Subscribe:

Ads 468x60px

28 أغسطس، 2014

آن لغزة أن تفرح

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 2 ذو القعدة 1435 – 28 أغسطس 2014
آن لغزة أن تفرح - فهمي هويدي

لأول مرة منذ خمسين يوما اختفت الجنازات من شوارع غزة، وارتسمت على وجه القطاع ابتسامات الزهو والفرح التي ترددت أصداؤها فى الضفة وبين الفلسطينيين داخل «إسرائيل».

فرحوا لأنهم بصمودهم وبسالة شبابهم دحروا العدوان وكسروا كبرياءه، ونقلوا الخوف لأول مرة إلى داخل البيت الإسرائيلي حتى أربكوا قيادته وأحرجوا حكومته التي تدهورت شعبيتها بعدما طال أمد الحرب ولم تحقق شيئا من أهدافها.

تجلى ذلك في نتائج الاستطلاع الذي أجرته القناة الثانية، وبيَّن أن 80٪ من الإسرائيليين مستاؤون من أداء رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو،
في حين أن 90٪ منهم غير راضين عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن في القاهرة مساء الثلاثاء الماضي 26/8.

ليس ذلك فحسب وإنما تتحدث التقارير الصحفية عن أن نصف أعضاء المجلس الوزاري المصغر الثمانية يعارضون الاتفاق،
حيث كان السؤال الذى ردده الجميع هو:
كيف أنه بعد 50 يوما من الحرب نضطر إلى القبول بواقع كنا نرفضه؟

 في هذا الصدد ذكر المعلق السياسي للقناة الثانية امنون إبراموفيتش أن الحرب فتحت أعين الكثيرين على حقائق جديدة من بينها ما تثيره الأسئلة التالية:
إذا كانت إسرائيل تهدد إيران حقا، فكيف كانت ستبدو لو أنها اضطرت لخوض حرب على جبهتي القطاع ولبنان في ذات الوقت؟

ثم كيف سيتصرف نتنياهو ويعلون (وزير الدفاع) وهما أصحاب نظرية أن المسألة الفلسطينية غير قابلة للحل، بعد أن فشلت نظرية إدارة الصراع؟
وكيف اضطرت إسرائيل التى ترفع شعار عدم التفاوض تحت النيران إلى التفاوض على وقف النار تحت النار؟
وأليس الإنجاز الوحيد الذي حققه نتنياهو هو أنه استطاع أن يوقف حرب الاستنزاف التي استدرجته إليها المقاومة الفلسطينية بكفاءتها العسكرية وثباتها، وإصرارها على عدم الرضوخ أو التراجع، حتى إنها ظلت تطلق صواريخها حتى قبل دقائق من سريان وقف إطلاق النيران؟

صحيح أن كل سكان غزة عانوا من الجحيم الذي فرض عليهم، وجميعهم دون استثناء اشتركوا في دفع الثمن من دمائهم وفلذات أكبادهم ودورهم التي تحولت إلى خرائب وقبور.

لكن الضحايا احتفظوا بكبريائهم طوال الوقت ونسوا أحزانهم حين ذاع نبأ وقف القتال الذى فشل في تركيعهم وإذلالهم.
كانوا يعلمون أن المقاومة أوجعت إسرائيل وتحدت صلفها.

فصواريخها طالت أهم المدن الإسرائيلية ومقاتلوها نجحوا في عمليات الإنزال خلف خطوط العدو من خلال الأنفاق تارة وعبر الكوماندوز البحرى تارة أخرى،
فضلا عن الكمائن التي نصبوها ومكنتهم من الإيقاع بالمدرعات،
وسحب الجنود المذهولين من داخلها.
وهو ما أدى إلى قتل أعداد من قوات النخبة الإسرائيلية تعادل أربعة أضعاف ما خسرته فى حرب لبنان عام 2006.

الصمود الذي عبر عنه المقاتلون على الجبهة كان له صداه في المفاوضات التي جرت في القاهرة، التي تمت برعاية مصرية حقا، لكنها تجاوزت أفق المبادرة المصرية التي أعلنت فى 14 يوليو الماضي؛
 ذلك أن المبادرة كانت تحركت في حدود تفاهمات 2012 ولم تقدم شيئا يذكر إلى المقاومة. وإنما كبلتها في بعض المواضع،
إلى جانب لغة الحياد التي اتسمت بها، حيث تعاملت مع الطرفين على قدم المساواة، واعتبرت ما يصدر من كليهما «أعمالا عدائية» ضد الطرف الآخر، دون تفرقة بين المحتل القاتل، وبين صاحب الحق القتيل.

فقد نصت مثلا على وقف «الأعمال العدائية» من جانب الفلسطينيين جوا وبحر وبرا، وتحت الأرض مع تأكيد وقف إطلاق الصواريخ بمختلف أنواعها.
وهو نص يكاد يشل حركة المقاومة ويمنعها من حفر الأنفاق التي كانت إحدى إبداعات المقاومة التي ظهرت في الحرب الأخيرة.

كما دعت المبادرة إلى فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع «في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض».
ومقتضى هذا الشرط الأخير ألا تفتح المعابر على الإطلاق؛ لأن تقدير استقرار الأوضاع الأمنية متروك لإسرائيل، وبمقدورها أن تتعلل بعدم استقرار تلك الأوضاع طوال الوقت.

