Subscribe:

Ads 468x60px

27 يونيو، 2016

الدولة ضد الأمة

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 22 رمضان 1437- 27 يونيو 2016
الدولة ضد الأمة - فهمي هويدي

من مفارقات زماننا وعجائبه أن استعدادنا للتواصل والتفاهم مع الأعداء صار أفضل منه مع الأشقاء.
كان ذلك تعليقي علي ما قرأت ما نشر بخصوص الإعلان الذي تم عن اتفاق الأتراك والإسرائيليين علي تطبيع العلاقات بينهما بعد قطيعة استمرت ست سنوات.

صحيفة «حريت» المعارضة التركية هي التي نشرت الخبر في عدد الثلاثاء ٢٦/ ٦، وذكرت أن مؤتمرا صحفيا سيعقد في أنقرة يوم الأحد (اليوم) لإعلان التوصل إلي اتفاق البلدين علي إنهاء الأزمة بينهما ومن ثم طي صفحتها والتطلع إلي صفحة جديدة للتعاون المشترك.

شعرت بالغيظ حين وقعت على الخبر، وتلبستني الغيرة. حين قرأت أن تخفيف الحصار علي قطاع غزة هو الذي أخر الاتفاق، ومد أجله لستة أشهر.

ذلك أن المشكلة بدأت باعتداء إسرائيلي علي سفينة الإغاثة «مافي مرمرة»، التي حاولت في عام ٢٠١٠ كسر الحصار علي القطاع. وكان عليها عدد من النشطاء،
 إلا أن إسرائيل تعرضت لها في عرض البحر وهاجمت ركابها، الذين قتل منهم عشرة بينهم تسعة من الأتراك.
وهو ما أجج الخلاف بين البلدين وأحدث قطيعة استمرت منذ ذلك الحين.

وأعلنت أنقرة آنذاك أنها لن تعيد العلاقات مع إسرائيل إلا إذا استجابت لثلاثة شروط.
 أولها الاعتذار عما بدر منها.
ثانيها دفع تعويضات مناسبة لأسر الضحايا.
أما الشرط الثالث فتمثل في رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة.

وسواء تم ذلك بتدخل أمريكي أو بمبادرة إسرائيلية، فقد قدمت تل أبيب اعتذارها رسميا إلى أنقرة في عام ٢٠١٣ ثم دخلت في مفاوضات مطولة بخصوص موضوع تعويض أسر الضحايا، انتهت بالاتفاق على مبالغ التعويض مقابل سحب القضايا المرفوعة من الأتراك ضد الضباط والمسئولين الإسرائيليين أمام المحاكم التركية والدولية.

 أما ما تعلق بالموقف من حصار قطاع غزة فقد كان الملف الأكثر حساسية وتعقيدا الذي أجريت بشأنه مفاوضات مضنية واتصالات عديدة طوال السنوات الثلاث اللاحقة.

 ولأن الحصار أسهمت فيه إجراءات إسرائيلية وحسابات إقليمية فإن سقف المفاوضات لم يحتمل كسر الحصار بمعني رفعه تماما بما في ذلك إطلاق حرية الحركة التي تشمل معبر رفح.
 فقد تبين أن المفاوضات يمكن أن تحقق تقدمها على صعيد تخفيف الحصار وليس كسره أو رفعه تماما،
 خصوصا أن الأطراف الإقليمية العربية لم تكن بعيدة عن مناقشة حدود التخفيف الممكنة.

 ومن التقرير الذي نشرته الصحيفة التركية فإن الاتفاق في ذلك الجانب شمل النقاط التالية:
وافقت إسرائيل علي إنهاء إجراءات بناء مستشفي لخدمة الغزيين.
وأقرت بعدم وضع أيه عراقيل أمام وصول الأدوية والأجهزة والموظفين الأتراك العاملين في المشروع
وستتعاون ألمانيا مع تركيا في بناء محطة لإنتاج الكهرباء وحل مشكلة النقص الفادح في الطاقة الكهربائية بالقطاع
 ــ ستقوم تركيا ببناء محطة لتحلية المياه في غزة
 ــ وستمر جميع المساعدات دون أيه عراقيل عبر ميناء أشدود إلي القطاع.

