠﺗﺿﺣﯾﺔ ﻣﻣﺎ ﯾﻧﺑﻐﻲ أن ﯾﺣﺳب ﻟﮫ.
 ﺣﺗﻰ أزﻋم ان ﻛل اﻟوطﻧﯾﯾن ﻓﻲ ﺳورﯾﺎ ﺻﺎروا ﺷﮭداء،
ﺑﻌﺿﮭم رﺣل ﻋن اﻟدﻧﯾﺎ (اﻟﺗﻘدﯾرات ﺗﺗﺣدث ﻋن ﻧﺣو 200 أﻟف ﺷﮭﯾد)
واﻟﺑﻌض اﻵﺧر ﻻ ﯾزاﻟون ﻋﻠﻰ ﻗﯾد اﻟﺣﯾﺎة، ﺷﮭداء ﯾﻣﺷون ﻋﻠﻰ اﻷرض وﯾﺳﺗﻘﺑﻠون اﻟﻣوت ﺑﺻدور ﻋﺎرﯾﺔ وﺷﺟﺎﻋﺔ ﻣذھﻠﺔ.

 أﻛﺛر ﻣن ﺛﻼﺛﺔ ﻣﻼﯾﯾن ﺷردوا ﺧﺎرج اﻟﺑﻼد، وأﻋداد ﻣﻣﺎﺛﻠﺔ ﻟﮭم ﺗم ﺗﮭﺟﯾرھم وﺗﺷرﯾدھم داﺧل اﻟﺑﻼد.
وھؤﻻء ﻟم ﯾرﺣﻣﮭم اﻟﻧظﺎم اﻟوﺣﺷﻲ اﻟذي ﻣﺎ ﺑرح ﯾطﺎردھم ﺑﺎﻟﻛﯾﻣﺎوي اﻟﺳﺎم واﻟﺑراﻣﯾل اﻟﻣﺗﻔﺟرة.
ﻧﺎھﯾك ﻋن إذﻻل ﻗطﺎﻋﺎت ﻋرﯾﺿﺔ ﻣﻧﮭم ﺑﺎﻟﺣﺻﺎر واﻟﺗﺟوﯾﻊ وﻗطﻊ اﻟﺗﯾﺎر اﻟﻛﮭرﺑﺎﺋﻲ وﺿرب ﺷﺑﻛﺎت اﻟﻣﯾﺎه، واﺧﺿﺎﻋﮭم ﻟﻛل ﻣﺎ ﯾﻣﻛن ان ﯾﺟﻌل ﺣﯾﺎﺗﮭم ﺟﺣﯾﻣﺎ.

وﻟﯾس ﺑﻌﯾدا ﻋن أذھﺎﻧﻧﺎ ﻣﺎ ﺣدث ﻟﻣﺧﯾم اﻟﯾرﻣوك ﻓﻲ دﻣﺷق اﻟذي اﺳﺗﻣر ﺣﺻﺎره طﯾﻠﺔ ﺳﺑﻌﯾن ﯾوﻣﺎ، ﺣﺗﻰ ﻣﺎت 48 ﺷﺧﺻﺎ ﻣﻧﮭم ﻣن ﺷدة اﻟﺟوع.
واﺿطر اﻵﺧرون إﻟﻰ أﻛل اﻟﻌﺷب وأﻛل ﻟﺣوم اﻟﻘطط واﻟﻛﻼب ﻟﻛﻲ ﯾﺳﺗﻣروا ﻋﻠﻰ ﻗﯾد اﻟﺣﯾﺎة.

ﻟم ﯾﻛن ﻓﻲ ﻛل ذﻟك ﺳر!
ذﻟك ان ﻣﺷﺎھد اﻟﺗﻧﻛﯾل اﻟﺗﻲ ﺣوﻟت ﻗﻠب اﻟﻌروﺑﺔ اﻟﻧﺎﺑض إﻟﻰ ﻗﻠﺑﮭﺎ اﻟﻣﻐدور واﻟﻧﺎزف، ﺗﻣت ﻛﻠﮭﺎ ﺗﺣت ﺳﻣﻊ وﺑﺻر اﻟﻌﺎﻟم أﺟﻣﻊ، وﻓﻲ اﻟﻣﻘدﻣﺔ ﻣﻧﮫ «اﻻﺷﻘﺎء» اﻟﻌرب، اﻟذﯾن ﺣﺎوﻟت أن ﺗﺣﺗﻣﻲ ﺑﮭم ارﺗﺎل اﻟﻼﺟﺋﯾن (ﻓﻲ ﻟﺑﻧﺎن وﺣدھﺎ ﻣﻠﯾون ﻻﺟﺊ ﺳوري).
ﺑﺣﯾث إن أﺣدا ﻻ ﯾﺳﺗطﯾﻊ أن ﯾدﻋﻲ أﻧﮫ ﻟم ﯾﺳﻣﻊ ﺑﺑﺷﺎﻋﺎت اﻟﻧظﺎم وﺟراﺋﻣﮫ وﻻ ﺑﺂھﺎت اﻟﻣﺣزوﻧﯾن واﻟﺛﻛﺎﻟﻰ وﻻ ﺑﺄﺻوات اﻟﻐﺎﺿﺑﯾن اﻟذﯾن ﺧرﺟوا ﯾﺳﺗﻐﯾﺛون وﯾﮭﺗﻔون:
 ﻣﺎ إﻟﻧﺎ ﻏﯾرك ﯾﺎ ﷲ.

ﻓﻲ ﺗﺣﻠﯾل ﻣﺎ ﺟرى ﺳﻧﺟد اﻧﮫ ﻻ ﻣﻔر ﻣن اﻻﻋﺗراف ﺑﺄن اﻟﺛورة اﻟﺳورﯾﺔ اﻧطﻠﻘت ﻓﻲ ظروف ﻏﯾر ﻣواﺗﯾﺔ إﻗﯾﻠﻣﯾﺎ ودوﻟﯾﺎ أﺳﮭﻣت ﻓﻲ إطﺎﻟﺗﮭﺎ وﻓﻲ رﻓﻊ ﻛﻠﻔﺗﮭﺎ،
 ذﻟك أن اﻧطﻼﻗﮭﺎ ﻓﻲ ﺳﯾﺎق اﻟرﺑﯾﻊ اﻟﻌرﺑﻲ ﻟم ﯾﺳﻣﺢ ﻟﻠﺷﻌوب اﻟﻌرﺑﯾﺔ ان ﺗرﻛز ﻓﻲ أﺣداﺛﮭﺎ، ﻷن ﻛل ﻗطر ظل ﻣﺷﻐوﻻ ﺑﺣﺎﻟﮫ وﻣﺳﺗﻘﺑﻠﮫ.

ﺑﻣﻌﻧﻰ أﻧﮭﺎ ﺑرزت ﻓﻲ ﻣﻧﺎخ ﺷﺎع ﻓﯾﮫ اﻻﻧﻛﻔﺎء ﻋﻠﻰ اﻟذات واﻻﻧﺻراف ﻋن اﻷﻣﺔ.
 ﺛم اﻧﮭﺎ اﻧطﻠﻘت ﻓﻲ ﺑﯾﺋﺔ ﻋرﺑﯾﺔ ﺳﻠﺑﯾﺔ إﻟﻰ ﺣد ﻛﺑﯾر.

