Subscribe:

Ads 468x60px

07 ديسمبر، 2016

هل الكتابة خدعة؟

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 9 ربيع اول 1438 – 8 ديسمبر 2016
هل الكتابة خدعة؟ - فهمي هويدي

هل صحيح أن الكتابة خدعة كما هو الحال في الحرب؟
في رأي الدكتور جلال أمين أنها كذلك فعلا، وهو ما أورده في مقالة نشرتها له جريدة الأهرام (عدد ٥/١٢) كان عنوانها:

وفي دفاعه عن وجهة نظره فإنه عرض مجموعة من الشواهد والقرائن التي تثبت كيف يحتال بعض الكتاب لتسويق أنفسهم وتلميعها،
ثم خلص في النهاية إلى أن الخداع لا يقتصر على الحرب والكتابة، لأنه في كل علاقة اجتماعية مجال محتمل للخديعة،

«لكن الخداع في الكتابة أثقل على القلب منه في أشياء أخرى، لأننا في الكتابة نفترض وجود التزام أخلاقي في أكثر مما نفترض في غيرها من أوجه السلوك الاجتماعي
وهو السبب نفسه الذي يجعلنا نستهجن الخداع في مهنة الطب أو المحاماة أو في الخطاب الديني، أكثر مما نستهجنه في الرعاية الفكرية أو السياسية».

ما كتب الدكتور جلال يستحق المناقشة من أكثر من وجه، لكنه لا يخلو من مفارقة.
 لأن ما يكتبه هو يكتسب جاذبية ليس فقط بما فيه من براعة وتشويق ولكن أيضا مما فيه من صدق.

تجلى ذلك الصدق في كتابه «ماذا حدث للمصريين»،
 كما تجلى بصورة أبعد في كتابه «ماذا علمتني الحياة»،
 حتى أزعم أنه في كتابه الأخير بالغ في صدقه لدرجة أنه ذكر فيه عن أبيه ما كنت أفضل تجنبه والسكوت عنه.

لذلك فلو أنه قال إن «بعض» الكتابة خدعة لوافقته بلا تردد.
لكنه حين ساوى بين الحرب والكتابة فإنه اضطرني إلى الاختلاف معه.

ذلك أن الخدعة أصل في الحرب كما أنها تحسب للمحارب وتعد فضيلة تعبر عن ذكائه وكفاءته.
أما الخدعة في الكتابة التي تستهدف تضليل القارئ فهي استثناء.
وهي رذيلة تحسب على الكاتب، وتفضح عجزه وفقره الفكري.

وإذا كان النجاح في الحرب يقاس بمعيار قدرة المحارب على الخديعة واخفائه مخططاته،
 إلا أن النجاح في الكتابة يقاس بمعيار شجاعة الكاتب في كشف الحقيقة وفضحها أمام الرأي العام.

الاحتيال في الكتابة صنفان؛
أحدهما مرذول والآخر مبرر ومقبول.

الأول يتطوع به المرء لتضليل القارئ وإيهامه بغير الحقيقة.
أما الثاني فهو ما يضطر إليه الكاتب في أجواء التضييق على الحريات،
 وهذا الاحتيال الأخير له صور شتى، منها التلميح دون التصريح،
ومنها ذكر جزء من الحقيقة وليس كلها،
 ومنها الاستشهاد بحقائق الدول الأخرى المشابهة للفت الانتباه إلى ما هو حاصل في الداخل،

وكان الأستاذ أحمد بهاء الدين أستاذا في تسجيل اعتراضه على ما لا يقتنع به.
ذلك أنه كان يقول دائما إن الرأي يمكن التعبير عنه بالعديد من العبارات التي لا ينتبه إليها من يراقب ويتصيد.
حتى إنه حين كان يريد تسجيل اعتراضه على بعض الأحداث المهمة، فإنه كان يتعمد تجاهلها والكتابة خارج الموضوع كالحديث عن الطقس أو «باروكات» المذيعات،
وهو ما كان يغضب الرئيس السادات كثيرا على ما سمعت من الأستاذ هيكل أكثر من مرة.