قبل أن أسترسل ألفت الانتباه إلي أنني لست في وارد الحفاوة بأي تطبيع مع إسرائيل
وأعتبر أن مقاطعة نظامها الفاشي والاستيطاني هي الأصل
وإذا كانت تركيا قد تورطت في تلك العلاقة منذ عام 1949، حيث كانت ثاني دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بالكيان الصهيوني (إيران اعترفت بها عام 1948 وكانت الأولي)،

فإنني أزعم بأن العلاقة مع إسرائيل أصبحت «عاهة سياسية» اصيبت بها تركيا وينبغي أن تتخلص منها يوما ما.
وإزاء اللامعقول السياسي الحاصل في العالم العربي الذي انقلبت في ظله المعايير،
فإن التطبيع الذي يفيد قطاع غزة يظل أقل سوءا من التطبيع الذي يشدد الخناق عليه.
 وقبولنا المؤقت بهذا الوضع في الحالة التركية يعد من قبيل تفضيل العور علي العمي.

الاتفاق والتطبيع الذي أعلن يستدعي المفارقة التي أشرت إليها في السطر الأول، ويعبر عنها السؤال التالي:
لماذا تكلل التفاهم بين أنقرة وتل أبيب بالاتفاق، في حين استمرت القطيعة السياسية بين القاهرة وبين كل من أنقرة وطهران؟

 أدري أن هناك خلافا في السياسات، لكننا فشلنا في إدارة الخلاف وسمحنا له أن يتحول إلى قطيعة.
يتحمل كل طرف قسطا من المسئولية عنها.
 هل لأننا نستقوي على أشقائنا؟
 أم لأن حساسيتنا أشد إزاءهم بحكم العَشَم والوشائج المفترضة؟
 أم أن موقفنا متأثر بضغوط خارجية لنا مصلحة في التجاوب معها؟
أم أن حساباتنا شخصية مع الأشقاء وموضوعية مع الأعداء؟

 تعدد الأسئلة المثارة يعني أن الظاهرة تحتاج إلي مناقشة أوسع تفسِير وتصوب المسار وتعالج الخلل الذي يعتريه.
 وإلى أن يتحقق ذلك فإن استمرار المفارقة يظلل شهادة تدين العقل السياسي وتعلن فشل رؤيته الاستراتيجية، بدليل عجزه عن الحفاظ علي التواصل المفترض مع الأشقاء الذي نسجته الوشائج علي مدي التاريخ،
الأمر الذي يضعنا أمام خسارة مضاعفة.

ذلك أنا نضعف صفوفنا حين نخاصم الأشقاء ونقيم الجدران التي تفصلنا عنهم.

في الوقت ذاته نقوي صف الأعدء حين نمد جسور الوصل والتحالف معهم، بحيث تصبح الدولة ضد الأمة.

.......................

26 يونيو، 2016

خياران أمام قضية الساعة

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 21 رمضان 1437 26 يونيو 2016
خياران أمام قضية الساعة - فهمي هويدي

أغلب الظن أن كثيرين في مصر على الأقل يحبسون أنفاسهم اليوم بانتظار مصير الطعن الذي قدمته الحكومة ضد قرار المحكمة الإدارية بإبطال اتفاقية الجزيرتين تيران وصنافير.

وهم محقون في ذلك لا ريب. نظرا لدقة الموضوع وحساسيته، على الصعيدين المحلى والإقليمي.

ورغم أن الحكم التاريخي الذي أصدره المستشار يحيى الدكروري أنعش الأحلام وأخرج الأغلبية من وهدة الإحباط واليأس،
 إلا أن الأمر لم يخل من قلق ساور البعض إزاء بعض القرائن التي لاحت في الفضاء المصري خلال الأيام الماضية.

ذلك أن كثيرين لم يستريحوا إلى الزيارة التي قام بها مساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية إلى مجلس الدولة بعد صدور الحكم، واجتماعه مع رئيس المجلس وأمينه العام وبقائه في المجلس حتى الساعة الرابعة عصرا.

وهى التي أثارت علامة استفهام كبرى ظلت بلا إجابة، ومن ثم فتحت الأبواب للتأويل وإساءة الظن.

