Subscribe:

Ads 468x60px

29 يناير، 2015

يحيا العدل

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 9 ربيع آخر 1436 29 يناير 2015
يحيا العدل - فهمي هويدي

اصطحبت السيدة أسرتها للغداء في أحد مطاعم قلب القاهرة، أثناء الغداء سمعت هرجا في الشارع وأصوات رصاص ينطلق.
ولأنها محامية وناشطة حقوقية فقد كانت تعلم أن بعض من تعرفهم سيشتركون في مسيرة لوضع الزهور على النصب التذكاري للشهداء في ميدان التحرير.

اندفعت السيدة عزة سليمان خارج المطعم فشاهدت الشرطة وهي تلاحق أشخاصا يركضون ولمحت أحدهم يسقط على الأرض.
 لم تميز ما إذا كان شابا أم فتاة ــ اتصلت هاتفيا بإحدى صديقاتها، التي أبلغتها أن المصاب فتاة،

ولأن العدد كان محدودا فإن الاشتباك لم يستغرق وقتا طويلا.
 لكن السيدة قررت أن تؤدي واجبها من خلال التضامن مع المتظاهرين، وأن تروي تفاصيل المشهد كما رأته بعينيها، وهو ما حدث، حين سارعت السيدة بالذهاب إلى مشرحة زينهم لمتابعة ما جرى للشابة التي عرفت أنا اسمها شيماء الصباغ،
 إذ تطوعت للإدلاء بشهادتها أمام النيابة، ثم سجلت ما قالته على صفحتها الشخصية في الفيس بوك.

محلوظة: في بيان حول ما جرى أصدرته الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية انتقل ممثلوها إلى موقع الحدث، ذكر أن زميلات وزملاء شيماء الصباغ الذين كانوا حولها، بينهم طبيب بشري، حاولوا إسعافها، إلا أن قوات الشرطة ألقت القبض عليهم، مما عجل بوفاتها.

أمام المشرحة وفي أجواء الصراخ، والعويل التقى الجميع، زملاء شيماء والمحامون. وعلى صفحتها ذكرت عزة سليمان أن الأستاذ أحمد راغب المحامي وممثل الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان سألها عما إذا كانت راغبة في الإدلاء بشهادتها.

فكان ردها أنها جاءت لأجل ذلك، من هناك اتجهوا إلى مقر نيابة حي عابدين. وأبلغوا رئيس النيابة أنهم يريدون الإدلاء بشهاداتهم بشأن ما جرى.
ناقشهم رئيس النيابة ثم طلب منهم الانتظار لبعض الوقت. انتظروا أكثر من خمس ساعات قبل أن يستقبلهم الرجل.

وخلال تلك الساعات كان مقر النيابة قد توافد عليه كثيرون من ضباط الشرطة ورجال المباحث.

في بداية اللقاء فوجئوا برئيس النيابة يطلب منهم تقديم طلب للإدلاء بشهاداتهم، رغم أنه على علم بأنهم جاءوا قبل أكثر من خمس ساعات لهذا الغرض.
انصاعوا لما أراد وحرروا محضرا سجلوا فيه رغبتهم وجهوا فيه الاتهام إلى وزير الداخلية ومأمور قسم قصر النيل والضباط المسؤولين عن المجموعة التي اشتبكت مع المتظاهرين. بالمسؤولية عن قتل شيماء.

بعد أن قدموا المحضر وقبل فتح التحقيق للاستماع إلى شهاداتهم فوجئوا بأن النائب العام أصدر بيانا ذكر فيه أن تحقيقات النيابة كشفت عن تصدى قوات الشرطة لمظاهرة أعضاء حزب التحالف الاشتراكي لمنعهم من الوصول إلى ميدان التحرير.
 وإزاء عدم استجابتهم وتعديهم على القوات، قامت الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع.
وقبضت على ستة منهم لتعديهم على القوات بإطلاق الشماريخ والألعاب النارية.

حمل بيان النائب العام الذي تحدث عن نتائج تحقيقات لم تبدأ إشارة غير مطمئنة لهم.
مع ذلك دخلت عزة سليمان إلى مكتب رئيس النيابة ومعها الأستاذ أحمد راغب، وفي إجابتها عن أسئلته التي لخصتها على صفحتها الخاصة ذكرت ما يلي:

1
ــ إنها كانت موجودة في المكان بالمصادفة البحتة (روت قصة تناولها الغداء مع أسرتها).

2
ــ إن المسيرة كانت سلمية تماما، وأن المشاركين فيها كان عددهم في حدود 30 شخصا، وانهم لم يحملوا معهم سوى بعض أطواق الورود ولافتة كتب عليها اسم الحزب.

3
ــ رجال الشرطة عددهم كان كبيرا جدا، لا يتناسب مع العدد المتواضع للمشاركين في المسيرة.

4
ــ الشرطة ضمت أشخاصا ملثمين، وكان شكلهم باعثا على الخوف والقلق، حيث كان ينم عن التهيؤ للغدر بالمسيرة.

5
ــ كل ما فعله المتظاهرون أنهم شرعوا في ترديد هتاف الثورة المبكر (عيش ــ حرية ــ عدالة اجتماعية).
وما ان فعلوا ذلك حتى انهالت عليهم الأعيرة النارية (الخرطوش) وقنابل الغاز المسيل للدموع.

6
ــ لم يكتف رجال الشرطة بذلك ولكنهم هجموا على المسيرة التي تفرق المشاركون فيها، وراحت تجرى وراءهم في شارع طلعت حرب.

7
ــ الشرطة هي التي تسببت في قتل شيماء وهو ما أكدته كل الدلائل وأجمع عليه شهود العيان.

