Subscribe:

Ads 468x60px

28 سبتمبر، 2016

نقد ذاتى نادر

صحيفة الشروق الجديد المصريه الخميس 27 ذوالحجة 1437 – 29 سبتمبر 2016
نقد ذاتى نادر – فهمي هويدي

نادرا ما نسمع عن نقد ذاتى مارسه أحد المسئولين العرب، أندر منه أن يتم ذلك النقد فى العلن وعلى ملأ من الناس.
لكن خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحركة حماس فعلها.

إذ مارس ذلك النقد بشجاعة فى جلسة حوارية بثتها قناة الجزيرة على الهواء يوم السبت الماضى (٢٤/٩) (دعا إليها مركز الجزيرة للأبحاث والدراسات وشهدها جمع من المثقفين العرب).

ولم يقتصر نقده على تجربة حماس فى غزة فقط، ولكن النقد شمل أيضا سلوك وموقف الحركات الإسلامية أثناء الربيع العربى.

تحدث أبوالوليد فى أمور كثيرة تتعلق بالوضع الفلسطينى والعلاقة بين فتح وحماس وصمود الأخيرة وقدراتها.
 ولكن شق النقد الذاتى الذى مارسه لفت الأنظار واستأثر بالاهتمام، خصوصا أنه كان الأقرب إلى موضوع الحلقة الذى كان عنوانه «تحولات الحركات الإسلامية».

 عن تلك التحولات ذكر ما يلى:

 إن الإسلاميين وقعوا فى خطأين خلال مرحلة الربيع العربى

 أولهما المبالغة فى تقدير الموقف سواء بالنسبة لقدراتهم الذاتية أو بالنسبة لسلوك ورد فعل القوى المتضررة من الربيع على المستويين المحلى والإقليمى.
 وكانت تلك إشارة إلى أنهم بالغوا فى قدراتهم وهونوا من شأن قوى الثورة المضادة،

وأرجع ذلك الخطأ إلى عوامل عدة بينها المبالغة فى الرهان على القوى الذاتية، فضلا عن قلة الخبرة وغياب المعلومات الدقيقة المتعلقة بالأجواء المحيطة، إلى جانب وقوعهم فى فخ التضليل من الجانب الآخر.

الخطأ الثانى الذى وقع فيه الإسلاميون تمثل فى ضعف كفاءة التعامل مع شركاء الوطن،
 حيث «ثبت بالتجربة العملية أن الأغلبية فى الصناديق مهمة، لكنها لا تكفى للانفراد بالقرار وبإدارة المؤسسات العامة».

فى حديثه عن أخطاء حماس فى غزة قال خالد مشعل إن أحد أعضاء مركزية فتح زاره أثناء تواجد الحركة فى دمشق فقال له:
 أخطأنا لما ظننا أن زمن فتح ولى وأننا البديل.
وأنتم أخطأتم عندما تعاملتم مع حماس بأنها يمكن أن ترضى بنظام «الكوتة». وإنه لا حاجة للشراكة معها.

وأضاف لقد استسهلنا أن نحكم وحدنا، وظننا أن ذلك أمر ميسور.
 واكتشفنا أن ذلك ليس سهلا، حيث تأكد لدينا أن نظرية البديل فكرة خاطئة،
 وأن المنهج الصحيح والمسار الأصوب يتمثل فى الشراكة والتوافق.

لذلك فإنه بعد الاقتراع الحر ينبغى أن نذهب إلى الشراكة والتوافق الوطنى، ودعا إلى تطبيق الفكرة فى الساحة الفلسطينية بحيث لا تنفرد حماس بقرار الحرب ولا تنفرد فتح بقرار التسوية، حيث لا مفر من صياغة برنامج مشترك يعبر عن الجميع.

كلام أبوالوليد له أهمية خاصة لأنها المرة الأولى التى يفتح فيها ملف المراجعة من جانب قيادة على هذا المستوى.

 صحيح أن السيد راشد الغنوشى زعيم حركة النهضة التونسية أبدى ملاحظات حول الموضوع فى بعض أحاديثه،
 كما أن ثمة لغطا يدور حول نقد التجربة المصرية داخل السجون وبين القيادات المقيمة بالخارج،
لكن الكلام المحدد الذى ذكره السيد خالد مشعل يبدو جديدا. ويفتح الباب لمناقشة جادة لتقييم ما جرى واستخلاص دروسه.