 لاحظ المتابعون أيضا أن المحكمة أصدرت حكمها يوم الاثنين ٢٠ يونيو.
وبعدما طعنت الحكومة عليه في اليوم التالي أعلن أن الطعن سيبحث في جلسة الأحد ٢٦ يونيو.
وهى فترة قياسية في قصرها.
إذ المعتاد أن يستغرق الأمر شهرين أو ثلاثة،
 بل إن أحد الخبراء القانونيين أشار إلى قضية تنتظر تحديد جلسة للمحكمة العليا منذ أربع سنوات.
واعتبر الاستعجال في الحالة التي نحن بصددها قرينة أخرى رفعت منسوب القلق وفتحت بابا آخر للتأويل وإساءة الظن.

يلاحظ في هذا الصدد أن استفتاء البريطانيين على علاقة بلادهم بالاتحاد الأوروبي أحيا لدى البعض فكرة حل الإشكال الحاصل بإجراء استفتاء مماثل يسمع فيه رأى المجتمع،
وهو ما دعا إليه وعبر عنه النائب محمد أنور السادات رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان حين أصدر بيانا تساءل فيه:
هل نتعلم وتكون إرادة الشعب هي الفيصل للحكم.. أم سنظل نمضى كما نحن الآن، الشعب في واد والدولة في واد آخر؟
مضيفا أن النموذج الذي قدمه البريطانيون جدير بالاحترام والاحتذاء،
 ذلك أنه في الدولة الديمقراطية الحقيقية ينبغي أن تكون الكلمة في القرارات المصيرية للشعب فقط (المصري اليوم ٢٥/٦).
وهو كلام مهم ومفيد سبق طرحه، لكن الأمور في مصر مضت في اتجاه آخر أوصل القضية إلى المحكمة الإدارية العليا التي يفترض أن تبحث طعن الحكومة اليوم.

 لذلك فمن الواضح أن الموضوع سيحسم قضائيا وسياسيا،
 الأمر الذي يستدعى السؤال التالي:
ما هي الخيارات المتاحة أمام الإدارية العليا اليوم؟

سألت من أعرف من خبراء القضاء الإداري فكان الرد كالتالي.

<
يفترض أن يبحث الطعن أمام دائرة فحص الطعون المكونة من ثلاثة مستشارين، وليس للدائرة أن تفصل في الموضوع، وغاية ما تملكه أن تحدد مصير الطعن.

<
المصير في هذه الحالة يتراوح بين ثلاثة خيارات.

الأول أن ترفض الدائرة طعن الحكومة، وبذلك يصبح قرار محكمة القضاء الإداري باتا ونهائيا.

الثاني أن توقف الدائرة تنفيذ الحكم مؤقتا إذا كانت له نتائج حالة يتعذر تداركها على أن تفصل المحكمة العليا في الموضوع لاحقا.

 الخيار الثالث أن تحيل الدائرة الحكم إلى المحكمة العليا دون أن توقف تنفيذه.

لا يستطيع أحد أن يتنبأ بما يمكن أن تنتهي إليه دائرة فحص الطعون اليوم.
فالأمر متروك للقضاة الذين أرجو أن يكونوا قد تمكنوا من دراسة الموضوع خلال الأيام القليلة الماضية.

مع ذلك فثمة اعتبار قد يكون له أثره في تضييق الخيارات يتعلق بموعد إحالة رئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس الدولة إلى المعاش، الذي يحل هذا الأسبوع.

ذلك أن المستشار الدكتور جمال ندا الذي تجاوز السبعين كان قد بلغ السن القانونية في العام الماضي،
وطبقا للقواعد المتبعة فقد كان عليه أن يكمل السنة القضائية التي تنتهي في أول يوليو الحالي.

ولأن ذلك التاريخ يوافق يوم جمعة فيفترض أن يخلى مكتبه ويسلمه لخلفه الذي تم تعيينه يوم الخميس ٣٠ يونيو، أي بعد أربعة أيام من صدور قرار دائرة فحص الطعون بشأن القضية المثارة.

