Subscribe:

Ads 468x60px

26 نوفمبر، 2014

حدود الصبر في غزة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 4 صفر 1436 – 26 نوفمبر 2014
حدود الصبر في غزة - فهمي هويدي

في حين استطاع قطاع غزة أن يتحدى ويصمد أمام الأعداء، إلا ان مشكلته الكبرى صارت مع الأشقاء.

 إذ بحلول اليوم (٢٦ نوفمبر) يدخل اغلاق معبر رفح شهره الثاني، ويصل عدد الراغبين في عبوره لقضاء مصالحهم خارج القطاع إلى ٣٠ ألف شخص حسب اعلان الناطق باسم وزارة الداخلية هناك،
ومن هؤلاء ١٧ ألف حالة إنسانية لمرضى أو مصابين بحاجة إلى العلاج.

أما معاناة الباقين، الذين قارب عددهم المليونين، وتحول القطاع بالنسبة إليهم إلى سجن كبير فلا حدود لها وحدث فيها ولا حرج، حيث لا يُرى لها حل، بدءا من تدبير احتياجاتهم المعيشية اليومية، وانتهاء بتجاوز معضلة الإعمار وإيواء عشرات الألوف الذين شردهم العدوان الاسرائيلى بعدما دمر بيوتهم.

المدهش والمفاجئ في الوقت ذاته ان أهل القطاع لا يعرفون لماذا حلت بهم اللعنة بحيث صاروا يتعرضون جميعا للعقاب والإذلال اليومي.

 صحيح ان وسائل الإعلام لا تكف عن توجيه الاتهامات إليهم وتحميلهم بالمسئولية عن شرور وجرائم كثيرة ارتكبت في سيناء وفي غير سيناء.

صحيح أيضا ان أسماء كثيرين من الرموز والناشطين في القطاع تداولتها التقارير الإعلامية والدعاوى المرفعوة والتسريبات التي يتلقاها الناس بين الحين والآخر،

 إلا انهم يستغربون لماذا لم يستقبلوا محققين لتحرى الوقائع المنسوبة إليهم،
 ومسئولوهم يقولون انه لم يقدم إليهم أي طلب رسمى يدعوهم إلى تسليم أحد من المتهمين في القضايا المثارة،
ويضيفون أنهم يتمنون إجراء تحقيق محايد ونزيه في هذا الصدد.

بسبب ذلك فإن القائمين على الأمر في القطاع ودوائرهم ما عادوا يأخذون ما تتداوله وسائل الإعلام بهذا الخصوص على محمل الجد.

إذ صاروا يعتبرونه من قبيل الفرقعات والادعاءات التي لا دليل عليها، والتي يراد بها تحقيق أهداف سياسية اقتضت التضحية بالفلسطينيين وتقديمهم قربانا لتبرئة غيرهم.

في حين يثار الضجيج حول اتهامات نسبت إلى بعضهم، فإن أبرز مظاهر اللعنة التي أصابت الجميع صارت ممثلة في إغلاق المعبر، رغم انه يمثل البوابة الشرعية التي يمر من خلالها الخارجون والداخلون تحت الأعين المفتوحة بعد تعرضهم للتدقيق والتفتيش والمراجعة من جانب كل الجهات المعنية.

ولذلك فإن من اقترف ذنبا وكان مشكوكا فيه لن يفكر في الذهاب بقدميه إلى المعبر،
 الأمر الذي يعني ان الراغبين في العبور لن يقدموا على تلك الخطوة إلا إذا كانوا واثقين من براءة صفحتهم. وقد اضطرتهم ظروفهم إلى تكبد مشقة السفر والمثول أمام سلطة الأمن التي تدير المعبر.

بكلام آخر فإن الأبرياء من أصحاب الحاجات والمرضى هم الذين صاروا الضحية،
إذ تغلق الدنيا في وجوههم وتهدر مصالحهم جراء إغلاق المعبر.

من المفارقات التي تذكر في هذا السياق انه أثناء العدوان الإسرائيلى على القطاع،
وفي الوقت الذي كانت فيه المقاومة الفلسطينية تطلق صواريخ الرد والتحدى على الداخل الإسرائيلي، فإن سلطة الاحتلال ابقت على المعابر من جانبها مفتوحة (في أضيق الحدود) سواء في بيت حانون أو ايريز أو كرم أبو سالم.

 وفي حين تصرفت إسرائيل على ذلك النحو أثناء الحرب، فإن معبر رفح تم اغلاقه في وجوه الفلسطينيين دون تفسير وفي غير الحرب.

وما دمنا بصدد المفارقات فإننا لا نستطيع أن نتجاهل الموقف المحير الذي تبنته السلطة الفلسطينية في رام الله إزاء قطاع غزة، وإزاء المعبر ضمنا.

ذلك انه بعد توقيع المصالحة مع حماس في القاهرة وتشكيل حكومة التوافق في شهر يونيو الماضي، فإن حماس خرجت من السلطة من الناحية السياسية والقانونية.

ومن ثم فإن السلطة باتت مطالبة بأن تمارس صلاحياتها في القطاع، بما في ذلك الإشراف على الجانب الفلسطيني الذي يدير المعبر.

ورغم ان حكومة التوافق ضمت أربعة وزراء من القطاع أصبحوا يمارسون مهامهم بصورة طبيعية في غزة، إلا أن قيادة السلطة حتى الآن ممتنعة عن ممارسة تلك السلطة في مجالى الصحة والأمن.

وترتب على ذلك أنه لم ترسل رجالها لكى يتحملوا مسئوليتهم عند معبر رفح، لذلك فإن جهاز حماس لا يزال يتحمل تلك المسؤولية.