محلوظة، ذكرت جريدة «الشروق» (عدد 27/1) أن النيابة استدعت مأمور قسم شرطة قصر النيل الذي كان على رأس القوة التي اعترضت طريق المسيرة.
ومما قاله أنه طلب من المشاركين فيها عدم دخول ميدان التحرير والابتعاد عن المنطقة، وحذرتهم من الاقتراب. وهو ما قوبل بإلقاء الحجارة وإشعال الشماريخ من جانب المتظاهرين باتجاه قوات الأمن.
الأمر الذي اضطر الشرطة إلى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع للسيطرة على الموقف.

بعدما أدلت المحامية عزة سليمان بشهادتها، استمعت النيابة إلى أربعة آخرين من الذين تطوعوا للإدلاء بأقوالهم وتسجيل شهاداتهم باعتبارهم كانوا موجودين على مسرح الحدث وقت وقوعه.

وبعد أن أدوا مهمتهم كانت تنتظرهم مفاجأة لم تكن في الحسبان.
ذلك أن النيابة قررت تحويلهم إلى متهمين. ونسبت إليهم المشاركة في التجمهر والتظاهر والتعدي على قوات الشرطة واستعراض القوة.

وذلك في المحضر رقم 805 لسنة 2015 جنح قصر النيل. وترفقت بهم النيابة حين أمرت بإخلاء سبيلهم بالضمان الشخصي من سرايا النيابة في الساعات الأولى من صباح يوم الأحد 25 يناير 2015 لحين تحديد موعد النظر في قضيتهم
 ــ يحيا العدل.
.................

28 يناير، 2015

ترشيد القتل

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 8 ربيع الآخر 1436 – 28 يناير 2015
ترشيد القتل - فهمي هويدي

أخشى أن نضطر يوما ما للدعوة إلى ترشيد القتل بدلا من حظره،
كأن نطالب الشرطة بتجنب إطلاق الرصاص على غير الإخوان حتى لا تتكرر الفضيحة التي حدثت بعد مقتل القيادية اليسارية شيماء.
 وهو ما أحرج الداخلية واستنفر الجميع وحول القصة إلى فضيحة ترددت أصداؤها في كل وسائل الإعلام المصرية، ووصل الصدى إلى السويد وإنجلترا.

 وكأن نصوغ البيانات والتصريحات الرسمية على نحو أكثر ذكاء وحنكة، فلا ندعى مثلا أن المتظاهرين إرهابيون وأن الذين أطلقوا الرصاص عليهم إرهابيون أيضا من إخوانهم.

وكأن نبحث عن ذرائع أخرى لابعاد الصحفيين الأجانب عن مواضع الاشتباكات، حتى لا يتكرر ما جرى مع مراسلة الــ»بى بى سي» في القاهرة أورلا جويرين التي عممت يوم الأحد الماضي تغريدة على العالم قالت فيها ان ضابطا مصريا اعترض طريقها وحذرها من انها إذا لم توقف التصوير الذي يقوم به فريقها فسوف يطلق عليها الرصاص.

منذ حين، حين تكاثرت الغيوم في الأفق قلت إننا ما عدنا نتطلع إلى إقامة العدل، ولكن الوهن والانكسار تمكنا منا حتى صرنا على استعداد للقبول ببعض الظلم الذي نحتمله.

وما خطر لي آنذاك أن تبرز من وراء الغيوم دعوات للقتل العلني.
 الأمر الذي يدعوني إلى التفكير في المطالبة مؤقتا بترشيد عملية القتل لتقليل خسائرها والتستر على الفضيحة قدر الإمكان.

تحدثت أيضا أكثر من مرة عن النتائج الفادحة التي أسفرت عنها حملات التحريض والتسميم، بحيث إنها شوهت ضمائر الناس وأحدثت تراجعا فادحا في منسوب الإنسانية لدى بعض الشرائح.

إذ في ظل تلك الحملات تحول الخلاف إلى كراهية أوصلت كثيرين إلى حد رفض العيش المشترك وأفرزت في الفضاء المصري ما أسميته «كتائب الإبادة».
وهو طور يعيد إلى الأذهان أجواء المحرقة التي أقامها النازيون في ألمانيا، واعتبروها آنذاك «حلا أخيرا» لضمان نقاء العرق الآري.

ودعوى النقاء السياسي هذه صارت مسموعة في الفضاء المصري داعية أيضا إلى تطهير المجتمع من الفئات التي قرر سدنة السياسة وأعوانهم من المثقفين والإعلاميين أن إبادتها هي الحل.

لقد ظهرت الدعوة إلى القتل صريحة في عنوان رئيسي بإحدى الصحف حث الناس في عبارة من وحي أجواء 25 يناير كان نصها: المخربون إذا رأيتموهم في الشارع اقتلوهم.

 وخطورة العبارة ليست في مضمونها فقط ولكن في أنها صادرة عن طرف محسوب على المؤسسة الأمنية التي تعتبر كل المتظاهرين مخربين وإرهابيين.

 الدعوة ذاتها صدرت عبر إحدى القنوات الخاصة حين قال أحدهم إنه لا يحزنه قتل الإخوان. ولكنه يوجه عزاءه لأسرة أحد المجندين الذين قتلوا في الاشتباكات الأخيرة.

أيا كان وزن مثل هذه الأصوات فالشاهد ان الجهر بالدعوة إلى القتل والتهوين من شأنه أمر بدا عاديا في الأجواء الراهنة، ثم ان المؤسسة الأمنية لم تكن بعيدة عن ذلك الخطاب.

وما لا يقل خطورة عما سبق أن هذه الدعوة لم تعد تستنكر، لكنها باتت تلقى قبولا في بعض الأوساط، وصادفت من يسوغها ويجد لها تبريرا.

لقد سكت كثيرون على القتل الذي تم في البدايات واستهدف الإخوان، وتنافس البعض في تبريره بمختلف الذرائع.
فاستمر القتل بعد ذلك حين استهدف المتظاهرين الذين لم تعرف هوياتهم، وكان التبرير الذي أسكت الجميع انهم بدورهم إخوان.