ولأن المحكمة العليا التي يرأسها المستشار جمال ندا لن تستطيع دراسة ملف القضية الكبيرة خلال أربعة أيام، ولأن الأمر لا يحتمل انتظارا للسنة القضائية الجديدة (التي تبدأ في أول سبتمبر)، فأغلب الظن أن دائرة فحص الطعون ستكون مخيرة بين احتمالين وليس ثلاثة.

 أعنى أنها إما أن ترفض طعن الحكومة أو توقف تنفيذ حكم محكمة القضاء الإداري الخاص بإبطال الاتفاقية.

ووقف التنفيذ لا يعني إلغاء الحكم، إلا أنه يحقق هدفين
 أولهما ضمان استمرار العمل بالاتفاقية،
وثانيهما توفير الفرصة لاحتواء الموضوع من خلال تأسيس واقع جديد قد يتم ــ مثلا ــ من خلال عرض الاتفاقية على مجلس النواب،
 الأمر الذي قد يثير جدلا قانونيا حول حدود سلطات المجلس وسلطات القضاء الإداري.

وذلك مجرد استنتاج قد يصيب وقد يخيب.
وفى كل الأحوال فإن الأمر سيحسم خلال الساعات القليلة المقبلة.

...................

25 يونيو، 2016

حلاق الجهة السيادية

صحيفة الشرق القطريه السبت 20 رمضان 1437 – 25 يونيو 2016
حلاق الجهة السيادية – فهمي هويدي

خلاصة الخبر أن نيابة طنطا تجرى تحقيقات وصفت بأنها موسعة في تبادل الاتهامات بين ضابط شرطة وحلاق يعمل في جهة سيادية عليا باعتداء كل منهما على الآخر بالضرب في كمين ليلي.

وكانت قوات الشرطة قد نصبت كمينا فجر السبت الماضي «٦/١٨» عندما استوقف الضابط الذي هو معاون مباحث قسم ثان طنطا مواطنا لسؤاله عن هويته التي رفض الرجل إبرازها بدعوى أنه حلاق يعمل في جهة سيادية عليا.
 إلا أن الضابط أصر على مطلبه وصاحبنا أصر على رفضه،
 فنشبت مشادة بين الطرفين تبادل الاثنان اللكمات خلالها،
 الأمر الذي أدى لإصابة الضابط بكسر في أنفه وتم نقله إلى المستشفى لعلاجه،
وتم ضبط الحلاق الذي ذكر في التحقيق أنه يعمل لدى الجهة العليا.
 وأنه تعرض للاعتداء من قبل الضابط ومعاونيه، فأحيل إلى النيابة للتحقيق.

الخبر نشره موقع جريدة «الشروق» في اليوم ذاته وحين لفت انتباهي فإنني احتفظت به وانتظرت متابعته خلال الأيام التالية بالتأكيد أو التصويب أو النفي، لكنني لم أعثر على شيء من ذلك.

لذلك رجحت أن يكون صحيحا وأنه تم احتواء الموضوع نظرا لحساسية موقف الطرفين وحرصا على الحفاظ على علاقات المودة المفترضة بينهما.

لم أستغرب أن يشتبك مواطن مع ضابط شرطة،
فذلك أمر عادي يحدث كل يوم، ولكن حين يلكم المواطن الضابط بحيث يكسر أنفسه فذلك أمر غير مألوف، لأن العكس هو المعتاد.

وحين يحدث ذلك فإنه لا يفسر إلا بأحد احتمالين،
 أولهما أن يكون الطرف الآخر يتمتع بقوة جسدية غير عادية
وثانيهما أن يتمتع المعتدى بمكانة استثنائية رفيعة مسلحة بجرأة جعلته يقدم على ما فعله،
ويبدو أن صاحبنا من ذلك الصنف الأخير لأن انتسابه إلى الجهة السيادية وفر له تلك المكانة بما تستصحبه من جرأة.

وهو ما قد أفهمه حين يكون الرجل ضابطا أو مسؤولا في الجهة السيادية، إلا أنني لم أكن أعرف أن الحرفيين الذين يتعاملون مع الجهات السيادية لهم نفس الحصانة والقوة.