وللأسف فإن تلك المناقشة الضرورية غير متاحة فى مصر فى الوقت الراهن، لأن المناخ العام معبأ بقراءة واحدة للتجربة وبكم هائل من المعلومات التى تحتاج إلى تدقيق وتصويب.
ناهيك عن الموقف الرسمى مع إغلاق الملف وطى صفحته،

وهو خيار يتبناه نفر من المثقفين وعناصر الطبقة السياسية، ويحبذه الخطاب الإعلامى المهيمن. ستظل تلك ثغرة لابد أن تعالج يوما ما،
 ليس فقط لكى نفهم ما جرى، ولكن أيضا لكى نتمكن من التوافق على صيغة لابد منها للتعايش فى المستقبل،

وهو أمر مشروط بتحلى مختلف الأطراف بالشجاعة التى تمكنهم من الصدق فى نقد الذات، لأننا لا نستطيع أن نطمئن إلى مستقبل ينبنى على قاعدة عريضة من الأكاذيب والأغاليط والمكائد.

......................

كلهم دواعش

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 26 ذوالحجة 1437 - 28 سبتمبر 2016
كلهم دواعش - فهمي هويدي

في الأخبار أن الطيران الروسي اختبر في شرق حلب أسلحة فتاكة جديدة، بينها قنابل ارتجاجية وفراغية.

ونقلت وكالات الأنباء مشاهد مروعة من المدينة. صورت بركا من الدماء وجثثا مشوهة ومستشفيات تغص بالجرحى في الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة، بعدما أمطرتها الطائرات السورية والروسية بوابل من القنابل والصواريخ.

 الفقرة السابقة مقتبسة من تقرير نشرته صحيفة «الحياة» اللندنية يوم الأحد ٢٥ سبتمبر الحالي، ذكر أن السوريين في حلب يتعرضون للإبادة.
كما تضمن وصفا للجحيم الذي شاهده مراسل الوكالة الفرنسية في أحد مستشفيات الجزء الشرقي للمدينة، ممثلا في الجرحى من الكبار والأطفال الممددين على الأرض وهم غارقون في دمائهم. وأغلبهم يلفظون أنفاسهم أمام الأطباء الذين أصبحوا عاجزين عن إسعافهم بسبب كثافة عدد الضحايا وخطورة الإصابات، أمام شح الإمكانات وقلة الأطباء.

إذا حذفت اسم حلب ووضعت مكانها كلمة تعز في اليمن، فإن المشهد المروع يظل واحدا، رغم اختلاف نوعية السلاح المستخدم وأسماء القتلى.
 الوحشية والبشاعة واحدة، وأنين الضحايا يظل واحدا، وبرك الدماء في شرق حلب لا تختلف عنها في «المخا» أشهر مدن محافظة تعز.

المذهل في الأمر أن ذلك يحدث ويستمر شهورا دون أن يحرك ساكن في العالم العربي، فلا قمة تنعقد ولا قاعدة تنتفض، كأن الذي يجري يقع في كوكب آخر لا علاقة لنا به.

 ليس ذلك فحسب، وإنما يتحدث سياسيون عن الدفاع المشترك والقوة العربية الموحدة ويتنافسون في الدعوة من على المنابر الدولية عن الحلول السلمية وضرورتها. وعن الإرهاب وسنينه.

كما نقرأ عن رباعية عربية مشغولة بإحياء مبادرة السلام مع إسرائيل وبالالتفاف على التطبيع معها وبخلافة محمد دحلان للرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس.

الدم الذي يراق ليس مقصورا على سوريا واليمن، ولكن الحاصل في البلدين جزء من ظاهرة لها تجلياتها في أكثر من قطر عربي، ترفع شعار استباحة الآخر وإبادته.

ومن المفارقات أن الذهن العام متجه إلى إدانة سلوك الجماعات الإرهابية وحدها. وفظائعها تستحق الإدانة حقا بأقسى العبارات، إلا أن الإرهاب الذي تمارسه الأنظمة مسكوت عنه. في حين أنه يستحق الاستهجان والإدانة ذاتها.