وفهمت من الدكتور غازى المسئول عن ذلك الملف انه منذ شهر خاطب في ذلك رئيس الحكومة السيد رامى الحمد لله، الذي يشغل منصب وزير الداخلية في الوقت ذاته، لكنه لم يستجب لدعوته حتى الآن.

ومن الواضح ان هذه الخطوة تتطلب إصدار قرار سياسى من رئيس السلطة السيد محمود عباس، لكن ذلك القرار لم يصدر بعد لحسابات غير معلومة، أو معلومة لدى البعض وغير معلنة على الرأي العام.

إن الشعور بظلم الأشقاء في القطاع يراكم درجات مختلفة من المعاناة والغضب، ولئن اختبر القطاع في معارك المقاومة والنضال، إلا ان اختباره في معركة الصبر يبدو أكبر إيلاما وأشد قسوة.

كذلك ثمة أسئلة كبيرة ومهمة تلوح في الأفق الآن، منها على سبيل المثال:
ما هي حدود الصبر التي يمكن أن يحتملها القطاع؟
وما الذي يمكن أن يحدث إذا ما نفد الرصيد وخرجت المشاعر عن السيطرة؟
ومن الذي يتحمل المسئولية في هذه الحالة؟

.....................

25 نوفمبر، 2014

نُذُر الغارة على المجتمع المدني في مصر - المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 3 صفر 1436 25 نوفمبر 2014
نُذُر الغارة على المجتمع المدني في مصر - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

المعركة الدائرة الآن حول المنظمات الحقوقية المصرية تدق الأجراس، منبهة إلى أن المجتمع المدني في خطر.

(1)

يوم الأحد 23 نوفمبر الحالي، خصصت جريدة الأهرام صفحة كاملة لملف المنظمات الحقوقية، ركزت على أمرين أساسيين،
الأول: أن حقوق الإنسان محفوظة في الداخلية (كان ذلك هو العنوان الرئيسي للصفحة الذي أبرز على ثمانية أعمدة).
الثاني: أن بعض المنظمات الحقوقية تعمدت الإساءة إلى مصر وتشويه صورتها أمام الأمم المتحدة (في اجتماع مفوضية حقوق الإنسان الذي عقد بجنيف).

 وكانت خلاصة الرسالة التي وجهتها صفحة الجريدة إلى القراء واضحة في أن وزارة الداخلية حارسة لحقوق الإنسان، في حين أن المنظمات الحقوقية محرضة ومتآمرة على الدولة.

الرسالة لم تكن جديدة، فالهجوم على تلك المنظمات المستقلة مستمر منذ دأبت على إصدار البيانات التي انتقدت فيها العديد من الإجراءات والممارسات التي اعتبرتها انتهاكا لحقوق الإنسان في مصر،

وكان ذلك مبررا كافيا لإطلاق حملة إعلامية استهدفت تجريحها وتوجيه مختلف الاتهامات للعاملين فيها، تراوحت بين تشويه صورة البلد والعمالة للخارج، مرورا بالتنسيق مع مخططات التنظيم الدولي للإخوان،

 وبسبب ذلك وبحجة مواجهة الإرهاب، دعا البعض إلى الكف عن الحديث عن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون في مصر.

اشتد أوار المعركة حين اقترب موعد جلسة مفوضية حقوق الإنسان في جنيف المخصصة لمراجعة ومناقشة ملف مصر الحقوقي التي كان محددا لها الخامس من شهر نوفمبر الحالي،
إذ كان استعراض الملف الذي يتم كل أربع سنوات مناسبة لنقل الصورة إلى المجتمع الدولي، وهو ما دفع مصر إلى بذل جهد كبير لتحسين تلك الصورة.

(2)

تحسبا لتلك المواجهة، نشرت جريدة الأهرام في 18 يوليو الماضي إعلانا لوزارة التضامن الاجتماعي، طالبت فيه منظمات المجتمع المدني المصرية والأجنبية بضرورة تقنين أوضاعها، تماشيا مع قانون الجمعيات الأهلية الصادر في سنة 2002 «تجنبا لتعرضها للمساءلة وفقا للتشريعات والقوانين ذات الصلة».

 وإذ فوجئت المنظمات الحقوقية المستقلة بالإعلان، فإنها سارعت إلى الرد ببيان اعتبرت فيه الإجراء المعلن مخالفا لنص دستور عام 2014، وبمثابة إعلان حرب على حرية إنشاء الجمعيات الأهلية وعمل المجتمع المدني،
وذكرت أن منظمات المجتمع المدني «هي خط الدفاع الأخير عن ضحايا الانتهاكات وسياسة القمع المتبعة».

رد فعل المنظمات المذكورة لم يأت من فراغ، ذلك أنها كانت قد تلقت رسائل الضيق بسياساتها من ممارسات عدة كان في مقدمتها اقتحام الشرطة لبعض مقارها (المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في القاهرة والإسكندرية مثلا)
كما كان منها مصادرة الأجهزة في المقار
ومصادرة نشرة «بوصلة» التي تصدرها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان،
واعتقال بعض الناشطين العاملين في المنظمات الحقوقية.

وهي أجواء وصفها مدير البرامج في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ــ الأستاذ محمد زارع ــ بأنها بمثابة سيف مسلط على رقاب كل العاملين في مجال حقوق الإنسان.

