Subscribe:

Ads 468x60px

02 فبراير، 2012

مايدهشنا ويحيرنا


صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 10 ربيع أول 1433 – 2 فبراير 2012
مايدهشنا ويحيرنا – فهمي هويدي

بعض الذى جرى في القاهرة أمس الأول (الثلاثاء 31/1) مثير للدهشة والبعض الآخر يستدعي مشاعر تتداخل في ظلّها الحيرة مع الشك.

أمّا الذي جرى، فالمشهد الأبرز فيه تمثّل في توجُّه أعداد من المتظاهرين صوب مجلس الشعب للمطالبة بسرعة رحيل المجلس العسكري وتسليم السلطة إلى البرلمان لانتخاب رئيس مؤقت لإدارة ما تبقى من المرحلة الانتقالية ووضع الدستور الجديد.

هؤلاء المتظاهرون اعترض طريقهم حاجز بشري من أعضاء جماعة الإخوان، الأمر الذي أدّى إلى تجاذب وتراشق بين الطرفين كانت نتيجته إصابة 30 شخصا من الإخوان، كما ذكر الدكتور عصام العريان القيادي في حزب الحرية والعدالة، وعضو المجلس.

وفي الوقت الذى وقع فيه الاشتباك أمام مجلس الشعب، كان هناك معتصمون أمام مبنى التليفزيون في ماسبيرو يرفعون شعارات دعت إلى تطهير الإعلام وعبّرت عن رفض المحاكمات العسكرية ومطالبة العسكر بالرحيل قبل 15 نيسان المقبل، قبل انتخاب أعضاء لجنة الدستور وقبل الشروع في وضعه، حتى لا تتأثّر تلك الخطوات بنفوذ العسكر.

ما يبعث على الدهشة فيما جرى عدة أمور في مقدمتها ما يلي:

-
إنّ موضوع الإسراع برحيل المجلس العسكري الذي كان المطلب الأول للمسيرة التي توجّهت إلى مجلس الشعب كان مثارا داخل المجلس ذاته، وقد قرأنا في صحف أمس أنّ اثنين من الأعضاء هما النائبان عمرو حمزاوي وزياد العليمي أعدّا مشروعين بهذا الخصوص، الأمر الذي يعني أنّ التظاهر لأجل الموضوع لم يكن له ما يبرره.

-
إنّ فكرة تسليم السلطة إلى مجلس الشعب، الذي يحظى الإسلاميون بالأغلبية فيه تستدعي مخاوف أخرى إضافية مما يروّج له البعض، ذلك أنّ المصدر الأساسي لكل الجدل واللغط المثار حول تشكيل لجنة الدستور هو الخشية من تأثير ونفوذ الأغلبية الإسلامية على عملية إعداده.

وفي الوقت الذي تُتداول فيه تلك المخاوف بقوة في أوساط الطبقة السياسية وفي وسائل الإعلام، نجد أنّ المسيرة تطالب بنقل ملف الرئيس المؤقت إلى المجلس لتجديد المخاوف من تأثير الأغلبية على فرص الرئيس المؤقت في الفوز.

-
إنني لم أجد سببا مقنعا لاحتشاد أنصار الإخوان أمام مجلس الشعب ومحاولتهم عرقلة وصول المسيرة إليه، الأمر الذي أدّى إلى اشتباك الطرفين دون أيّ مبرر.
وحتى إذا صحّ ما قيل من أنّ بعض المتظاهرين دعوا إلى اقتحام المجلس، فإنّ تأمينه في هذه الحالة يقع على عاتق الشرطة والجيش وليست مهمة الإخوان.
وأسوأ ما في هذه العملية أنّها أحدثت شرخا في علاقة الإخوان بمن كانوا معهم في مربع واحد منذ بداية الثورة.

-
من الواضح أنّ عناصر الأمن المركزي وقفت متفرّجة على الاشتباك، وأنّ الشرطة العسكرية كانت بعيدة عن ساحته، الأمر الذي يثير أكثر من علامة استفهام حول تفسير انسحاب الجهتين من عملية تأمين مجلس الشعب، علما بأنّهما قامتا بدور مشهود في تأمين اللجان التي أتت بالمجلس.

