Subscribe:

Ads 468x60px

18 ديسمبر، 2014

إيران بين التاريخ والجغرافيا

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 26 صفر 1436 18 ديسمبر 2014
إيران بين التاريخ والجغرافيا - فهمي هويدي

إذا صح أن نفوذ إيران أصبح يمتد من لبنان إلى اليمن، فذلك ربما يعني أنها انحازت إلى الجغرافيا على حساب التاريخ

مقولة تمدد النفوذ نقلت على لسان الدكتور على أكبر ولايتي مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية للشئون الدولية ووزير الخارجية الأسبق. وعممتها وكالات الأنباء العالمية على الملأ يوم الاثنين الماضي 15/12.

وإذ أضع أكثر من خط تحت كلمتي «إذا صح» فإنني لست متأكدا تماما مما قاله الرجل،
ثم انني لا أخفي عدم ارتياح لتلك الفكرة التي رددتها أصوات بعض المثقفين والبرلمانيين في طهران خلال الأسابيع الماضية،
 إلا أنها كانت معبرة عن آراء شخصية لا تحسب بالضرورة على سياسة الدولة.

 لكن الأمر لابد أن يختلف حين يصدر الكلام ذاته عن مستشار المرشد للشئون الدولية، الذي ظل وزيرا للخارجية طوال 16 عاما أتقن خلالها لغة الدبلوماسيين، رغم انه طبيب أطفال بالأساس.

 إذ في هذه الحالة لا نستطيع أن نفصله عن سياسة الدولة، الأمر الذي يدعونا لأن نأخذه على محمل الجد بحيث نحاول ان نقلِّبه من أوجهه المختلفة،
خصوصا إذا سكتت عليه طهران ولم تحاول أن تصوبه أو تنفيه.

ظاهر كلام الدكتور ولايتي ــ إذا لم يراجع ــ يشير إلى «نفوذ» لإيران في أربع دول عربية على الأقل هي لبنان والعراق وسوريا واليمن،
 ستؤجل مناقشة حدود النفوذ وصيغته إلى ما بعد تحديد طبيعة العلاقة بين إيران والدول الأربع.

ذلك اننا نفهم أن ثمة علاقة خاصة بين طهران والنظم القائمة في الدول الثلاث (سوريا والعراق ولبنان)،

وأيا كان رأينا في تلك العلاقة فالشاهد انها حاصلة بين الدولة الإيرانية وتلك الدول، إلا أن إلحاق اليمن بالقائمة يمثل خطأ جسيما، ينم عن عدم معرفة كافية بالوضع هناك، ولئن غفر ذلك لأي مسئول إيراني آخر فإنه لا يغفر لمستشار مرشد الجمهورية للشؤون الخارجية الذي كان وزيرا سابقا للخارجية.

ذلك أنه ساوى بين النظام القائم في كل من دمشق وبغداد وبيروت وبين اللانظام الحاصل في اليمن. وبين الذين يحكمون في الدول الثلاث وبين الذين يتحكمون في مصير اليمن، ليس بسبب قوتهم أو شعبيتهم ولكن بسبب ضعف الدولة وانهيار مؤسساتها.

إذ جرى استثمار ذلك الانهيار من جانب فصيل يمثل أقلية ضمن الأقلية، في القيام بعملية اجتياح للعاصمة وسطو على مؤسساتها أعقبها تمدد في أنحاء الدولة المنهارة،

 الأمر الذي أسفر عن اختطاف واجهة النظام الذي لم يفهم البعض في طهران طبيعته، فهللوا له هناك واعتبروه انتصارا للثورة الإسلامية.

وهذا منطوق يحتاج إلى بعض الافصاح والشرح.

ذلك أن سكان اليمن (25 مليون نسمة) يتوزع المسلمون فيه ما بين الشوافع نسبة إلى الإمام الشافعى والزيود نسبة إلى الإمام زيد بن على حفيد الإمام الحسين بن على بن أبي طالب.

والزيود يمثلون ثلث المسلمين والتصنيف الشائع عنهم أنهم إحدى فرق الشيعة التي قننت الخروج على الحاكم الظالم.

لكن الباحثين لا يضعونهم في سلة واحدة، وإنما يميزون بين ثلاثة اتجاهات داخل المذهب.
أحدها أقرب إلى الشيعة
والثاني أقرب إلى المعتزلة
والثالث أقرب إلى أهل السنة.

وهو ما فصل فيه الدكتور أحمد محمود صبحى أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الاسكندرية في مؤلفه الكبير عن «الزيدية»،
وأيده في ذلك الدكتور عبدالعزيز المقالح رئيس جامعة صنعاء الأسبق في كتابه عن فكر الزيدية والمعتزلة. الذي عالج التباينات بين الاتجاهات الثلاثة داخل المذهب الزيدي،

وقال ان الاتجاه المعتزلى ينكر التَّقية كما ينكر عصمة الأئمة، وهما من أسس التشيع، مضيفا أن الزيدية معتزلة في الأصول وأحناف في الفروع.

 أما العلامة الشيخ محمد أبوزهرة فقد ذكر في كتابه عن تاريخ المذاهب الإسلامية أن فقه الزيدية «قريب كل القرب من فقه الأئمة الأربعة» (عند أهل السنة).

خلاصة ما سبق أن الزيود الذين هم أقلية نسبية في اليمن (ثلث المسلمين) يتوزعون على ثلاث مدارس فكرية أو فصائل،
إحداها يميل إلى الشيعة وعلى خلاف مع المدرستين أو الاتجاهين الآخرين (المعتزلي والحنفي السَّني).

 ليس ذلك فحسب، ولكن الاتجاه المتشيع بين الزيود لا يعد كيانا واحدا، ولكن أتباعه يتوزعون على عدة عائلات كبيرة كل واحدة منها لها أئتمتها.