ولم يكن الأمر مقصورا على ثغرات تخللت المبادرة، ولكن المراوغات الإسرائيلية لم تتوقف خلال المفاوضات، حيث ظل الإسرائيليون حريصين على ألا تحقق المقاومة أي إنجاز على أي صعيد.

 إلا أن إصرار الوفد الفلسطيني على مطالبه وتمسكه بالاقتراب قدر الإمكان من هدف فك الحصار وتحقيق الإعمار، والتخفيف من معاناة وعذابات سكان القطاع،

وفي الوقت ذاته استعداد فصائل المقاومة للاستمرار في الحرب إلى أجل أطول لم تألفه إسرائيل،

هذه العوامل كان لها دورها فى إخراج الاتفاق بالصورة التي أعلنت في بيان وزير الخارجية المصرية مساء الثلاثاء.

صحيح أن إسرائيل لم تستجب لكل ما طلبه الوفد الفلسطيني، لكن القدر الذي وافقت عليه أحدث نوعا من «الحلحلة» التي طورت المبادرة المصرية وعالجت عيوبها.

 ذلك أن الاتفاق تجاوز سقف تفاهمات 2012 ونص على الإعمار وفتح المعابر بغير شروط، وتمكين أهل غزة من الصيد فى حدود ستة أميال بحرية بدلا من ثلاثة.

ولم تلتزم المقاومة إلا بوقف إطلاق النار.

وكان الإنجاز الوحيد الذي حققه الإسرائيليون أنهم أوقفوا بدورهم القتال وتجنبوا استمرار الاستنزاف.

من حق القطاع وأهله أن يستشعروا ثقة واعتزازا بما تم، لكن أتمنى ألا نبالغ في الانتشاء بالنصر الذي أزعم أن ثمة شوطا طويلا ينبغي أن ينجز لتحقيقه على النحو المنشود،
فضلا عن أن الإنجاز الذي تحقق من خلال الاتفاق لن يكتمل إلا بتنفيذ بنوده وتنزيلها على الأرض.
وهو ما سيخضع للاختبار خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

......................

27 أغسطس، 2014

غارة الإمارات على ليبيا

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 1 ذو القعدة 1435 – 27 أغسطس 2014
غارة الإمارات على ليبيا - فهمي هويدي

في حين كانت صواريخ المقاومة الفلسطينية تستهدف مشارف تل أبيب ومطار بن جوريون في «إسرائيل»،
 فإن الطائرات الإماراتية كانت تستهدف مطار طرابلس وأهدافا أخرى في ليبيا.

حدث ذلك في بداية الأسبوع الحالي، وفي حين أبهجنا جهد المقاومة ورفع معنوياتنا، فإن غارات الطائرات الإماراتية صدمتنا، وسربت إلينا شعورا امتزج فيه الإحباط بالدهشة والبؤس.

تلك مفارقة أولى يستشفها المرء من الأخبار التي تسربت يوم الاثنين الماضي حول الغارة الإماراتية غير المسبوقة. التي نقلت الصراع العربي العربي إلى طور جديد تماما، استدعى إلى أذهاننا أحد أسوأ الكوابيس،

وكنت قد ذكرت في مرة سابقة أن الفلسطينيين أصبحوا وحدهم في قلب معركة التحدي التاريخي الذي تخوضه الأمة العربية ضد «إسرائيل».

في حين ان كل المعارك الأخرى التي تستنزف الجهد العربي تتم على جبهات فرعية وتصوب السلاح العربي في غير وجهته الطبيعية، وأحيانا إلى الظهر أو الصدر العربي ذاته.

وما خطر على بالي آنذاك ان تقدم الإمارات العربية الدليل على صحة هذه الرؤية، في إعلان صريح على أن خصومة بعض العرب لأشقائهم أصبحت أشد وأعمق من تخاصمهم مع أعدائهم.

القصف الإماراتي لليبيا بدأ شائعات لم تتأكد. سربتها أطراف ليبية هذا الأسبوع، بل ان صحيفة «الحياة» اللندنية وصفتها بأنها غارات خفية مجهولة المصدر(عدد الأحد 24/8)

إلا أن الشائعات ثبتت صحتها في تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 25/8،

ونقلت فيه على ألسنة أربعة من الجنرالات الأمريكيين قيام الطائرات الإماراتية بقصف بعض المواقع في طرابلس، خصوصا بعدما استولى ثوار مصراتة على مطار المدينة، الذي كان تحت سيطرة قبائل الزنتان الموالية للقذافي تاريخيا، وهي الآن مؤيدة للواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي أعلن تمرده في بنغازي خلال شهر مايو الماضي.

إضافة إلى المعلومات التي نشرتها الصحيفة الأمريكية ان الطائرات الإمارتية ما كان لها ان تصل إلى أهدافها في ليبيا إلا بعد ان انطلقت من إحدى القواعد المصرية،
الأمر الذي يعني أن العملية تمت اعتمادا على تسهيلات مصرية.

وهو ما لا يتعارض مع النفي الحذر الذي صدر عن الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي قال فيه إنه لا توجد لمصر قوات عسكرية في ليبيا، كما انها لم تقم بأية أعمال عسكرية هناك.

 وذلك كلام صحيح لأن الدور المصري تم خارج هاتين الدائرتين، الأمر الذي يعني ان مصر لم تكن طرفا فاعلا في القصف الذي تم، ولا ينفي أنها كانت شريكا في التجهيزات التي سبقت الفعل الذي تم.