هذا فيما خصّ الدهشة، أمّا أسباب الحيرة والشك فمتعددة، أحدها مثلا أنّ المطالب المرفوعة سواء في المسيرة التي انطلقت يوم الثلاثاء أو من جانب المعتصمين أمام مبنى التليفزيون في ماسبيرو يفترض أن يكون مكان عرضها ومناقشتها والضغط لأجلها في مجلس الشعب وليس في الشارع، وقد ذكرت توّاً نموذجا لذلك، والنماذج الأخرى كثيرة.

من تلك الأسباب أيضا أنّ الموضوعات التي يتم لأجلها التظاهر أقرب إلى اهتمامات وحسابات النخبة السياسية منها إلى اهتمامات المواطن العادي، المشغول بأمنه وبمشاكله المعيشية، واستغراق النخب في هذا المسار والضغط على مجلس الشعب للانخراط فيه من شأنه أن يهمّش مشاكل الناس، ويُحدث فجوة بين النخبة ومعها المجلس وبين الشعب.

لقد انتخب الناس مجلس الشعب كي يتبنّى مطالبهم ويعبّر عنهم، إلى جانب وظائفه الأخرى بطبيعة الحال، في حين أننا فهمنا من وسائل الإعلام أنّ ثمة استياء وامتعاضا من جانب البعض إزاء النتائج التي أتت بأغلبية الإسلاميين.

وأرجو ألاّ تكون صحيحة تلك التسريبات التي تحدّثت عن اتفاق وجهات النظر بين الذين فشلوا في الانتخابات والعناصر المتحمسة أو المهيجة بين الشباب على التصعيد الذي يوصل الأمور إلى حانة الخطر بدعوى استكمال الثورة أو تجديدها، خصوصا أنّ عباءة الثوار أصبحت فضفاضة للغاية، الأمر الذي بات يحتاج إلى فرز وإعادة تقييم.
علما بأنّ مصطلح «الثوار» رغم جاذبيته بات يكتنفه غموض أخشى أن يسيء استغلاله من لا يتمنّى الخير للثورة أو البلد بأسره.
...................

01 فبراير، 2012

الحقيقة خطأ مطبعي!


صحيفة الشرق القطريه الأربعاء 9 ربيع أول 1433 – 1 فبراير 2012
الحقيقة خطأ مطبعي! – فهمي هويدي

أخيرا ظهر تقرير فرنسي يتحدث عن «البلطجة» الإسرائيلية في الأرض المحتلة، أفلت من التلاعب الإسرائيلي المسبق، وفضح العنصرية التي تمارس ضد الفلسطينيين في مسألة توزيع المياه.

التقرير تبنته لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الفرنسي، وأعده جان جلباني عضو البرلمان عن الحزب الاشتراكي، الذي كان وزيرا للزراعة في نهاية التسعينيات.

وكانت لجنة الخارجية قد كلفته بإعداد دراسة عن السياسة والماء. فزار لهذا الغرض إسرائيل والضفة الغربية في شهر يونيو من العام الماضي، والتقى المسؤولين عن ملف المياه في الجانبين.

في التقرير قال جلباني إن إسرائيل تطبق سياسة التمييز العنصري ضد الفلسطينيين في مسألة توزيع المياه،
وأن فكرة إقامة دولة يهودية تشير إلى نوع من التمييز العنصري على أساس ديني.
 ذلك أن من شأن ذلك استئثار اليهود بكل شيء.
وقد انعكس ذلك على توزيع المياه بشكل غير عادل بين الجانبين.

إذ في حين أن الفلسطينيين ليس بمقدورهم الوصول إلى المخزون الجوفي للمياه الموجودة في عمق الأرض، فإن التوسع الإقليمي لإسرائيل لا يتمثل فقط في ابتلاع الأرض وما فوقها، ولكنه يبدو نوعا من احتلال المياه، سواء للجداول أو للمياه الجوفية.