خلال المهلة التي أعطتها وزارة التضامن الاجتماعي للمنظمات والجمعيات الأهلية، وانتهت في 10 نوفمبر، التقى رئيس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الأستاذ بهي الدين حسن، رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب وشرح له وجهة نظر المنظمات الحقوقية التي تتمثل في التمسك بنص الدستور الجديد فيما خص منظمات المجتمع المدني، الذي اشترط لقيامها مجرد إخطار السلطة بذلك،
في حين أن تسجيل الجمعيات والمنظمات في ظل القانون الصادر في عام 2002 يفقدها استقلالها ويخضع أنشطتها لرقابة ووصاية السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية التي ستجعل من التسجيل وسيلة للضغط عليها.

لم يتغير موقف وزارة التضامن الاجتماعي، لكنها لم تتخذ إجراءات عقابية ضد المنظمات القائمة.

وفي الوقت ذاته فإن المنظمات لم تلجأ إلى تصعيد الموقف إزاء السلطة، فاعتذرت سبع منها في بيان علني أصدرته عن عدم المشاركة في مؤتمر جنيف،
من ناحية لكي لا تنقل الأزمة إلى الساحة الدولية،
 ومن ناحية ثانية لأنها تتجنب المواجهة في الداخل، بعدما تلقت تهديدات من جانب المؤسسة الأمنية أشارت إليها في بيانها.

الموقف يبدو هادئا في ظاهره في الوقت الراهن، لكن موقف الضيق بالمنظمات الحقوقية لم يتغير، تؤيد ذلك قرائن عدة،
 بينها التسريبات التي تحدثت عن مشروع قانون لتنظيم عمل الجمعيات يقضي بإشراك الأجهزة الأمنية في إدارتها،
 وبينها التعديل الذي أدخل مؤخرا على قانون العقوبات متعلقا بتمويل الجمعيات، وبمقتضاه أصبحت مزاولة أي نشاط أهلي أو نقابي مغامرة تعرض من يشارك فيها لعقوبات تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام (القانون 128 لسنة 2014).

في مقابل الضغوط والإجراءات التي تلوح بها السلطة، فإن النشطاء الحقوقيين اعتبروا أن تراجعهم عن استقلال مؤسساتهم يفقدهم شرعيتهم ويلغي مبرر وجودهم،
 فمنهم من صمد ولا يزال يحارب على جبهته،
ومنهم من آثر السلامة وفضل الهجرة والاستقرار خارج البلاد،
 ومنهم من ركب الموجة واصطف إلى جانب وزارة الداخلية التي دأبت على إنكار وجود أي انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر.

(3)

حسب البيانات الرسمية فإن في مصر نحو 47 ألف جمعية ومنظمة تمارس نشاطها في المجال الأهلي،
وإذا حذفنا الجمعيات المجمدة والعائلية، فسوف نجد أن 22 ألف جمعية فقط هي التي تمارس عملا على الأرض.

وهذه الأرقام لا تسبب قلقا للسلطات، وإنما مصدر القلق يتمثل في الجمعيات الحقوقية التي يتراوح عددها بين 300 و400 منظمة،
 لكننا إذا دققنا في قائمة الجمعيات الأخيرة جيدا، فسنجد أن المنظمات الحقوقية المستقلة التي تمارس نشاطها حقيقيا في رصد الانتهاكات ومكافحتها في حدود 20 منظمة فقط، لها صوتها المسموع في داخل مصر وخارجها،
وهذه المنظمات هي التي تخوض الاشتباك الراهن وهي التي تسبب الصداع.

ثمة لغط تقليدي مثار حول التمويل الخارجي للجمعيات الحقوقية والخيرية، الذي تتشكك الدولة في مصادره ومقاصده، وتحرص على أن يخضع لرقابتها.
وهذا حق مشروع معترف به في العديد من بلدان العالم.

وفي أبحاث وكتب الدكتورة أماني قنديل المختصة بالموضوع عرض للأساليب المتبعة مع التمويل الخارجي الذي تحظره كلية دول الخليج،

 أما الهند فتسمح به شريطة أن يودع التمويل في حساب خاص وتخطر به الحكومة، التي لها أن تراقب أوجه إنفاقه ووصوله إلى مستحقيه.

 وفي مصر فإن القانون يلزم أي منظمة بأن تخطر السلطات بما تتلقاه من تمويل خارجي وتراقب التصرف في المبالغ قبل تشغيلها.

وبالمناسبة فإن الدكتورة أماني قنديل تقدر حجم التمويل الخارجي الذي تلقته المنظمات والجمعيات الأهلية منذ قامت الثورة في عام 2011 وحتى العام الحالي (2014) بمبلغ 750 مليون دولار، أغلبها جاء إلى مصر من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

حين ناقشت الأمر مع اثنين من قيادات المنظمات المستقلة ــ الأستاذين نجاد البرعي وجمال عيد ــ قالا إن حق الدولة في مراقبة التمويل الخارجي لا اعتراض عليه ولا جدال فيه، وأن وسائل المراقبة معروفة ومعمول بها في أغلب دول العالم.

ولكن المشكلة تكمن في إقحام التسجيل في الموضوع واعتباره وسيلة للضغط على المنظمات الأهلية وابتزازها، خلال إملاء الشروط عليها، وهو ما يخالف نص المادة 75 من الدستور المصري الذي يقضي بأن تلك المنظمات تنشأ بمجرد إخطار الجهات المعنية بذلك. وأن يقر الجميع بأن التمويل الداخلي هو الحل الأمثل،
 إلا أن ذلك قد لا يتوافر في كل الأحوال، فضلا عن أن التمويل الخارجي نظام معمول به في مختلف أنحاء العالم، وله من الضمانات ما يكفل تجنب إساءة استخدامه. 

يضيفون أن المشكلة في مصر ظاهرها يكمن في عملية التمويل الخارجي الذي أبدت بعض المنظمات استعدادا للاستغناء عنه، لكنها تكمن في مسألة تحكم الأجهزة الأمنية التي تسعى إلى تأميم تلك المنظمات، واستخدام سلاح التسجيل وسيلة لتحقيق ذلك.