 والهاشميون الذين ينتسبون إلى آل بيت النبوة وقبيلة بني هاشم من بين تلك العائلات.

والحوثيون الذين تمركزوا في شمال اليمن فرع عن الهاشميين،
 أصلهم من بلدة «حوث» في محافظة عمران،
 وإمامهم ومرجعهم الفقهي هو الشيخ بدر الدين الحوثى المتوفي سنة 2010 عن 84 عاما.

مما سبق يتبين أن الحوثيين الذين اجتاحوا صنعاء في 29 سبتمبر الماضي مجرد فصيل صغير لا يمثل الهاشميين ولا يمثل الزيود وبالتأكيد لا يمثلون الشعب اليمني، ولكنهم فرع عن فرع عن فرع، وقد تفوقوا لأنهم أفضل تنظيما وتمويلا، الأمر الذي مكنهم من الهيمنة على المشهد اليمني بصورة مؤقتة.

وتلك خلفية لو كان الدكتور على ولايتى على علم بها لما تسرع وقرر أن إيران أصبحت صاحب نفوذ في اليمن.
ولما راهن على فصيل متواضع بهذه الصورة لا مستقبل له في حكم اليمن الذي هو أكبر من الحوثيين وأكثر تعقيدا وأثقل وزنا من جماعتهم.

ثم ما حكاية «النفوذ» الإيراني الذي يتحدث عنه الدكتور ولايتي ممتدا من اليمن إلى لبنان؟
 ألا يعد استخدام ذلك المصطلح تأكيدا لما أثير من دعاوى وشكوك بخصوص تطلعات إيران إلى ما وراء حدودها؟

وأيهما أفضل أن تكون إيران الثورة الإسلامية على موقفها من نُصرة المستضعفين ومقاومة الاستكبار العالمى أو ان تتطلع لممارسة النفوذ وزيادته في محيطها العربي؟

ولأنني أحد الذين تفاعلوا مع الثورة الإسلامية منذ أيامها الأولى،
 فربما جاز ان أقول إن النفوذ المزعوم قد يكون سحبا من رصيد الثورة وليس إضافة إليه.

وقد تمنيت أن تظل إيران الثورة جارا قويا يسعى لنصرة الشعوب، وليس صاحبة نفوذ قوى لدى بعض الحكومات.
 والتزامها بالرسالة الأولى يدخلها إلى التاريخ،
 أما المهمة الثانية فهي تخدم جغرافية الثورة وتكاد تخرجها من التاريخ.

 الأمر الذي يستدعى سؤالا كبيرا هو:
 هل هزم حلم الثورة أمام طموحات الدولة في إيران؟

..................

17 ديسمبر، 2014

من سلَّط داعش علينا؟

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 25 صفر 1436 – 17 ديمسبر 2014
من سلَّط داعش علينا؟ - فهمي هويدي

من سلط «داعش» على الإسلام والمسلمين؟
هذا السؤال أصبح يلح علىّ كل صباح كلما وقعت على شيء مما تتناقله الصحف ووكالات الأنباء عما ينسب إلى ممارساتها وبلاويها، التي تجاوزت حدود سوريا والعراق ووصلت إلى أوروبا، ولم تستثنِ أستراليا.

حصيلة يوم أمس الأول كانت شاهدا على ذلك.
إذ تناقلت وسائل الإعلام أخبار احتجاز شخص رفع رايتهم لرواد أحد المقاهي في سيدني بأستراليا،
 وحين احتجز أربعة أشخاص آخرون رهينة في بلجيكا فإن الأصابع أشارت على الفور إلى داعش بعدما أصبحت المرشح الأول لأي ترويع يحدث في أي مكان بالكرة الأرضية.

 بل إن جريدة الأهرام حين نشرت على صفحتها الأولى أمس عنوانا ذكر أن: 50 ألفا يشيعون ضحايا بدر الإسلام بالدقهلية.

 فإن أذهان البعض كانت مهيأة لإضافة الجريمة إلى سجل داعش الملطخ بالدماء أو الإخوان عند الحد الأدني
(وهو ما نبهتني إليه قارئة حصيفة انتابها القلق حين قرأت العنوان).
لكن الخبر تحدث عن شىء مختلف تماما أساء العنوان التعبير عنه. لأن «بدر الإسلام» لم يكن سوى اسم مركب صيد صدمتها نقل بضائع عملاقة في البحر الأحمر وأغرقت ركابها!

صحيح أن البعض يدعي أن بعض ما ينسب إلى داعش مبالغ فيه أو مغلوط، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يقبل كتبرير لسوء سمعتها،
ذلك أنه لا يوجد دخان بغير نار وراءه، كما يقول المثل العامي.

لذلك فما كانت سمعة داعش لتسوء إلى تلك الدرجة المزرية والمنفرة لولا أن ممارساتها على أرض الواقع هي التي أوحت بذلك.

 وهي الممارسات التي لطخت سمعة الدولة الإسلامية وأهانت الخلافة وابتذلت شعار «لا إله إلا الله» حتى حولته إلى راية تثير الخوف والرعب وتمهد لقطع الرءوس وسبى النساء وسحق المخالفين.

وبسبب داعش فقد شوهت صورة المقاومة، وأصبح الطرف الإسلامى موصوما بكل ما يشينه وينفر الناس منه.

ليس ذلك فحسب، وإنما تسببت ممارسات داعش في رفع منسوب كراهية المسلمين في العالم الخارجي.