فضلا عن أنه لا يخطر على بال أمثالي أن تضم الجهات حلاقا أو سباكا أو ترزيا أو نقاشا.
 لست أقلل من شأن المنتسبين إلى تلك الحرف بطبيعة الحال،
 لكنني فقط استغرب تصنيف المشتغلين منهم مع أفراد الجهات السيادية باعتبارهم يملكون حصانات العاملين في تلك الأجهزة، التي أرجو ألا تكون الضبطية القضائية بينها.

إذا صحت معلومات الخبر فهي تعني أن الحلاق المذكور اعتبر نفسه مواطنا متميزا لا يحق لضابط الشرطة أن يسأله عن هويته،
واستنكف أن يصر الضابط على ذلك حين التقاه في الشارع ساعة الفجر، فاشتبك معه ولكمه في وجهه حتى كسر أنفسه،

وهو ما أثار عندي السؤال التالي إذا كان ذلك شعور وسلوك حلاق الجهة السيادية، إزاء ضابط الشرطة فكيف يكون تصرفه مع المواطن العادي؟
 ثم ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن الحلاق كان ضابطا في الجهاز السيادي؟

 لا يغير من السؤال أو يقلل من شأنه أن يقول قائل بأن ما جرى مجرد سلوك فردي يتعذر تعميمه أو التعويل،
 لأنني أزعم بأن الرجل وإن كان فردا إلا أنه ما كان له أن يقدم على فعلته إلا إذا كان مقتنعا بأن المنتسبين إلى الجهات السيادية من طينة أخرى تجعلهم أرفع مقاما من غيرهم.
واقتناعه الشخصي هذا جزء من ثقافة سائدة أرست ذلك المفهوم وعممته.

الواقعة تجدد السؤال الذي لا تعرف له إجابة حول دلالة المصطلح وماهية تلك الأجهزة السيادية التي أصبحت بمثابة قوة غامضة برزت في مصر خلال السنوات الأخيرة.
وصار لها نفوذها وكلمتها في التقدير والتوجيه، حتى أصبحت مصدرا معتمدا لإذاعة أخبار تنشرها الصحف وكأنها وكالة أنباء محلية.

 ليس ذلك فحسب وإنما أصبح لها ذاتها المصون وحرمها الذي لا يجوز المساس به.
حتى صار معلوما أن رئيس جهاز المحاسبات المستشار هشام جنينة تمت الإطاحة به لأنه داس لها على طرف،
 ووقع في المحظور حين سمح لجهازه أن يفتش في أوراق الأجهزة السيادية ويرصد مخالفاتها.

أفهم أنه حين تموت السياسة فإن القرار يصبح أمنيا بالدرجة الأولى، الأمر الذي يؤدى إلى تضخم دور الأجهزة الأمنية وتغولها في مختلف المجالات.

ويبدو أن التضخم بلغ ذروته حتى طال حلاق الجهات السيادية، الأمر الذي يولد شعورا مبررا بالقلق والخوف، لا على أشخاص فحسب، ولكن مسار الوطن ومستقبله.

لا أحد يجادل في أهمية وضرورة الأجهزة الأمنية، التي تمنينا أن تعمل في النور وفي ظل القانون والدستور،
 لكن حالة الغموض التي باتت تحيط بها تفتح الباب لمزالق وشرور كثيرة تسحب من رصيد دولة الحق والعدل، وتؤسس لدولة الأمن التي ظننا أن ثورة يناير انطلقت للخلاص منها
ثم اكتشفنا أنها عادت أكثر قوة، ليس بعناصرها فقط ولكن بحلاقها أيضا!
........................


23 يونيو، 2016

الاستفتاء تم

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 18 رمضان 1437 – 23 يونيو 2016
الاستفتاء تم - فهمي هويدي

انكسر نحس شهر يونيو حتى إشعار آخر على الأقل.
إذ يحق لنا الآن أن نقول إننا لم نعش فيه الهزيمة العسكرية أمام إسرائيل في اليومين الخامس والسادس عام ١٩٦٧.
والهزيمة السياسية أمامها حين صوت مصر لصالح رئاستها لإحدى لجان الأمم المتحدة في اليوم الرابع عشر منه عام ٢٠١٦.
ولكن لنا أن نذكر أيضا أن حكما قضائيا صدر ببطلان التوقيع علي اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير وتأكد السيادة المصرية عليهما.