(4)

ليس عندي أي دفاع عن التمويل الأجنبي الذي يمكن اعتباره أبغض الحلال في الوقت الراهن،
لكن المشكلة والمعركة التي نحن بصددها أبعد وأكبر منها،
 إذ المطلوب إسكات أصوات رصد الانتهاكات وكشفها.

 ولعلي لا أبالغ إذا قلت إننا بصدد حرب بالوكالة، فظاهر الأمر أن التجاذب حاصل بين وزارة التضامن الاجتماعي وبين المنظمات الحقوقية،
إلا أنهما ليستا الطرفين الحقيقيين في الصراع، لأن طرفيه الأصليين يقبعان في الخلف.

فأحدهما يتمثل في المؤسسة الأمنية التي تعد اللاعب الرئيسي في الفضاء السياسي،
 وباتت ترى أن المنظمات الحقوقية تلاحق ممارساتها ومن ثم تسبب لها حرجا في الداخل والخارج.

 أما الطرف الثاني فهو المجتمع المدني الذي لن تقوم له قائمة ما لم يتخلص من وصاية السلطة وقبضة مؤسستها الأمنية.

وإذا صح ذلك التحليل، فهو يعني أن وزارة التضامن واجهة للمؤسسة الأمنية، كما أن المنظمات الحقوقية واجهة للتواقين للحرية الحالمين بإقامة مجتمع مدني ثابت الأركان.

إننا إذا ألقينا نظرة على المشهد من زاوية أوسع، فسوف نلاحظ أن موت السياسة في مصر استصحب تعاظما لدور المؤسسة الأمنية.

سنلاحظ أيضا أن ضعف المجتمع المدني المتمثل في المؤسسات المعبرة عن جموع الناس والمدافعة عن مصالحهم، هو إحدى العاهات التي أصيبت بها مصر في ظل عهود الاستبداد التي خلت.

وذلك الضعف شديد الوضوح الآن في هزال التحالفات التي يجري تشكيلها الآن تحضيرا للانتخابات التشريعية، التي تدعو أبواق المؤسسة الأمنية إلى تأجيلها استنادا إلى ذريعة عدم الجاهزية.

في هذه الأجواء تبرز المنظمات الحقوقية المستقلة باعتبارها منبرا مهما ينتقد الانتهاكات التي ما عاد أمرها سرا (في ظل الاستخدام الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي)،
 فضلا عن أن ضحاياها يتزايدون يوما بعد يوم.

 وقد لا أبالغ إذا قلت إنها باتت تشكل المساحة الوحيدة في مجالات العمل العام التي بقيت مكرسة للدفاع عن كرامة الإنسان المصري بغض النظر عن أي انتماء له، ومن ثم نجت من الاستقطاب البائس الذي شق الصف الوطني في مصر، وأغرق أغلب عناصر النخبة في مستنقعه.

إن هدف المعركة الدائرة الآن هو إسكات صوت أحد أهم منابر الدفاع عن المجتمع المدني والدستور ذاته.
 والاصطفاف حول مقولة «الأهرام» التي ادعت أن حقوق الإنسان محفوظة في الداخلية،
 ومن ثم فبدلا من الدعوة إلى إعادة هيكلة الداخلية انتصارا للعدالة ولحقوق الإنسان،

فإننا صرنا مدعوين لأن نسلمها ملف الدفاع عن حقوق الإنسان، اقتداء بالنموذج الذي ضربته حين تم تصوير حفلة الضرب التي تعرض لها مواطن في أحد الأقسام، فعالجت الداخلية الأمر وحسمته بقرار حظر إدخال الهواتف المحمولة إلى أقسام الشرطة.

إن ظهور منظمات حقوق الإنسان يمثل أحد إفرازات الممارسة الديمقراطية، وإحدى مشكلات العالم الثالث. 

إن بعض دوله باتت تحرص على أن تتجمل بلافتة حقوق الإنسان لتستر بها تكبيلها للحريات وتعطيلها لأي تقدم باتجاه الديمقراطية.
ومن ثم تقويضها لمحاولات إقامة المجتمع المدني الذي بات طوق النجاة من الاستبداد الذي باتت الآمال معقودة عليه وصار أحد أهم عناوين الربيع العربي..
وأرجو ألا تكون مصر بين تلك الدول.

......................

24 نوفمبر، 2014

أسئلة الأمن المحيره

صحيفة الشرق القطريه الاثنين 2 صفر 1436 24 نوفمبر 2014
أسئلة الأمن المحيره – فهمي هويدي

على عهدة الأهرام فقد تم خطف 856 مواطنا مصريا في عام واحد (2012) بمعدل عدد يتراوح بين اثنين وثلاثة كل يوم.
وليس معروفا عدد حالات الخطف الآن، بعدما اكتسب الخاطفون مزيدا من الخبرة، وتوفرت لهم من حصيلة عملياتهم وإتاواتهم الإمكانات التي ساعدتهم على تطوير سلاحهم وتحديث سياراتهم، فضلا عن أنهم أصبحوا أكثر دراية بخرائط الأثرياء والقادرين الذين يسارعون إلى الاستجابة لابتزازهم إنقاذا لأرواح ذويهم.

في التقرير الذي نشرته الجريدة يوم السبت 22/11 وكتبه الزميل هاني بركات إشارة إلى أن البعض يؤثرون السلامة أحيانا ولا يبلغون الشرطة عن المختطفين حتى لا يتعرضوا لبطش العصابات، من ثَمَّ فالعدد قابل للزيادة.