أضاف التقرير أن المياه أصبحت سلاحا يكرس العنصرية (الابرتهايد) الجديدة.
ذلك أن 450 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية يستهلكون حصة من المياه أكثر مما يستهلكه مليونان
و300 ألف فلسطيني يعيشون في حالة من الجفاف، الأمر الذي يعد خرقا للقانون الدولي.

تحدث التقرير أيضا عن أن «سور الفصل الذي بنته إسرائيل يسمح بالسيطرة على قدرة الوصول إلى المياه تحت الأرضية. ويتيح لإسرائيل توجيه تيار المياه غربا».
واتهم الجيش الإسرائيلي «بالهدم المنهجي للآبار التي حفرها الفلسطينيون في الضفة الغربية» وكذلك بالقصف المقصود لمخزونات المياه في قطاع غزة في العام 2007 ــ 2008.

أشار التقرير إلى أن أغلبية الفلسطينيين يعيشون في مناطق «أ و ب» ولكن البنى التحتية للمياه التي يحتاجون إليها توجد في المناطق «ج»، حيث حركة الفلسطينيين محدودة أو محظورة

وذكر صراحة أن «الجيش الإسرائيلي لا يسمح إلا في أوقات نادرة ببناء أو تطوير البنى التحتية.
وأن منشآت عديدة لتطهير المياه خططت لها وزارة المياه في السلطة الفلسطينية لكنها مسدودة الآفاق من جانب الإدارة الإسرائيلية».

ذكر السيد جلباني أن الإسرائيليين يبررون سلوكهم مستندين إلى «نظرية حقنا في الأرض»
وقال إنه لم يستطع أن يفهم ما إذا كان موقفهم ذاك يمثل حقا توراتيا في الأرض أم أنه رغبة تسوغ الاستيلاء على الأرض التي ليس لها صاحب معروف.
وباسم الدفاع عن «حقوقهم» فإنهم يرفضون كل اقتراح بالإدارة المشتركة سواء للحفاظ على المياه أو لمراعاة العدالة في توزيعها.
وفي الوقت ذاته فإن إسرائيل تقترح حلولا مختلفة، تبدو مثيرة للاهتمام، لكنها جميعا تبقي من سيطرتها على المياه.

من المفارقات أن السفارة الإسرائيلية في باريس فوجئت بالتقرير، ولم تكتشف وجوده إلا بعد بضعة أيام من صدوره، حين ظهر على موقع الإنترنت الخاص بالبرلمان الفرنسي.
وكان الذي لفت الانتباه إليه قسم أوروبا في مقر وزارة الخارجية الإسرائيلية، الذي تلقى معلومات الموضوع من مصدر آخر.

صحيفة «هاآرتس» ذكرت في 17/1 أن الاكتشاف المفاجئ للتقرير لم يمكن السفارة الإسرائيلية في باريس من التدخل «لتلطيف حدته».
وفي التعليق على التقرير نقلت على لسان الناطق بلسان وزارة الخارجية الإسرائيلية يفئال بلمور قوله إن جلباني أدخل «الصياغات المتطرفة» فيه بناء على رأيه الخاص،
وقد تم ذلك في اللحظة الأخيرة من جانبه دون أن يستشير مع أعضاء مجموعة العمل.

وقال إن «التعابير غير المقبولة هذه فاجأت أعضاء مجموعة العمل الذين «ذهلوا» بعد أن اطلعوا على الصيغة النهائية بعد نشرها وبعد أن أطلعهم عليها الدبلوماسيون الإسرائيليون.

وبعد أن أوضح رجال السفارة "الخطورة الاستثنائية" للصياغات في التقرير، استنكرها كل أعضاء مجموعة العمل، بمن فيهم الرئيس، الذي بعث برسالة رسمية إلى السفير طلب فيها استنكار التعابير المناهضة لإسرائيل في التقرير»
أضاف بلمور بأن التقرير «مفعم بلغة الدعاية اللاذعة، بعيدا عن كل انتقاد مهني يمكن الجدال معه بموضوعية، وأن واضعه أخفى حقائق عديدة وبدا موقفه مغرضا وفظا».