واعتبر البعض ذلك تفسيرا مقنعا في حينه، واستمرت حلقات القتل حتى اتسع نطاقها وشملت طلابا في الجامعات لا علاقة لهم بالإخوان، إلى أن استهدفت شيماء الصباغ القيادية في حزب التحالف الاشتراكي اليساري.

وفي ظل الاعتياد ومع اتساع دائرة الاستهداف احتمل السياق الدعوة إلى القتل ضمن عناوين إحدى الصحف الصباحية.

لا نعرف كيف سينتهي مسلسل الترويع، لكنني أعرف أمرين، أولهما أن هذا الأسلوب لن يقضي على الإرهاب، الثاني أنه يؤجج المشاعر ويزود الإرهاب بالوقود الذي يكفل له الاستمرار والتصعيد.

لن أتوقف عند دلالة الدعوة إلى القتل وكونها إرهابا علنيا، لكنني أزعم أن القتل لن يخيف الجميع، والتهديد بالضرب في المليان الذي يصدر عن بعض القيادات الأمنية يدفع بعض المتظاهرين إلى مزيد من العنف، لأنهم سيخرجون غاضبين ومستنفرين وعازمين على مواجهة الرصاص بما يستحقه، ورافضين ان يكون موتهم بالمجان.

لقد انتابني شعور بالحزن حين قرأت تصريح ممثل الأمم المتحدة الذي دعا الجميع في مصر إلى «ضبط النفس». وهي دعوة لم نسمعها في مصر، في الأجواء الداكنة المخيمة.

ورغم أن أصواتا استثنائية دعت مؤخرا إلى الاعتراف بالخطأ ورفضت تبرير القتل، ومنها ما دعا إلى ضرورة التوافق الوطني، إلا أن صوت كتائب الإبادة ودعاة الاحتكام إلى الخرطوش لا يزال هو الأعلى والأكثر حضورا في الساحة.

إذا سألتني ما العمل، فردي أن الأمر لم يعد يحتمل كلاما كثيرا، لأننا بتنا بحاجة إلى قرار سياسي يحسم الاتجاه، ويحدد بصراحة وشجاعة ما إذا كنا سنظل نحتكم إلى الخرطوش أم سنحتكم إلى العقل والحوار.

وأضع خطا تحت كلمتي الصراحة والشجاعة حتى لا نكرر قصة خارطة الطريق التي أعلنت في الثالث من يوليو الماضي، حين دعت إلى الحوار الوطني ووعدت بعدم إقصاء أي طرف.
ثم تم تجاهل الأولى وسرنا عكس الثانية. حتى صرنا أمام طريق مسدود الآن.
................

27 يناير، 2015

عن نصف كوب الثورة الفارغ – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 7 ربيع الآخر 1436 27 يناير 2015
عن نصف كوب الثورة الفارغ – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

إذا كانت ثورة 25 يناير قد أبرزت بعض مكامن القوة في المجتمع المصري، فإن المرحلة التي تلتها كشفت عن مظاهر للضعف تستحق رصدا ودراسة.

(1)

"في عالم الرياضة يقسمون الفرق درجات بمعيار التفوق والكفاءة.
وقد خطر لي أن أقتبس الفكرة في التعليق على المباراة الجارية بالساحة السياسية المصرية، واضعا في الاعتبار أن المباراة لم تنته بعد وأنها لا تزال في شوطها الأول.

ومن هذه الزاوية، أزعم أننا بصدد فريق التحق حديثا بدوري السياسة، ولم يتحدد بعد موقعه وترتيبه بين الفرق الهابطة.
أما اللاعبون فهم بين هواة دخلوا إلى الملعب مصادفة أو وجدوا أنفسهم في قلبه فجأة. وبين لاعبين تجاوزوا بالكاد طور اللعب بالكرة الشراب، وقدموا من حارات السياسة ليبدؤوا رحلتهم مع الأندية.

أعني أننا بإزاء لاعبين من الفرز الثاني أو الثالث،
 بعضهم من متوسطي القدرة
وبعضهم يستحقون العطف والرثاء،
ومنهم من يُنصح بالبحث عن لعبة أخرى يؤديها.
 وجميعهم يحتاجون إلى مدربين ودروس خصوصية مكثفة.

وما أدعيه ينطبق على القوى المدنية وعلى الإخوان والسلفيين. وجميعهم معذورون، لأنهم حديثو عهد بمثل هذه المباريات، التي حرموا منها طوال الستين سنة الماضية.

لذلك أزعم أنهم مظلومون وظالمون.
هم مظلومون لأنهم لم يمكّنوا من النزول إلى الملعب في السابق،
 وظالمون لأنهم تسابقوا على حمل عبء لم يكونوا قادرين عليه. ولم يدركوا أن مصر أكبر منهم مجتمعين، ناهيك عن أنها أكبر من أي فصيل مهما كان حجمه.
ولا بد أن نعترف بأن الجميع في مرحلة "الحضانة" السياسية ولا يزالون يتعلمون أبجديات اللعبة.

وقد قصدت التعميم حتى لا يدعي أحد أنه أفضل من الآخر. وإذا عنَّ لفصيل أن يدعي أنه أقدم من غيره. فإنني أذكِّره بأن بقاءه طويلا على الشاطئ ليس دليلا على أنه بات يجيد السباحة.

وحتى إذا كان البعض في السنة الأولى من الحضانة ووجدنا أن البعض الآخر في السنة الثانية، فذلك لا ينفي أن الجميع لا يزالون في الحضانة ولم يتجاوزوها".