من المعلومات التي تضمنها التقرير أيضا أن المختطفين من أبناء الأكابر ورجال الدولة يتم العثور عليهم واستعادتهم بسرعة، أما من عداهم فأمرهم إلى الله.

في التقرير أيضا أن أعلى نسبة من الخطف تتم في محافظات الصعيد، المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، وأن الخاطفين يستهدفون رجال الأعمال والتجار والأطباء،
 حتى أنه في محافظة سوهاج تم خطف ستة أطباء، الواحد تلو الآخر، من مستشفى طما المركزي.

أشار التقرير كذلك إلى الحالات التي تتعثر فيها مساومات إطلاق المخطوفين، وتنتهي أحيانا بقتلهم للخلاص منهم في حالة تمنع أهاليهم، وعجزهم عن دفع الفدية المطلوبة. 

ومن المصادفات أن الجريدة نشرت في العدد ذاته خبرا عن إلقاء القبض خلال وقت قياسي على أشخاص خطفوا طفلا علموا أن جده من الأثرياء. ولم ينتبهوا إلى أن أباه ضابط كبير في جهاز الأمن الوطني،
الأمر الذي حرك أدوات التحري والرصد التي أوقعتهم قبل أن يساوموا أو يتصرفوا في مصير الطفل.

قبل النشر بيوم واحد زارني في بيتي أحد الضيوف عند الظهر، وحين عاد إلى سيارته وجد زجاجها مكسورا، وكل ما أمكن حمله من داخلها مسروقا.
وكان صاحبنا أفضل حالا من أحد الجيران في شارع مجاور، سرقت سيارته بالكامل ولم يجد لها أثرا حين هم بالذهاب إلى عمله في الصباح.

ولم تكن بعيدة عن بيتنا البناية التي سكن فيها الممثل يوسف العسال، الذي نشرت الصحف أن شخصين طرقا باب بيته في التاسعة والنصف صباحا بدعوى الكشف عن عداد النور، ثم اقتحما البيت وقاما بتكميمه هو وزوجته وسرقا ما استطاعا حمله وانصرفا،
الأمر الذي أصاب الرجل بسكتة قلبية فاضت بعدها روحه وسقط ميتا.

 ولم تعد المشكلة مقصورة على انتشار اللصوص وعصابات الخطف، لأن الشباب ذاعت بينهم بدعة جديدة جعلتهم يتجمعون على نواصي الشوارع يوميا إلى ما بعد منتصف الليل، حيث يفترشون الأرصفة ويجلسون فوق سيارات السكان،

وكنت أظن أنهم يتسامرون فقط ويتشاتمون وأحيانا يتعاركون، مستخدمين المطاوي والجنازير،
ولكن نتبين أنهم أيضا يتعاطون المشروبات الكحولية والمخدرات بأنواعها المختلفة، وهو ما رأيته بعيني ذات مساء من شرفة البيت.

السؤال الذي يشغلني طول الوقت هو:
 أين الشرطة؟
وهو ما يفتح الباب لأسئلة أخرى من قبيل أنه إذا كان ذلك يحدث في حي مصر الجديدة، وفي عزّ النهار أحيانا وغير بعيد عن قصر الاتحادية الرئاسي، فلابد أن يكون الحال أسوأ بكثير في المناطق النائية.

ثمة إجابة غير مقنعة تقول إن الشرطة مشغولة بمكافحة الإرهاب، وهي تستصحب استنكارا لطرح السؤال، سواء بدعوى أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، أو بدعوى أن البلد في حرب والدولة مهددة بالسقوط، ولا ينبغي إشغال الشرطة بأي مهام جانبية قبل أن تكسب الحرب وتقضي على الإرهاب.

هذه الإجابة مردود عليها بأن حماية الناس وتأمينهم واجب ينبغي أن تؤديه الشرطة في كل الأحوال، بل هو أول واجبات السلطة،
 ثم إن ذلك الذي يتهدد الناس يظل بدوره إرهابا ينبغي أن يوضع له حل، ولا مفر من الاعتراف بأن الشرطة قادرة على حماية الناس إذا أرادت، بدليل أنها تسارع إلى الدفاع عن الأكابر واستعادة ذويهم المخطوفين.

 أضف إلى ذلك أننا نرى إسرافا في حشد أرتال الشرطة لمواجهة المتظاهرين وحصار الجماعات وتأمين الشخصيات والمؤسسات العامة، في حين نرى شحَّا في تأمين الناس وحمايتهم،
 بل صار معتادا أن الشرطة لا تتحرك أو تستنفر إلا حين تتلقى بلاغا يتعلق بالإرهاب، لكنها باتت تتراخى وتتململ حين تبلغ بحادث سرقة أو سطو أو غير ذلك.

إننا لم نلمس جهدا جادا لتفسير ظاهرة انتشار الجريمة والاستهتار بالقانون والجرأة على الشرطة ذاتها التي فقدت هيبتها بعد الثورة، حتى يقال إن رجالها باتوا ينصحون بارتداء الثياب المدنية حين يظهرون في الأماكن العامة ويتجنبون الظهور بالملابس الرسمية، التي كان يختال بعضهم بها في السابق.

 ثم إننا لم نعرف خلفية تلك العصابات وهل أفرادها أناس محترفون وبلطجية، وهل لانتشار البطالة وتوقف بعض المصانع دخل في تفاقم الظاهرة أم لا.