لك أن تتصور كيف دفن التقرير في الإعلام الفرنسي، كما أنني لا أشك أن الرئيس الفرنسي عبر عن شعوره بالاستياء حين علم بأمره.

وإذا كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية قد بعث برسالة رسمية إلى السفير الإسرائيلي في باريس استنكر فيها ما اعتبرت عبارات مناهضة لإسرائيل، فذلك يعني أن إعلان بعض الحقيقة في الموضوع كان خطأ استثنائيا أو مجرد خطأ مطبعي تم تصويبه بسرعة.
.....................

31 يناير، 2012

في حضرة مجلس الشعب – المقال الأسبوعي


صحيفة الوطن الكويتيه الثلاثاء 8 ربيع أول 1433 - 31 يناير 2012
في حضرة مجلس الشعب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

من عجيب ما حلَّ بأرض مصر بعد هبَّة يناير الكبرى، ما شاع من أن الانتخابات ستجرى فيها بغير تلاعب أو تزوير.
وحين اختبرت المقولة فيما خص مجلس الشعب، فوجئ خلق كثير بأن الادعاء صحيح، اذ على غير المألوف منذ نصف قرن ونيف، فإن المجلس المذكور جاء حقاً ممثلاً للشعب، وهو ما تناقلته الألسن بين مصدّق ومكذّب.

(1)

رويت قبل عامين قصة حوار جرى بين بعض نواب البرلمان التركي كانوا قد زاروا القاهرة، والتقوا نظراء لهم من أعضاء مجلس الشعب المصري، وكان بين الأخيرين واحد من المعارضين تطرق أثناء الحوار الى الجهود التي تبذلها الحكومة لتزوير الانتخابات لإسقاط اناس بذواتهم وإنجاح آخرين.

حينذاك لم يستوعب النواب الأتراك القصة، وطلبوا من محدثهم المصري أن يشرح لهم حكاية التزوير هذه، وكيف تتم عملية التلاعب في الأصوات، واستغرق الأمر بعض الوقت لإقناع الأتراك بما استغربوا له من أن الحكومة والأجهزة الأمنية هي من يقرر الناجحين والراسبين في الانتخابات، وان تشكيل البرلمان يحدده القرار السياسي وليس أصوات الناخبين.

بسبب من ذلك فإن الحرية والنزاهة التي جرت بهما الانتخابات تجعلان منها حدثاً كبيراً ونقلة مهمة في التاريخ المصري الحديث،
اذ الى جانب كونه يعد أول مؤسسة مدنية ينتجها الشعب بعد الثورة، ومن ثم أول تجسيد للنظام الديموقراطي المنشود وأهم خطوة اتخذت لتسليم السلطة من المجلس العسكري الى الحكم المدني، فإن الحدث له سمات أخرى لها دلالتها هي:

<
ان المجلس كله تقريباً خرج من عباءة المعارضة. لا يغير من ذلك ما قيل من أن بضعة عشر شخصاً من فلول النظام السابق انتخبوا فيه، اذ لا قيمة لهذا العدد وسط نحو 500 نائب بالبرلمان، جميعهم من مجموعات سياسية معارضة.

<
انها المرة الأولى في التاريخ المصري المعاصر التي يجد فيها الإسلاميون باختلاف مدارسهم أنفسهم يعملون جنباً الى جنب في مؤسسة واحدة وتحت سقف واحد مع الليبراليين والعلمانيين باختلاف أطيافهم،
ومطلوب من الطرفين ان يشتركا معاً في حمل مسؤولية الرقابة والتشريع وانتخاب لجنة وضع الدستور،
والتحدي الذي يواجهه هؤلاء وهؤلاء هو كيف يمكن أن يكتشف كل طرف الآخر، وكيف يتغلبون على سوء الظن المتبادل بينهما، ويبحثان عن مشترك يمكنهما من النهوض بالمسؤولية التي اشتركا في حملها.