منذ ظهرت جماعة «داعش» في الفضاء العربي، وارتكبت الفظائع والبشاعات التي أفزعتنا واقشعرت لها أبداننا، فإن جرائمها طغت على غيرها بعدما خطفت الأبصار وروعت الجميع، وأثارت أعلى درجات الاشئمزاز والنفور.

وذلك رد فعل طبيعي ومفهوم، يشكل حدا أدنى من الاستهجان الذي هي جديرة به. أسهمت في كل ذلك لا ريب الأساليب الوحشية التي اتبعتها في ارتكاب جرائمها، حين عممت صور القتل والذبح وقهر الآخر وإذلاله.

وفي غمرة انفعالنا بممارساتها واستنكارنا لما اتسمت به من همجية مقززة. فإننا لم ننتبه إلى أن غيرها يستخدم نفس الأساليب دون إعلان وتحت عناوين أخرى كاذبة ومضللة.

وفي بعض الأحيان تحاط تلك الممارسات بدرجات متفاوتة من الترحيب والتهليل. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن جميعهم «دواعش»، بعضهم يظهر وراء أقنعة سوداء في أشرطة تليفزيونية معلنة، والبعض الآخر يظهرون ببدلات أنيقة وبوجوه مبتسمة تتصدر المحافل وتعتلي المنصات.

لست أرى فرقا بين إحراق داعش للطيار الأردني معاذ الكساسبة وبين قتل ٣٧ شخصا في سيارة ترحيلات أو إحراق المستوطنين لمنزل عائلة الدوابشة في قرية دوما جنوبي نابلس.

ولست أرى فرقا بين قهر وإذلال الدواعش للمعتقلين الأيزيديين أو غيرهم،
 وبين ممارسات الحشد الشعبي في العراق،
 وبين التعذيب والانتهاكات اليومية التي تحدث في السجون العربية العلنية منها والسرية.

 إن داعش لم تعد مجموعة إرهابية ترتكب جرائمها بحق مخالفيها، ولكنها صارت نهجا لمدرسة لها أفرعها النشطة في العديد من عواصم العرب، وأخبار الطرفين متاحة للجميع.
الألوف من أخبارهم تنشرها صحفنا السيارة،
 أما الآخرون فأخبارهم تحفل بها تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، وهي أوفر على مواقع التواصل الاجتماعي.

.............

27 سبتمبر، 2016

ما وراء الإخفاق في تحقيق الرفاه والوفاق – المقال الأسبوعي

صحيفة الشرق القطريه الثلاثاء 25 ذوالحجة 1437 – 27 سبتمبر 2016
ما وراء الإخفاق في تحقيق الرفاه والوفاق – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

إخفاقنا في تحقيق أحلام الرفاه والوفاق يفتح ملف الوهن الذي أصابنا جراء الرياح المسمومة التي هبت على الأمة بعدما لاحت بوادر ربيعها.

(1)

صورة الناجين من كارثة السفينة المصرية الغارقة حافلة بالدلالات والإشارات، غرقت السفينة التي حملت أكثر من ٤٥٠ شخصا قبالة مدينة رشيد على الساحل المصري في حين كانت حلب تحترق، وتعز تذبح، وليبيا تنتحر، وكأن عالمنا العربي المجنون في سباق على الموت.

اختلفت الأسباب والأقطار وظل الموت واحدا، فتساوى الذين قتلهم الصراع السياسي مع الذين قتلهم الهرب من الفقر والقهر،

لكن الصورة المصرية أفصحت عن بعض التفاصيل المميزة، فالأغلبية الساحقة من الشباب دون العشرين، الذين أداروا ظهورهم لنا وقرروا المغامرة والرحيل في «عام الشباب»، لم يصدقوا ما قيل ولم يجدوا أملا يغريهم بالبقاء،
 ثم إنهم جميعا كانوا من الفقراء الذين استدانوا وحرروا إيصالات «الأمانة» بعدما باع أهلوهم ما يملكون لتدبير نفقات المغامرة،