إذ ﻓﺿﻼ ﻋن اﻧﮭﯾﺎر اﻟﻧظﺎم اﻟﻌرﺑﻲ وﻋﺟز ﻣؤﺳﺳﺎﺗﮫ ﻓﺈن اﻟﻘوى اﻟﻣﺣﺎﻓظﺔ اﻟﻔﺎﻋﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم اﻟﻌرﺑﻲ ﻛﺎن وﻻ ﯾزال ﻟﮭﺎ ﻣوﻗﻔﮭﺎ اﻟﻣﻧﺎھض واﻟراﻓض ﻟﻠرﺑﯾﻊ اﻟﻌرﺑﻰ ﻋﻠﻰ ﺟﻣﻠﺗﮫ.

ﻣن ﻧﺎﺣﯾﺔ ﺛﺎﻟﺛﺔ ﻓﺈﻧﮫ ﻓﻲ ﺣﯾن ﻟم ﺗﺟد اﻟﺛورة ظﮭﯾرا ﻋرﺑﯾﺎ أو دوﻟﯾﺎ ﯾﺳﺎﻧدھﺎ ﻓﺈن اﻟﻧظﺎم اﻟﺑﻌﺛﻲ أﺣﯾط ﺑدﻋم ﻗوى ﻣن إﯾران وﻣﻌﮭﺎ ﺣزب ﷲ وﻣن روﺳﯾﺎ اﻟﺗﻲ داﻓﻌت ﺑﺷراﺳﺔ ﻋن ذﻟك اﻟﻧظﺎم ﻓﻲ اﻟﻣﺣﺎﻓل اﻟدوﻟﯾﺔ.

ﻣن ﻧﺎﺣﯾﺔ راﺑﻌﺔ ﻓﺈن ظﮭور اﻟﺟﻣﺎﻋﺎت اﻟﻣﺗطرﻓﺔ ذات اﻷھداف اﻟﻐﺎﻣﺿﺔ واﻟﻣﻧﱢﻔرة ﻓﻲ ﺻف ﻣﻘﺎوﻣﺔ اﻟﻧظﺎم أﺳﺎء إﻟﻰ اﻟﺛورة، ﻷﻧﮫ اﻋطﻰ اﻧطﺑﺎﻋﺎ ﺑﺄﻧﮫ إذا ﻛﺎن اﻟﻧظﺎم اﻟﺑﻌﺛﻲ ﺳﯾﺋﺎ ﻓﺎﻟﺑداﺋل اﻟﻣﺗﺎﺣﺔ اﺳوأ ﻣﻧﮫ وأﺿل ﺳﺑﯾﻼ.
وﺗﻠك ﻧﻘطﺔ اﺳﺗﺛﻣرھﺎ ﻧظﺎم دﻣﺷق ﻓﻲ إﻗﻧﺎع اﻟﺟﻣﯾﻊ ﺑﺄن ﺳﻘوطﮫ ﺳﯾﻌرض اﻟﻣﻧطﻘﺔ اﻟﻣﺣﯾطﺔ ﻟﻣﺧﺎطر ﻋدة، ﯾﻣﻛن ان ﺗﺣدث اﻧﻘﻼﺑﺎ ﻓﻲ ﺧراﺋطﮭﺎ ﯾﮭدد اﻻﺳﺗﻘرار واﻟﺳﻠم ﻓﯾﮭﺎ.
 وھو ﻣﺎ أﻓزع اﻟدواﺋر اﻟﻐرﺑﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﺷﻐﻠﮭﺎ ﻣﺳﺄﻟﺔ أﻣن إﺳراﺋﯾل وﯾؤرﻗﮭﺎ أي ﺗﺣول ﻣن ﺷﺄﻧﮫ اﻟﻣﺳﺎس ﺑﻣﺻﺎﻟﺣﮭﺎ.

وإذا أﺿﻔﻧﺎ إﻟﻰ ﻛل ﻣﺎ ﺳﺑق أزﻣﺔ اﻟﺿﻌف واﻟﮭﺷﺎﺷﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﻌﺎﻧﻲ ﻣﻧﮭﺎ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﻣدﻧﻲ واﻟﻘوى اﻟﺳﯾﺎﺳﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻌﺎﻟم اﻟﻌرﺑﻲ، ﻓﺈن ذﻟك ﯾﺳﻠط اﻟﺿوء ﻋﻠﻰ ﺑﻌد آﺧر ﻟﻠﻣﺷﮭد، ﯾﻧﺑﮭﻧﺎ إﻟﻰ اﻧﮫ ﻓﻲ ﺣﯾن ﻛﺎﻧت اﻷﻧظﻣﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﻋﺎﺟزة ﻋن ان ﺗﻘدم ﺷﯾﺋﺎ ﻟﺛورة اﻟﺷﻌب اﻟﺳوري، ﻓﺈن اﻟﻣﺟﺗﻣﻌﺎت اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﻋﺎﻧت ﻣن اﻟﻌﺟز ذاﺗﮫ.

وإذ ﺗزاﻣن ذﻟك ﻣﻊ ﺣﺎﻟﺔ اﻟﺗردد واﻟﺗوﺟس اﻟﺗﻲ ﻗﯾدت ﺣرﻛﺔ اﻟﺟﮭود اﻟدوﻟﯾﺔ، ﻓﺈن اﻟﻧﺗﯾﺟﺔ اﻟﺗﻲ ﺻرﻧﺎ إﻟﯾﮭﺎ ﻻ ﺗﺑدو ﻏرﯾﺑﺔ أو ﻣﻔﺎﺟﺋﺔ.

إذا ﺻﺢ ذﻟك اﻟﺗﺣﻠﯾل ﻓﮭو ﯾﻌﻧﻲ ان اﻟﺗﻘﺻﯾر ﻓﻲ ﻣﺳﺎﻧدة اﻟﺛورة اﻟﺳورﯾﺔ ھو ﺟزء ﻣن أزﻣﺔ اﻟواﻗﻊ اﻟﻌرﺑﻲ اﻟﻣﺿطرب واﻟﻣﻧﻛﻔﺊ وﻧظﺎﻣﮫ اﻟذي اﻧﮭﺎر وﺻﺎر ﺑﻼ ﻓﺎﻋﻠﯾﺔ.
وھو ﻻ ﯾﻌﻧﻲ ﺑﺎﻟﺿرورة ان اﻟﺳورﯾﯾن ﻣﺎﻋﺎدوا ﺑﻼ أﺻدﻗﺎء، ﻟﻛﻧﮫ ﯾﻌﻧﻲ أن ﻟﮭم أﺻدﻗﺎء ﻋﺎﺟزﯾن وﻗﻠﯾﻠﻲ اﻟﺣﯾﻠﺔ،
وأﻛﺛرھم ﯾﻌﺎﻧون ﻣن اﻟﺷﻌور ﺑﺎﻟذﻧب ﻻﻧﮭم ﻻ ﯾﺳﺗطﯾﻌون ان ﯾﻌﺑروا ﻋن ﺗﺿﺎﻣﻧﮭم ﻣﻊ اﻟﺷﻌب اﻟﺳوري ﻋﻠﻰ اﻟﻧﺣو اﻟذي ﯾﺗﻣﻧوﻧﮫ.