من حيث الشكل قد يبدو أن ثمة بونا شاسعا بين الهزيمتين المذكورتين وبين اتفاقية الجزيرتين،

لكن من يلاحظ بهجة المصريين بالحكم ويضع في الاعتبار أجواء الزمن الذي عزت فيه الفرحة وخيم الإحباط والتشاؤم حتى بدا لنا المستقبل معتما ومسدودا، فإنه ربما تسامح في إجراء المقارنة واختصار المسافة بين الحالتين.

قد لا أبالغ إذا قلت إن ابتسامة عريضة ارتسمت علي وجه مصر طوال يوم الاثنين ٢٠ يونيو، الذي ذاع فيه الخبر.
 ذلك أنني ما تلقيت اتصالا هاتفيا من داخل مصر أو خارجها في صبيحة ذلك اليوم إلا وبدأ المتحدث كلامه بالتهنئة والتعبير عن الفرحة.
 وهو ما صادفته في الشارع ووقعت عليه في تغريدات مواقع التواصل الاجتماعي.
 ووجدته في صورة حفاوة موكب السيارات التي خرجت إلي الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية معبرة عن الفرحة، وبدا الموكب مشابها للطقوس التي تحدث في حفلات العرس، حين يخرج الأهل الفرحون إلى الشوارع مبشرين بالخبر السعيد.

ما كان جديرا بالملاحظة ليس فقط حجم الفرحة الغامرة، ولكن أيضا طبيعة وهويات المشاركين فيها، الذين كانوا من مختلف فئات المجتمع،
 إذ تراوحوا بين أصحاب السيارات والباعة الجائلين، والنشطاء وبسطاء الناس الذين ضغط عليهم الحر والغلاء مع الصوم. حتى غدوا في شوق إلى ما يرطب جوانحهم ويرفع معنوياتهم.

 أما أسخف ما قيل في هذا الصدد فهو أن للإخوان دورا في إشاعة هذه الأصداء.
 ليس فقط لأنه غير صحيح، ولكن أيضا لأنه يمتدح نفوذ الإخوان بصورة غير مباشرة فضلاً عن أنه يتجاهل مشاعر الوطنيين، والناس العاديين، الذين لا هم إخوان ولا عسكر كما يُقال.

كعادة المصريين، فإن موروثهم التاريخي يستكثر عليهم الفرحة، حتى إذا ما استسلموا للضحك فإنهم اعتادوا أن يتوجسوا من المستقبل، فيلملموا شفاههم ويخفون ابتساماتهم قائلين: اللهم اجعله خيرا،

وهو ما حدث في المشهد الذي نحن بصدده، ذلك أن بعض التعليقات سجلت الفرحة حقا، لكنها حذرت مما هو قادم.
 ولمحت في بعضها نزوعا إلى التشاؤم وإساءة الظن بردود أفعال السلطة، التي سبق لها إلقاء القبض على الذين تظاهروا احتجاجا على التنازل عن الجزيرتين،
فمنهم من حوكم وسجن ومنهم من وقعت عليهم غرامات بواقع مائة ألف جنيه لكل واحد، ومنهم من جرى التنكيل به، ومنهم من ينتظر.

ذلك كله لا يغير من الحقيقة الناصعة والأهم التي برزت خلال اليومين الماضيين،
 وهي أن ردود أفعال الشارع المصري كانت بمثابة استفتاء شعبي أيد بشدة بقاء الجزيرتين تحت السيادة المصرية، ورفض بذات القدر اتفاقية التنازل عنهما.