>
انها المرة الأولى في التاريخ المصري المعاصر أيضاً التي يحصد فيها الإسلاميون أغلبية تجاوزت %70 من عضوية المجلس النيابي، الأمر الذي يعد اختباراً لمقولاتهم ومشروعهم،
كما يمثل امتحاناً لقدرتهم على فهم الواقع، والتجاوب معه والاستجابة لمتطلباته، وكذلك قدرتهم على التفاعل مع القوى الوطنية الأخرى.
ونتيجة هذا الاختيار هي التي ستحدد ما اذا كانوا يشكلون اضافة حقيقية الى المجتمع أم أنهم عبء عليه.
وهل هم أمل يمكن المراهنة عليه أم همٌّ يتعين الخلاص منه.

(2)

لا مجال للحديث عن أداء المجلس، فنحن مازلنا بإزاء لحظات تحرير شهادة الميلاد بعد الاتفاق على اسم المولود والتعرف على جنسه.
وغاية ما نستطيعه الآن أن نتفرس في وجهه ونحاول ان نرصد ملامحه.

 أعني أننا لم نمد بصرنا الى أبعد من تركيب المجلس وتشكيل مجموعات عمله وما تناهى الينا من حوار بهذا الخصوص بين التيارات المختلفة. في هذا الصدد نلاحظ ما يلي:

<
ان 15 حزباً جرى تمثيلها في مجلس الشعب، 13 منها تأسست أو أجيزت بعد الثورة، وحزبان فقط ينتميان الى مرحلة ما قبل 25 يناير، أحدهما حزب الوفد الذي فاز بـ38 مقعداً وهي نسبة لا تتناسب مع تاريخه، وحزب التجمع الذي حصل على ثلاثة مقاعد فقط، على الرغم من مضى 35 سنة على تأسيسه.

<
ان تحالف الكتلة المصرية الذي ضم أحزاب المصريين الأحرار والديموقراطي الاجتماعي والتجمع حصل على مليونين و400 ألف صوت، واذا صح أن الأقباط بتشجيع من الكنيسة صوتوا لصالح الكتلة ولحزب المصرين الأحرار تحديداً، فإن حصولها على تلك النسبة المتواضعة من الأصوات يثير أكثر من تساؤل حول حجم الصوت القبطي ومن ثم حول العدد الحقيقي للأقباط في مصر، اذ المتواتر ان ما بين مليون ومليون ونصف المليون منهم صوتوا للحزب، وهو ما يشكك كثيراً في المبالغات المتداولة عن أعداد الأقباط، ويرجح كفة تقدير أعدادهم بما لا يجاوز ستة ملايين شخص.

<
ان الهوية الإسلامية صوت لصالحها أكثر من 18 مليون شخص باتوا يمثلون أكثر من %70 من أعضاء مجلس الشعب، على الرغم من أن المنتمين الى الأحزاب التي عبرت عن تلك الهوية كانوا الأكثر تعرضاً للاضطهاد والقمع في ظل النظام السابق.

<
ان الأحزاب المعبرة عن الهوية الإسلامية ليست بالتماسك الذي يبدو لأول وهلة، ولئن كانت قوية شكلاً إلا أننا لا نستطيع القول إنها قوة تصويتية واحدة.

فالإخوان حريصون على ان يحتفظوا بمسافة إزاء السلفيين، من ناحية لكي لا يحملوا بمواقف الآخرين التي لا يوافقون عليها، ومن ناحية ثانية لتجنب احتمال تقسيم البرلمان بين قوى دينية وأخرى مدنية.

والسلفيون أنفسهم ليسوا فكراً واحداً، اذ بينهم اتجاه يؤيد المشاركة الديموقراطية ومستعد للتفاعل مع أغلب قيمها، وبينهم اتجاه آخر لايزال يرفض الديموقراطية ويرى فيها ضلالاً ومدخلاً الى الكفر.

وحزب البناء والتنمية الذي أسسه أعضاء الجماعة الاسلامية وحصل على 15 مقعداً يرى أنه وسط بين الإخوان والسلفيين يسعى لفض الاشتباك بينهما،

أما حزب الوسط فهو حريص على أن يحتفظ بمسافة مع الإخوان، ويبدو مشتبكاً معهم في بعض الأحيان، ويحاول ان يصطف أكثر الى جانب الأحزاب الليبرالية.