إذا أردنا ان نكون أكثر دقة فربما جاز لنا أن نقول بأن التدخل الخارجي والخليجي بوجه أخص في مسار الأحداث التي شهدتها بعض الأقطار العربية ليس جديدا.
 فالسعودية والإمارات حاضرتان بقوة في الفضاء السياسي بالمشرق والمغرب أيضا،
كما ان قطر كانت حاضرة في العديد من الأحداث السياسية أيضا.

 أما الجديد في الأمر فهو شكل التدخل وموضوعه أو أهدافه.
إذ ليس سرا ان بعض الدول الخليجية مولت بالمال والسلاح العديد من التفاعلات التي شهدتها المنطقة في العراق وسوريا ولبنان والمغرب العربي.

ولا ينسى ان مصر فعلت نفس الشيء في المرحلة الناصرية.
والنموذج المصري كان واضحا في انطلاقه من السعي إلى مقاومة الاستعمار ودعم حركات التحرر، الأمر الذي يضفي شرعية على التدخل، على الأقل من وجهة النظر النضالية.

إلا أن الغارات الإماراتية ينبغي أن تقرأ من منظور مختلف تماما. فهي تمثل انتقالا من التدخل غير المباشر إلى التدخل العسكري المباشر،
ثم انه لا يعد مساندة للدولة ولكنه محاولة لترجيح كفة طرف ضد آخر في ذات الدولة.

إذ لم يتم إلا بعد ما خسر الزنتان سيطرتهم على المطار وبعد خسران اللواء حفتر لبعض مواقعه المهمة،
وكان الهدف من الغارات تعويض تلك الخسائر وتقوية صف اللواء حفتر في مواجهة خصومه.

في الوقت ذاته فإن التدخل الإماراتي السافر الذي توسد بالقوة العسكرية.
وفاجأ الأمريكيين أنفسهم ــ كما ذكرت نيويورك تايمز والـ«بي.بي.سي» ــ يعد منعطفا مهما يفتح الباب لاحتمالات تطويره في المستقبل،
خصوصا ان الإمارات ليست وحدها، ولكنها تستند إلى شراكة سعودية وأخرى مصرية على الأقل.

صحيح أن السعودية تدخلت في البحرين في شهر مارس عام 2011، إلا أن ذلك التدخل كان له سياق آخر تمثل في كونه يتم في إطار البيت الخليجي، ثم انه كان موجها ضد النفوذ الإيراني بالدرجة الأولى.

وتلك عوامل تختلف تماما عن سياق التدخل في الشأن الليبي، المدفوع بثلاثة اعتبارات أخرى هي:
 إضعاف القوى الإسلامية وضرب معسكرات التطرف في ليبيا،
ومن ثم تعزيز موقف قوى الضد المعارضة للإسلاميين.

الاعتبار الثاني تمثل في إجهاض ثورة فبراير وتصفية آثار الربيع العربي الذي تجلت أصداؤه في بعض الأقطار، وحققت السعودية والإمارات نجاحا في التصدي لبعض رياحه.

أما الاعتبار الثالث فهو حصار النفوذ القطري ووقف تمدده.

إن ليبيا لاتزال تدفع ثمن الحقبة القذافية السوداء التي دمرت فيها الدولة حتى صارت مستودعا للفوضى ومغرية لكل طامع أو مغامر مهما صغر شأنه.

 أما الدور المصري فليته ظل مقصورا على حل الأزمة، بدل أن يصنف طرفا فيها.

....................

26 أغسطس، 2014

الوهن العربي أضعف الإنجاز الفلسطيني – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 30 شوال 1435 – 26 أغسطس 2014
الوهن العربي أضعف الإنجاز الفلسطيني – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

من مفارقات زماننا أن أكبر إنجاز عسكري حققته المقاومة تم في أسوأ ظروف عربية يمكن أن تخطر على البال.

(1)

لا أتحدث عن المآلات، لأن ملف الحرب لايزال مفتوحا، وإنما أعني ما تحقق حتى الآن على الأرض.
أدري أن الإنجاز لم يتحقق بالمجان، ولكن القطاع دفع ثمنا باهظا له.
لست غافلا عن دماء نحو 2100 شخص قتلوا بينهم 68 أسرة أبيدت عن آخرها،
إضافة إلى عشرة آلاف و400 آخرين أصيبوا جراء القصف الإسرائيلي المجنون،
 كما أن نحو 900 منزل هدمت وتحولت إلى أنقاض
غير آلاف المنازل التي تضررت بصورة أو أخرى،
كما أن نحو نصف مليون فلسطيني تشردوا وأصبحوا بلا مأوى.
وهي الأرقام التي أعلنها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قبل أيام قليلة (في 21/8). 

لكنني أفهم أن ذلك الانتقام لا يعد فقط أحد حلقات القمع والإبادة التي تمارس بحق الفلسطينيين منذ أربعينيات القرن الماضي،
ولكنه أيضا رد على الضربات الموجعة والمحرجة التي وجهتها المقاومة إلى إسرائيل بجرأة وقدرة على التحدي لم تألفها منذ تأسيسها في عام 1948.

صحيح أن العمليات الفدائية الجسورة لم تتوقف منذ ذلك الحين،
 لكنني أزعم أن هذه هي المرة الأولى التي تتحدى فيها المقاومة الصلف والعربدة طوال نحو خمسين يوما متصلة (الحرب على غزة بدأت في 8 يوليو/تموز الماضي)،

وهو تحد تجاوز الصمود والدفاع إلى الهجوم والتصدي بالصواريخ التي استهدفت أهم المدن الإسرائيلية حتى أوقفت الطيران في مطار بن غوريون لعدة أيام، إلى جانب أن كثافة إطلاقها جعلت صفارات الإنذار تدوي أغلب الوقت في مختلف المدن،
 الأمر الذي دفع مئات الألوف من الإسرائيليين إلى الاحتماء بالملاجئ لأول مرة.