(2)

النص أعلاه ورد في مقالة لي نشرت في 11 ديسمبر/كانون الأول 2012 كان عنوانها "في أنها مباراة بين الهواة في ملعب السياسة".
وفيها عرضت تقييمي للأشهر الخمسة الأولى من حكم الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي، ومما قلته فيها "إن الإخوان إذا كانوا قد نجحوا في قيادة وتنظيم الجماعة، فإنهم لم ينجحوا في قيادة سفينة الوطن".

وما يهمني في المقالة أنها حاولت وقتذاك أن تسلط الضوء على أحد مواطن الضعف في الساحة السياسية المصرية، التي تكشفت بعد الثورة. وهي التي تمثلت في غياب القيادات والأحزاب السياسية،
 الأمر الذي كان مفهوما في ظل موت السياسة وحالة الجدب والتصحر التي خيمت على ذلك المجال طوال العقود الأربعة السابقة على الأقل.

وحين قلت إن جميع اللاعبين بمختلف اتجاهاتهم مجرد هواة "من الفرز الثاني أو الثالث" مشيرا ضمنا إلى أنه ليس بينهم سياسي من الطراز الأول، فإنني أزعم أننا ما زلنا نقف عند نفس النقطة في عام 2015.
لست أقلل من قدر الأشخاص الذين أسجل لهم حقهم في الاحترام، لكنني أتحدث عن حظهم من الإجماع الشعبي ورصيدهم في الشارع المصري.

لقد أصبح الفراغ عنوانا رئيسيا للحالة السياسية. وهو ما أدركناه أثناء الانتخابات الرئاسية التي جرت في عام 2012،
وما نلمسه بصورة أوضح الآن في البلبلة والتجاذبات المخيمة على الإعداد للانتخابات التشريعية.

 ومن أهم العوامل المحركة لها إدراك الأحزاب السياسية أنها لا وجود حقيقيا لها في الشارع، وأنها لا تستطيع أن تغامر بخوض الانتخابات إلا في إطار تحالفات تحملها إلى البرلمان القادم.

غياب القيادات والقوى السياسية لا يعبر عن ضمور الأحزاب وهشاشتها فقط، ولكنه أيضا من أعراض ضعف المجتمع.

ذلك أن الأحزاب السياسية تعد في مقدمة الأوعية التي تمثل اتجاهات الرأي العام. وهناك أوعية أخرى لها أهميتها مثل النقابات المهنية والعمالية والتعاونيات والمجالس المحلية، ومنظمات المجتمع المدني على اختلاف أنشطتها.
هذه الكيانات ظل دورها غائبا خلال السنوات الأربع الماضية. فبعضها تم حله ووضعه تحت الحراسة، والبعض الآخر جرى تهميشه أو خضع للحصار والملاحقة.

وإذا أضفنا إلى القائمة مؤسسات أخرى جرى إلحاقها بالسياسة بصورة أخرى -وفي مقدمتها القضاء والجامعات والإعلام- فسوف نكتشف أن الأزمة أكبر من الأحزاب، وأن المجتمع ذاته أصبح مغيبا بدوره ومنزوع العافية،
وكانت النتيجة أن السلطة بأذرعها البيروقراطية والأمنية أصبحت هي الطرف الأقوى الذي لا يبارى أو ينازع.

لست أتحدث في الوقت الراهن عن أوعية تعارض السلطة أو تتحداها، وهو ما تسمح به النظم الديمقراطية ما دام ذلك تم بالطرق السلمية؛ لكنني أتحدث عن كيانات أو مؤسسات تحفظ التوازن في مواجهة السلطة، فتقاوم تغولها وتسهم في كبح جماحها بما يحول دون تسلطها وانفرادها بالتحكم في مصير المجتمع.
ولأن تلك المؤسسات لم تقم فإن المجتمع فقد أحد أهم حصاناته، ومن ثم احتلت تلك الثغرة رأس قائمة مظاهر الضعف فيه.

(3)

"صحيح أن تيارات الإسلام السياسي تتحمل المسؤولية الكبرى عن إجهاض الثورة. إلا أن السكوت على الأدوار الانتهازية التي لعبتها الأطراف الأخرى -خصوصا أولئك المنعوتين زورا وبهتانا بالمدنيين والليبراليين- يقلل من عمق تحليل المشهد.

فتلك التيارات كانت ولا تزال سلطوية بامتياز، سلطوية ثقافة وحركة وتنظيما وسياسة.
لا تستطيع أن تنفك عن السلطة ولا أن تلعب سوى مع القوى.
 ترفع شعارات المدنية وحقوق الإنسان كوسيلة للحصول على الوجاهة الاجتماعية والسلطوية، بينما هي في حقيقة الأمر قوى رجعية لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتعددية ولا بقيم حقوق الإنسان، فقط قلة عبرت عن تلك القيم ودفعت كثيرا جراء مواقفها الثابتة، لكنها ما زالت تبحث ونبحث معها عن النضج".

الفقرة السابقة ليست لي، ولكنها مقتبسة من مقالة نشرتها جريدة "الشروق" في 22 يناير/كانون الثاني 2015 لكاتب جاد هو الدكتور أحمد عبد ربه أستاذ العلوم السياسية، وأثار فيه بعض الملاحظات المهمة حول ما سماه "المسكوت عنه في أربعة أعوام"، من عمر ثورة يناير.

وقد أغنتني شهادته عن التفصيل في تحرير "أزمة النخبة"، التي اعتبرها ضمن مظاهر الضعف التي تكشفت خلال السنوات الأربع الماضية، والتي أسهمت في تشويه الإدراك العام وتشجيع الانقلاب على الديمقراطية، كما غذَّت الاستقطاب المروع الذي ضرب الإجماع الوطني، وأدى إلى معالجة الأخطاء بأخطاء أخرى مضاعفة.

لدي فقط ملاحظتان على شهادته.
الأولى، أنه في إشارته إلى أطراف الأدوار الانتهازية تحدث عن المدنيين والليبراليين، ولم يشر إلى دور اليسار الذي ساهم بنفس القدر -وربما بحماس أكبر- في كل ما حدث من انتكاسات، باستثناء فئة قليلة بطبيعة الحال.