 وإذا ﻗﺎل ﻗﺎﺋل إن ھﻧﺎك اﻟﻛﺛﯾر اﻟذي ﯾﻣﻛن ﯾﻘدم ﻟﻠﺳورﯾﯾن ﻓﻲ اﻟﺑﻠدان اﻟﺗﻲ ﻟﺟﺄوا إﻟﯾﮭﺎ، ﻓﺈﻧﻧﻲ أﺗﻔق ﻣﻌﮫ ﺗﻣﺎﻣﺎ زاﻋﻣﺎ ان اﻟﺗﻘﺻﯾر ﻓﻲ ھذا اﻟﺑﺎب ﻻ ﻋذر ﻓﯾﮫ ﻷﺣد،
وﻣﺷددا ﻋﻠﻰ ان ﺑﻌض اﻟﺣﻛوﻣﺎت اﻟﻌرﺑﯾﺔ ﻟم ﺗﺧﯾب أﻣل اﻟﺳورﯾﯾن ﻓﺣﺳب، وإﻧﻣﺎ أﺣرﺟت ﺷﻌوﺑﮭﺎ وأﺷﻌرﺗﮭم ﺑﺎﻟﺧزي واﻟﺧﺟل. وھو ﻣﺎ ﻻ ﯾﺟدي ﻣﻌﮫ اﻻﻋﺗذار أو اﻟﺷﻌور ﺑﺎﻟذﻧب.

.................

17 أبريل، 2014

«بركات» في الجزائر

صحيفة الشرق القطريه الخميس  17 جمادى الأخره  1435 –  17 أبريل  2014
«بركات» في الجزائر – فهمي هويدي

تجري في الجزائر اليوم واحدة من الانتخابات النمطية التي صارت من سمات العالم الثالث، حيث النتيجة معلومة سلفا، والرئيس الحالي هو الرئيس القادم.
وطقوس الانتخابات تجري على سبيل التجمل الديمقراطي.
وهي في حقيقتها تجديدا للبيعة وتكريسا للوضع القائم.
مع ذلك فإنها تكتسب بعض الخصوصية التي تميزها عن الجمهوريات المتعارف عليها في العالم العربي،
ذلك أن الجميع يعرفون أن الجزائر يحكمها الجيش منذ الاستقلال في عام 1962.
ومن المقولات التي تشخص هذه الحالة قول البعض إن كل دولة في العالم لها جيش.
 الجزائر حالة استثنائية لأن الجيش فيها له دولة.

في هذا السياق تستدعي تجربة الجيش التركي الذي اعتبر نفسه مؤسس الجمهورية وحارسها، بعدما حرر البلد من الاحتلال في الحرب العالمية الأولى، وهو ما فعلته جبهة تحرير الجزائر. وإن اختلف الأمر في المآلات. لأن قوى المجتمع نجحت في التخلص من قبضة العسكر في تركيا، لكنها فشلت في ذلك في الجزائر، حتى الآن على الأقل.

منذ الاستقلال والمؤسسة الأمنية التي يديرها الجيش هو الذي يحكم من وراء ستار. فيرشح الرؤساء أو يستبدهم.
ومنذ جاء الجيش بالسيد عبدالعزيز بوتفليقة وقدمه رئيسا في عام 1999 والرجل مستمر في وظيفته.

ولأن الدستور الجزائري كان ينص على ولايتين فقط للرئيس، فإن ذلك لم يكن عقبة، لأن النص جرى تعديله (كما فعل السادات في مصر) وصار من حق الرئيس أن يترشح لعدة ولايات وليس اثنتين فقط.

وبناء على ذلك انتخب بوتفليقة لولاية ثالثة في عام 2009، وها هو الآن يترشح للمرة الرابعة.
ولكن ذلك يتم في ظروف مغايرة إلى حد كبير. ذلك أن الرجل البالغ من العمر 77 عاما أصيب بجلطة دماغية في العام الماضي اضطرته للسفر إلى فرنسا للعلاج،

وبعد أن قضى هناك حوالي ثلاثة أشهر، عاد على مقعد متحرك وغير قادر على التعبير عن نفسه، حيث بات يجد صعوبة في النطق.

ولذلك فإنه لم يظهر في مناسبات عامة إلا في مرات نادرة. ولم يتحدث إلى الجماهير وهو الخطيب المفوه. لذلك فإن حملته الانتخابية يباشرها مساعدوه.
 الأمر الذي يعني أن الرجل الذي أصبح عاجزا عن السير على قدميه قرر أن يخوض المعركة الانتخابية مصرا على أن يستمر في تسيير شؤون الدولة.

وبسبب حالته الصحية غير المطمئنة فإن نقاده ومعارضيه أصبحوا يشكون في دوافع القوى المحيطة به. التي تتمثل أساسا في المؤسسة الأمنية كما تتمثل في محيطه العائلي، وبخاصة شقيقه الذي يثار حول دوره لغط كثير.

حجة مؤيدي بوتفليقة أن الساحة الجزائرية تفتقد إلى قيادة كاريزمية تلتف من حولها الجماهير.
من ثَمَّ فإنهم اعتبروا بوتفليقة الأكثر قبولا والأوفر حظا.

ورغم أنه لم يستخدموا مصطلح «مرشح الضرورة» الذي جرى صكَّه وتسويقه في مصر، إلا أن السلوك السياسي المتبع قدَّمه في هذا الإطار.

وفيما سمعت من بعض المثقفين الجزائريين فإن أنصار بوتفليقة استخدموا لصالحه المتغيرات السلبية التي حصلت على العالم العربي بعدما هبت عليه رياح «الربيع» في عام 2011. وحذروا من أن يتكرر في الجزائر ما حدث في مصر وليبيا وسوريا واليمن.
حيث أدعوا في هذا الصدد أن التعبير الذي حدث لم يجلب الأمن أو الاستقرار لتلك الأقطار.
 ووجدت تلك المقولة آذانا صاغية في بعض الأوساط خصوصا أن بقايا الجماعات المتطرفة لا يزال لها وجود في جنوب الجزائر.
وما حدث في مالي على أيدي الجماعات المنسوبة إلى «القاعدة» ليس منها ببعيد.

المتغير الآخر المهم كان في بنية المجتمع الجزائري ذاته. ليس فقط لأن عالم القرن الواحد والعشرين مختلف عن عالم القرن العشرين،
ولكن أيضا لأن رياح الربيع التي هبت على العالم العربي لم تستثن دول المغرب، حيث ما كان لها أن تهب بغير صدى لها في الجزائر.

ورغم السلبيات التي شهدتها دول الربيع، فإن ذلك لم يغير من حقيقة شوق الناس إلى التغيير وجرأتهم على المطالبة بحقوقهم في الحرية والعدل.