الدكتور جلال أمين أدان الكتاب الذين يخدعون الناس،
 ولم يذكر أن وعي القراء تزايد بحيث أصبحوا يميزون بين الصادق وبين المخادع والكذوب.

وقد تمنيت أن يدين بنفس القدر تراجع هامش الحريات الذي يحتفي بالكتاب المخادعين ويضطر الصادقين والكتاب الحقيقيين إما إلى الاحتيال والحذر في التعبير عن الحقيقة، أو إلى الاختيار بين الهجرة إلى الخارج أو إيثار الصمت والاختفاء.

نقطة أخرى مهمة أثارها الدكتور جلال أمين متعلقة بالالتزام الأخلاقي المفترض، سواء في الصحفيين أم غيرهم من المهنيين،
ذلك أننا ينبغي أن نعترف بالتراجع المشهود في منظومة القيم الأخلاقية السائدة في تلك القطاعات.
وهو ما اتفق معه فيها، ويحتاج إلى دراسة وتحليل.

 ذلك أننا بصدد أوضاع ضاغطة استخرجت من الناس أسوأ ما فيهم،
 الأمر الذي أتمنى أن يسهم الدكتور أمين في استجلائه في نطاق بحثه الدؤوب في التعرف عما جرى للمصريين.

.......................

06 ديسمبر، 2016

أحرجتنا ماليزيا

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأربعاء 8 ربيع أول 1438 7 ديسمبر 2016
أحرجتنا ماليزيا – فهمي هويدي

أحرجنا رئيس وزراء ماليزيا حين رفع صوته عاليا ودعا إلى وقف إبادة أقلية الروهينجا المسلمة فى ميانمار (بورما سابقا).
ذلك أنه الوحيد الذى فعلها حين ندد بجرائم الجيش البورمى الذى يرعى القمع ويباشره فى ولاية راخين أوراكين التى يعيش فيها أولئك المسلمون الفقراء والبؤساء.

وهو أيضا من خاطب رئيسة ميانمار السيدة أونج سان سو تشى متسائلا ما قيمة أن تمنح جائزة نوبل للسلام، فى حين أن نظامها يمارس تلك الجرائم ضد المسلمين.
 هو أيضا من دعا منظمة التعاون الإسلامى إلى القيام بما عليها فى هذا الصدد،
 كما دعا الأمم المتحدة إلى التدخل واتخاذ إجراء يوقف المأساة،
وقال «لا يمكن للعالم أن يجلس ويقف متفرجا أمام جرائم الإبادة الجماعية التى تمارس ضد الروهينجا».

فى حين وجه رئيس الوزراء الماليزى نجيب عبدالرزاق انتقاداته للحكومة البورمية، فإن الخارجية الماليزية استدعت سفيرها فى كوالالمبور لإبلاغه رسميا بالاحتجاج على حملة قمع المسلمين وإبادتهم.

 وأصدرت الخارجية بيانا يوم السبت الماضى (٤/١٢) اتهمت فيه بورما بشن حملة تطهير عرقى ضد الروهينجا.
كما خرجت مظاهرة حاشدة أمام سفارة بورما فى كوالالمبور رفعت لافتات التنديد بالجرائم التى ترتكب ضد المسلمين هناك.

 إزاء ذلك دعا أحد الوزراء الماليزيين دول رابطة جنوب شرقى آسيا (عشر دول) إلى إعادة النظر فى عضوية بورما، بعدما لطخت الجرائم التى ترتكب ضد مسلميها سمعتها بما يجعلها غير جديرة بالاستمرارفى عضوية الرابطة.

الشاهد أن الماليزيين قاموا بأغلب إن لم يكن بكل ما كان علينا أن نقوم به، دولا ومنظمات إسلامية،
 الأمر الذى يبعث على الحيرة والدهشة.
يضاعف من تلك الدهشة أن الأمم المتحدة كانت قد أعلنت فى الأسبوع الماضى أن عشرة آلاف من الروهينجا عبروا من بورما إلى بنجلاديش خلال شهر نوفمبر الماضى، هربا من حملات التعذيب والقتل والاغتصاب الجماعى التى تمارسها قوات الأمن البورمية بحقهم.
وهو ما دعا المفوضية العليا للاجئين إلى إصدار بيان اعتبرت فيه أن الأقلية المسلمة هناك قد تكون ضحية جرائم ضد الإنسانية.