 كما أنها أهدت الاتجاهات اليمينية والفاشية في أوروبا حججا قوية عززت مطلبها الداعى إلى طرد المسلمين وإعادتهم إلى أقطارهم الأصلية باعتبارهم أنهم أصبحوا خطرا يهدد أمن واستقرار المجتمعات الغربية.

حتى قرأت شتائم لداعش من جانب بعض المسلمين خلال مواقع التواصل الاجتماعى، حيث كالوا لهم السباب بسبب العملية التي تمت في سيدني، معتبرين أن ذلك يمكن أن يغلق الأبواب أمام هجرة شبابهم إلى أستراليا.

هذه الشواهد وغيرها أثارت لدى شكوكا قوية في مشروع داعش وحكاية الخلافة والدولة الإسلامية.
 ذلك أن المفاسد التي حققها ذلك المشروع تتجاوز بكثير أية مصالح يبدو أنها حققتها.

وقد لا أعترض على مقولة إن ذلك التنظيم يعبر عن غضب أهل السنة وثورتهم على ما حاق بهم من ظُلم في ظل الحكم الطائفي المهيمن في العراق.

 وإذ اعتبر ذلك أمرا مفهوما، إلا أن ذلك لا يبرر ولا يغفر كم الجرائم التي ارتكبت أو الدماء التي أريقت أو الممارسات البشعة التي تمت بحق الأقليات في سوريا والعراق.

منذ وقت مبكر أشرت في كتابات منشورة إلى احتمال أن يكون لأبالسة النظام السوري يد في انطلاق داعش والنفخ فيها لإخافة الجميع من البديل الذي يمكن أن يحكم سوريا لو قدر للثورة الراهنة على نظام الأسد أن تنجح.

وكان تقديري أن الرسالة التي أريد توصيلها من وراء ذلك تعلن على الملأ أنه إذا كانت للنظام السوري سوءاته، فإن الطرف الذي يرشح نفسه بديلا له أسوأ وأضل سبيلا.

كان ما قلته مجرد استنتاج لا دليل عندي عليه. إلا أنني وجدت في التقرير الذي نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية يوم الجمعة الماضي (12/12) قرينة تؤيد ما ذهبت إليه.

ذلك أن التقرير الذي كتبه مارتن جولوف أحد الخبراء المعنين بالشرق الأوسط، اعتمد على معلومات من مصدر في داخل قيادة داعش، كانت تربطه به علاقة وثيقة منذ وقت مبكر.

مما ذكره الكاتب نقلا عن مصدره العراقى أن المخابرات السورية لم تكن بعيدة عن أنشطة داعش.
وأن الذي توسط في العلاقة بين الطرفين كان الضباط البعثيون في جيش صدام حسين الذين تعرفوا عليهم وتفاعلوا معهم حين جمعتهم الزمالة أثناء الاعتقال في سجن «بوكا» جنوبى العراق.
 وهؤلاء الضباط هم الذين رتبوا للجماعة لقاءاتهم مع أقرانهم من الضباط البعثيين في سوريا.

تحدث القيادي في داعش الذي انتحل له اسم أبو أحمد عن اجتماعين سريين عقدا في منطقة الزبداني قرب دمشق في ربيع عام 2009، حضره قادة بعثيون عراقيون سابقون لجأوا إلى سوريا وممثلون عن المخابرات السورية، إلى جانب شخصيات مهمة من عناصر القاعدة في العراق (التي تطورت بعد ذلك وأصبحت تحمل اسم داعش).

وكان هذان الاجتماعان من بين حلقات التعاون بين المخابرات السورية وبين التنظيم داخل العراق، الذي كان ينشط ضد الاحتلال وضد حكومة نورى المالكى،
 لكنه أدى إلى جانب ذلك، وبمضى الوقت إلى ممارسة ضغط قوى على حكومة المالكى.

والأهم من ذلك أنه أسهم في تضخيم صورة تنظيم القاعدة وتوسيع نطاق عملياتها،
ومن ثم صرف الانتباه عن حكومة بشار الأسد في سوريا.

وهو مسلسل تتابعت حلقاته على النحو الذي نعرف، وانتهي بنجاح مخطط أبالسة النظام البعثى في سوريا، الذين استطاعوا الإبقاء عليه. ولم يبالوا بالكوارث والخرائب التي حلت بالمنطقة جراء ذلك.

..................

16 ديسمبر، 2014

شكوك في كسب المعركة ضد الإرهاب – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيره الفضائيه الثلاثاء 24 صفر 1436 16 ديسمبر 2014
شكوك في كسب المعركة ضد الإرهاب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

إذا استمرت الحرب على الإرهاب بصورتها الراهنة، فلا نهاية لها ولا أمل في كسبها.

(1)

خطيب الجمعة في مسجدنا لا يكف كل أسبوع عن ذم الإرهاب وهجائه، ولا يمل من استعراض شروره التي أصبحت ممارسات جماعة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) في سوريا والعراق نموذجا لها.

ولئن أراد بذلك أن يتجاوب مع الأجواء السائدة في مصر، إلا أن حملته اشتدت منذ دعا الأزهر في 3 ديسمبر/كانون الأول الحالي إلى عقد مؤتمر دولي بالقاهرة لمواجهة التطرف والإرهاب،

وكان واضحا أن تعليمات وزارة الأوقاف لها دورها في ذلك،
وقد بشرنا في آخر خطبة له بأن نهاية الإرهاب قد اقتربت مستدلا بإجماع علماء الأمة الذين حضروا المؤتمر على ذلك، واعتزامهم إصدار وثيقة تصاغ بكل اللغات الحية وتوزع على الكافة، ترفض الإرهاب وتعلن البراءة منه، وتفضح الآراء التكفيرية التي يتبناها الإرهابيون.