وفى الوقت الذي هزت الصواريخ الفلسطينية نظرية الأمن الإسرائيلي واستدرجتها إلى ما يشبه حرب الاستنزاف،
فإن الأنفاق التي وصل بها الفلسطينيون إلى مشارف بعض المستوطنات سببت صدمة ليس فقط لسكانها الذين أصيبوا بالرعب ولكن أيضا لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي فوجئت بها حتى اعتبرت أحد مظاهر فشلها وعجزها عن تقدير مستوى القدرة العسكرية لدى الفلسطينيين رغم الحصار المحكم عليهم المستمر منذ نحو سبع سنوات.

(2)

نقطة الضعف الأساسية في الموقف الفلسطيني كانت غياب الظهير العربي،
ذلك أن غزة حاربت وحيدة، على الصعيدين العسكري والسياسي، فلم يساندها نظام عربي ولا حتى الجماهير العربية بمن في ذلك أغلب النخب والمؤسسات عالية الصوت. 

وفى حين قطعت بعض دول أميركا اللاتينية علاقاتها مع إسرائيل،
وتعالت أصوات عدد غير قليل من الأكاديميين والفنانين في العالم الخارجي منادية بإدانة الوحشية الإسرائيلية،

وفى حين خرجت 250 مظاهرة منددة بالعدوان في أوروبا وأميركا يوم 17/8، فإن الجماهير العربية غابت عن الساحة، إذا استثنينا ما جرى في الأردن والمملكة المغربية. 

وإذ فاجأتنا استقالة البارونة سعيدة وارسي وزيرة الدولة البريطانية لشؤون الجاليات من منصبها احتجاجا على موقف حكومة بلادها، فلم نعرف أن مسؤولا عربيا واحدا عبر بأية صورة عن احتجاجه على الصمت العربي.

صحيح أن مصر قدمت مبادرة لوقف القتال ودعت الجميع للقاء في القاهرة بعد ذلك، لكن المبادرة تجاهلت المقاومة الفلسطينية في البداية، وتمت بناء على أفكار قدمها السيد محمود عباس ومشاورات مع الجانب الإسرائيلي، في حين أن قيادات المقاومة علمت بأمرها من وسائل الإعلام. 

ولم يكن ذلك متأثرا فقط بموقف القاهرة من حركة حماس المتأثر بالصراع الحاصل في مصر بين السلطة القائمة والإخوان،
ولكنه كان أيضا تعبيرا عن موقف أقرب إلى الحياد النسبي التزمت به مصر طول الوقت،

 آية ذلك أن البيانات التي صدرت عن القاهرة لم تشر مرة واحدة إلى العدوان الإسرائيلي، ناهيك عن الاحتلال الذى هو أصل المشكلة.
وبالتالي لم تعبر عن أية إدانة له، وظلت بيانات الخارجية المصرية تتحدث عن العنف المتبادل والأعمال العدائية من الجانبين والعمليات العسكرية.

وفى بيانين اثنين فقط صدرا في 28/7 و1/8 أدانت مصر مرة "بكل ثقة" ومرة أخرى "بأقسى العبارات" استهداف المدنيين الفلسطينيين.
وهو ما فهم منه أنه غض للطرف عن الهدف الأساسي للغارات التي استهدفت سحق المقاومة وكسر إرادتها.

تحضرني في هذا المقام قصة لا بد أن تروى.
وهى أن الرئيس جمال عبد الناصر حين قبل بمبادرة روجرز في عام 1970، التي استهدفت وقف أعمال الفدائيين في غور الأردن الموجهة ضد إسرائيل، (أيده في ذلك الملك حسين)
فإنه تعرض لهجوم شديد وقاسٍ من قبل منظمة التحرير.
 إذ أصدرت بيانات وصفت الموقف بأنه "مؤامرة" واعتبرتها من قبيل "الحلول التصفوية والاستسلامية".

ولم يكن سهلا آنذاك أن تطلق تلك الأوصاف على رجل بوطنية وكبرياء جمال عبد الناصر، لكن الرجل تنازل عن كبريائه ونسي الخصومة حين دخلت منظمة التحرير في صدام مع النظام الأردني الذي سعى آنذاك لإخراج المقاومة من الأردن، فيما عرف لاحقا بأيلول الأسود،
فتحرك بسرعة ودعا إلى قمة عربية في القاهرة لمساندة المقاومة وإخراجها سالمة من الأزمة قبل أن يلقى ربه في نفس العام.
وهي قصة تقدم نموذجا للارتفاع فوق الخصومات مهما بلغ عمقها دفاعا عن المصالح الإستراتيجية العليا، الأمر الذي صرنا أحوج ما نكون إليه في الوقت الراهن.

(3)

الموقف العربي الرسمي بدا بائسا ومحزنا.

من ناحية لأن العدوان الإسرائيلي وقع في ظروف عربية نمت فيها نوازع الانكفاء والقطرية،
الأمر الذي أدى إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية، حيث بدا كل بلد مشغولا بهمومه الخاصة.