أدرى أن عالمنا العربى بات غارقا فى الدماء وفيه ما يكفيه كما يقال. ذلك أن ما جرى فى سوريا مثلا لا يختلف كثيرا عما يحدث فى بورما،
 إلا أن ذلك لا يبرر الصمت إزاء ما يجرى، خصوصا أن المطلوب من الدول العربية والإسلامية لا يتجاوز حدود الإجراءات الدبلوماسية التى تعبر عن العتب والغضب.

 ناهيك عن أن فى بلادنا مؤسسات لها نفوذها الأدبى فى العالم الإسلامى، بينها منظمة التعاون الإسلامى ومشيخة الأزهر واتحاد علماء المسلمين ومجلس حكماء المسلمين.

ولا يشك أحد فى أن أستدعاء سفراء بورما لدى وزارات الخارجية فى الدول الإسلامية أو إصدار بيانات الشجب والإدانة من جانب المنظمات المعنية،
يمكن أن يكون له تأثيره المعنوى وضغطه الأدبى الذى يسهم فى وضع حد لمأساة أولئك المسلمين الضعفاء، الذين يعانون من اضطهاد البوذيين المتعصبين منذ أربعينيات القرن الماضى
(فى عام ١٩٤٢ قتل البوذيون منهم مائة ألف شخص).

لقد قامت الدنيا ولم تقعد حينما وقعت تفجيرات باريس فى شهر نوفمبر من العام الماضى، وقتل فيها ١٢٧ شخصا،
 وتضامن ممثلو ٤٠ دولة مع فرنسا فى المسيرة المناهضة للإرهاب التى شهدتها العاصمة بعد ذلك.

وكان ذلك التضامن واجبا وفى محله تماما. لكن العذابات التى يتعرض لها بصورة منظمة عشرة ملايين مسلم فى بورما لم تجد من يتحرك لإدانتها والمطالبة بوضع حد لها،
كذلك فإن جرائم داعش يرفضها الجميع ويحاربونها بغير هوادة،
ولكن الذى يمارسه البوذيون بحق المسلمين مسكوت عليه، رغم أنه داعشى بامتياز وإرهاب مستمر، وليس عارضا أو مؤقتا كما هو الحاصل عندنا.

إننى استحى أن أطالب أصحاب الضمائر فى العالم الخارجى بإدانة ما يجرى للروهينجا، لأن ضمائرنا فى العالم العربى والإسلامى لم تكترث به.
............................


الإصلاح السياسى مقدم على الإصلاح الدينى – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 7 ربيع اول 1438 – 6 ديسمبر 2016
الإصلاح السياسى مقدم على الإصلاح الدينى – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

الإصلاح السياسى ينبغى أن يقدم على الإصلاح الدينى، لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

(1)

المنطوق أعلاه أوردته فى مداخلة تعقيبية طلبت منى على أوراق ومناقشات ندوة «إصلاح المجال الدينى» التى عقدت بتونس يومى ٢٨ و٢٩ نوفمبر.
وكانت الندوة التى دعا إليها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت بالتعاون مع المعهد السويدى بالإسكندرية قد عالجت موضوع الإصلاح الدينى من مختلف جوانبه.

وتم ذلك من خلال مجموعة من الأوراق التى أعدها باحثون من المغرب ولبنان والعراق وسوريا ومصر، واشترك فى مناقشتها نحو ٢٥ باحثا من مختلف الأقطار العربية.

وكما هو الحاصل فى مصر، وفى أقطار عربية أخرى، فإن الذين تصدوا للموضوع كانوا خليطا من الناقدين والناقمين والكارهين والمتعاطفين والمستقلين.
وهى التنويعات التى عبرَّت عن تيارات المجتمع وأطيافه فى العالم العربى.