عشرات قدموا من مختلف المحافظات من الغربية والدقهلية والبحيرة وأسيوط والفيوم.. إلخ.
 كأننا بصدد «منتخب» يمثل شباب مصر، وراء كل واحد منهم قصة مكررة، ظل اليأس والفقر قاسما مشتركا بينها،
 أغلبهم خاض المغامرة للمرة الأولى، ومنهم من عاودها، إذ فشلوا في مرات سابقة ثم عادوا أو أعيدوا إلى مصر،
إلا أن واقع الفقر ظل أقوى من أن يحتمل، كانوا يعرفون الكثير عن حجم المغامرة ومآلاتها،

 لكنهم أدركوا أن كل تلك المآلات من السجن أو التشرد والموت أهون من الواقع الذي صاروا إليه، فلا احتملوا عذاب البقاء ولا وجدوا أفقا يمنحهم أملا في المستقبل.

(2)

يحتمل المشهد كلاما كثيرا، بدءا من بيان المتحدث العسكري عن الكيفية التي تم بها «إحباط» محاولة الهجرة وملابسات التأخر في إنقاذ الركاب وتركهم سبع ساعات يصارعون الموت، والحزن الذي خيم على الفضاء المصري
ولم يجد سوى حزب «الوسط» الذي أعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام (حين مات حفيد مبارك أعلن الحداد في مصر مدة أسبوع)،
 ثم في الإجراءات التنفيذية التي اتخذت لرعاية الناجين وحصر الغرقى والحد من الهجرة ومعاقبة السماسرة الذين يتاجرون فيها.

وعلى أهمية ما سبق فإن أكثر ما أثار انتباهي كان زيادة أعداد الشبان المهاجرين،
(قوانين الاتحاد الأوروبي لا تسمح بإعادة من هم دون الثامنة عشرة إلى بلدانهم)،

 ثم تلك الإحصائية التي نشرتها جريدة الأهرام (في ٢٣/٩) وذكرت أن ٧١٪ من الشباب المصري يحاولون الهجرة غير الشرعية، ونسبتها إلى الدكتورة سميحة نصر من خبراء المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

الملاحظ أنه إلى جانب النسبة العالية من الشبان المهاجرين كان بين ركاب السفينة رجال اصطحبوا زوجاتهم وأطفالهم معهم،
 لم يكن هؤلاء فقراء فقط ولكنهم كانوا يائسين أيضا، فقدوا الثقة في الحاضر والمستقبل،

وتلك ظاهرة جديرة بالرصد في الواقع المصري الراهن،
 ذلك أنه إلى جانب الكلام الكبير الذي يطلقه المسؤولون عن المشروعات العملاقة والمستقبل المشرق الذي يلوح في الأفق البعيد،
فإن الرسائل التي تلقاها المجتمع خصوصا هذه الأيام حملت إليهم بشارات مناقضة تماما، في الأسعار التي أصابها الجنون وفواتير الكهرباء والماء التي صدمت الجميع وقصمت ظهورهم،

ذلك إلى جانب الفجوة الحاصلة بين الدخول التي تزداد اتساعا كل حين بين فئات غارقة في البذخ وأغلبية ساحقة غارقة في أوحال الفقر،

وإذا أضفت إلى ذلك معدلات البطالة التي تتزايد مع استمرار توقف عجلة الإنتاج وموت السياحة التي كان يعيش عليها ثلاثة ملايين شخص، فإننا نجد ألف سبب وسبب لهيمنة اليأس والقنوط وحث الناس على الهروب من سفينة الوطن التي باتت مهددة بالغرق.

لقد كان مهما لا ريب أن تتم مكافحة الهجرة وأن تتخذ التدابير التي تضيق الخناق على الضالعين فيها،
إلا أن السؤال الأهم الذي لم ينل حقه من التمحيص والدراسة هو:

 لماذا تحولت مصر إلى بلد طارد لشبابه الذين باتوا يفضلون التعرض للغرق والموت على البقاء على أرضه؟
ولماذا ازدادت معدلات الهجرة بعد الثورة،
وإلى أي مدى أسهمت التطورات اللاحقة في إشاعة القنوط بين الشباب ودفعهم إلى محاولة الهجرة بأي ثمن؟

(3)

إذا وسعنا الدائرة وذهبنا إلى أبعد في التحليل والرصد، فسنجد أن السنوات التي أعقبت ثورة ٢٠١١ بما شهدته من تفاعلات وتجاذبات وتحولات أخفقت في تحقيق الإنجاز المنشود في أمرين،

أوله حلم الرفاه وثانيه ما أمل الوفاق.
والأول عنوان للواقع الاقتصادي والثاني عنوان للواقع السياسي،

 الأول أسهم في دفع الشباب إلى الهجرة إلى الخارج
والثاني حول المجتمع إلى جزر منفصلة، متنازعة ومتحاربة، ومن ثم تنافست في المرارة والإحباط سلبيات الواقع الاقتصادي مع سلبيات الواقع السياسي.