آية ذلك أنه حين أعلن الوزير الأول الجزائري (رئيس الوزراء) عبدالمالك سلال عن اعتزام بوتفليقة الترشح لولاية رابعة، فإن بعض شرائح المجتمع أعربت عن احتجابها بسرعة في حركة رفعت شعار «بركات» وهو مصطلح مماثل لكلمة «كفاية» في مصر.
ونظم هؤلاء بعض المسيرات في العاصمة، شارك فيها مثقفون ومواطنون من كل الفئات.

 كما انطلقت أغان بالفرنسية والعامية الجزائرية، نددت بترشيح بوتفليقة وسخرت منه، إلا أن ذلك لن يغير الكثير في النتيجة التي يعرف الجميع أنها محسومة لصالح الرجل الذي تسانده المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية إضافة إلى الإعلام الرسمي وشبكة المصالح المرتبطة بالنظام المتحكم في السياسة ومصير البلد منذ أكثر من نصف قرن.

الملاحظة الأخيرة الجديرة بالانتباه أنه في حالة نجاح بوتفليقة فإنه لن يصبح في العالم العربي أية انتخابات رئاسية ديمقراطية حقيقية،

ذلك أنها جميعا ستكون أقرب إلى الملكيات التي يتولى السلطة فيها أشخاص متشبثون بالسلطة ومعروفون سلفا.
وستكون تونس وحدها استثناء في العالم العربي، حيث سيصبح الدكتور منصف المرزوقي هو الرئيس الوحيد الذي تولى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية حرة لم تحسم قبل إجرائها.

...................

16 أبريل، 2014

مؤامرة !

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء  16 جمادى الأخره  1435 –  16 أبريل  2014
مؤامرة ! – فهمي هويدي

ﯾوم اﻷﺣد اﻟﻣﺎﺿﻲ 13 أﺑرﯾل ﻧﺷر ﻟﻲ ﻓﻲ ھذا اﻟﻣﻛﺎن ﻋﺎﻣود ﻛﺎن ﻋﻧواﻧﮫ «ﺻﺎﻓرات اﻟﺣزن اﻟﯾوﻣﻲ».
ﺗﺣدﺛت ﻓﯾﮫ ﻋن ﺷﮭﺎدات اﻟﺗﻌذﯾب ﺑﺎﺗت ﺗﺑﺛﮭﺎ ﻛل ﯾوم ﺗﻘرﯾﺑﺎ ﻣواﻗﻊ اﻟﺗواﺻل اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ،
وأوردت ﺷﮭﺎدﺗﯾن ﻛﺎﻧت إﺣداھﻣﺎ ﺻﺎرﺧﺔ وﺿﺣﯾﺗﮭﺎ ﺷﺎب ﻋﻣره 19 ﺳﻧﺔ، ھو ﻋﻣر ﺟﻣﺎل اﻟﺷوﯾﺦ اﻟطﺎﻟب ﺑﺎﻟﺳﻧﺔ اﻷوﻟﻰ ﺑﻛﻠﯾﺔ اﻟدراﺳﺎت اﻹﺳﻼﻣﯾﺔ ﻓﻲ ﺟﺎﻣﻌﺔ اﻷزھر.

 وذﻛرت أﻧﻧﻲ وﻗﻌت ﻋﻠﻰ ھذه اﻟﺷﮭﺎدة ﻓﻲ ﻣوﻗﻊ «ﺑواﺑﺔ ﯾﻧﺎﯾر»،
وان اﻷﺳﺗﺎذة أھداف ﺳوﯾف اﻟرواﺋﯾﺔ اﻟﻣﻌروﻓﺔ أﺷﺎرت إﻟﯾﮭﺎ ﻓﻲ ﻣﻘﺎﻟﺔ ﻧﺷرﺗﮭﺎ ﻟﮭﺎ ﺟرﯾدة «اﻟﺷروق» ﻓﻲ 10 أﺑرﯾل اﻟﺣﺎﻟﻲ.

وﻟم اﺷﺄ أن أﺷﯾر إﻟﻰ ﺑﻘﯾﺔ اﻟﻣﺻﺎدر اﻟﺗﻲ ﺗﻧﺎﻗﻠت ﻗﺻﺔ اﻟﺷﺎب.
 إذ ﻛﺎﻧت ﺷﺑﻛﺔ «ﯾﻘﯾن» اﻹﺧﺑﺎرﯾﺔ ﻗد ﻧﻘﻠﺗﮭﺎ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﻟﺳﺎن أﻣﮫ ﻓﻲ اﻟﻣؤﺗﻣر اﻟذي ﻋﻘدﺗﮫ ﺣﻣﻠﺔ «اﻟﺣرﯾﺔ ﻟﻠﺟدﻋﺎن» ﻓﻲ ﻧﻘﺎﺑﺔ اﻟﺻﺣﻔﯾﯾن (وھﻲ ﻣوﺟودة ﺑﻛل ﺗﻔﺎﺻﯾﻠﮭﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﯾوﺗﯾوب).

ﻛﻣﺎ ﻧﺷرﺗﮭﺎ ﺟرﯾدة «اﻟوﻓد» ﻓﻲ ﻣﻘﺎل ﻛﺗﺑﮫ زﻣﯾﻠﻧﺎ ﻋﻼء ﻋرﯾﺑﻲ، ﻓﻲ ﻧﻔس ﯾوم 13/4 اﻟذي ظﮭر ﻓﯾﮫ ﻣﺎ ﻛﺗﺑﺗﮫ ﻓﻲ ﺟرﯾدة «اﻟﺷروق»،
وﻛﺎﻧت زﻣﯾﻠﺔ أﺧرى ھﻲ اﻷﺳﺗﺎذة ﻓﺎطﻣﺔ ﯾوﺳف ﻗد ﺳﺑﻘﺗﻧﺎ إﻟﻰ ﻧﺷر اﻟﻘﺻﺔ ﻓﻲ ﺻﺣﯾﻔﺔ «اﻟﺷﻌب اﻟﺟدﯾد» ﯾوم 9/4.

ﻛل ھؤﻻء ﻧﺷروا اﻟﺗﻔﺎﺻﯾل اﻟﻣﻔزﻋﺔ اﻟﺗﻲ ذﻛرﺗﮭﺎ، ﻟﻛﻧﻧﻲ أﺿﻔت ﻓﻘرة ﻗﻠت ﻓﯾﮭﺎ ﻣﺎ ﻧﺻﮫ:
 إﻧﻧﻲ أﻓﮭم ان ﺗﺣﺎل ﻟﻠﺗﺣﻘﯾق اﻟوﻗﺎﺋﻊ اﻟﻣروﻋﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﺗﺣدث ﻋﻧﮭﺎ اﻟﺣﻘوﻗﯾون واﻟﺷﮭﺎدات اﻟﺗﻲ ﺗﺻدر ﻋن اﻟﻣﻌﺗﻘﻠﯾن أو ذوﯾﮭم ﻟﻠﺗﺛﺑت ﻣن ﻣدى ﺻﺣﺗﮭﺎ، وﻣﺣﺎﺳﺑﺔ اﻟﻣﺳؤوﻟﯾن ﻋﻧﮭﺎ ﻓﻲ ھذه اﻟﺣﺎﻟﺔ.
وﻟﻛن ﺗﺟﺎھﻠﮭﺎ ﻣن ﻧﺎﺣﯾﺔ أو ﻧﻔﯾﮭﺎ ﻣن ﺟﺎﻧب اﻷﺑواق اﻹﻋﻼﻣﯾﺔ ﻣن ﻧﺎﺣﯾﺔ ﻟم ﯾﻌد ﻛﺎﻓﯾﺎ وﻻ ﻣﻘﺑوﻻ.