ولا أعرف إلى أى مدى تأثرت فكرة عقد الندوة بما تردد فى الفضاء المصرى خلال السنتين الأخيرتين بخصوص الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى أو الحاجة إلى ما سمى بالثورة الدينية،

إلا أن الذى أعرفه أن أغلب الآراء التى ذكرت أوردتها وسائل الإعلام المحلية،
وإن كان حظ الخصوم والكارهين فى الحالة المصرية أوفر منه فى حالة الندوة المذكورة.

ذلك أن الصراع الحاصل فى مصر بين السلطة والإخوان فتح شهية كثيرين للخوض فى الموضوع، خصوصا من جانب المخالفين ممن كانت لهم حساباتهم الخاصة وصراعهم الأيديولوجى،

وهو ما دعا نفرا من الغيورين إلى ملاحظة أن بعض ما جرى الترويج له بدعوى تجديد الدين استهدف فى حقيقة الأمر إضعافه وتبديده.

من المفارقات ذات الدلالة فى هذا الصدد أن الصراع الحاصل فى مصر كان ولايزال سياسيا ولم يكن له علاقة بالشأن الدينى،
 إلا أن التطورات اللاحقة التى برز فيها دور جماعات العنف وعلى رأسها داعش وأخواتها أحدثت انعطافة فى الاشتباك أدت إلى تراجع البعد السياسى ثم تجاهله وإبراز العامل الدينى والتركيز عليه.

يذكر فى هذا الصدد أنه فى ندوة تونس كان شبح القاعدة وداعش مخيما على خلفية أغلب المناقشات والأوراق،
وهو ما دفعنى إلى تسجيل هذه النقطة، والقول بأن حديث البعض فى الموضوع أعطى انطباعا بأن التاريخ الإسلامى بدأ بالقاعدة وداعش، الأمر الذى يعنى أن الإسلام بات هو المشكلة.
وهى ذات الفكرة التى يرددها غلاة اليمينيين هذه الأيام فى ظل الإدارة الأمريكية الجديدة وفى بعض الأحزاب اليمينية الأوروبية.

(2)

ما سبق لم يكن جوهر ملاحظتى، لأن تحفظى الأساسى تمثل فى الانطلاق من التركيز على الإصلاح الدينى وتجاهل المشكلة الأكبر والأكثر إلحاحا التى تتمثل فى الحاجة إلى الإصلاح السياسى.

لذلك قلت فى التعقيب إن لدى مشكلة مع موضوع الندوة وليس مع محاورها وعناوينها الفرعية.

وحين سجلت هذه النقطة كانت فى ذهنى ثلاثة أمور هى:

<
إن الإصلاح الدينى مهم ولا غنى عنه، ولكن الإصلاح السياسى أهم،
 ذلك أن الإصلاح الأخير يفترض أن يوفر أجواء الحرية والتسامح فى المجتمع،
 الأمر الذى من شأنه إشاعة حيوية تنعش الحوار الحر والتفاعل الخلاق بين الأفكار،
وهو ما يحرك ركود حركة الاجتهاد والتجديد.

<
إن الإصلاح الدينى شأن يهم المتدينين والمؤمنين بالدرجة الأولى،
 أما الإصلاح السياسى فهو مما يهم الجميع،
وبالتالى فإن خيره يعم جميع المواطنين باختلاف معتقداتهم.

<
إن الاستبداد بمختلف تجلياته كان أحد أهم المصادر التى فرضت العنف المستند إلى المرجعية الدينية.
ذلك أن انسداد قنوات التعبير السلمى دفعت بعضا من النشطاء المتحمسين إلى محاولة التغيير باستخدام العنف.
 كما أن القمع والتعذيب الذى يمارس ضد النشطاء فى السجون كان عنصرا مهما فى شحن أعداد منهم بمشاعر النقمة والكراهية. وكان ذلك وراء انخراطهم فى الجماعات الإرهابية.