مصر التي نعرفها والتي تمنيناها تغيرت، فقد تراجع فيها التسامح والود، وانقسمت بين أشرار وأخيار حينا وبين محظوظين ومنبوذين حينا آخر،
وبين مواطنين مميزين من الدرجة الأولى لهم حظهم في السلطة والثروة وآخرين من الدرجة الثانية يستقبلون ويرسلون ويفوضون وهم في البيوت قاعدون،

 ما عاد صدر مصر متسعا لا لأبنائها ولا لجيرانها وأشقائها،
وفي حين كانت واحة وملاذا للهاربين من قهر الاستبداد والظلم السياسي والاجتماعي، فإنها أصبحت بالكاد معبرا للهاربين من قهر الفقر ومذلته.

ظلت مصر شقيقة بأمر الجغرافيا والتاريخ، لكنها لم تعد الشقيقة الكبرى، حتى قرأنا في تحليلات عدة أن قيادة الأمة العربية انعقدت لدول أخرى في المشرق،
وذهب آخرون إلى أن القرار العربي انتقل من دول الماء إلى دول النفط،

وسواء لأن الآخرين كبروا ــ ولهم الحق في ذلك ــ
 أو لأن مصر انكفأت على ذاتها وانشغلت بصراعاتها الداخلية،
 فالشاهد أن الفضاء العربي عانى فراغا مؤرقا، فتح الأبواب واسعة للعبث بمقدرات الأمة وقضاياها، كما فتح الباب لصراعات المصالح والمطامع والطوائف.

حين تراجعت موجات رياح الربيع العربي التي أنعشت الطموحات والأحلام، فإن الرياح المعاكسة وزعت المرارات وأيقظت بذور الفتنة وأنعشت الكوابيس، فتراجعت حظوظ الأمة في مدارج التاريخ وتحولت من بؤرة إشعاع ومحط للأمل إلى مصدر لشقاء العالم المحيط.

وبعدما كان تحرير الأمة هدفا وفلسطين قضية مركزية وإسرائيل عدوا إستراتيجيا، فإن كل ذلك المعمار انهار.
 إذ صار أمن الأنظمة بديلا عن تحرير الأمة، وغدت القضية المركزية ساحة للمزايدة والعبث، وأصبحت إيران عدوا وإسرائيل إما صديقا وإما حليفا.
 بل وأصبحت الجيوش العربية تحارب على جبهات الداخل بأكثر مما تحارب أعداء الخارج.

حين ضعف القلب وأصابه الوهن ضعفت الأمة واستسلمت للقنوط فضلا عن الاكتئاب، وحين حل بها الضعف تنامت في مفاصلها عناصر التحلل، واستخرج الجسم أسوأ ما فيه.

(4)

وقعت على مقالة نشرتها صحيفة واشنطن بوست (في ١٩/٩/٢٠١٦) عن اللوثة التي أصابت الولايات المتحدة جراء الخطاب الذي تبناه المرشح الرئاسي دونالد ترامب،

 المقالة كتبها سيباسيان مالابي الباحث بمجلس العلاقات الخارجية، وسلط فيها الضوء على مظاهر الفتنة التي أشاعها خطاب ترامب. حين استدعت في الأمريكيين أسوأ ما فيهم.
فروجت لخطاب سام أفسد المزاج الوطني بدعوته إلى كراهية مواطنيهم وانتقاصه من الأمة الأمريكية وسخريته من التزاماتها الدولية وعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي،

وهو بلغته تلك أفقد الأمريكيين تفاؤلهم المميز وشوه من قدرتهم على التعايش في ظل المشكلات التي تواجه الواقع، حين صور تلك المشكلات بحسبانها عقبات تحول دون تقدم الأمة الأمريكية،

وفي ختام انتقاده للخطاب المسموم الذي تبناه ترامب طرح الكاتب على الأمريكيين السؤال التالي:
إذا لم تتمكنوا من علاج المشكلات العديدة التي تعاني منها البلاد، فهل تستطيعون على الأقل إعادة اكتشاف موهبتهم القديمة في التعايش معا تعايشا بهيجا.