والملاحظة الثانية، أن الصراع والاصطفاف السلبي الذي انحازت إليه تلك القوى لم يستهدف فقط الحصول على الوجاهة الاجتماعية والسلطوية، كما ذكر الدكتور عبد ربه؛
ولكنه أيضا كان يعمد إلى تصفية حسابات الخلاف الإيديولوجي من خلال عقد التحالفات التي يراد بها إقصاء الآخر من خلال قوة السلطة وأدواتها، ومن ثم إلحاق الهزيمة به على الصعيدين السياسي والإيديولوجي.

الشاهد أنه خلال السنوات الأربع الماضية انحازت أغلبية عناصر النخبة إلى موقف السلطة بأكثر مما عبرت عن ضمير المجتمع وأشواقه.
وحين تخلت عن قيمها فإنها اختارت أن تقوم بدور التابع أو المحلل وليس الطليعة. كما بنت مواقفها انطلاقا من حساباتها ومصالحها الخاصة، وليس اهتداءً بالمصالح الوطنية العليا.

(4)

في كتاباته الأخيرة التي ندرت، ما برح المستشار طارق البشري يدق الأجراس منبها ومحذرا من بعض مظاهر الضعف التي أصبح يعاني منها الواقع المصري.

ففي مستهل أحدث كتبه "جهاز الدولة وإدارة الحكم في مصر"، تتبع إعلانات حالة الطوارئ منذ إقرار دستور عام 1923 وحتى الآن.

وخلص من هذا الرصد إلى أنه "خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير عشنا في مصر في حالة طوارئ ثابتة اعتاد عليها جهاز إدارة الدولة،
وتشكلت في إطارها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته للشؤون العامة وللتعامل مع المواطنين، بمعنى أنه في ‘ثقافته‘ الإدارية -وبحكم تجاربه وخبراته- لم يستطع الحكم ولا ممارسة عمله في التعامل مع المواطنين إلا في ظل ما أنتجته ‘حالة الطوارئ‘ من سلطات وقدرات غير مقيدة"، أي في إطار سلطات طليقة من القيد.

وهذه الخلفية جعلت البشري يعبر عن شكوكه في أن إمكانية الحكم وإدارته في مصر لم تعد تنفصل عن خبرة الاستبداد ومعارفه وعادات تعامله، واعتبر أن ذلك إحدى المشاكل التي واجهتها ثورة 25 يناير وما تعرضت له من انتكاسات بعد ذلك.

في دراسة أخرى عنوانها "مصر بين الأمس واليوم" نشرتها صحيفة السفير البيروتية على ثلاث حلقات ابتداء من 8 يناير/كانون الأول الحالي، أثار المستشار البشري قضية أخرى في تفسير ظاهرة الوهن الذي أصاب المجتمع المصري وجرده من عافيته، بحيث أصبح عاجزا عن النهوض وتقديم نموذجه الحضاري.

وهو يُرجع ذلك إلى ظاهرة تآكل وانهيار الطبقة الوسطى، مستعيرا في ذلك عنوان الكتاب الذي أصدره الدكتور رمزي زكي بالصيغة ذاتها. وقصد بالطبقة الوسطى مختلف الشرائح الاجتماعية.

واستشهد في عرض رؤيته بما فعله السلطان العثماني سليم الأول بعد فتح مصر عام 1517، حين ألحقها بدولته، وقضى -في الوقت ذاته- على التشكل الحضاري الذي كانت تمثله في العلوم والفنون والصنائع. فنقل إلى الأستانة أجمل ما أبدعته مصر، واستجلب إلى عاصمة ملكه عناصر النخب الثقافية والفنية والحرفية من المصريين، وهؤلاء هم الذين مثلوا الطبقة الوسطى في ذلك الزمان وكانوا أعمدة نهوض البلد.

وبسبب تفريغ مصر من طاقاتها الإبداعية وعمالتها الماهرة؛ فإنها شهدت انهيارا حضاريا أفقدها إشعاعها ومكانتها. وهو ما لم تستطع مصر أن تعوضه إلا في عصر محمد علي باشا، أي بعد نحو 300 سنة من الفتح العثماني.

ورأى المستشار البشري أن الهجرة الواسعة النطاق إلى دول الخليج منذ السبعينيات فرغت بدورها مصر من طاقاتها الإبداعية وعمالتها الماهرة، الأمر الذي أوصلها إلى حالة شبيهة بما كانت عليه بعد غارة السلطان سليم الأول. وهو ما أسهم في النتيجة التي تكشفت معالمها بعد الثورة.
إذ أصابت الجميع حيرة جعلتهم عاجزين عن طرح مشروع حضاري متكامل الأركان وطنيا واجتماعيا واقتصاديا.
 الأمر الذي يكشف عن وجه آخر من أوجه الضعف الذي عانت منه مصر بعد الثورة، وباتت بحاجة إلى جهد خاص للتعافي منه.

(5)

غني عن البيان أن ما سبق ليس حصرا لعوامل الضعف التي تكشفت خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة، بقدر ما هو دعوة إلى فتح الملف وإدارة الحوار حول موضوعه بجدية ومسؤولية.

علما بأنني لست أشك في أن هناك عوامل أخرى كشفت عنها خبرة تلك السنوات تحتاج إلى مناقشة
(منها مثلا القيود والالتزامات التي تكبل حركة مصر في المجال الخارجي، خصوصا ما تعلق منها بالعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل).