وهو ما يسوغ لى أن أقول بأن إرهاب السلطة كان عنصرا فاعلا فى إرهاب الجماعات.
 ذلك أن ما تمارسه من قمع يزرع بذور النقمة والعنف فى المجتمع،
تماما كما أن التسامح الذى تتعامل به السلطة مع المخالفين بمثابة درس يعلم الناس الاعتدال واحترام الاختلاف.

(3)

هذا التمييز بين الإصلاح الدينى والسياسى لم يخطر على بال فقهاء الأصول، الذين اعتبروا أن إصلاح السياسة من مقتضى التدين الصحيح.
وأن غاية الرسالة هى إقامة العدل بين الناس، بشقيه السياسى والاجتماعى.
وهو ما صرح به النص القرآنى:
«لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط...» إلى آخر الآية ٢٥ من سورة الحديد.

وفى موضع آخر اختزلت الرسالة فى عبارة «إن الله يأمر بالعدل» (الآية ٩٠ من سورة النحل).

كما اختزلت فى توجيه للمؤمنين يقول «اعدلوا هو أقرب للتقوى» (المائدة ــ ٨)،
وثمة توجيه آخر يحث بنى الإسلام إلى القول «وأمرت لأعدل بينكم» (الشورى ــ 15)..
إلى آخر الآيات والإشارات المماثلة التى يحفل بها مرجع العقيدة الأول.

هذه الخلفية دعت ابن قيم الجوزية إلى القول فى مؤلفه «إعلام الموقعين» بأن:
«الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد فى المعاش والمعاد.
وهى عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله فى أرضه».

كلام ابن القيم ليس اجتهادا خاصا ولا استثناء، لكنه يعبر عن تيار عريض فى الثقافة الإسلامية كاد ينساه كثيرون بعدما احتلت أخبار داعش والإرهاب الأولوية فى وسائل الإعلام وصار الصراع ضد الإرهاب هو الموضوع الأثير لدى أهل السياسة وكثيرين من أهل الرأى،
وسارت المؤسسات الدينية فى الركب، بحيث ما عادت تبشر بالاعتدال وتدافع عنه، ولكنها نسيت كل شىء ولم تتذكر سوى خوض المعركة ضد التطرف والإرهاب.
ومن ثم صار خطابها معبرا عن توجهات أهل السياسة، وليس عن جوهر الرسالة الإلهية ومراميها.

(4)

حين قال الدكتور يوسف القرضاوى إن الديمقراطية مقدمة على الشريعة، فقد كان يستخدم لغة زماننا، رغم إدراكه أن الشريعة عدل كلها كما قال ابن القيم، وأن الحرية هى الوجه الآخر للتوحيد.
وهو ما فهمه التيار الرشيد فى الفكر الإسلامى، الذين كان المعتزلة رمزا لهم وعرفوا بأنهم أهل العدل والتوحيد.

ومقولة العلامة القرضاوى تتناغم مع ما جاء فى الأثر عن أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن،
ذلك أن السلطان هو من يقيم العدل فى حين أن القرآن يدعو إليه.

وفى التجربة التونسية الحديثة موقف جدير بالتنويه فى هذا السياق، ذلك أنه حين حدث خلاف حول النص على مرجعية الشريعة فى الدستور الجديد، فإن حركة النهضة وافقت على استبعاد ذلك النص،

وبرر ذلك الشيخ راشد الغنوشى رئيس الحركة بقوله إنه فى الحالة التونسية فإن الشريعة تفرقنا والتوافق الوطنى يجمعنا،
ولذلك كان انحيازنا إلى التوافق تجنبا للفرقة التى تعرقل المسيرة الديمقراطية.

العقل الأصولى الذى تبنى هذه الرؤية ذهب إلى أبعد، حين فضل الكافر العادل على المسلم الجائر،
وهو ما عبر عنه ابن تيمية فى مؤلفه عن السياسة الشرعية.
وتم تبرير ذلك باعتبار أن «المسلم الجائر إسلامه له وجوره علينا أما الكافر العادل فكفره عليه وعدله لنا».