لا أخفي أنني حين قرأت المقال مرة واثنتين استحضرت واقعا،
إذ وجدت التحليل مهما والسؤال وجيها، ذلك أننا لا نستطيع أن ننكر أن الرياح المسمومة التي هبت على مصر والعالم العربي أحدثت فيه ما أحدثته من تشوهات واستدعت ما نعرف من المرارات والفتن.

 الأمر الذي يسوغ لي أن أعيد صياغة السؤال الذي طرحه الكاتب في مقال واشنطن بوست بحيث يصبح كالتالي:
كيف يمكن أن نتعامل مع مشكلاتنا بصورة تعيد إلى واقعنا زمن التعايش البهيج الذي عرفناه حين كنا أمة واحدة، يراودها حلم التحرير والنهضة؟

ردي على السؤال أن ذلك ممكن لا ريب، في حالة واحدة تتمثل في إدراكنا حقيقة أن مصر هي المشكلة وهي الحل.

....................

26 سبتمبر، 2016

الحذر المضاعف مطلوب

صحيفة السبيل الاردنيه الاثنين 24 ذوالحجه 1437 – 26 سبتمبر 2016
الحذر المضاعف مطلوب - فهمي هويدي

زيارة السفير الإسرائيلي في مصر للكنيسة المرقسية بالإسكندرية خبر مؤسف ومقلق،
كما أن التبريرات التي قيلت للزيارة بعضها مرتبك وغير مقنع وبعضها صادم ومزعج.

أستند فيما أدعيه إلى النص الذي أبرزته صحيفة «الشروق» على صفحتها الأولى يوم السبت ٢٤/٩، الذي لم أجد تصويبا له أو تكذيبا خلال الثماني والأربعين ساعة التالية.

 الخبر المنشور نسب إلى مصدر كنسي ما يلي:
 إن لقاء السفير الإسرائيلي مع ممثلي الطائفة الأرثوذكسية تم بناء على طلب من السفير المذكور وليس بترتيب من الكنيسة
 ــ إنها كانت زيارة «مفاجئة» ولم تستغرق أكثر من نصف ساعة
 ــ إن السفارة تقدمت بعدة طلبات سابقة لمقابلة الطوائف المسيحية في الإسكندرية، إلا أنها جميعا قوبلت بالرفض الذي تم في السابق «لأن موقف الكنيسة الوطني كان واضحا في هذا الشأن».

هل يمكن أن نصدق حقا أن الزيارة كانت مفاجئة؟
 مبلغ علمي أن السفراء لا يقومون بزيارات مفاجئة للجهات التي يقصدونها،
ولكن الأمر لابد أن يرتب بإخطار مسبق، سواء للقاء المسؤولين في تلك الجهة، أم للجهات الأمنية التي لها دورها البديهي في هذه الحالة،
 خصوصا مع السفير الإسرائيلي الذي يحتاج إلى تأمين من نوع خاص.

لا يخفف من وقع التصرف أن يكون الرجل قضى نصف ساعة فقط مع المسؤولين في الكنيسة أو قضى أكثر من ذلك، لأن التحفظ ليس على مدة الزيارة ولكن على مبدأ القيام بها باعتبارها شكلا من أشكال التطبيع الذي يستفز الرأي العام ويسوغ استنكاره.
 ناهيك عن أنه ليس مفهوما أن يقال إن الزيارة كانت مفاجئة وإنها كانت بطلب من السفير وليس بترتيب من الكنيسة.

يقترن الاستياء بالحيرة حين نلاحظ ما ذكر في الخبر عن أن السفير الإسرائيلي سبق له أن طلب زيارة الكنيسة ولكن ذلك الطلب رفض عدة مرات.