وفي ثنايا خطبته الأخيرة، ذكر أن أمر الإرهاب صار مكشوفا ومفضوحا،
وأيد ذلك بإشارته إلى أن دولة الإمارات العربية أصدرت قائمة ضمت أكثر من ثمانين جماعة ومنظمة إسلامية ضالعة في الإرهاب،
وأن مصر بصدد إعداد قائمة مماثلة تفضح الكيانات الإرهابية وتعريها أمام الرأي العام في الداخل والخارج.

لا أعرف إلى أي مدى كان الرجل مقتنعا بما قاله، لكنني أزعم أنه يعكس إلى حد كبير التفكير الرسمي في الموضوع، الذي يلجأ إلى التسطيح والتبسيط، فيشدد على إدانة الإرهاب ويلجأ إلى الإجراءات في مواجهته،
متصورا أن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال إصدار وثيقة تتهمه وتفضحه وتنظم حملة إعلامية تركز على هجائه والحديث عن مخاطره وشروره،
 إضافة إلى الإجراءات الأمنية الأخرى بطبيعة الحال، التي تتراوح بين التوسع في محاكمتهم أو التخلص منهم بوسائل أخرى بينها تصفيتهم جسديا، كما هو الحاصل في سيناء بوجه أخص.

كأننا في مواجهة الإرهاب نلجأ إلى حلين لا ثالث لهما:
أولهما التعبئة الإعلامية (جريدة الجمهورية دخلت على الخط ونظمت مؤتمرا ضد الإرهاب يوم الأحد الماضي 13/12).
 أما الحل الثاني فيتمثل في الإجراءات الأمنية والمحاكمات القضائية.

ذهب البعض إلى أبعد في التعبئة، حيث لم يكتفوا بإدانة الإرهاب وتجريمه، وإنما دعوا إلى تكفير الإرهابيين أيضا، لكي يلاحقوا ويعاقبوا على جرمهم في الآخرة أيضا.

وكان مفتي نيجيريا الشيخ إبراهيم صالح الحسين قد ألقى بالفكرة قاصدا بها تنظيم "داعش" في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر السابق الذكر،
 إلا أن مشيخة الأزهر تداركت الأمر في بيان أصدرته ذكرت فيه أنه لا تكفير لمؤمن نطق بالشهادتين مهما بلغت ذنوبه،

 إلا أن ذلك لم يغلق باب المناقشة التي ما زالت مستمرة حول الموضوع في بعض وسائل الإعلام، كأنما تم حسم أمر الإرهابيين في الدنيا وصرنا مشغولين بمصيرهم في الآخرة.

لست واثقا من العلاقة بين حملة مواجهة الإرهاب وبين الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية في مصر أخيرا، وعبرت فيها عن غيرتها على الإيمان والأخلاق الحميدة، إلا أن عنصر التزامن وحده هو الذي أثار الانتباه وطرح فكرة الربط بين المسارين.

إذ بعد نحو أسبوع من انتهاء مؤتمر الأزهر، أعلن أن عدد الملحدين في مصر صار 866 شخصا (لا أعرف كيف تم إحصاؤهم)،
كما تمت مداهمة مقهى في القاهرة بدعوى أنه مكان لتجمع الملحدين.
وفي الوقت ذاته قامت الشرطة بمداهمة حمام مغربي قيل إن الشاذين جنسيا يمارسون فيهم "أنشطتهم".

(2)

ليس خافيا أن كل ما سبق وثيق الصلة باتجاهات الريح السياسية، التي كانت من القوة بحيث غيبت أسئلة مهمة يطرحها السياق. أحدها يتعلق بالتعريف المعتمد لمصطلح الإرهاب،

 ذلك لأننا نعرف أن الإرهاب في التعريف العلمي هو كل استخدام للقوة والعنف لترويع الآخرين، وفرض الرأي عليهم.
لكن الممارسات نسخت ذلك الرأي حتى باتت المعارضة إرهابا وصار عدم طاعة ولي الأمر ينطبق عليه نفس الوصف.
وتحول الإرهاب إلى قرار سياسي يسوقه الإعلام بصرف النظر عن الشواهد والممارسات العملية.
بحيث صار الإرهابي هو كل من قالت عنه السلطة ذلك وروجت له الأبواق الإعلامية.

وقد شاع عنا ذلك حتى أنني حضرت قبل حين ندوة عن التطرف في لندن، وحين تباينت تعريفاته فإن أكاديميا إيرلنديا متخصصا في الشرق الأوسط قال في نهاية المطاف إن المتطرف أو الإرهابي في العالم العربي هو كل من لا ترضى عنه السلطة!

لم يتح لنا كذلك أن ندقق في طبيعة الحرب الدائرة، وهل هي في جوهرها صراع حول السلطة أم أنها صراع بين الأفكار التي استدعيت للتغطية على صراع السلطة؟

لم نعرف أيضا لماذا تهب رياح التطرف في مرحلة وتسكن أو تخبو في مرحلة أخرى؟
 ولماذا يطل الإرهاب في بلد وينحسر في بلد آخر؟
ولماذا تكاثرت التنظيمات الإرهابية في محيطنا وأقطارنا بحيث لم تعد البيئة العربية تفرز إلا ما هو شائك ومُر؟
 ولماذا فشلت الحرب ضد الإرهاب التي أعلنتها إدارة الرئيس بوش بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2001؟
 ولماذا تخلت الإدارة الأميركية عن المصطلح في عام 2010 في ظل ولاية الرئيس باراك أوباما.. إلخ.