هذه النقطة عالجها المستشار ماجد شبيطة، نائب رئيس مجلس الدولة، في مؤلفه «سلطات رئيس الجمهورية في الدساتير المصرية» الذي صدر في العام الحالي،
 وكان موضوع رسالته للدكتوراة، ففي الفصل الخاص بسلطات الرئيس بخصوص المتعلق بإبرام المعاهدات،
 أجرى مقارنة بين الدستور الصادر في عام ١٩٧١ ودستور ٢٠١٢ والتعديل الذي أجري عليه في عام ٢٠١٤.
 فذكر أن الأول تحدث عن حقوق السيادة التي تقتضي تعديلاً في أراضي الدولة.
وهو ما حذف في دستور ٢٠١٢ الذي نص في مادته الأولى على أن مصر دولة موحدة ذات سيادة، لا تقبل التجزئة بأي حال.. ولا يجوز إقرار أي معاهدة تخالف أحكام الدستور.
 كما نص في المادة ١٤٥ منه على وجوب موافقة المجلسين (النواب والشورى) بأغلبية ثلثي الأعضاء على جميع المعاهدات المتعلقة بحقوق السيادة.

 أما في دستور ٢٠١٤ فقد نصت المادة ١٥١ منه على عدم جواز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة.
وبالنسبة للمعاهدات المتعلقة بالصلح وبحقوق السيادة فإنه اكتفى بموافقة مجلس النواب بأغلبية عادية مع الاستفتاء الشعبي.

ورأى الباحث الدكتور ماجد شبيطة أن اشتراط موافقة أغلبية الثلثين في دستور ٢٠١٢ وفرت ظرفا أفضل لتمحيص الاتفاقيات.
 في حين أن دستور ٢٠١٤ اشترط موافقة الأغلبية العادية (وليس أغلبية الثلثين) واعتبر أن الاستفتاء سيظل رمزيا لأنه لا يوفر فرصة كافية لتمحيص الاتفاقيات والتدقيق في بنودها.

النقطة المهمة في الدستورين تتمثل في حظر التنازل عن أي جزء من أرض الوطن، والتشدد في إجازة الاتفاقيات التي تتعلق بأعمال السيادة.
 سواء باشتراط موافقة ثلثي المجلسين في دستور ٢٠١٢ أم موافقة أغلبية البرلمان مع الاستفتاء الشعبي في دستور ٢٠١٤.

في هذا الصدد أزعم أن نتيجة الاستفتاء أعلنت على الملأ في مصر، أمس، ولا أعرف ماذا سيكون رأي مجلس الشعب، لكنني أزعم أننا سندخل في دوامة خلاف قانوني قد تحسمه السياسة في نهاية المطاف.

...................

22 يونيو، 2016

«الشامخ» لم ينقرض

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 17 رمضان 1437 – 22 يونيو 2016
«الشامخ» لم ينقرض - فهمي هويدي

يبدو أن «الشامخ» لم ينقرض بعد.
يدل على ذلك الحكم الحاسم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري بخصوص حق مصر في جزيرتي تيران وصنافير وبطلان التصرف فيهما.

 وهو ما يؤكد أن الصورة الباهتة التي رأيناها خلال الأشهر الماضية،
 والثقة التي اهتزت وأقلقتنا على مصير الحق والعدل في مصر، كانت أحد أوجه الحقيقة وليست كلها.

ورغم أن صدى الحكم في دوائر السلطة ليس واضحا بعد،
كما أن الحكومة طعنت في القرار أمام المحكمة العليا،
 مع ذلك يظل الحكم التاريخي محتفظا بأهميته وشجاعته.

 صحيح أن الفضل فيما جرى يرجع للقضاة الأجلاء الذين اتخذوا القرار، وإلى المحامين الذين اختاروا أن يواصلوا نضالهم بالقانون، إلا أنه ينبهنا على أن جذوة الأمل في مصر لم تنطفئ بعد، وإن محاولات التجريف التي تمت ومشاعر اليأس والخوف التي خلفتها، لم تنجح في وقف النبض أو إماتته.

 وهو ما يسوغ لي أن أقول إن آثار ثورة ٢٥ يناير لم تتم إزالتها بعد، وإن ما هو كامن في أعماق مصر وضمائر أجيالها، رجالا ونساء، أفضل مما ظهر منه.
 وإن الذين يملأون الفضاء ضجيجا يلوث العقول والضمائر ليسوا سوى قشرة قبيحة زائفة تعجز عن الصمود أمام إشعاعات الأمل الواهنة، التي تطل علينا بين الحين والآخر من حيث لا نحتسب.