لقد انتشرت ظاهرة شركات الأمن الخاصة التي أصبحت تقوم مقام الشرطة في حماية القادرين، وفي الوقت نفسه فإن الناس أحكموا إغلاق البنايات والوحدات السكنية والنوافذ بالبوابات الحديدية،
لكن ذلك لم يحل دون سرقة سياراتهم وخطف أطفالهم والاحتيال للاستيلاء على ممتلكاتهم وعقاراتهم.
والنتيجة أننا لم نلمس كفاءة من جانب الشرطة في حماية المجتمع، ولم نقتنع بالذرائع التي تبرر ذلك القصور. 

وفي الوقت ذاته فإننا نرى تضخما في الجسم الأمني وتعددا في رؤوسه، الأمر الذي بدا إضافة إلى رصيد حماية النظام وخصما من شعور الناس بالأمن.

وما يقلقنا في كل ذلك ليس فقط ارتفاع مؤشرات وقوع الجرائم وإنما أيضا ذلك السكوت المخيم الذي يحاول تجاهل الظاهرة أو إنكارها.

......................

23 نوفمبر، 2014

بصيرة الفراعنة سبقتنا

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 1 صفر 1436 – 23 نوفمبر 2014
بصيرة الفراعنة سبقتنا - فهمي هويدي

وعي الفراعنة بمتطلبات أمن مصر القومي لابد أن يثير انتباهنا ودهشتنا وحسرتنا أيضا.

على الأقل فذلك ما شهد به اثنان من أهم أساتذة العلوم والجغرافيا السياسية المحدثين في مصر، هما الدكتوران حامد ربيع وجمال حمدان.

أخص بالذكر من مؤلفاتهما التي تطرقت إلى الموضوع كتاب «الأمن القومي العربي» للأول و«شخصية مصر» للثاني.

استدعاء هذه الصفحة من التاريخ يفيدنا في مناقشة الخلل الاستراتيجي في الرؤية المصرية للسياسة الخارجية الذي تطرقت إليه أمس.
وهو ما جرَّنا إليه الحديث عن الدعوة السعودية للتهدئة مع قطر.
إذ استطردت منه إلى عدة ملفات أخرى منها الخصومة مع تركيا والحماس للحزب الجمهوري الأمريكي. برغم تآمره على القضية الفلسطينية وازدرائه بكل ما يتعلق بالعرب والمسلمين.

هذا تفصيل في الاستطراد يركز على الشق الأخطر المتمثل في الملف التركي.
وأكرر ابتداء اقتناعي بأن ثمة غلوا لا مبرر له في موقف أنقرة إزاء النظام المصري وهو ما تستحق عليه النقد والعتاب،
إلا أنني أزعم أن رد الفعل المصري إزاءه اتسم بالتسرع والانفعال إلى الحد الذي دفعها إلى الذهاب أبعد مما ينبغي في مخاصمة أنقرة والإضرار بأمنها وشعبها.

عند الدكتور حامد ربيع، فرغم أن دولة مصر الفرعونية لم تكن منفتحة ولا تسعى لأي سيطرة اقليمية،
وكانت مصر آنذاك أفريقية بأكثر منها آسيوية، فإن قياداتها الواعية فهمت أن الدفاع عن حدودها الشرقية لا يجوز أن يتمركز حول حدودها الطبيعية (في سيناء)،
وإنما يجب أن يبدأ من شمال سوريا، وعلى وجه التحديد من منطقة الأناضول (التركية الآن).

حروب تحتمس ورمسيس تشهد بذلك، حيث عبرت عن إدراك حقيقة أن مصر لا تحتمل ولا تسمح بوجود قوة معادية على حدودها الشرقية.
بل إن صفحات التاريخ القديم تشير إلى أن كل فرعون حكم مصر، سعى إلى تأمين البلاد من خلال حملة قادها إلى سوريا، أو غزوة قصدت ليبيا، أو زحف استهدف إخضاع النوبة.
 وهي الحملات التي اعتبرها الدكتور حمدان «ضريبة الموقع وثمن الحماية».

هذا المنظور الدفاعي ظل قائما طوال الوقت في التاريخ المصري حتى عصر محمد على باشا.
إذ تحركت القوة المصرية في دائرتين،
 دائرة شملت الشام عموما وفلسطين خصوصا، وغرب الجزيرة العربية في الحجاز واليمن، ثم اقليم برقة في المغرب والنوبة في الجنوب.
وهذه الدائرة كانت مسرحا للحروب المصرية.

الدائرة الثانية أوسع وأرحب، حيث وصلت جيوش مصر في الشمال إلى تخوم الفرات وأرمينيا وحواف الأناضول،
وتمددت أحيانا إلى شمال العراق (الجزيرة) كما اخترقت قلب الأناضول منه.
وفي الشرق وصلت إلى نجد، ولكنها شملت الجزيرة العربية كلها.
في الجنوب ارتبطت بشمال السودان أساسا، ولكنها تعدته فترة إلى مشارف خط الاستواء والصومال.
كما تعدت برقة إلى طرابلس في الغرب بعض الأحيان.
 أما في البحر فقد تمددت لتشمل قبرص أحيانا(في مرحلة المماليك) ـ وكريت حينا آخر(محمد علي باشا).

لقد اتفق العالمان الكبيران مع غيرهما من الباحثين الاستراتيجيين على أن خط الدفاع الأول عن مصر هو شمال الشام وجنوب تركيا(جبال طوروس)
وخط الدفاع الثاني يقع في الجزء الجنوبي، يتمركز حول المنطقة التي عرفت باسم أرض فلسطين.
أما خط الدفاع في سيناء فهو في الواقع خط الدفاع الأخير، وهو اليوم يتمركز حول قناة السويس.