 ﺑﻛﻼم آﺧر ﻓﺈﻧﻧﻲ ﻛﻧت واﺣدا ﻣن ﻛﺛﯾرﯾن اﺳﺗﻔزﺗﮭم ﻗﺻﺔ اﻟﺗﻌذﯾب اﻟذي ﺗﻌرض ﻟﮫ اﻟﺷﺎب ﻋﻣر اﻟﺷوﯾﺦ، وﺟﻣﯾﻌﻧﺎ ﻧﻘﻠﻧﺎ ﻧﻔس اﻟﻣﻌﻠوﻣﺎت، إﻻ أﻧﻧﻲ ﻟم اﻧطﻠق ﻣن اﻟﺗﺳﻠﯾم ﺑﺎﻟﻛﻼم اﻟﻣﺗداول،
ﻟذﻟك ﺣرﺻت ﻋﻠﻰ اﻟﻣطﺎﻟﺑﺔ ﺑﺎﻟﺗﺣﻘﯾق ﻓﻲ اﻟوﻗﺎﺋﻊ وﻣﺣﺎﺳﺑﺔ اﻟﻣﺳؤوﻟﯾن ﻋﻧﮭﺎ إذا ﺻﺣت، أو ﻣﺣﺎﺳﺑﺔ ﻣروﺟﯾﮭﺎ إذا ﻟم ﺗﺻﺢ.

ﻟﻛن ﻣﺎ ﺣدث ﺑﻌد ذﻟك ﻛﺎن ﻣدھﺷﺎ وﻣﺣزﻧﺎ
ــ ﻛﯾف؟

ﻓﻲ ﻣﺳﺎء ﯾوم اﻟﻧﺷر(اﻷﺣد 13/4) وﺟدت اﻟﻣوﺿوع ﻣﺛﺎرا ﻓﻲ أﺣد اﻟﺑراﻣﺞ اﻟﺗﻠﯾﻔزﯾوﻧﯾﺔ، وﻛﺎن ﻛل اﻟﺗرﻛﯾز ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ذﻛرت ﻣﺗﺟﺎھﻼ ﻣﺎ ﻧﺷرﺗﮫ ﺟﻣﯾﻊ اﻷطراف اﻷﺧرى،
وظﻠت اﻟﻌﺑﺎرة اﻟﺗﻲ وﺿﻌت ﻋﻠﻰ اﻟﺷﺎﺷﺔ ﺗﺷﯾر إﻟﻰ أن ﻓﻼﻧﺎ (اﻟذي ھو اﻧﺎ) ﯾﻘول إن اﻟﻣﻌﺗﻘﻠﯾن ﯾﺗﻌرﺿون ﻟﻠﺗﻌذﯾب واﻻﻋﺗداء اﻟﺟﻧﺳﻲ.

وھﻲ ﻋﺑﺎرة وردت ﺣﻘﺎ ﻓﯾﻣﺎ ﻛﺗﺑت ﻟﻛﻧﻧﻲ ﻟم أﻛن ﺻﺎﺣﺑﮭﺎ، واﻧﻣﺎ ذﻛرﺗﮭﺎ اﻷم ﻓﻲ اﻟﺗﺳﺟﯾل اﻟﻣوﺟود ﻋﻠﻰ اﻟﯾوﺗﯾوب واﻟﻣﺗﺎح ﻟﻠﺟﻣﯾﻊ. ﻛﻣﺎ ذﻛرﺗﮭﺎ ﺑﻘﯾﺔ اﻟﻣواﻗﻊ واﻟﻣﺻﺎدر اﻟﺗﻲ أﺷرت إﻟﯾﮭﺎ.

وﻟم ﯾﻛن ذﻟك ھو اﻟﺗﻐﻠﯾط اﻟوﺣﯾد، ﻷن ﻣﻘدﻣﻲ اﻟﺑرﻧﺎﻣﺞ ذﻛرا أن اﻟﻘﺻﺔ ﻧﺷرﺗﮭﺎ ﻓﻲ ﻧﻔس اﻟﯾوم ﺻﺣﯾﻔﺔ «اﻷوﺑزرﻓر» اﻟﺑرﯾطﺎﻧﯾﺔ، وھو أﻣر ﻏﯾر ﻣﺳﺗﻐرب ﻷن ﺗداوﻟﮭﺎ ﻋﺑر ﻣواﻗﻊ اﻟﺗواﺻل اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ ﯾﺟﻌﻠﮭﺎ ﻓﻲ ﻣﺗﻧﺎول أي ﻣراﺳل أﺟﻧﺑﻲ أو ﺻﺣﻔﻲ ﻋﺎدي ﻓﻲ ﻣﺻر.

ﻛﻣﺎ ﺗﺣدﺛﺎ ﻋن ان ﻣﺎ ﻗﻠﺗﮫ ﻧﺷرﺗﮭﺎ ﻋدة ﺻﺣف ﻋرﺑﯾﺔ، وھو أﻣر ﻟﯾس ﺟدﯾدا ﻷن ﻛﺗﺎﺑﺎﺗﻲ ﺗﻧﺷرھﺎ ﻣﻧذ 12 ﻋﺎﻣﺎ ﻋﺷر ﺻﺣف ﻋرﺑﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻣﺷرق واﻟﻣﻐرب، ﺑﻌﺿﮭﺎ ﺑﺎﺗﻔﺎق وﺑﻌﺿﮭﺎ ﺑﻐﯾر اﺗﻔﺎق.

ﻟﻛن ﻣﻘدﻣﻲ اﻟﺑرﻧﺎﻣﺞ ﺗﺟﺎھﻼ ﻛل ذﻟك واﻋﺗﺑرا ان اﻟﻌﻣﻠﯾﺔ ﺟزء ﻣن ﻣؤاﻣرة ﺟرى اﻟﺗﻧﺳﯾق ﻓﯾﮭﺎ ﺑﯾن ﺷﺧﺻﻲ اﻟﺿﻌﯾف وﺑﯾن اﻷطراف اﻟدوﻟﯾﺔ واﻟﻌرﺑﯾﺔ،
وﻛﺎن اﻟدﻟﯾل ھو ﻧﺷر اﻟﻣﻌﻠوﻣﺔ ﻓﻲ إﻧﺟﻠﺗرا وﺗداول اﻟﻌﺎﻣود اﻟذي ﻛﺗﺑﺗﮫ ﻓﻲ ﻋدة أﻗطﺎر ﻋرﺑﯾﺔ.
 وھﻲ اﻟﻧﻘطﺔ اﻟﺗﻲ وﻗف ﻋﻧدھﺎ ﻣﻘدﻣﺎ اﻟﺑرﻧﺎﻣﺞ طوﯾﻼ ﺣﯾث اﻋﺗﺑرا أﻧﻧﻲ ﺑﻣﺎ ﻛﺗﺑت أﺳﮭﻣت ﻓﻲ ﺗﻧﻔﯾذ اﻟﻣﺧطط اﻟﺟﮭﻧﻣﻲ اﻟذي ﯾﺳﺗﮭدف ﺗﺷوﯾﮫ ﻣﺻر وﺛورة 30 ﯾﻧﺎﯾر اﻟﻣﺟﯾدة. ﻓﺿﻼ ﻋن اﻹﺳﺎءة إﻟﻰ ﺟﮭﺎز اﻟﺷرطﺔ اﻟذي ﯾﺳﮭر ﻋﻠﻰ ﺧدﻣﺔ اﻟوطن وﺗﺄﻣﯾن اﻟﻣواطﻧﯾن ﺿد ﻏﺎرات اﻹرھﺎﺑﯾﯾن وﺷرورھم.