فى الفقه الحنفى فتوى مهمة نقلها ابن عابدين فقيه الديار الشامية فى القرن الثامن عشر الميلادى تتحدث عن حالة نزاع بين مسلم وغير مسلم على تبعية طفل،
 المسلم ادَّعى أنه عبد له وغير المسلم ادعى أنه ابن له.
فى هذه الحالة فإن القاضى يقضى بضم الطفل إلى غير المسلم، لأن تنشئته على الحرية وإن كانت على غير دين الإسلام أفضل من تربيته فى ظل العبودية مع اعتناقه الإسلام.

إذا قال قائل بأن ثمة فتاوى أخرى تناقض ما ذكرت، فليس لدى اعتراض عليه، لأن ذلك يؤيد ثراء الفقه وتعددية الآراء فيه.

كما يعنى فى الوقت ذاته أن ما تقول به «داعش» أو ما يتداوله الغلاة باختلاف جماعاتهم ليس كلمة الله ولا رأى الدين، ولكنه مجرد تأويل تم انتقاؤه فى ظروف معينة ونسب إلى الإسلام.

 وهو ما لا يختلف كثيرا عن محاكم التفتيش التى أقامتها الكنيسة الكاثوليكية لإبادة مسلمى الأندلس فى القرن الخامس عشر، ونسبة جرائمها إلى المسيحية.

حين نقل عن ابن تيمية قوله إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة
فإن المقولة تحسم المسألة، وتؤيد إعطاء الأولوية للإصلاح السياسى الذى يقيم العدل ويدافع عن قيم الحرية والمساواة والتعددية واحترام حقوق الإنسان،

 الأمر الذى يعنى أن الجدل المثار فى الوقت الراهن حول أولوية تجديد الخطاب أو الإصلاح الدينى ليس سوى مضيعة للوقت تستجيب لمتطلبات الاستهلاك السياسى، الذى استهدف صرف الانتباه عن الإصلاح السياسى المنشود.

إذ به وحده يسود العدل. الذى هو مصدر الشرعية وأساس الملك.

.................

04 ديسمبر، 2016

إرهاصات الربيع في السودان؟

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 6 ربيع أول 1438 – 5 ديسمبر 2016
إرهاصات الربيع في السودان؟ - فهمي هويدي

لا أستطيع أن أدعي بأن إرهاصات الربيع العربي وصلت إلي السودان،
 إلا أن الثابت أن غضب الجماهير هناك بلغ مبلغه، حتى تم الإعلان عن عصيان مدني هناك لمدة ثلاثة أيام خلال الأسبوع الماضي.

ذلك أن المجتمع ضاق بعمليات قمع الحريات والتنكيل بالمحامين والصحفيين،
وهي الحملات التي استمرت طوال السنوات الأخيرة، ثم جاءت أزمة الغلاء التي ترتبت على رفع أسعار المحروقات بنسبة ٣٠٪ إضافة إلى رفع أسعار الأدوية، فلم يكن هناك بد من انفجار الغضب الذي تمثل في رفع منسوب الاحتجاج والإعلان عن العصيان المدني.
 (الرئيس عمر البشير تحت ضغط الرأي العام أصدر قرارا بإلغاء الزيادات الجديدة في أسعار الدواء وأقال الأمين العام لمجلس الأدوية من وظيفته).

كانت الأجهزة الأمنية السودانية قد دأبت على مصادرة الصحف التي تنقل أخبار معاناة الناس ومظاهراتهم.
وتعمدت أن تتم المصادرة دون ذكر أية أسباب، وبعد تمام الطباعة، لإجبار الصحف على إتلاف ما طبعته وتحميلها خسائر مادية يؤدي تكرارها إلى إنهاك الصحف وتعجيزها عن الصدور.

وإذا كانت المصادرة الأمنية قد أصبحت تقليدا مستقرا خلال السنوات الأخيرة، إلا أن معدلاتها تزايدت بشكل ملحوظ خلال الأسبوع الماضي.
 إذ صار مألوفا أن تصادر يوميا ما بين صحيفتين وخمس. حيث حرصت السلطة على كتمان أخبار العصيان المدني والمظاهرات التي تخرج مؤيدة له.