لم يطرح الأمر للمناقشة والمراجعة في أي باب، وظل التسطيح والتبسيط سيد الموقف.
من ثم فقط تم تأجيل طرح الأسئلة المهمة أمام ضغط الخطاب السياسي وقوة التعبئة الإعلامية، حتى استسلم الجميع لفكرة أنها الحرب التي تستهدف إنقاذ الدولة من السقوط، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

وللدقة، فإن ذلك لم يكن منطق السلطة والأبواق الإعلامية فقط، لأن شريحة واسعة من النخبة انضوت تحت المظلة وانضمت إلى الحشد، فلا هي طرحت الأسئلة الواجبة ولا هي رضيت أن تجيب على من سألوها.

وكانت لهؤلاء حساباتهم وموازناتهم الخاصة التي جعلتهم يحجمون ويؤثرون الصمت، وترتب على ذلك أن الذين تصدوا للأمر كانوا مجموعات الشباب الذين لم تكن لهم حساباتهم ولا موازناتهم الخاصة،

 وكان مصير الثورة هو شاغلهم الأوحد، فنزلوا إلى الشارع ورفعوا أصواتهم المعبرة عن الحيرة والغضب، ودفعوا ثمن وقفتهم على النحو الذي يعرفه الجميع.

(3)

يوم الجمعة 12 ديسمبر/كانون الأول، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا مفصلا عن تنظيم داعش وحكاية الدولة الإسلامية، استقاه محرره مارتن غولوف من أحد أركان الدولة الجديدة.

ولأن كاتب التقرير يغطي أحداث العالم العربي منذ 2005 فإن ذلك مكنه من أن يتوغل في القصة ويتتبع جذورها من بداياتها.

في رحلة البحث تبين أن أبا بكر البغدادي -الذي صار لاحقا خليفة المسلمين في الدولة الجديدة- بدأ خطواته الأولى مع المقاومين للاحتلال الأميركي وللهيمنة الشيعية، ضمن ما سمي آنذاك بجيش أهل السنة والجماعة،
وهو ما أدى إلى اعتقاله في عام 2004 وإيداعه في سجن "بوكا" الذي أقامه الأميركيون جنوبي العراق، حيث التقى هناك زملاءه وتعرف على أعداد كبيرة ممن صاروا لاحقا قادة التنظيم الجديد.

في السجن برزت شخصية البغدادي القيادية ونجح خلال السنوات الخمس التي قضاها في "بوكا" في توثيق علاقاته مع أمراء التنظيم، وكانت الفرصة متاحة أمام الجميع للتفكير والتخطيط للمستقبل.

في السجن أيضا التقى البغدادي وصحبه مع عدد من قادة جيش صدام حسين البعثيين، ونجحوا في إقامة علاقة وثيقة معهم، خصوصا أن بعضهم تحول إلى التشدد الإسلامي أثناء سجنه.

واستطاع الطرفان أن يقيما علاقة كان لها دورها الجوهري في إقامة الدولة الجديدة، إذ أصبحت تمثل تحالف مناضلي أهل السنة الرافضين لهيمنة الشيعة مع قادة جيش صدام حسين البعثي الذين كانت لهم مراراتهم الخاصة، إضافة إلى مشاعرهم الطائفية.

إزاء ذلك فإن السجن وفر فرصة ذهبية لعناصر داعش للتخطيط والتجنيد وإقامة التحالف الذي كان له دوره الأساسي في إنجاح الحملات العسكرية التي شنها التنظيم، وأدت إلى سقوط حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.

تجربة أبو بكر البغدادي وصحبه في السجن التي أدت إلى ظهور تنظيم داعش بعد ذلك، لا تختلف كثيرا عن تجربة شكري مصطفى في السجون المصرية التي أدت إلى ظهور جماعة التكفير والهجرة (أو جماعة المسلمين كما كانوا يسمونها) في سبعينيات القرن الماضي.

 إذ تشكل الاثنان في السجن وقررا رفض كل ما هو قائم وأعلن كل منهما نفسه أميرا للمؤمنين، وإن اختلفت النهايات بعد ذلك، حتى الآن على الأقل، 

والتجربتان -وغيرهما كثير- تذكِّراننا بأن بيئة القمع والسجن هما المختبر الرئيسي الذي تتشكل فيه خلايا الإرهاب.

(4)

هي حرب بلا نهاية، ولن يجدي فيها وقف إطلاق النيران أو عقد هدنة من أي نوع، ولا مفر من الاعتراف بأن عجز الأنظمة الاستبدادية العربية عن الإصلاح يمثل تربة غنية لنمو الحركات الجهادية والإرهابية،
وإذا كان تقويض تنظيم القاعدة لم يتحقق إلا بعد مضي عشر سنوات، فإن الحرب ضد داعش سوف تستغرق عشر سنوات أخرى.

وإذا لم يُجرِ العالم العربي -الذي هو مركز داعش وبؤرته- عملية إصلاح ذاتية عميقة، فلن يطول بنا الأمد حتى يظهر في الأفق وحش إرهابي آخر مرتديا لبوسا جديدا.

وينبغي أن يكون واضحا للكافة أن إقامة المجتمعات المدنية في الشرق الأوسط أصبح بدوره أمرا لا مفر منه، فذلك وحده ما يمكن أن يحصن الدول العربية ضد الإرهاب ويوقف تناسل جماعاته التي استوطنت فيها.

هذا الكلام ليس لي، ولكنها خلاصة لما أورده برونو ترتريه أحد مديري مؤسسة البحوث الفرنسية، في مقالة نشرتها له صحيفة "نوفيل أوبزرفاتير" في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2014.

وكان الرجل قد أصدر في عام 2004 (بعد الغزو الأميركي للعراق) كتابا طرح فيه فكرته الأساسية، كان عنوانه "حرب بلا نهاية".