ورﻏم اﻧﮭﻣﺎ اﺳﺗﺿﺎﻓﺎ أﺣد ﺿﺑﺎط وزارة اﻟداﺧﻠﯾﺔ ﻟﯾﻘول ھذا اﻟﻛﻼم. ﻓﺈﻧﮭﻣﺎ ﻟم ﯾﻛوﻧﺎ ﺑﺣﺎﺟﺔ ﻟذﻟك، ﻷﻧﮭﻣﺎ ظﻼ طول اﻟوﻗت ﯾزاﯾدان ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﮫ اﻟرﺟل، ﻓﻲ اﻟﺗﺷدﯾد ﻋﻠﻰ ﻓﻛرة اﻟﻣؤاﻣرة واﻟﺿﻠوع ﻓﻲ اﻟﻣﺧططﺎت اﻟدوﻟﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﺳﺗﮭدف ﻣﺻر، وﺗﻣوﻟﮭﺎ ﻗطر وﺗرﻛﯾﺎ إﻟﻰ ﺟﺎﻧب أﺟﮭزة ﻣﺧﺎﺑرات اﻟدول اﻟﻌظﻣﻰ وﻏﯾر اﻟﻌظﻣﻰ.

أﺣزﻧﻧﻲ ﺗدھور اﻟﻣﺳﺗوى اﻟﻣﮭﻧﻲ ﻟﻠﺷﺎﺑﯾن اﻟﻠذﯾن ﻗدﻣﺎ اﻟﺑرﻧﺎﻣﺞ، ﻷن أي واﺣد ﻣﻧﮭﻣﺎ ﻟو أدى واﺟﺑﮫ ﻗﺑل ﺗﻘدﯾم اﻟﺣﻠﻘﺔ، وﻓﺗﺢ ﺟﮭﺎز اﻟﻛﻣﺑﯾوﺗر أو اﻟﻼب ﺗوب، ﻷدرك أن «اﻟﻣؤاﻣرة» وھم ﻛﺑﯾر وأن اﻟﻣﻌﻠوﻣﺎت ﻣﺗداوﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻧطﺎق واﺳﻊ ﻣﻧذ ﻋدة أﯾﺎم.
 وﻣن ﺛم ﻟﻣﺎ ﻗﺎل ﻣﺎ ﻗﺎﻟﮫ وﻷﺻﯾب ﺑﺎﻟﺧﺟل ﻣن ﺗﻧﻔﯾذ ﻣﺎ ُطﻠب ﻣﻧﮫ.
ﻟﻛن اﻻﺛﻧﯾن آﺛرا أن ﯾﺗﺻرﻓﺎ ﻛﻣﺧﺑرﯾن ﻓﻲ ﺟﮭﺎز اﻷﻣن اﻟوطﻧﻲ وﻟﯾس ﻛﻣﻧﺗﺳﺑﯾن إﻟﻰ ﻣﺣطﺔ ﺗﻠﯾﻔزﯾوﻧﯾﺔ، وﻣن ﺛم ﻗدﻣﺎ ﻧﻣوذﺟﺎ ﻻﻧﻘراض ﻣﮭﻧﺔ اﻹﻋﻼﻣﻲ اﻟﺗﻠﯾﻔزﯾوﻧﻲ، أﯾدا ﺑﮫ ﻓﻛرة ﺧﺿوع اﻟﺑث اﻟﺗﻠﯾﻔزﯾوﻧﻲ ﻟﺗوﺟﯾﮭﺎت اﻷﺟﮭزة اﻷﻣﻧﯾﺔ.
وھﻲ ظﺎھرة ﺗﻌددت ﺷواھدھﺎ ﻓﻲ اﻟﺳﺎﺣﺔ اﻹﻋﻼﻣﯾﺔ اﻟﻣﺻرﯾﺔ، ﻏذاھﺎ اﻟﺗﻐﯾر اﻟﺣﺎﺻل ﻓﻲ ﻣوازﯾن اﻟﻘوى ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ. ﺣﯾن ﺗراﺟﻌت ﻗﯾﻣﺔ اﻟﻣواطن وارﺗﻔﻌت أﺳﮭم اﻷﻣن وأھﻠﮫ. ﺑﺣﯾث ﻣﺎ ﻋﺎد اﻟﺳؤال ﻓﻲ أي ﻣﺣطﺔ ﺗﻠﯾﻔزﯾوﻧﯾﺔ ﯾﻌﻣل ﻣﻘدم اﻟﺑرﻧﺎﻣﺞ، وﻟﻛن إﻟﻰ أي ﺟﮭﺎز أﻣﻧﻲ ﯾﻧﺗﻣﻲ!

أﻣﺎ أﻛﺛر ﻣﺎ ﯾﺛﯾر اﻟدھﺷﺔ ﻓﺈن اﻟﺑرﻧﺎﻣﺞ اﻟﺗﻠﯾﻔزﯾوﻧﻲ اﻟﻣذﻛور اھﺗم ﺑﺎﻟﺗﺷﮭﯾر واﻟﺗﺣرﯾض واﻟﺗﻧدﯾد ﺑﻣﺳﺄﻟﺔ اﻟﻣؤاﻣرة وﺑﻔﻛرة اﻹﺳﺎءة إﻟﻰ وزارة اﻟداﺧﻠﯾﺔ، وﻟم ﯾﻛﺗرث ﺑﺎﻟﻘﺿﯾﺔ اﻷﺳﺎﺳﯾﺔ اﻟﻣﺗﻣﺛﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﺗﻌذﯾب وﺑﻣﺎ إذا ﻛﺎﻧت اﻟوﻗﺎﺋﻊ اﻟﻣذﻛورة ﺻﺣﯾﺣﺔ أو ﻣﻔﺗﻌﻠﺔ وﻣﻛذوﺑﺔ.
وﻻ ﺗﻔﺳﯾر ﻟذﻟك ﺳوى أن ﻣﻌﱢدﯾﮫ رأوا اﻟﺳﻠطﺔ وﻟم ﯾﻧﺷﻐﻠوا ﺑﺎﻟﻣﺟﺗﻣﻊ أو اﻟﺿﺣﺎﯾﺎ.
 اﻷﻣر اﻟذي ﯾدﻋوﻧﻲ إﻟﻰ اﻟﺗﺳﺎؤل:
إزاء ذﻟك اﻟﺗﻣﯾﯾﻊ ﻟﻠﻘﺿﯾﺔ ﻣن ﺗﺂﻣر ﻋﻠﻰ ﻣن؟

................