(يوم الأربعاء ٣٠/١١ تمت مصادرة الصحف الخمس التالية: التيار ــ الأيام ــ الجريدة ــ اليوم التالي ــ الوطن).

العصيان المدني له تاريخ في السودان، فقد أدى العصيان الذي أعلن في ستينيات القرن الماضي إلى سقوط حكم الفريق إبراهيم عبود،
وفي الثمانينيات أدت المظاهرات إلى سقوط حكم الرئيس جعفر نميري، واستيلاء الجيش على السلطة التي تولاها الفريق عبدالرحمن سوار الذهب الذي سلمها إلى السيد الصادق المهدي بعد إجراء انتخابات ديمقراطية فاز فيها حزب الأمة،
إلا أن انقلابا عسكريا تم عام ١٩٨٩ جاء بالرئيس عمر البشير إلى السلطة، التي يتولاها منذ ذلك الحين.

غضب الجماهير السودانية عبرت عنه أبرز القوى السياسية (أحزاب الأمة، والاتحادي الديمقراطي والمؤتمر) إضافة إلى بعض النقابات المهنية.
وقد شكل هؤلاء تحالف قوى المعارضة ومبادرة المجتمع المدني مع بعض الشخصيات الوطنية.

ووجهوا مذكرة إلى الرئيس البشير طالبته بالتنحي وتسليم السلطة إلى الشعب (إدارة المراسم بالقصر الجمهوري رفضت استلامها بحجة أن الرئيس موجود خارج البلاد).

وجاء في المذكرة الموجهة إلى البشير «أن البلاد تمر بمنعطف حرج وخطير وأنتم تتحملون فيه كامل المسؤولية عما حدث خلال ٢٧ سنة؛ نتيجة انقلابكم على سلطة منتخبة واتباعكم سياسة التمكين السياسي والاقتصادي ومصادرة الحريات وتصعيد الحرب في الجنوب حتى تم فصله...

وأمام هذا الفشل التام وعجز النظام وتخليه عن مسؤوليات الحكومة تجاه الشعب، وافتقاده الشرعية السياسية والمشروعية الشعبية، وفقدانه الأهلية الأخلاقية والمهنية، نطالبكم بحل السلطة القائمة والتنحي عن السلطة فورا وتسليمها إلى الشعب السوداني، لإقامة سلطة انتقالية تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية».

لدي ملاحظتان علي المشهد السوداني،
 الأولى أن قمع السلطة كان له سقف لم تتجاوزه، حيث تم الاكتفاء بمصادرة الصحف وإطلاق الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين من المحامين والصحفيين وغيرهم، بحيث لم ترق فيه دماء تذكر. وتلك بادرة إيجابية في زماننا.

الثانية أن أخبار العصيان لم تحاصر داخليا فقط، وإنما عربيا أيضا إذ كان النشر شحيحا عنها في وسائل الإعلام العربية. حتى بدا وكأن ثمة توافقا على حجب أصوات الجماهير الغاضبة حيث كانت، حتى لا تتناثر الشرارات هنا وهناك.
خصوصا أن التجربة أثبتت أن الله سبحانه وتعالي يضع سره ــ أحيانا ــ في أضعف خلقه.

..................

03 ديسمبر، 2016

عن زمن الحسرة

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 5 ربيع أول 1438 – 4 ديسمبر 2016
عن زمن الحسرة – فهمي هويدي

صحيح أننا فى زمن «الحسرة»؟
ــ السؤال لى والتشخيص لغيرى والخلفية تستحق أن تروى.

ذلك أننا كنا مجموعة من الباحثين والأكاديميين قدموا من سبعة أقطار عربية استجابة لدعوة مركز دراسات الوحدة العربية لمؤتمر فى تونس.
وما أن التأم جمعنا ذات مساء حتى انفتح الباب واسعا لمناقشة أوضاع العالم العربى وأخباره المثيرة التى باتت مخضبة بالدماء.
 فقال واحد إننا كنا نحلم قبل ثلاثة أو أربعة عقود بتحرير الأمة بعد تحرير الأوطان من المستعمرين والغزاة،
 إلا أنه لم يخطر على بال أحد أننا سوف نستدعى المستعمرين السابقين لنحتمى بهم.
ثم وجدنا أنظمة «وطنية» تحارب شعوبها،
 بل أصبحنا نقرأ فى الصحف أن ثمة معارك لتحرير أحياء المدن وبعض القرى والنواحى.