لا يستطيع المرء أن يخفي شعوره بالرثاء والحزن حين يقارن هذا الكلام الذي صدر عن الباحث الفرنسي -الذي يشاطره فيه آخرون ممن لا يتسع المجال لذكر شهاداتهم- بكتابات بعض المثقفين عندنا الذين غرقوا في مستنقع الاستقطاب، ولم يجدوا حلا لمشكلة الإرهاب إلا بتشديد الضربات والسحق والاقتلاع، وهو ما اعتبره البعض أصولا واجبة لضمان نجاح مصر في مواجهة الإرهاب.

وتلك دعوة لا تقتصر على عدد محدود من الأصوات، ولكنني أزعم أنها تمثل الصوت الأعلى والمهيمن في خطاب المثقفين والسياسيين فضلا عن المنابر الإعلامية المختلفة.
إذ التقى هؤلاء وهؤلاء حول شعار "الإبادة هي الحل"، الذي صار نشيدا يرددونه صباح مساء،
 الأمر الذي أصبح إعلانا يجسد بؤس الحالة التي أوصلنا إليها الاستقطاب الذي أصبح يشكل العقبة الأساسية التي تعترض طريق الإصلاح المنشود.

وحين ينسد ذلك الباب فإن الإرهاب يغدو بديلا مرشحا للنمو والاستمرار، وتصبح هزيمته أملا بعيد المنال.

.......................

15 ديسمبر، 2014

خديعة القرن

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 23 صفر 1436 15 ديسمبر 2014
خديعة القرن - فهمي هويدي

ما عاد لدينا شك الآن في أن ما سمى بمحاكمة القرن التي انتهت بتبرئة الرئيس الأسبق حسني مبارك وأعوانه لم تكون سوى خديعة القرن،

وهو ما يسوغ لى أن أقول بأن وصفها بأنها محاكمة القرن لم يكن سوى جزء من الخديعة، أريد به إيهامنا بأننا مقبلون على حدث جلل غير مسبوق.

وبعد مضى أكثر من ثلاث سنوات حفلت بالإثارة والترقب (المحاكمة بدأت في 3 أغسطس عام 2011) تبين أن الأمر لم يكن سوى فرقعة كبرى أحدثت العكس تماما.

إذ لم تسفر عن تبرئة المسئول عن تدمير مصر وتقزيمها طوال ثلاثين عاما فحسب، ولكنها حاكمت وأدانت الثورة التي انتفضت ضده وأجبرته على التنحي.

ليس ذلك فحسب وإنما فتحت تلك البراءة الأبواب لعودة رموز نظامه والمنتفعين به لاحتلال مواقعهم.
وكان الإعلام الخاص والقوى المختفية وراءه هو الباب الذي تسللوا منه إلى المجال العام.

صحيح أن البراءة تمت بالحكم الذي صدر في 27 سبتمبر، إلا أن ذلك لم يوقف الدهشة والصدمة التي عبرت عن نفسها في أصداء لم تتوقف.

وكان من أهمها في الآونة الأخيرة ما قاله الأستاذ محمد حسنين هيكل في الحوار التليفزيوني الذي أجرته معه الإعلامية لميس الحديدى يوم الجمعة الماضى (12/12).

وأدان فيها فكرة محاكمة مبارك بقوانينه ورجاله ووصفها بالمحاكمة «الغلط»، التي كان ينبغي أن تكون سياسية بالأساس.

نكأ كلام الأستاذ هيكل جراحا عدة، في هذا الموضوع وفي غيره،
وهو بذلك فتح ملف المحاكمة والملابسات المريبة التي أحاطت بها.
وقد اختزل تلك الملابسات في قوله إنها تمت استنادا إلى قوانين نظام مبارك ومن خلال أجهزته ورجاله.

إلا أن هذه النقطة الأخيرة تفتح ملفا آخر لا يقل خطورة يتعلق بالكيفية التي تم من خلالها تفريغ قضية مبارك من أدلة إدانته هو ومعاونيه، الأمر الذي أريد له أن ينتهي بتبرئة الجميع.

وهو ما يثير العديد من الأسئلة الشائكة التي يتعذر التوصل إلى إجابة شافية عليها في الأجواء الراهنة لأسباب عديدة أهمها أن العوامل التي أدت إلى إضعاف قضية مبارك وتفريغها من أدلة إدانته هو ومعاونيه لم تتغير.
بل أضيفت إليها عوامل أخرى استجدت بعد عزل الدكتور محمد مرسي من منصبه جعلت الأمر أكثر تعقيدا وصعوبة.

وهو ما أضاف أسئلة أخرى تخص الوقائع التي تلاحقت بعد ثورة 25 يناير 2011 وأفضت إلى ما وصلنا إليه الآن،

وإذ تعذرت الإجابة الشافية على الأسئلة المثارة فيما نحن بصدده إلا أن ذلك لا يمنع من توجيه بعض تلك الأسئلة وإيراد بعض الملاحظات حول مسار القضية، على النحو التالي:

* لماذا تم استبعاد تقرير لجنة تقصى الحقائق التي شكلها رئيس الوزراء في عام 2011 للتحقيق فيما جرى أثناء الثورة، وكانت برئاسة المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض.

وهو التقرير الذي قرر مسئولية الشرطة عن قتل المتظاهرين،
 وأكد أن أمرا صدر من وزير الداخلية وقيادات الوزارة باستعمال السلاح النارى في تفرقة المتظاهرين؟

 وهو ما يستدعى سؤالا آخر هو من الذي أمر بدفن ذلك التقرير واعتباره كأن لم يكن؟
وأين ذهبت التسجيلات والوثائق وأصول التحقيقات التي جمعتها اللجنة أثناء عملها واستندت إليها فيما خلصت إليه من نتائج أدانت موقف وزير الداخلية الذي ما كان له أن يأمر بإطلاق النار على المتظاهرين إلا بموافقة رئيس الجمهورية الذي هو رئيس المجلس الأعلى للشرطة؟

* لماذا خرج القاضى الذي حاكم مبارك وأعوانه على ما هو متبع في القضاء الجنائي، حين لم يحقق بنفسه في الوقائق المنسوبة إلى المتهمين، واكتفى بتحريات الشرطة وشهادات الشهود الذين كانوا جزءا من النظام السابق والموالين له.