 تضاف إلى الحيرة الدهشة وخيبة الأمل حين يفسر الرفض السابق لطلبات الزيارة بأنه راجع إلى أن الموقف الوطني للكنيسة كان واضحا آنذاك.
وهو ما نستدل منه على أن الرفض كانت له أسبابه الوطنية،
ونفهم منه أن الأمر لم يعد بذات الدرجة من الوضوح الآن.

وإذا جاز لي أن أعيد صياغة الكلام بصورة أكثر دقة فقد أقول إن الكنيسة كانت تتعامل بحذر مع الموضوع الإسرائيلي في السابق.
خصوصا أن نظام مبارك كان مع التطبيع الحذر،
لكنها تخلت عن ذلك الحذر في الوقت الراهن، باعتبار أن العلاقات بين القاهرة وتل أبيب أصبحت أكثر دفئا.

وأن الكلام عن السلام البارد الذي ظل عنوانا للعلاقة في السابق، جرى التراجع عنه في الوقت الراهن، بحيث أصبح الكلام أكثر إفصاحا وجرأة حتى صرنا نقرأ تصريحات تصف العلاقة مع إسرائيل بأنها من قبيل السلام الدافئ وليس البارد.
وهي صياغة قلبت الآية، بحيث صار السلام باردا مع الفلسطينيين وقطاع غزة بوجه أخص، ودافئا مع الإسرائيليين.

لا نستطيع أن نتجاهل في هذا الصدد أن الزيارة التي قام بها البابا تواضروس بطريرك الكرازة المرقسية على رأس وفد كنسي للقدس في شهر نوفمبر من العام الماضي (٢٠١٥) ــ وهي الأولى من نوعها منذ ٥٣ عاما ــ كانت خطوة لها دلالتها على درب العلاقات «الدافئة» المشار إليها مع إسرائيل.

ومعروف أن المجمع المقدس كان قد أصدر في شهر مارس عام ١٩٨٠ منع سفر المسيحيين للحج في الأراضي المقدسة عقب اتفاقية كامب ديفيد.

هذه الخلفية تنسجم مع التحليل الذي أورده بيان بعض المثقفين الأقباط الذي انتقد رعاية الكنيسة للمظاهرات التي رتبت لاستقبال الرئيس السيسي أثناء زيارته الأمم المتحدة، حين ذكر أن القيادة الكنسية الراهنة أصبحت منذ الثالث من يوليو عام ٢٠١٣ لاعبا سياسيا حريصا على الاندماج مع النظام القائم بأكثر من حرصه على التفاعل مع الحراك المجتمعي والمسار الديمقراطي.

إن حرصنا على نقاء صفحة الدور الوطني للكنيسة المصرية يدفعنا إلى التضامن مع الدعوة إلى تصويب الدور الذي تقوم به،
 فلا نطالبها بأن تمضي على درب «لاهوت التحرير» في أمريكا اللاتينية
 أو أن تحذو حذو الكنيسة في الأرض المحتلة،
ولكننا نتمني لها أن تحافظ على موقعها كقيادة روحية تتعامل بحذر مع الشأن السياسي بحيث يظل تفاعلها مع الرأي العام للمجتمع المصري مقدما على حسابات النظام في المرحلة الراهنة.
وهو حذر ينبغي أن يتضاعف حين يتعلق الأمر بالشأن الإسرائيلي.

ذلك أن أي مطلع على التفكير السياسي في إسرائيل يعرف أن محاولتها اختراق المجتمعات العربية وكسرها للحصار العربي لها كان يعول كثيرا على التواصل مع الأقليات الدينية والعرقية،
وهي خلفية تلقي ظلالا من الشك على براءة هدف السفير الإسرائيلي من زيارة كنيسة الإسكندرية.

...................

24 سبتمبر، 2016

الشبح

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 23 ذوالحجه 1437 25 سبتمبر 2016
الشبح – فهمي هويدي

أصبح استهجان مواكب التهليل التى يتم إيفادها مع بعض رحلات الرئيس السيسى الخارجية من الموضوعات القليلة التى ينعقد من حولها إجماع النخبة المصرية.
دعك من انطباعات الأجانب التى يهمسون بها فى القاهرة وتتراوح بين التندر والدهشة.

وفى حدود ما نشرته وسائل الإعلام المصرية فإننى لم أجد أحدا يدافع عن «الزفة» التى شهدتها نيويورك خلال الأسبوع الماضى، وإنما اعتبرها البعض إساءة إلى الرئيس ونظامه.