من ناحية ثانية فإن حوادث القتل والدماء الغزيرة التي ظلت تسيل في غزة، لم تعد صادمة للرأي العام العربي.
 ذلك أن قتل ثلاثين أو أربعين شخصا يوميا أو حتى تدمير بيوت وأحياء بأكملها صار خبرا عاديا في سوريا والعراق وليبيا وبدرجة أو أخرى في اليمن.

من ناحية ثالثة فإن الانقسام العربي، في غيبة "الربَّان" وانكفائه، كان له أثره الفادح في التشتت والانفراط الذي كانت له تداعياته الكارثية.

وتمثل أخطر تلك التداعيات فيما فوجئنا به، حين اكتشفنا أن بعض الدول العربية أصبحت أقرب إلى المربع الإسرائيلي،
في حين وقفت دول أخرى في صف إدانة العدوان ورفضه.
واستغلت إسرائيل ذلك الموقف المحزن أسوأ استغلال. حين صارت تتحدث عن "تحالف" إسرائيلي عربي ضد المقاومة في غزة (قيل إنه ضد حماس) وأصبح ساستها وإعلاميون يروجون لمقولة استناد إسرائيلي إلى "شرعية عربية" في تعاملها مع ما وصف بأنه "إرهاب فلسطيني". 

ليس ذلك فحسب وإنما عمدت إسرائيل إلى تسريب أنباء عن تعاون مخابراتي عربي ساعدها في العمليات والغارات التي قامت بها،
 ولم يكن "التعاون" مقصورا على التزويد بالمعلومات (وذلك أمر لا يستهان به)
وإنما وصل إلى حد استغلال بعض عناصر الإغاثة العربية لجمع المعلومات لصالح الإسرائيليين (قصة الهلال الأحمر الإماراتي نموذج لذلك).

حين ظلت جبهة النظام العربي تتعامل ببرود مشهود مع الانقضاض الإسرائيلي على قطاع غزة، فلا تنديد أو إدانة ولا سحب للسفراء إن وجدوا ولا تقليص للعلاقات ولا شكوى لمجلس الأمن،
فقد كان طبيعيا أن ينعكس ذلك كله على موقف الجامعة العربية،

ذلك أن غاية ما استطاعت الجامعة أن تفعله أنها أصدرت بيانا في 16/8، بعد نحو خمسة أسابيع على بدء العدوان دعت فيه إلى إنهاء العدوان الإسرائيلي، وجددت دعم الاقتراح المصري الذي دعت إليه المبادرة لوقف إطلاق النار بصفة دائمة في غزة.

(4)

في هذه الأجواء طال أمد الحرب على نحو لم تتوقعه إسرائيل، التي لم تألف مواجهات تستغرقه هذه المدة، وهي التي اعتادت على الحروب الخاطفة والسريعة منذ تأسيس الدولة العبرية عام 1948. 

كان وزير الدفاع موشي يعلون قد دعا سكان المستوطنات القريبة من غزة في البداية إلى الصبر لعدة أيام، لكن الأيام صارت أسابيع وهي الآن على وشك الدخول في الشهر الثالث.

ورغم أن غزة دفعت الثمن الباهظ الذي سبقت الإشارة إليه، فإن الحرب أربكت القادة الإسرائيليين الذين لم يجدوا لها نهاية في ظل استمرار إطلاق الصواريخ الفلسطينية، وفشل حملة التدمير الإسرائيلية في إسكات المقاومة وإخضاعها. 

إزاء ذلك فإن المياه تتحرك الآن في الساحة الدولية ليس فقط لفك الحصار عن غزة،
ولكن أيضا لمحاولة التقدم باتجاه حل جذري للإشكال يفتح الباب لتنفيذ فكرة إقامة دولتين للشعبين العربي والإسرائيلي. 

وتتحدث الدوائر الدبلوماسية عن مشروع قرار أوروبي لمجلس الأمن ينص على حل مشكلة غزة بما يلبي احتياجات إسرائيل الأمنية ويفك الحصار، ويربط ذلك بمفاوضات لقيام دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967. 

كما تتحدث تلك الأوساط عن مشروع قرار أميركي آخر يعدل من المبادرة الأوروبية بحيث يضيف إليها جعل القطاع منزوع السلاح.
وفي كل الأحوال فإن صمود غزة طوال الأسابيع الأخيرة يشكل عنصرا حاسما للضغط باتجاه البحث عن حلول جذرية للأزمة.

ذلك لا يلغي المبادرة المصرية بطبيعة الحال. لأن مصر موجودة في قلب المشكلة بأمر الجغرافيا على الأقل،
وبرغم أي تغيرات تطرأ على اتجاهات الريح فيها، لكنه يطورها ويستثمر فكرة وقف إطلاق النار الذي دعت إليه المبادرة للذهاب إلى أبعد في التعامل مع الأزمة. 

صحيح أن المبادرة لم تحقق شيئا حتى الآن، رغم ما قيل ذات مرة عن أن المفاوضات التي رعتها مصر بين الطرفين حققت إنجازا شمل 95% من المشكلات العالقة،
لكن تبين بمضي الوقت أن ذلك كان نوعا من التمني لا علاقة له بالحقائق القائمة على الأرض.

إذ ما عاد سرا أن إسرائيل لا تريد أن تقدم أي مقابل للمقاومة،
وأنها تريد أن تفرض إرادتها بقوة السلاح،
وكل ما قيل عن قبولها لمبادرة وقف القتال كان من قبيل التمويه والكذب. 