وفي كل الأحوال؛ ليس المطلوب كشف العورات ولا جلد الذات، لأن الأهم هو أن تُصوّب الرؤى ويعاد ترتيب الأولويات بما يعالج الثغرات، لعلنا نتوصل إلى وفاق وطني يجدد الالتزام بالحرية والديمقراطية، ويدرك حجم الخسارة الفادحة التي تتحملها مصر وتدفع ثمنها من عافيتها ودورها، جرّاء استمرار العبث بالديمقراطية والتهليل والنفخ في الذات لتضليل الناس وتسويق أوهام العافية لهم.
.................

26 يناير، 2015

رسالة عام الثورة الجديد

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 6 ربيع آخر 1436 26 يناير 2015
رسالة عام الثورة الجديد - فهمي هويدي

في الأسطر الأخيرة من سجل العام الرابع للثورة(23/1) قرأنا خبر قتل الطالبة سندس رضا في مسيرة بالإسكندرية،
 في الأسطر الأولى من سجل عام الثورة الخامس (24/1) كان خبر قتل شيماء الصباغ في مسيرة بقلب القاهرة
ــ ماذا يعني ذلك؟

مفتاح الرد في التفاصيل.
 إذ أعلنت مديرية الصحة بالإسكندرية عن استقبال مستشفى شرق المدينة طالبة متوفية باسم سندس رضا أبوبكر(17 سنة). أصيبت برصاص خرطوش في الصدر والوجه.
كما أن اثنين آخرين كانا مصابين بطلقات نارية وكدمات خلال اشتباكات اندلعت بين قوات الأمن ومسيرة لجماعة الإخوان.

التفاصيل كانت أوفر في حادث قتل شيماء، ليس فقط لأن منظمي المسيرة تحدثوا إلى بعض القنوات التليفزيونية عما رأوه بأعينهم،

ولكن أيضا لأن المصورين سجلوا بكاميراتهم مشاهد الحدث التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي على الفور.

 مدحت الزاهد نائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي الذي نظم المسيرة روى التفاصيل في أحد البرامج التليفزيونية المسائية،
قال إن الحزب نظم المسيرة التي ضمت بضع عشرات من القيادات، وكان لها هدف محدد هو وضع الزهور على النصب التذكاري لشهداء الثورة في ميدان التحرير،

وكانت التعليمات صريحة ومشددة على كل المشاركين بضرورة الالتزام بترديد هتاف الثورة(عيش حرية عدالة اجتماعية)، وبتجنب أي احتكاك مع الشرطة،
وحين اقتربت المسيرة من ميدان التحرير، وكانت شيماء ممن حملوا إحدى باقات الزهور، فإنها صادفت مجموعة من رجال الشرطة يسدون الطريق.

حينذاك اتجه الأمين العام للحزب صوب قائد المجموعة ليشرح له هدفها.
 لكنه قبل ان يصل إليه فوجئ برصاص الشرطة ينهمر على المسيرة، إضافة إلى اندفاع أفراد ملثمين قاموا بإلقاء القبض على الأمين العام للحزب وآخرين معه في حين أطلق أحدهم الخرطوش صوب شيماء الصباغ التي قدمت من الإسكندرية باعتبارها أمينة الحزب هناك. فقتلها بعدما أصاب الخرطوش رقبتها وأدى إلى تهتك رئتيها كما ذكر تقدير التشريح المبدئي.

 
الصور التي نشرت سجلت وقوفها إلى جانب الزهور التي حملتها، كما سجلت إصابتها ومحاولة أحد زملائها مساعدتها. ثم سقوطها على الأرض بعد ذلك.

الذين قادوا المسيرة مدحت الزاهد وزملاؤه قالوا إن أحدا لم يندس بينهم، وإن الشرطة وحدها التي اعترضت طريقهم وأطلقت عليهم الخرطوش وقنابل الغاز.

قتل سندس في الإسكندرية لم يحدث صدى يذكر،
 أولا لأن المسيرة أو المظاهرة كانت للإخوان الذين صار قتل المنتسبين إليهم أو المتعاطفين معهم خبرا عاديا.
وثانيا لأن الحدث وقع خارج القاهرة ومن ثم بعيدا عن منابر التأثير الإعلامي. لذلك لم تحدث الجريمة صدى يذكر.

ولكن الآلة الإعلامية الأمنية تحركت بسرعة للتغطية على جريمة القتل التي ترددت أصداؤها قوية في أوساط السياسيين والإعلاميين، لأن الإخوان لم يكن لهم علاقة بالمسيرة، ولأن شيماء جاءت ممثلة لحزب يساري، ولأن المشهد تم تحت الأعين المفتوحة والأضواء القوية في العاصمة.

رغم انتشار الصور وذيوع التفاصيل التي اتهمت الشرطة بقتل شيماء على ألسنة منظمي المسيرة، فإن وكالة أنباء الشرق الأوسط ذكرت أنها وقعت أثناء سيرها وماتت.

وسارع أحد المخبرين الإعلاميين إلى القول في برنامجه التليفزيوني إن الإخوان هم الذين قتلوها للإساءة إلى سمعة الشرطة وإثارة الفوضى.

وبثت إحدى القنوات صورة قديمة لمتظاهر يطلق الشماريخ لتوحي بأنه المتسبب في قتلها.
كما ذكرت جريدة «الشروق» على موقعها أن متحدثا باسم الداخلية قال إن الشرطة لم تستخدم الخرطوش لفض المسيرة، وان هناك «أيدي خفية» تسعى لنشر الفوضى.
أضاف المتحدث ان المتظاهرين كانوا مسلحين وانهم تعدوا على الشرطة بالشماريخ. إلى غير ذلك من الأصداء التي انطلقت من موقف الإنكار التام لأي مسؤولية للشرطة عما جرى لشيماء وزملائها.