وذهب آخرون إلى أنها إساءة إلى مصر ذاتها، وقرينة دالة على أنها شبه دولة كما قيل وليست دولة محترمة لها حضارة وتقاليد وتاريخ.

 أما تعليقات المغردين التى حفلت بها وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعى فقد عبرت بصياغات شتى عن مشاعر الغيرة والغضب، والحسرة على ما انتهى إليه حال «أم الدنيا».

ما يثير الانتباه فى هذا الصدد أن تلك لم تكن المرة الأولى التى تنظم فيها «الزفة»،
 ولا كانت المرة الأولى التى تقابل فيها بالاستهجان والاستنكار من جانب النخب والطبقة السياسية المصرية.

 ذلك أنها المرة الثالثة أو الرابعة التى تفضحنا فيها مواكب التهليل أمام المجتمعات الغربية،
وإن برز فيها خلال ما سمى بغزوة نيويورك الأخيرة دور بارز للكنائس التى تخلت عن وقارها التقليدى وحشدت الحشود والحافلات لكى تأخذ مكانها فى مقدمة الزفة.

تكرار المظاهرة وتكرار استهجانها يعنى أن الجهة التى تدير العملية صمت آذانها ولم تبال بكل ما قيل فى مصر أو خارجها. فقررت أن تتوقف عن الاستقبال وان تصر على مواصلة الإرسال.
وهى مقتنعة بأن ما تفعله هو الصواب، الذى لا يقبل المراجعة فضلا عن أنه فوق المساءلة.

 ولا يقولن أحد إن المظاهرة تتم بغير ترتيب، وإنها تعبير عفوى عن مشاعر التضامن والمحبة والموالاة،
 فذلك مما لا يصح أن يقال لنا فى الداخل، وإن جاز أن يرد به على انتقادات الأجانب،
ذلك أننا نعرف جيدا أن الأمور عندنا تدار بأسلوب لاعب الشطرنج، الذى يحرك كل قطعة، وليس لاعب الطاولة الذى يلقى بالحجر وهو وحظه بعد ذلك.

بكلام آخر فهذا الذى يحدث تديره جهة «شبح» غير معلومة وغير مرئية تطلق الإشارات وتصدر التعليمات من مكمنها وراء الأستار،
بحيث لا يرى الأشخاص ولكننا لا نرى سوى التحركات والأصداء.

هذا الشبح غير المرئى أتى على ذكره المستشار هشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات السابق فى حديث له، وكذلك الناشط الحقوقى مالك عدلى فى حوار تليفزيونى جرى بثه خارج مصر،
 إذ حين صدر الحكم بحبس المستشار جنينة فإن ضباط الشرطة فى القسم الذى أحيل إليه تخيروا له حجرة مناسبة لكى يقضى فيها ليلته (كانت مكيفة الهواء)،
 لكنه أوقظ فى منتصف الليل لأن تعليمات «الشبح» قضت بنقله إلى غرفة أخرى غير مكيفة ينام فيها على البلاط.

ومالك عدلى قال نفس الشىء، إذ قرر أن سجانيه أحسنوا معاملته لكن تعليمات «الشبح» التى هى فوق اللوائح والقوانين كانت تدعو إلى التنكيل به فى محبسه فى الانفرادى.

وسمعت قصصا مماثلة من بعض الذين منعوا من السفر، إذ تبينوا أنه لا توجد أوراق تبرر ذلك، لكنها التعليمات العليا التى يصدرها «الشبح» عبر الهاتف بحيث لا يملك أهل الاختصاص سوى الامتثال لها وتنفيذها.

اجتماع هذه القرائن يعنى أن الحديث عن «الشفافية» يصبح نوعا من الترف والتزيُّد الذى لا نستطيع أن نحلم به، لأننا ما عدنا نتطلع لأكثر من احترام الرأى العام وتطبيق القوانين واللوائح بعيوبها، لأن ترك المصائر «للشبح» يوردنا موارد التهلكة، من حيث إنه يسلمنا إلى الهوى بنزواته وجموحه.
 إن دولة الشبح هى دولة الخوف واللاقانون بامتياز.

...................

Delete this element to display blogger navbar