اعتذر عن هذه الإطالة التي أرجو ألا تكون مملَّة. وكنت قد أوردتها في مقالة سابقة نشرت قبل سبع سنوات (في 16/10/2007)،
 إلا أنني وجدتها فرصة لعرض معالم الرؤية الاستراتيجية لأمن الدولة المصرية على مدار التاريخ،
الأمر الذي يستدعي سيلا من الأسئلة حول الصورة التي ترسم تلك الرؤية في الوقت الراهن.

إذا بقينا في حدود الملف التركي، ولاحظنا أن جبال طوروس في الجنوب التركي تشكل حدود أمن مصر في المنظور التاريخي، فسوف يحيرنا ويحزننا ما آلت إليه الأمور بين البلدين.

 ذلك أنها تجاوزت حدود الخصومة السياسية إلى الإضرار بمصالح الشعب التركي.
وذهبت إلى أبعد بالتحالف مع اليونان وقبرص اللتين تختزنان مرارات إزاء تركيا من رواسب مرحلة الامبراطورية العثمانية، والدولتان كانتا خاضعتين لسطانها لعدة قرون.
 ثم إنها (قبرص بوجه أخص) في تجاذب مع تركيا بشأن اكتشافات غاز المتوسط الذي باتت «إسرائيل» تستأثر بأكثر نصيب منه.

ليست المشكلة في التحالف المذكور، لأنه يمثل فرقعة إعلامية فيها من الرسالة السياسية أكثر مما فيها من التأثير الفعلي،
 ذلك أن اليونان وقبرص (سكان البلدين 12 مليون نسمة) لا يشكلان وزنا يذكر في الاتحاد الأوروبي بل إنهما يصنفان ضمن مراكز الضعف فيه إذ هما غارقتان في الكساد وتعيشان تحت الوصاية وعلى المساعدات المالية الأوروبية منذ خمس سنوات، وتركيا (76 مليون نسمة) بالنسبة إليها تعد عملاقا سياسيا وعسكريا واقتصاديا.

لكن أكثر ما يهمني في الموضوع هو السلوك المصري ورسالته التي اقترنت بإجراءات أخرى استهدفت الإضرار بالاقتصاد التركي، في مقدمتها إلغاء اتفاقية خط الملاحة التركي(الرورو) الذي كان ينقل البضائع التركية إلى دمياط وبورسعيد ومنها إلى دول الخليج، بعد توقف خط النقل عبر سوريا.

لا أعرف حدود الجهود الدبلوماسية التي بذلت للحفاظ على شعرة معاوية بين البلدين، ولحجب تأثير الخلاف السياسي على المصالح المتبادلة بين شعبي البلدين،

لكن الذي أعرفه أن الخلاف ما كان ينبغي له أن يصل إلى هذه الدرجة، وأن القطيعة التي تمت لا تخدم الأمن القومي المصري.

للدكتور جمال حمدان مقولة شهيرة تحدث فيها عن مثلث القوة الذهبي في الشرق الأوسط،
واعتبر أنه قائم على ثلاثة أضلاع تمثلها مصر وتركيا وإيران، بأوزانها السكانية الكبيرة وتراثها التاريخي والاقتصادي، وموقعها الاستراتيجي. (فضلا عن المشترك العقيدي بينها)
لكن مشكلة الرجل أنه فكر بعقل استراتيجي صرف، ولم يكن شريكا في الهرج السياسي.
ولحظه فإنه غادرنا قبل أن يرى ما صرنا إليه، وإلا كان قد مات من الحسرة والكمد.

....................

22 نوفمبر، 2014

عن العمى الاستراتيجي

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 29 المحرم 1436 – 22 نوفمبر 2014
عن العمى الاستراتيجي - فهمي هويدي

ربما كان مبكرا وصف ما استجد في العلاقات بين القاهرة والدوحة بأنه تهدئة أو هدنة أو مصالحة، وإن ظننت أنه إلى الأولى أقرب.

مع ذلك فهو في كل أحواله يظل تطورا إيجابيا يوفر لنا فرصة لمراجعة بعض الرؤى الاستراتيجية الحاكمة لعلاقات مصر الخارجية،

ورغم أن هناك نقصا في المعلومات المتعلقة بخلفيات التصالح المفاجئ الذي أعلن عنه في داخل البيت الخليجي أو الرسالة التي وجهها العاهل السعودي يوم 19/11 إلى الرئاسة والنخبة في مصر، إلا أن الشق الايجابى في هذه الخطوة يتيح لنا أن نتطرق إلى موضوع الرؤى الاستراتيجية الذي يعنيني في اللحظة الراهنة.

يشجعني على ذلك أن رسالة العاهل السعودى نوهت إلى أهمية «وحدة الصف والتوافق ونبذ الخلاف في مواجهة التحديات التي تواجه أمتنا العربية والإسلامية».

صحيح أن المتحدثين الذين احتفوا بالرسالة أشاروا إلى الخطر الذي باتت تمثله جماعة «داعش» وتمددها في بلاد الشام وأماكن أخرى، ولم يذكروا الخطر الأكبر والمزمن المتمثل في عربدة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، إلا أنني قابل مؤقتا بالانطلاق من البيان من باب الرضا بنصف العمى الذي هو أفضل من العمى كله.

أيا كانت خلفيات ذلك التطور، فإن أهميته لا ينبغي أن تنكر من وجهة نظر الحسابات الاستراتيجية، مصريا وخليجيا وعربيا.

ذلك أن أطرافا عدة راهنت على الانقسام واستثمرته، خصوصا إسرائيل التي ادعت أثناء عدوانها على غزة في الصيف الماضى أنها أصبحت جزءا من تحالف عربى مناهض للإرهاب.
وما برح قادتها يرددون أن العرب أدركوا أخيرا أن اسرائيل ليست العدو أو الخطر الذي يهددهم، ولكنه الارهاب في قول وإيران في قول آخر والاثنان في قول ثالث.