وتلك الحقيقة هي ما فضحها مقال نشره قبل أيام موقع "ديلي بيست" الذى استحوذت عليه مجلة نيوزويك،
وروى فيه أحد الخبراء الأميركيين -اسمه مارك بيري- تجربته الخاصة مع الإسرائيليين، حين كلف في شهر يوليو/تموز عام 2002 بترتيب وقف إطلاق النار بين الإسرائيليين والفلسطينيين عقب الانتفاضة الثانية،
وإذ عمل جاهدا لأجل ذلك، ولم يبق لإنجاز المهمة سوى الحصول على توقيع قائد كتائب القسام آنذاك صلاح شحادة على الاتفاق،
ولكن قبل عشر دقائق من سريان وقف إطلاق النار ألقت طائرة إسرائيلية طنا من المتفجرات على مقر قائد القسام، فقتلته وأبادت إلى جانبه 14 شخصا آخر،
 ثم قال له أحد الإسرائيليين وهو يحييه صبيحة اليوم التالي:
أنت لم تفهمنا جيدا، لأننا لم نكن راغبين في وقف إطلاق النار.

السيناريو تكرر هذه المرة، مع فرق أساسي هو أن إسرائيل فشلت في قتل قائد كتائب القسام محمد الضيف، لكنها قتلت زوجته وطفلته فقط.

وفى الوقت الراهن فإن الملف لا يزال مفتوحا، بعدما رفضت إسرائيل مشروعين قدمهما الوفد الفلسطيني لتثبيت الهدنة المقترحة، وهو ما أعاد الحوار إلى نقطة الصفر مرة أخرى.

الأمر الذي يستدعي سيلا من الأسئلة حول مآل المبادرة المصرية، وما يمكن أن تسفر عنه الجهود الأوروبية والأميركية، وحدود المرونة المتاحة أمام الوفد الفلسطيني الذي يصر على أن يكون فك الحصار بأية صورة هو الحد الأدنى للمقابل الذي يتوقعه الفلسطينيون بعد كل الذى جرى، 
وحدها الأيام المقبلة ستجيب على تلك الأسئلة.

.................

25 أغسطس، 2014

أسئلة المستقبل الحائره

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 29/10/1435 – 25/8/2014
أسئلة المستقبل الحائره - فهمي هويدي

عقب زيارة استمرت نحو 8 ساعات للساحل الشمالي، أطلق خلالها المهندس إبراهيم محلب إشارة البدء للمشروع القومي الثالث الذي تتبناه الحكومة.
وهو مشروع تنمية الساحل الشمالي الغربي وظهيره الصحراوي،
قام رئيس مجس الوزراء عقب عودته مباشرة للقاهرة بتفقد الأعمال في «جراج التحرير».

هذا الخبر وزعه مكتب رئيس الوزراء مساء يوم السبت الماضي 23/8. لكن صحف الأربعاء أضافت ان المهندس محلب سوف يتوجه خلال ساعات إلى الواحات لإعطاء إشارة البدء في إنشاء طريق دالة ــ الفرافرة بطول 30 كيلومترا. باعتباره أول طريق تنموي يتم تنفيذه ضمن شبكة الطرق التي أعلن عنها الرئيس عبدالفتاح السيسى بطول 4400 كيلومتر وتكلفة 23 مليار جنيه.

هذا نموذج لاخبار المشروعات الجديدة التي باتت تحفل بها الصحف يوما بعد يوم، وترسم صورة إعلامية للمستقبل مشرقة وشديدة التفاؤل.

ليس الأمر مقصورا على المشروعات القومية الثلاثة التي أطلقت خلال الأسابيع الأخيرة (تنمية محور قناة السويس ــ المثلث الذهبي للتعدين في الصحراء الشرقية ــ المخطط الاستراتيجي للساحل الشمالي).

لأن وسائل الإعلام تحدثنا كل يوم عن شيء جديد،
 المليون مسكن التي ستمولها دولة الإمارات خلال السنوات الخمس القادمة.
ــ إقامة عاصمة جديدة خارج القاهرة
 ــ استصلاح أربعة ملايين فدان
ــ 1500 موقع لمدارس جديدة
ــ تنمية مشروع توشكى
ــ إنشاء 17 «كوبري» (الكلمة تركية وأصلها كوبرو والاسم العربى لها هو جسر) ومراجعة 1407 جسور أخرى..
 إلى غير ذلك من المشروعات التي تسعى لتحريك عجلة التنمية، ومعالجة أوجه القصور والإهمال التي عاشت مصر طويلا في ظلها.

وكلها تعبر عن رغبة أكيده في الانجاز، وقدر هائل من النوايا الطيبة. وثقة شديدة في النفس والمستقبل.

وهي عوامل ايجابية لا ريب، إلا أنها تثير عديدا من الأسئلة، منها ما يلي:

<
هل يعد ذلك من قبيل تشتيت الجهد والقتال على أكثر من جبهة في وقت واحد،
 الأمر الذي قد يسحب من رصيد الإنجاز على الجبهات المختلفة؟

<
أين درست تلك المشروعات وما هي الجهة التي تحدد أولوياتها؟
صحيح أن أغلبها درسته حكومات سابقة، إلا أن توقيت تنفيذها في مرحلة زمنية واحدة يحتاج إلى تمحيص ومراجعة للأولويات والإمكانيات؟

<
هل يكفي أن يدرس رئيس الجمهورية الأمر، فيقضى 5 ساعات مع وزير التعليم ــ مثلا ــ ثم يعلن علينا بعد ذلك ان الكتاب المدرسي لن يزيد حجمه على 200 صفحة،

وهل من المفيد أن يذهب الرئيس بنفسه بعد صلاة الفجر لكي يتابع الحفر في القناة الموازية.