15 أبريل، 2014

السياسة مؤجلة لما بعد الرئاسة – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء  15 جمادى الأخره  1435 –  15 أبريل  2014
السياسة مؤجلة لما بعد الرئاسة – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

لماذا لا نأخذ بيان الإخوان بخصوص العنف على محمل الجد، ليس فقط لكي نختبر صدقيته، ولكن أيضا لكي نبحث عن مخرج للأزمة السياسية في مصر.

(1)

لا يقولن أحد إنه لا توجد أزمة، أو أن ملف الإخوان أغلق ولم يعد يحتمل مزيد كلام.
وهو ادعاء لا يمكن قبوله إلا إذا اتفقنا على الاستسلام للغيبوبة، وقررنا أن ندفن رءوسنا في الرمال، لكي لا نرى أو نسمع شيئا مما حولنا.
ولكي نوهم أنفسنا بأن كل شيء على ما يرام وأن الدنيا ربيع والجو بديع،
 الأمر الذي يدعونا إلى تقفيل كل المواضيع، كما تقول كلمات الراحل صلاح جاهين في الأغنية المشهورة.

 أما إذا أفقنا وخرجنا من حالة الإنكار فسنجد أن ثمة حقائق مدبَّبة في واقعنا السياسي يتعين التعامل معها، قبل أن تتحول من جراح يمكن علاجها إلى عاهات وعقد تعوق مسيرتنا، ويستعصى البراء منها.

لن أضيف جديدا. لكنني أذكِّر فقط بأن المجتمع المصري أصبح منقسما بصورة حادة لم يشهدها في تاريخه المعاصر.
وأن الاستقطاب مع ما استصحبه من تجاذب وكراهية متبادلة لم يعد مقصورا على النخب السياسية، وإنما وصل إلى عمق المجتمع في قراه ونجوعه،
 الأمر الذي أزعم أنه بات يهدد استمرار التعايش أو يخدم السلم الأهلي.

أذكِّر أيضا بأن مخططات الإرهاب لم تتوقف.
وإذا كنا قد سمعنا عن عمليات لأنصار بيت المقدس وأخرى لمن وصفوا أنفسهم بأنهم أجناد مصر، فالله وحده يعلم ما هي خطواتهم القادمة، وما إذا كانت هناك منظمات أخرى بصدد الظهور أم لا.

وينبغي أن يستوقفنا استمرار المظاهرات طوال الأشهر التسعة الماضية، وهو أمر غير مألوف، واشتداد تلك المظاهرات في الجامعات على نحو دعا أحد كبار مثقفينا ــ الأستاذ بهاء طاهر ــ إلى اقتراح تعطيل الدراسة في الجامعات لمدة سنتين.

أضف إلى القائمة التركة الثقيلة المتمثلة في استمرار اعتقال نحو 25 ألف شخص من مختلف الاتجاهات السياسية،
غير 16 ألف مصاب على الأقل،
 ثم تقديم أكثر من ألفين إلى المحاكمات في قضايا يعلم الجميع كيف رتبت ولفقت.
 ثم إن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل أو ينسى ملف الذين قتلوا خلال الأشهر الأخيرة. وعددهم تجاوز ثلاثة آلاف حسب تقرير بعض المصادر المستقلة
(موقع ويكي ثورة حصر 3248 شخصا قتلوا في الفترة من 3/7/2013 وحتى 31/4/2014)

ــ هل بوسع أحد بعد ذلك أن يدعي بأنه لا توجد أزمة سياسية في مصر؟
أما القول بأن ملف الإخوان أغلق «إلى الأبد» وأنهم لم يخرجوا من السياسة فحسب، وإنما خرجوا من التاريخ أيضا،
 فهو ادعاء يذكرنا بشعار «الحل النهائي» أو الأخير الذي رفعه النازيون في ألمانيا في أربعينيات القرن الماضي. وبمقتضاه دعا القادة النازيون إلى تطهير ألمانيا وأوروبا كلها من اليهود.
وأعدوا لذلك (في عام 1942) ستة معتقلات في بولندا لاستقبالهم، تمهيدا للخلاص منهم،

صحيح أن ثمة فرقا بين إبادة جماعة بشرية، كما هو الحال في نموذج اليهود. وبين تطبيق الحل الأخير على الإخوان،
لكنني أزعم أن ذلك الفرق لصالح ما أدعو إليه، باعتبار أن إبادة البشر قد تكون ممكنة.
لكن الأفكار يتعذر إبادتها بقرار تصدره السلطة مهما كان جبروتها،

 ذلك أن الأفكار لا تقتل بفعل فاعل، وإنما قد تموت بفعل الزمن، إذا شاخت وتآكلت ونضب معينها،
وتاريخ المسلمين حافل بما لا حصر له من الفرق والملل والنحل،
 لكننا لا نعرف فكرة قتلتها سلطة، وإن عرفنا العديد من الفرق، التي بادت بفعل الزمن.

وليس بعيدا عنا ما فعله الرئيس السابق حافظ الأسد الذي أصدر قانونا في عام 1982 قضى بإعدام كل من تثبت عضويته في جماعة الإخوان، لكن ذلك لم يستأصل الجماعة التي هي الآن عضو مهم ونشط في الائتلاف السوري.

وقد حذا معمر القذافي حذوه، وكانت النتيجة مماثلة لما انتهى إليه الأمر في سوريا، حيث هم الآن شركاء مهمون في المؤتمر الوطني الليبي.

(2)

حين ظهرت في أنحاء مصر بعض عمليات العنف النوعية، التي كان واضحا فيها أنها ليست من فعل الهواة، كتبت مقالا في 25/3 كان عنوانه: ليحسم الإخوان موقفهم من العنف والإرهاب.

وكان من العوامل الأخرى التي دفعتني إلى ذلك أن المتحدث العسكري المصري ومختلف المنابر الإعلامية، أشاروا بأصابع الاتهام في العمليات الكبيرة التي تمت إلى جماعة الإخوان، في حين أعلنت جماعة أنصار بيت المقدس وأجناد مصر عن أنها المسؤولة عن تلك العمليات.

وقد طالبت في مقالتي قيادات الإخوان بإصدار بيان يرفض العنف ويدين ممارساته، ويتبرأ من الأصوات الداعية إليه في داخل مصر وخارجها.
كما يؤكد على مواصلة النضال السلمي لاستعادة المسار الديمقراطي وتحقيق أهداف الثورة، جنبا إلى جنب مع فصائل الجماعة الوطنية الأخرى،

وتمنيت أن يؤكد الإعلان ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة ويدين أي اعتداء على القوات المسلحة والشرطة.

تعددت أصداء المقالة، بين تأييد وتحفظ وتنديد، ولكن أهم الأصداء كان ذلك البيان الذي أصدره في الثامن من أبريل الحالي الدكتور محمود حسين الأمين العام للجماعة،
الذي ذكر فيه أن منهج الجماعة في الإصلاح يقوم على الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة،
وأن أعضاءها تعرضوا للتعذيب الوحشي في السجون والمعتقلات في عامي 1954 و1965،
لكنهم لم يحيدوا عن موقفهم الإصلاحي.