حين تواترت الشهادات التي تحدثت عن ان الشهيدتين سندس وشيماء قتلتا جراء الخرطوش الذي أصاب كلا منهما في الرقبة والصدر، تذكرت ان تقرير تقصي حقائق أحداث الثورة الذي تم دفنه بعدما أعدته لجنة المستشار عادل قورة عام 2011 سجل نفس الملاحظة بخصوص قتل المتظاهرين آنذاك،

 وحين رجعت إلى خلاصته وجدت أنها نصت على أن «رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير..
وقد دل على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة ومن مطالعة التقارير الطبية التي أفادت أن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة».

يسوغ لي ما سبق أن أحاول الإجابة عن السؤال الذي ألقيته في الأسطر الأولى.
ذلك ان اختتام العام الرابع للثورة بقتل سندس وابتداء العام الخامس بقتل شيماء في تكرار لما حدث في الأيام الأولى للثورة يبعث إلى الجميع برسالة ينبغي أن تقرأ جيدا.

خلاصة الرسالة أن شرطة مبارك والعادلي التي لم تتغير لم ولن تتسامح مع من تسول له نفسه ان يتظاهر في الشارع. حتى إذا لم تكن المظاهرة ضد السلطة. وحتى إذا كانت سلمية.

وفي كل الأحوال فلا ينبغي لأحد أن يتفاءل بالمستقبل لأن أي خروج لأي سبب سيظل بمثابة مشروع عملية استشهادية.
 لا فرق في ذلك بين ان يكون إخوانيا أو يساريا.

وفي هذه الحالة فإن القتل سيتم بالمجان، ولن يحاسب أحد من المشاركين فيه أو المسؤولين عنه، إذ هو بريء مقدما، حتى إذا ضبط متلبسا.
وعند الضرورة وفي أسوأ الظروف وإذا كان لابد من محاكمة أحد، فإن المتهم سيكون طرفا آخر من خارج هيئة الشرطة.
وسوف يتولى الإعلام الأمني القيام باللازم لحبك المشهد والتستر على الجريمة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي توجه فيها مثل تلك الرسالة إلى الرأي العام في أي بلد.
 فخبرة التاريخ تحفل بمثلها، كما ان إطلاقها عقب ثورات التحرير ليس أمرا مستغربا، لكن عواقبها لم تكن آمنة دائما.

 ذلك أن الناس لم ينسوا الدماء التي سالت ولا الرصاص الذي أطلق، وإنما اختزنوه. لكن اختلاط الدم بالرصاص شق طريقا للندامة لا تعرف له حدود.
........................

24 يناير، 2015

السؤال الغلط

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 5 ربيع آخر 1436 – 25 يناير 2015
السؤال الغلط - فهمي هويدي

اعترضت على السؤال: ماذا بقي من ثورة 25 يناير 2011؟
إذ كان ردي أنه السؤال الغلط، لأن أوان حصر النتائج لم يحن بعد.

 إذ الظروف في مصر أكثر تعقيدا مما يظن كثيرون.
من ناحية لأن الثورة ذاتها لم تكتمل وشعاراتها في الحرية والكرامة الإنسانية لاتزال معلقة في الفضاء ولم تنزل إلى الأرض..
ومن ناحية ثانية، لأن طبيعة الواقع السياسي والاجتماعي جعلت من التغيير مهمة بالغة الصعوبة، لا سبيل إلى تحقيقه إلا بعد جولات من الصراع تستغرق أجلا ليس بالقصير،
وما مرت به مصر خلال السنوات الأربع التي خلت لم يكن سوى أولى تلك الجولات.

إذ بات الاتفاق منعقدا على أن الثورة أسقطت رأس النظام السابق في حين بقي جسم النظام قائما وراسخا لم يتزحرح.

وخلال تلك السنوات الأربع لم يثبت الجسم وجوده فحسب، ولكنه فرض رؤيته أيضا.

ومن المفارقات ذات الدلالة في هذا الصدد أنه حين شكلت لجنتان برئاسة اثنين من أكبر قضاة مصر لتقصي حقائق أحداث الثورة،
 فإن جسم النظام نجح في إخفاء معالم التقريرين الذين خلصت إليهما اللجنتان، لأنهما كشفا عن حقيقة الدور الذي قامت به أدواته وأصابعه.

وبلغ النجاح ذروته حين نجح الجسم المذكور في أن يفرض رؤيته في صياغة الأحداث التي وقعت، لكى يطمس معالم دوره الذي تكشفت بعض ملامحه.

 أتحدث عن تقرير تقصي حقائق أحداث الثورة (الـ18 يوما الأولى) الذي أعدته في عام 2011 اللجنة التي رأسها المستشار عادل قورة رئيس مجلس القضاء الأعلى
والتقرير الذي أعدته عن فترة حكم المجلس العسكرى الذي أعدته في عام 2013 لجنة رأسها المستشار عزت شرباص نائب رئيس محكمة النقض،
هذان التقريران دفنا ولم يجرؤ أحد على نشرهما حتى الآن.

 ولولا خلاصة في 40 صفحة وزعتها اللجنة الأولى وظهرت على الإنترنت بعدما سلمت اللجنة تقريرها إلى رئاسة الدولة، لما تسرب إلينا شيء من ذلك التقرير الخطير الذي أدان الشرطة في قتل المتظاهرين، وهو السجل الذي جرى محوه بالكامل وتمت تبرئة الشرطة وقياداتها من كل ما نسب إليها.

أما الرسالة الأكثر وضوحا وبلاغة في تأييد ما ذكرته، فقد تمثلت في تبرئة مبارك ورجاله، وإطلاق ابن الرئيس الأسبق، حيث كانت براءة هؤلاء جميعا مع اقتراب الذكرى الرابعة لانطلاق الثورة، بمثابة إدانة ضمنية للذين أزاحوا أولئك«الأبرياء» من مناصبهم، إلى جانب كونها إعلانا عن ثبات النظام سابق الذكر وتعافيه.