لي عدة ملاحظات على المشهد أوجزها فيما يلي:

<
رغم أننا لا نعرف مصير الحكم، وهل سيتم تأييده أو نقضه. إلا أنه سيظل في كل الأحوال محتفظا بقيمته الأدبية والسياسية، حتى إذا تم احتواء أثره القانوني بشكل أو بآخر.

<
إن نقطة الضعف الأساسية في موقف الحكومة من الناحية القانونية تكمن في أنها لم تقدم وثيقة ذات وزن تثبت الرأي الذي تبنته في خصوص الجزيرتين.

 لذلك لم يكن مستغربا تماما أن تنحاز المحكمة الإدارية إلى بطلان التصرف.
ولأن القاعدة القانونية تقرر أن على من يدعي غير ظاهر الأمر أن يقيم الدليل على ادعائه، فإن انعدام الدليل لدى الحكومة المصرية جعلها تخسر القضية. باعتبار أن ظاهر الأمر جرى العمل عليه طوال العقود التي خلت أن الجزيرتين خاضعتان للسيادة المصرية.

<
إن صدور الحكم لصالح سيادة مصر على الجزيرتين، يبطل بصورة تلقائية كل الإجراءات العقابية التي اتخذت بحق الذين تظاهروا دفاعا عن السيادة سابقة الذكر.

<
إننا إذ نرى في صدور الحكم دليلا ساطعا على أن استقلال القضاء لم يندثر تماما، إلا أننا ينبغي أن نعترف بأن درجة الاستقلال لدى قضاء مجلس الدولة أكبر منها في القضاء العادي.

 يؤيد ذلك أن مجلس القضاء الأعلى حكم بفصل أكثر من ٦٠ قاضيا ممن اتهموا في قضية بيان رابعة وقضاة من أجل مصر، في حين أن مجلس الدولة أصدر حكما مغايرا بحق قضاة المجلس الذين اتهموا في القضية ذاتها.

 إذ اكتفى بتوجيه اللوم إليهم، وليس عزلهم، معتبرا أن ظهورهم في وسائل الإعلام واقعة يمكن المؤاخذة عليها، وليست حالة تستحق العقاب التأديبي المتمثل في العزل.

<
إن ما جرى ينبهنا على أن إجراءات السلطة وقراراتها لا تولي الاعتبار القانوني الأهمية التي يستحقها. فضلا عن أنها تتصرف في أحيان كثيرة باعتبار أنها ضامنة للغطاء القانوني ومطمئنة إلى أنه يتجاوب معها طول الوقت.

يؤيد ذلك أن أكثر محاكمات وتحقيقات القضايا السياسية تتم إما في أكاديمية الشرطة أو معهد أمناء الشرطة أو معسكرات الأمن المركزي.
 لكن محكمة النقض حين طلب منها أن نعقد جلساتها في أكاديمية الشرطة فإنها رفضت ذلك استنادا إلى أن المعهد يتبع وزارة الداخلية، ولا يصلح لأن يكون محكمة مستقلة تتوفر لها اعتبارات العدالة والنزاهة.
وهو موقف يؤدي في النهاية إلى إبطال أغلب إن لم يكن كل الأحكام التي صدرت في الأماكن التابعة لوزارة الداخلية، إذا طعن فيها أمام النقض.

<
إن ما جرى في موضوع الجزيرتين كان إجراء سياسيا لم تتوفر له الدراسة القانونية الكافية السابقة على القرار.
 وهو ما يثير تساؤلات كثيرة حول الكثير من المشروعات الكبيرة المهمة التي اتخذت وما إذا كانت قد استوفت حقها في الدراسة أم لا.

أخيرا فإننا نتمنى على الجميع أن يتصرفوا بمسؤولية في التعامل مع الحدث. إذ ليس هذا وقت الشماتة أو المعايرة، ولكنه وقت التكاتف والتضامن ليس فقط لتفعيل قرار المحكمة،
ولكن أيضا للدفاع عن استقلال القضاة والقضاء والحفاظ على المكانة التي استرجعوها في سجل التاريخ.

......................

Delete this element to display blogger navbar