ولكي يؤكد ذلك فإنه استدعى عدة شهادات هي:

< تصريح للرئيس الأسبق حسنى مبارك أثناء زيارته لفرنسا عام 1993 لجريدة لوموند الفرنسية،
ونشرته عنه جريدة الأهرام في 1/11/1993، قال فيه ما يلي:
في مصر حركة سياسية تفضل النضال السياسي على العنف.
 وقد دخلت عناصر الحركة في بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح في انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين.

<
تصريح وزير الداخلية الأسبق اللواء حسن الألفي في المؤتمر الصحفي الذي نشرت وقائعه في 14/4/1994 وأبرزته صحيفتا الأهرام والجمهورية آنذاك.
إذ حين سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة الإسلامية (اللذين مارسا العنف آنذاك)، فكان رده:
 الإخوان جماعة لا يرتكب أفرادها أعمال عنف، بعكس تلك التنظيمات الإرهابية.

<
تصريح أدلى به خبير الإرهاب الدولي بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عزالدين لجريدة الأنباء الكويتية في 14/8/1994، وفيه قرر:
 إن الإخوان حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرف.. وهم في نظر عدد كبير من تنظيمات العنف يعتبرون متخاذلين وموالين للسلطة ومتصالحين معها.

<
بيان أصدرته الجماعة في ذروة سنوات عنف التسعينيات (في 30/4/1995) وذكروا فيه أنهم:
يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر لجميع صور العمل الإنقلابي الذي يمزق وحدة الأمة..
وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب قد ورط فريقا من أبنائها في ممارسة إرهابية روعت الأبرياء وهزت أمن البلاد..
فإن الإخوان يعلنون في غير تردد أو مداراة أنهم برءاء من شتى أشكال ومصادر العنف..
وأن الذين يسفكون الدم الحرام شركاء في الإثم واقعون في المعصية.
 وهو ذات الموقف الذي عبرت عنه الجماعة بعد تفجير مركز التجارة العالمية في نيويورك عام 2001.

اعتبر البيان أن ذلك يمثل الموقف الثابت للجماعة منذ تأسيسها قبل 86 عاما وأن من ينسب نفسه إليها يجب أن يكون ذلك نهجه وتلك سيرته، فإن دعا إلى غير ذلك.. فإنه ليس من الجماعة وليست الجماعة منه مهما أدى أو قال، والجماعة منه براء».

(3)

لم يخضع البيان لأي تحليل أو مناقشة جادة فيما هو معلن على الأقل، رغم أهمية مضمونه ومصدره. وما حدث أن الإعلام تجاهله.
ولم تشر إليه بعض الصحف (الأهرام والمصري اليوم).
 أما الصحف التي نوهت إليه فقد كانت عناوينها كالتالي:

«الشروق» في 10/4 الإخوان تتبرأ من الدم الحرام ومصدر حكومي: إخوان كاذبون
ــ أمين عام الإخوان: من يمارس العنف ليسوا منا ولسنا منهم ونستنكر كل أشكال ومصادر الإرهاب
ــ الإخوان تتجمل بنبذ العنف والإرهاب
ــ شباب الجماعة ينقسمون
ــ مصدر حكومي البيان مراوغات إخوانية والأمن: مبادراتها لوقف العنف كاذبة
ــ سياسيون بيانات إدعاء السلمية لن تغسل سمعة الإخوان.

عناوين جريدة «الوطن» التي صدرت في اليوم ذاته (10/4) كانت كالتالي:
 تنظيم الإخوان يتصدع: محمود حسين يتبرأ من العنف ويؤكد الالتزام والقانون
ــ شباب الجماعة: أتت من جيل الانبطاح
ــ أزمة داخل الإخوان: «أمين التنظيم» يؤكد الالتزام بالقانون ويتبرأ من العنف.

خلاصة الأصداء أن الرسالة رفضت من جانب المؤسسة الأمنية وعناصر النخب المتحالفة مع النظام القائم.
ولست واثقا من أنها مصادفة، أن يصدر رئيس الوزراء في اليوم التالي مباشرة (10/4) قراره بتنفيذ حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة باعتبار الجماعة منظمة إرهابية وتطبيق قانون الإرهاب على المنتسبين إليها والمروجين لها.
(هي بالمناسبة محكمة غير مختصة، لأن القضية من اختصاص القضاء الإداري وليس العادي، حسب رأي وزير العدل الأسبق المستشار أحمد سليمان).

إذا جاز لي أن أترجم تلك الأصداء فإنني أراها ملتزمة بموقف إغلاق الأبواب ومن ثم إقامة الجدران وليس مد الجسور.
وأكاد أرى خيطا يشدها نحو «الحل النهائي» الذي تبنته السلطة النازية في ألمانيا، على الأقل من زاوية الانطلاق من فكرة الاقتلاع والاستئصال.

(4)

لأن مستقبل الوطن ومصير الثورة أهم عندي من مصير الجماعة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع هو:
 إلى أي مدى يمكن أن تؤثر سياسة «الحل النهائي» على استقرار الوطن وتحقيق السلم الأهلي فيه بما يصحح مسار الثورة ويسترد روحها؟
ردي الفوري أنه بعد تجربة الأشهر التسعة الماضية فإن تحقيق ذلك الأمل مشكوك فيه، لأن أحدا لا يستطيع أن يرجح إمكانية تحقيق الاستقرار والسلم في مصر، في الأجل المنظور على الأقل، طالما استمرت السياسة الأمنية الراهنة على حالها.

أزعم في هذا الصدد أنه لا مجال للحديث عن السياسة في التعامل مع الأزمة قبل الانتخابات الرئاسية وربما البرلمانية أيضا، الأمر الذي يعني أن الاحتقان سوف يستمر حتى نهاية العام الحالي تقريبا.

بالتالي فالمرجح أن نظل منشغلين طوال الأشهر المقبلة بالمظاهرات والمحاكمات وبملاحقة شباب الثورة المصرِّين على استعادتها وتحدي قانون التظاهر.

وليس لدي تقدير للمزاج الشعبي في الفترة المقبلة، خصوصا في ظل الحديث عن الأزمات المتوقعة مثلا فيما خص تفاقم ظاهرة الغلاء وانقطاع التيار الكهربائي خلال أشهر الصيف.

ترتيبا على ما سبق فالشاهد أنه لا مجال للحديث عن أي تفاصيل لحل الأزمة السياسية ليس فقط بسبب التركيز في الوقت الراهن على ترتيب أوضاع المستقبل،
 لكن أيضا لأن مبدأ الحل ذاته يثير حساسية وحفيظة التيارات النازية في المجتمع المصري، فضلا عن المؤسسة الأمنية بطبيعة الحال.

لذلك فإن بيان الأمين العام للجماعة يغدو إبراء للذمة وليس إسهاما في انفراج الأزمة، وخطابا موجها إلى التاريخ ولا محل له في حسابات الحاضر، وهو رهان أتمنى أن أخسره وتقدير يسرني أن يخيب
ــ قولوا إن شاء الله.

.................

Delete this element to display blogger navbar