وهل من عمل رئيس الوزراء ان ينتقل من اطلاق مشروع تنمية الساحل الشمالي، لكي يعاين إقامة جراج للسيارات في قلب القاهرة.
وأليس هذا كله من عمل آخرين ينبغي أن يباشروه وان يحاسبوا على التقصير فيه؟

<
حين يتزامن إطلاق المشروعات الجديدة والكبيرة مع انقطاع التيار الكهربائى والقلق على مستقبل المياه في مصر، وتعطل أكثر من أربعة آلاف مصنع عن العمل،

ويتم ذلك في ظروف عدم استقرار الأوضاع الأمنية والتوقف النسبي لحركة السياحة في البلد،
فإن التساؤل عن ترتيب الأولويات يصبح ملحا ومشروعا.
 ليس ذلك فحسب وانما قد يستدعي الأمر نظرا في إصلاح الموجود وترشيد أدائه قبل الانطلاق والاستغراق في مشروعات جديدة.

<
أدري أن هناك ثقة شديدة في الدور التنموي الذي تستطيع أن تقوم به القوات المسلحة.
لكنني أزعم أن لها مهمة أساسية أخرى ينبغي أن تعطى الأولوية في اهتماماتها.
وهذه المهمة تتركز في الدفاع عن حدود الوطن والارتقاء المستمر بنوعية الأداء لكي تنهض بذلك الواجب على الوجه الأفضل.
ولا بأس بطبيعة الحال أن تشارك في التنمية إذا كان لديها فائض جهد.
 إلا أن التعويل الأساسي ينبغى أن يظل متجها إلى استنهاض قوى المجتمع وطاقاته الإبداعية، على مستوى الأفراد والمؤسسات.

<
للأسف فإن غلبة الصوت الواحد وارتفاع مؤشرات التهليل حجبت الآراء التي عبرت عن تفكير آخر في النهوض بالواقع المصري، الذي لا يختلف عليه أحد كهدف، ولكن الوسائل التي تحققه قد تتعدد
(كتابات الدكتور محمود عمارة في جريدة الوطن تقدم نموذجا للأفكار التي تستحق النظر).

ولا سبيل إلى حسم هذه الخلافات إلا عبر حوار يتم بين أهل الاختصاص يفتح الباب لتحقيق التوافق حول الأولويات والجدوى.
ولا أعرف ان كانت الدعوة لمؤتمر يشارك فيه الخبراء والاقتصاديون المصريون قد فات أوانها أم لا.
 إلا ان الفكرة تستحق التفكير والنظر، على الأقل لكي يكتسب الأداء شفافية تقنع الرأي العام وتطمئنه.

<
إن السؤال عن رؤية مصر الاستراتيجية في وضعها المستجد بات مشروعا، بعدما بدا أن المسارات المتعددة والمتعاكسة أحيانا تدل على افتقادنا لتلك الرؤية.

وقد كتب أحد زملائنا مقالة بذلك المعنى عبر فيها عن تشككه في وجود تلك الرؤية وأمله في ان يقتنع الرأي العام في مصر بأن الأوضاع يديرها عقل استراتيجي يطمئن إليه
(حامد السرجاني ــ المصري اليوم ــ في 9/8/2014).

أكرر أنني لا أشك في توافر النوايا الحسنة، لكننا تعلمنا ان ذلك وحده لا يكفي،
حتى قال لنا السابقون ان الطريق إلى جهنم مليء بالنوايا الحسنة.

.....................

24 أغسطس، 2014

«عمارة» بغير أساس

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 28 شوال 1435 – 24 أغسطس 2014
«عمارة» بغير أساس - فهمي هويدي

لا أعرف كم واحدا انتبه إلى هذه المفارقة،
ذلك أن الجلسات الأخيرة في محاكمة مبارك وأعوانه الذين اتهموا بقتل المتظاهرين أثناء ثورة 25 يناير عُرضت فيها شهادات أطراف عدة، برأت كلها الشرطة من الجرائم التي حدثت آنذاك.

لكن المحكمة لم تستدع المسؤولين عن تقرير تقصي حقائق تلك الفترة، وهم أحياء بيننا.

ذلك أن اللجنة المستقلة التي وضعت التقرير وضمت عددا من كبار القانونيين والخبراء وجهت اتهاما صريحا للشرطة بالمسؤولية عن أحداث القتل التي وقعت أثناء الثورة.

 ومعروف أن اللجنة ترأسها المستشار الدكتور عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض،
وضمت كلا من المستشار إسكندر غطاس مساعد وزير العدل
والدكتور محمد سمير بدران الأستاذ المتفرغ بحقوق القاهرة.
والدكتورة نجوى خليل مدير مركز البحوث الجنائية والاجتماعية آنذاك، ووزيرة الشئون الاجتماعية لاحقا.

وقد أشرف هؤلاء على جهد عشرات الخبراء والمحققين، وأعدوا تقريرهم خلال شهرين ونصف الشهر، وقدموه إلى رئيس الوزراء آنذاك الدكتور عصام شرف(في 18/4/2011).

 وقد نص التقرير في مواضع عدة على ما يلي:
تبين للجنة أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير
ــ إن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط الوزارة
ــ تبين للجنة أن سيارات مصفحة للشرطة كانت تصدم المتظاهرين عمدا وتصيب أعدادا منهم
ــ دلت شواهد وقرائن عدة على أن الشرطة استعملت القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين
(أورد التقرير خمس قرائن أيدت ذلك الادعاء).