هذا الذي حدث لم يكن مفاجئا تماما، لأنه بمثابة إفراز طبيعي للواقع الذي أقامه ورعاه نظام مبارك.

ذلك أنه خلف لنا واقعا منزوع العافية، في مواجهة سلطة تجذرت وتجبرت بحيث لم تترك للمجتمع طاقة يستطيع أن يدافع بها عن نفسه.
 لا قوى سياسية ولا مؤسسات مستقلة رسمية كانت أم أهلية، ولا نقابات فاعلة ولا إعلام حر،

وحين جرى إلحاق كل هؤلاء بالسلطة فإن ذلك استصحب إلحاق النخبة معها ــ إلا من رحم ربك ــ وهو ما أفسد البيئة السياسية وأحدث في البلد فراغا سياسيا حائلا مازلنا نعاني منه إلى الآن.

يساعدنا على استيعاب المشهد على نحو أفضل تحليل وقعت عليه كتبه الباحث السورى حسين عبدالعزيز ونشرته جريدة الحياة اللندنية في (7/1/2015)،
 وكان يقارن فيه بين التجربة الثورية في كل من تونس وسوريا،

وقد لجأ فيه إلى المقارنة بين الثورتين الإنجليزية والفرنسية،
 حيث كانت الأولى سلمية وسريعة، اقتصرت على النخبة.
 إذ كان طرفاها البرلمان في جهة وويليام الثالث الحاكم الأعلى لهولندا من جهة ثانية.

 فقد بدأت الثورة عام 1688 بعزل الملك جيمس الثاني وتنصيب ابنته ماري وزوجها وليام أورانج، وانتهت في العام الذي يليه بإعلان الحقوق..
وهذه السرعة والتكلفة البسيطة للثورة مرتبطة بكونها نتاج مسار ثوري طويل ومنقطع يعود إلى ما قبل «الماجنا كارتا» عام 1215
 ثم الحروب وحركات الإصلاح الديني ثم الحرب الأهلية (1642 ــ 1651)

هذا المسار الثورى الطويل وما رافقه من تطور فكري هو الذي حال دون اتخاذ الثورة الإنجليزية مسارا عنيفا على غرار الجارة فرنسا.

بالتوازى مع ذلك ــ أضاف الكاتب ــ كان التنوير الإنجليزي متسامحا مع أنواع كثيرة من الإيمان والكفر،
ولم يكن هناك نزاع بين السلطات المدنية والدينية،
ولم تكن هناك حاجة للإطاحة بالدين لأنه لم يكن هناك بابا ولا محاكم تفتيش ولا كهنوت محتقر ولا كنيسة مضطهدة.

 لذا مال الإنجليز إلى الحلول الوسط وهو الميل الذي يعني في الشؤون الاجتماعية إيثار الإصلاح على الثورة كما يقول برتراند راسل.

اختلف الموقف في فرنسا بسبب قوة الملكية المطلقة التي لم تقم مؤسسات قابلة للحياة ولا طبقة نبلاء وبرلمان تستطيع مواجهة الملك الذي أخذ في تقوية البورجوازية الصاعدة لمواجهة الإقطاع،
 لكن الذي جرى مع الوقت ان هذه البورجوازية بدأت تتسم بسمات الإقطاع.

في الوقت ذاته، فشلت الطبقة الارستقراطية في الاندماج بالرأسمالية الوليدة والتحول إلى التجارة الزراعية
واستعاضت عن هذا العجز بخلق ترتيبات إقطاعية لاستخراج الفائض الاقتصادي من الفلاحين والقضاء على ما تبقى من امتيازاتهم،
الأمر الذي حال دون التوصل إلى حل يرضي الفلاحين ويجنب البلاد العنف كما حدث في إنجلترا.

هذا الوضع الراديكالي انعكس على مستوى البنية الفوقية، فالفلاسفة الفرنسيون الذين كانوا غير فاعلين في الحياة السياسية بسبب الاستبداد الملكي، طوروا أيديولوجيات مثالية مفارقة للواقع باسم العقل والحقوق والطبيعة والحرية والمساواة.. إلخ،

وهذه الأيديولوجيات طبعت التنوير الفرنسي بطابعها:
فولتير دعا إلى إعلان الحرب على الكنيسة،
وبيدرو دعا إلى قتل الملك،
وباسم هذه الأيديولوجيات وغيرها كشفت الثورة عن أنيابها وأنجبت عهد الرعب الفرنسي أثناء الثورة مع روبسبير واليعاقبة.

أسقط الكاتب هذه الخلفية على الواقع في كل من تونس وسوريا.
واعتبر أن التغيير السلمي الذي حدث في تونس له علاقة بأسس الدولة الحديثة التي أرساها بورقيبة،
 وقامت في ظلها مؤسسات قوية ومجتمع مدني فاعل وطبقة وسطى تنويرية لها مصلحة في التغيير الديمقراطي.
وهو ما يضع تونس في مربع الخبرة البريطانية.

 ولأن ما حدث في سوريا كان العكس تماما، فقد اعتبرها سائرة على درب النموذج الفرنسي.

رغم أن الفرق كبير في التفاصيل بين الخبرة السورية والمصرية خصوصا في مدى العنف والقمع، إلا أنني أزعم أنه فرق في الدرجة وليس في النوع.
 حيث التشابه قائم بين التجربتين في تغييب الديمقراطية وإلغاء دور المؤسسات وتأمين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
 وهي مواصفات من شأنها إطالة أمد الصراع لإقامة المجتمع الديمقراطي المنشود في مصر.

وبعدما تم دفع ضريبة الدماء بكلفتها العالية، فإننا نسأل الله أن يلطف بنا في الشق المتبقي؛ بحيث لا تحذو الثورة الفرنسية التي لم تستقر أوضاعها إلا بعد مئة عام،

ولايزال لنا في الموضوع كلام آخر.
........................

Delete this element to display blogger navbar