وكما حدث فى اللوثة اللبنانية التى احتدم الصراع فيها بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية، فإننا وجدنا النموذج مكررا فى حلب والموصل وتعز وبغداد ذاتها.
وهو ما نقل الحوار إلى مستوى آخر، حين قال أحد الجالسين إن الحالة الفلسطينية لا مثيل لها ذلك أنه بعد كارثة القطيعة بين الضفة الغربية والقطاع، فإن نشطاء الضفة أصبحوا يلاحقوق من جانب أجهزة السلطة الفلسطينية ومن الإسرائيليين فى الوقت نفسه،
حتى أصبحت القيادة «الوطنية» تتباهى بقمع وإجهاض المقاومة التى تستهدف العدو الإسرائيلى.

قال آخر إن القمع صار عنوانا عريضا لما جرى فى العالم العربى من أقصاه إلى أقصاه، حتى أن البعض فى الجزائر صاروا يتحسرون على زمن الاحتلال الفرنسى.
فعقب ثالث قائلا إن هؤلاء لهم أقران كثر فى ليبيا، إذ رغم بؤس الأوضاع التى فرضها معمر القذافى، فإن الناس حين عانوا مما هو أشد بؤسا بعد الثورة، فإنهم أصبحوا يتحسرون على أيامه،

حينئذ انبرى رابع قائلا إن الحاصل فى العراق لا مثيل له. لأن حنين كثيرين إلى زمن صدام حسين مشهود فى قطاعات عريضة،
 خصوصا بين أهل السنة الذين عانوا من ظلمه لكنهم صاروا يتامى فى غيابه. بعدما تكررت الملاحظات عن الأوضاع فى اليمن والسودان

 وعن حنين البعض فى مصر إلى عصر مبارك سألنى أحد الجالسين:
 هل حدث فى التاريخ المصرى أن صدر حكم بحبس نقيب الصحفيين أو تم اقتحام الشرطة للنقابة،

وحين أجبت بالنفى انبرى الأكاديمى الجزائرى المخضرم قائلا إننا فيما يبدو نعيش زمن الحسرة على ما فات، لأن ظاهرة الحنين إلى الماضى على سوئه باتت ظاهرة يتعذر تجاهلها فى أغلب الأقطار العربية، وربما كانت تونس استثناء فى المشهد العربى.

كان لدى تحفظ أساسى على هذه المقولة، يتلخص فى أن ذلك حكم متعجل لأنه لم تمض على هبوب رياح التغيير فى العالم العربى سوى خمس سنوات فقط،
 وتلك فترة قصيرة للغاية فى أعمار الشعوب خصوصا حين يتعلق الأمر بمراحل التحول التاريخى.
فضلا عن أن تلك السوءات التى يشار إليها ظهرت فى الأقطار التى تعثر فيها الربيع العربى، ونجحت قوى الثورة المضادة فى صد موجاته.
 وهو ما فجر صراعات شرسة لاتزال مستمرة فى تلك الأقطار،

 ولابد أن نلاحظ فى هذا الصدد أن استنفار قوى الثورة المضادة لم يكن على المستوى القطرى فقط، لأن احتشادها كان على مستوى الإقليم، حيث عبأت أطراف عدة كل ما تملك من عناصر القوة والبطش لكى تجهض عملية التغيير، ليس دفاعا عن الأنظمة الاستبدادية «الشقيقة» فحسب وإنما دفاعا عن نفسها أيضا.

لم اختلف حول وجود الحسرة المذكورة بدرجات متفاوتة، ولكننى اعتبرت أنها تعبير عن اختيارين ما هو تعيس وما هو أتعس، فى حين أن حلمنا كان ولايزال يتطلع إلى الأفضل وليس إلى أى من الخيارين البائسين.

................

Delete this element to display blogger navbar