في التقرير كلام آخر مهم تعلق بالعديد من الأحداث التي وقعت آنذاك (موقعة الجمل وفتح السجون مثلا).
وهذا الكلام يختلف بصورة جذرية عما تردد على ألسنة الشهود في قاعة المحكمة،
 الأمر الذي كان يفترض أن يوضع بين يدي المحكمة التي نظرت القضية وهي تمحص الوقائع لتصدر حكمها العادل.

 لكن الذي حدث أن شهادات الإدانة حجبت كلها ولم يسأل الذين سجلوها بالتحقيقات والتحريات، في حين استمعت المحكمة إلى وجهة نظر واحدة، عبرت عن القراءة اللاحقة للأحداث في مرحلة ما بعد 30 يونيو.
وهي القراءة التي صاغتها الأجهزة الأمنية بعدما استعادت دورها الذي تراجع بعد ثورة 2011.
وظل شغلها الشاغل هو كيف يمكن تبرئة الشرطة من الجرائم التي وقعت أثناء الثورة، بعد دفن وإخفاء تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي أدانها وحملها المسؤولية عن كل تلك الجرائم.

لست في وارد تحقيق المسألة، خصوصا أنني سبق أن آثرت الموضوع فيما وصفته حينذاك بأنه اختطاف للذاكرة (مقالة نشرت في 6/5/2014 )
وقد أشرت فيها إلى دفن تقريرين لتقصى الحقائق،
 الأول الذي نحن بصدده وغطى مرحلة الثورة،
والثاني غطى مرحلة حكم المجلس العسكري وقد أعدته لجنة برئاسة المستشار محمد عزت شرباص نائب رئيس محكمة النقض.
وقد تحدث الأول عن دور الشرطة،
في حين ركز الثاني على حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وخلصت مما سبق إلى أنه من المتعذر التعرف على حقائق هاتين المرحلتين في ظل استمرار الأجواء الراهنة.

ما أريد أن أخلص إليه من استدعاء هذه الخلفية أننا في مصر وغيرها من الدول التي يتراجع فيها سقف الحريات العامة، نقيم هياكل ومشروعات وأنشطة أفرزتها خبرة المجتمعات الديمقراطية.

بمعنى أن تلك المجتمعات وضعت أساس البناء الديمقراطي أولا المتمثل في إطلاق الحريات العامة وتحقيق الفصل بين السلطات والاحتكام إلى مرجعية المؤسسات والقانون، وليس أهواء الأفراد وأمزجتهم.
ثم بعد ذلك تفرعت عن ذلك البنيان قيم وأنشطة عدة.
بعضها يتعلق بقيام المجتمع المدني وتحقيق التعددية السياسية وتداول السلطة
والبعض الآخر يتعلق بحقوق الإنسان
والبعض الثالث يتعلق بسيادة القانون واستقلال القضاء واستقلال الجامعات...إلخ.

والأزمة الحقيقية لمجتمعاتنا تتمثل في أننا نحاول أن نقيم تلك الهياكل ونفعل تلك الأنشطة بمعزل عن الأساس الذي يتعين إقامته أولا. كأننا نبني «عمارة» بغير أساس. فنقبل برفع راية الديمقراطية ونحتفي بمنجزاتها في غيبة قيمها ووظيفتها الحقيقية.

نموذج أحداث الثورة دال على ذلك.
فحين ارتفع سقف الحريات عاليا أثناء الثورة وفي ظل الانتشاء بإسقاط النظام السابق عليها، قرئت الوقائع بصورة مستقلة، وتقصى حقائقها قضاة وخبراء محايدون أشادوا بالثورة واحتفوا بها في تقريرهم.
ولكن سقف الحريات حين انخفض جرى تجاهل كل ما سبق وأعيدت صياغة الأحداث على نحو مختلف تماما، روعيت فيه موازين القوى في الوضع المستجد.
الأمر الذي قلب الصورة رأسا على عقب أدى إلى اعتبار الثورة «مؤامرة»، وأحدث ذلك الانقلاب أثره في تقارير الأجهزة الأمنية وتحقيقات النيابة وتقارير الطب الشرعي، وشهادة الشهود، الأمر الذي يفترض أن ينعكس بدوره على حكم المحكمة.

إن قضية الحريات العامة هي الأساس الذي ينبغي إرساؤه والدفاع عنه. وهي العنوان الذي ينبغي أن يحظى بأولوية وإجماع كل المناضلين.
 وما لم تتوفر تلك الحريات بضماناتها فإننا لا نستطيع ان نثق أو نطمئن إلى نزاهة مختلف الممارسات التي تجري في الفضاء السياسي والإعلامى أو حتى في ساحات القضاء والنيابة.

وذلك ما دفعني إلى الاعتذار عن عدم الاستجابة للدعوة التي وجهت إلي للشهادة أمام لجنة تقصي حقائق أحداث 30 يونيو، إذ اعتبرت ان ذهابي هو نوع من تضييع وقت اللجنة ووقتي.

خصوصا أنه توفرت لدينا خبرة تسمح لنا بأن نتنبأ بما ستخلص إليه تلك اللجنة، تماما كما حدث مع اللجنة القومية لحقوق الإنسان، التي أصبح بمقدورنا أن نلخص رأيها في أي قضية قبل ان تشرع في كتابته.

....................

Delete this element to display blogger navbar