ولم يلتفت القاضى إلى تقرير لجنة تقصى الحقائق الذي سبقت الإشارة إليه، بل لم يستدع أحدا من أعضاء اللجنة شبه القضائية التي قامت بإعداده وسجلت معلومات مناقضة تماما لما قدمته التحريات وأدلى به الشهود الآخرون.
 في حين كان ذلك ضروريا لكى يتحقق بنفسه من الأدلة المعروضة عليه.
وتلك من بديهيات التقاضي المستقرة في الدعاوى الجنائية.

وكانت النتيجة أنه بتجاهله لوجهة النظر الأخرى في الوقائع المعروضة فإنه قيد نفسه بتحقيقات لم يجرها بنفسه،
 الأمر الذي يجرح حكمه وينسب إليه فساد الاستدلال، باعتبار أنه اعتمد على أدلة لا حجية لها.

*
بعد سقوط نظام مبارك وإزاء الشك في جدوى محاكمته استنادا إلى القوانين التي أصدرها نظامه. تواترت الدعوة إلى تطبيق قواعد العدالة الانتقالية.

وكان مفهوما آنذاك أنه سيتم اللجوء إلى التدابير القضائية وغير القضائية التي اتخذتها دول أخرى لمعالجة الانتهاكات الجسيمة والجرائم التي ارتكبتها بعض الأنظمة. وورثتها لأنظمة أخرى حريصة على أن تتطهر من مخلفات المرحلة السابقة.

وهو ما حدث في أقطار أخرى يذكر منها عادة ما جرى في جنوب أفريقيا بعد سقوط نظام التمييز العنصرى في أوائل التسعينيات
وما حدث في الأرجنتين حين سقط حكم العسكر الاستبدادى في ثمانينيات القرن الماضى وانتقل البلد إلى الحكم المدني الديمقراطي.

فهمنا آنذاك أن برنامج العدالة الانتقالية سيشمل أمورا عدة من قبيل رفع الدعاوى الجنائية ضد المسؤولين عن الانتهاكات،
وتشكيل لجان الحقيقة التي ستتولى التحقيق في الانتهاكات ومحاولة إزالة آثارها،
ثم وضع خطط للتعويض فيما سمى بجبر الضرر وهي تشمل التعويض المادى والأدبى والاعتذار للضحايا.
 وإلى جانب كل ذلك تمضى خطوات الإصلاح المؤسسى الهيكلي والقانوني. التي تشمل الجهات التي أسهمت في الانتهاكات، التي تشمل القطاع الأمني والمؤسسات العسكرية والشرطة والقضائية وغيرها.

ذلك كله فهمناه ووعدنا به. لكن الذي حدث أن التشكيلة الوزارية ضمت في عام 2013 وزيرا للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية (المستشار أمين المهدى)
وفي العام التالى شكلت حكومة ضمت وزيرا للعدالة الانتقالية ومجلس النواب. لكن أيا منها لم يفعل شيئا لإنجاز الوعد.
 إذ صار عندنا وزير ووزارة للعدالة الانتقالية، لكن العدالة ذاتها لم تتحقق.

وهو ما يسوغ لنا أن نضيف إلى ما سبق سؤالا آخر هو:
من الذي ضحك علينا واستغفلنا طوال تلك المدة؟

......................

14 ديسمبر، 2014

المشكلة أبعد مما نتصور

صحيفة السبيل الأردني الأحد 22 صفر 1436 – 14 ديسمبر 2014
المشكلة أبعد مما نتصور - فهمي هويدي

هل نعتبرها «بشُرة خير» أن يعاد بعض الطلاب المفصولين إلى جامعاتهم؟
ــ ليست لدى إجابة عن السؤال، ولكن تمنيت أن يكون الخبر الذي نشرته بهذا الخصوص جريدة الأهرام يوم الأربعاء الماضي (10/12) صحيحا، إذ ذكر ان جامعة القاهرة وافقت على تظلمات 6 طلاب من إجمالي 31 طالبا تم فصلهم هذا العام.

ونقل على لسان رئيس الجامعة قوله إن عودة أولئك الطلاب تقررت بعد ان تعهد أولياء أمورهم بعدم خروج ابنائهم مرة أخرى للمشاركة في المظاهرات التخريبية وإلا تعرضوا للفصل النهائي، مضيفا أن باب التظلمات مازال مفتوحا أمام بقية الطلاب المفصولين.

صحيح أن إعادة ستة من الطلاب المفصولين من بين أكثر من 800 طالب تم فصلهم حتى الآن من الجامعات المصرية، يجعل الخطوة التي تمت بمثابة قطرة في بحر،
 إلا أنني وجدت في القطرة قشَّة من أمل تستحق ان نتعلق بها في متابعة قضية المفصولين.

وقد كنت أحد الذين نبهوا إلى خطورة طردهم من الجامعة، الأمر الذي يعني إهداءهم إلى مسارات العنف والجماعات المتطرفة وربما العمليات الانتحارية.

من ناحية أخرى، فالملاحظ أن لغة رئيس الجامعة ــ إن صحت المفردات التي وردت على لسانه ــ لم تتخل عن الخطاب الأمني الذي يعتبر كل مظاهرة للطلاب عملا تخريبيا.
وهو وصف يسقط من الحسبان مظاهرات الطلاب السلمية، ويصر على اعتبارها تخريبية لتبرير قمعها.