قبل أن أستطرد أرجو ألا أكون بحاجة للتنبيه إلى أن الرؤية الاستراتيجية التي أعنيها هي تلك التي تتعلق بالمصالح العليا للدولة والأمة في الحاضر والمستقبل.

وأحسب أن أحد المفاتيح المهمة لضبط المصطلح يكمن في التفرقة بين النظام والدولة.
وهي التفرقة التي يتجاهلها كثيرون سهوا أو عمدا بحيث يختزلون الدولة في النظام، في حين أن الدولة كل والنظام جزء. والأولى ثابتة والثاني متغير.

هذا الاختزال يرتب نتيجة سلبية تتلخص في أن أي خلاف أو نقد للنظام يصبح عداء للدولة وسعيا إلى تقويضها.
وهو تغليط يفسد الرؤية الاستراتيجية لأنه يورط السلطة في مواقف تتبني فيها إجراءات تستهدف الدفاع عن النظام في حين أنها تضر المصالح العليا للدولة في المدى البعيد.

إن اختزال الدولة والوطن في النظام أو قيادته منطق ينتمى إلى مفهوم القبيلة وليس الدولة.
فشرف القبيلة وكرامتها من كرامة شيخها الذي هو قدرها.
أما الدولة فلها حسابات مختلفة، لأن ثمة مجتمعا يعيش على أرضها ومصالحه ليست مرتبطة بالضرورة بنظامه أو برئيسه الذي اختاره الناس ولهم أن يغيروه إن شاءوا.

ومن المفارقات في هذا الصدد اننا نتعامل بمنطق القبيلة مع الأشقاء في حين نتحلى بسلوك الدولة مع الأغيار،
 لا أتحدث هنا عن حالة الاتفاق في وجهات النظر لكنني أتحدث عن كيفية إدارة الخلاف إذا تباينت أو تعارضت وجهات النظر.

النموذج الماثل أمامنا والذي يستحق الدراسة هو الكيفية التي أدير بها الخلاف بين مصر وبين كل من قطر وتركيا، ولست هنا في مقام الدفاع عن موقف الدولتين،
بل أذهب إلى أن بعض ممارساتهما، سواء في بث قناة الجزيرة أو تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان، ذهبت إلى حدود لم تكن مضطرة إليها في خلافها مع النظام المصري.

وأزعم أن إيران كان لها نفس الموقف المعارض، لكنها عبرت عنه بطريقة أكثر رصانة وحذرا،
وبالمناسبة فإن الإدارة الأمريكية كان لها الموقف ذاته في البداية، لكنها غلبت مصالحها دون أن تغير موقفها من تكييف التغيير الذي حدث في مصر.
وأنا هنا أتحدث عن الموقف الأساسى وليس الوقائع والممارسات التي تفرعت عنه.

المتابع للتجاذب والتراشق الذي ترتب على ذلك الخلاف يلاحظ أن الموقف المصري كان عنيفا وحادا على نحو اثر على المصالح المتبادلة مع كل من قطر وتركيا.

ولكنه في حالة الولايات المتحدة كان حذرا وظل محصورا في المجال الإعلامى تقريبا.

فالقبيلة كانت حاضرة في الحالة الأولى في حين أن الدولة كان لها وجودها في الحالة الثانية.

بل إن حدَّة الاشتباك مع قطر وتركيا وصلت إلى حد هبوط مستوى التجاذب في وسائل الإعلام المصرية على نحو استهدف تجريح الرموز والقيادات ونحى جانبا موضوعات الخلاف.
 الأخطر من ذلك أن الممارسات التي تمت استهدفت قطع الأواصر والإضرار بالطرف الاخر.
الأمر الذي من شأنه أن يؤثر سلبا على الحسابات الاستراتيجية المصرية.

ولعل إجراءات الإضرار بالاقتصاد التركى والتحالف المصري مع اليونان وقبرص لتحدى تركيا يعد خير مثال على ذلك.
وليس معروفا في الوقت الراهن أثر التوتر الحاصل مع قطر على وضع العمالة المصرية هناك أو على العلاقات الاقتصادية بين البلدين،
 لكن تلك الأضرار أكثر وضوحا في الحالة التركية سواء جراء قطع الطريق البحرى الموصل بين البلدين أو محاولة الضغط السياسي الاستراتيجي على أنقرة بالتحالف سابق الذكر.

ثمة نموذج آخر على التفريط فيما هو استراتيجى لقاء تسجيل بعض النقاط المؤقتة لصالح النظام، يتمثل في الموقف من الحزبين الديمقراطى والجمهورى في الولايات المتحدة الأمريكية.

ذلك أن لبعضنا موقفا ساذجا يعتبر الديمقراطيين أعداء لمصر بسبب انتقادهم للنظام القائم فيها، والذين يتبنون ذلك الموقف يحتفون بالجمهوريين ويهللون لهم رغم أن خطهم العام منحاز إلى غلاة الليكوديين في إسرائيل، وضد كل ما هو عربى أو إسلامى، علما بأن بينهم من لا يختلف مع الديمقراطيين في موقفهم من النظام المصري. أحدهم النائب جون ماكين الذي انتقد بشكل حاد ما جرى في مصر يوم 3 يوليو واعتبره انقلابا.

 
إن الهوى السياسي مفهوم وله حدوده التي قد يقبل فيها، ولكن حين يتحول إلى عمى استراتيجى فإنه يصبح كارثة كبرى
 ـ غدا بإذن الله أفصِّل فيما أجملته اليوم.

.....................

Delete this element to display blogger navbar