إلا أنني آثرت غض الطرف عن ذلك، تقديرا للمصلحة الأكبر المتمثلة في تشجيع عودة الطلاب المفصولين إلى جامعاتهم.

 إذ تمنيت أن يقود ذلك الرشد المفترض إلى مصالحة مع الشباب تعيد إليهم الثقة والأمان والأمل، وتنهي فترة الشك والتربص والتصُّيد، التي أدت إلى اقتراح تجنيد بعض الطلاب للتجسس على زملائهم «المشاغبين» والإبلاغ عنهم، واعتبار ذلك عملا وطنيا يربى عليه الطلاب ويشجعون على التواصل مع الأجهزة الأمنية لأجل تحقيقه.

السؤال الذي طرح نفسه حين خطر لي ذلك السيناريو هو:
ماذا عن الطلاب المعتقلين والمحكومين، سواء في حملة القبض العشوائي التي استهدفت شباب الإخوان وشيوخهم، أو تلك التي راح ضحيتها شباب ثورة 25 يناير الذين خرجوا في مظاهرات سلمية للاعتراض على قانون تقييد التظاهر.

شجعني على طرح تلك الأسئلة ان خطوة إعادة ذلك العدد المحدود من الطلاب إلى جامعة القاهرة، تزامن مع التصريحات الرسمية التي صدرت عن أهمية دور الشباب والآمال الكبار المعقودة عليهم في المشاركة في العمل العام وفي الانتخابات التشريعية القادمة على وجه الخصوص،
 وتمنت تلك التصريحات ان يكون للشباب تمثيلهم المعتبر في المجلس التشريعي المقبل.

عديدة هي القرائن الدالة على ان ثمة أزمة تعترض طريق الثقة والتفاعل بين السلطة القائمة وبين الشباب.

وهي أزمة ما عاد أمرها سرا، كما ان رموز السلطة ما برحوا يحاولون احتواءها وردم الفجوة بين الطرفين بين الحين والآخر،
 لكن الشاهد ان الجهود التي تبذل من جانب السلطة على صعيد التصريحات والوعود والإغراءات، أكبر بكثير من الخطوات والإجراءات التي تتخذ لأحداث تلك المصالحة على أرض الواقع،

ولأن مدائح الشباب كثيرا ما اقترنت بالوعود والغوايات التي تراوحت بين العطايا والمناصب والتمثيل في بعض مؤسسات الدولة وإطاراتها،
 فقد أثار ذلك شكوكي في انها لا تبتغى وجه الله والوطن، ولكن يراد بها التسكين والتخدير وامتصاص السخط والغضب لأطول أجل ممكن.

إذا سألتني كيف تتحقق المصالحة المنشودة فردي أن رفع الوصاية الأمنية على الجامعات خطوة ضرورية لتهدئة أجوائها وإعادة الثقة والشعور بالأمان للطلاب.

 وأولى الخطوات الواجب اتخاذها في هذا الصدد تتمثل في إعادة المفصولين وإطلاق المعتقلين والعفو عن المحكومين لكي ينتظم هؤلاء جميعا في دراستهم ويواصلون بناء مستقبلهم.

وستكون ممارسة الطلاب لحرياتهم داخل الحرم الجامعي عنصرا مهما في استعادة شعورهم بالثقة والأمان.

أعني بذلك استئناف انشطتهم الثقافية من خلال الأسر الجامعية التي يشرف عليها الأساتذة،
كما يشمل حقهم في التظاهر السلمي والتعبير عن آرائهم بحرية وبلا خوف،
ولست أشك في ان أهل الاختصاص لهم مقترحاتهم الأخرى التي قد تكون أجدى وأنجع.

وفي كل الأحوال فإن خطوات المصالحة المنشودة تتطلب تفكيرا مختلفا يستبعد الحلول الأمنية والقمعية، بحيث تقوم القيادات الجامعية والأساتذة بدور المعلم والمرشد للطلاب، وليس المرشد لجهاز الأمن الوطني.

ولا يتطلب الأمر بذل جهد لاكتشاف ما هو مطلوب إذا ما رفعت يد الأجهزة الأمنية عن الجامعات، لأن التقاليد المستقرة التي تحفظ للجامعات حُرمتها ودورها الأكاديمي والوطني كفيلة بتحقيق المراد. وليس مطلوبا أكثر من استعادة تلك التقاليد واحترامها.

لكننا إذا دققنا في الأمر فسنجد انه ليس ميسورا كما يبدو لأول وهلة لأن الحريات في الجامعات مرتبطة بالحريات خارجها،
 والمصالحة مع الشباب تظل منقوصة ومحدودة الجدوى إذا لم تقترن بمصالحة مع المجتمع بأسره.

إذا صح ذلك فهو يعني أننا بصدد مشكلة تتجاوز أسوار الحرم الجامعي، بحيث أن جذورها وأصلها ضارب العمق وراء تلك الأسوار وليس في داخلها،

 ان شئت فقل إن مشكلة الشباب ــ الجامعي وغيره ــ ليست سوى فرع عن أصل يتمثل في أزمة الممارسة الديمقراطية، التي هي جوهر المشكلة وعلاجها هو الحل.

وهي نتيجة حين توصلت إليها فإنني سحبت تفاؤلي بإعادة الطلاب الستة إلى جامعة القاهرة،
 إذ اقتنعت بأن المشكلة أعقد والطريق أطول مما قدرت،
وأن بُشرة الخير كانت شيئا تمنيته وليست حقيقة تمشي على الأرض.
...........................

Delete this element to display blogger navbar