<
من الملاحظات الجديرة بالانتباه في هذا السياق ان الإخوان موجودون في العمل السياسي منذ عدة عقود،
وان الجماعة الاسلامية التي انتهجت سبل العنف في المرحلة الساداتية وشاركت في اغتياله مارست نقداً ذاتياً لأفكارها في سلسلة كتب «المراجعات»، ثم انتقلت بعد ذلك الى العمل السياسي والسلمي من خلال حزب البناء والتنمية.

 أما السلفيون الذين كان موقفهم التقليدي ناقداً للديموقراطية ورافضاً لها، فانهم تحولوا فجأة الى العمل السياسي والى المشاركة الديموقراطية دون ان يراجعوا موقفهم الأصلي، فيما هو معلن على الأقل.

(3)

في ظل هذه الملابسات المعقدة بدا مصطلح «التوافق» وكأنه المفتاح السري الكفيل بتسيير دفة مجلس الشعب وتوفير فرص النجاح له في أدائه لمهمته.

ورغم أن ذلك مدخل صحيح إلا أنه يحتاج الى ضبط، ذلك أنه قد يبدو معطلاً ومتعذراً اذا كان يعني اشتراط اجماع كل الأحزاب الخمسة عشر الممثلة في المجلس، وقد يكون مدخلاً تلجأ اليه الأحزاب الصغيرة التي لا يتجاوز ممثلوها أصابع اليد الواحدة، لابتزاز القوى الممثلة لأغلبية الشعب واستخدام «الفيتو» ضدها.

وقد يكون مقبولاً ومفهوماً أيضاً اذا كان يعني استمرار التفاهم بين القوى الرئيسية «الحرية والعدالة والنور والوفد والكتلة مثلاً». وقد لا يكون هناك مفر من اللجوء الى التصويت العام في بعض الحالات لحسم الاختلاف في الرؤى والاجتهادات.

في رأي الدكتور عمرو هاشم ربيع الخبير بمركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام أنه على الرغم من أهمية التوافق فإن التقسيمات النمطية التقليدية لن يكون لها حظ كبير في مجال عمل المجلس، ففكرة التحالفات لن تكون قائمة بالضرورة، ولا قسمة اليمين واليسار ولا الاصطفاف في معسكرين ديني ومدني.
إنما ستتغير المواقف بتغير الموضوع المثار، اذ قد يتفق البعض حول موضوع ثم يختلفون في موضوع اخر، وبشكل عام فإن فرصة التوافق حول ما هو سياسي واقتصادي أو معيشي قد تكون أفضل كثيراً من الاتفاق حول ما هو ثقافي مثلاً،
علماً بأن أحداً لا يستطيع ان يتكهن بحجم الخلافات التي يمكن ان تنشأ بين الفرقاء في مرحلة انتخاب لجنة الدستور أو أثناء إعداد الدستور.

لا مفر مع ذلك من الاعتراف بأن حداثة تجربة اشتراك الجميع في مجلس الشعب، ومن ثم «اضطرارهم» للعمل معا لم تخل من تأثر بالرواسب القديمة والحساسيات بين القوى السياسية المختلفة.

وقد ظهر ذلك أثناء تشكيل لجان المجلس، حيث اعتذر بعض ذوي الخبرة من الأحزاب الأخرى عن رئاسة بعض اللجان لعدم رغبتهم في التعاون مع الإخوان، على الرغم من ان منهم من تولى بعض مواقع المسؤولية في ظل النظام السابق، وتذرع آخرون بحجة التوافق لفرض شروطهم على الأغلبية.

(4)

في هذه الأجواء التي أنعشت أملنا في التقدم على طريق تأسيس النظام الديموقراطي الجديد، واستبشرنا خيراً بإجراء الانتخابات بحرية ونزاهة، فإننا لم نعدم أصواتاً امتعضت لما أسفرت عنه النتائج التي أظهرت فوز الأحزاب الاسلامية بنسبة عالية من الأصوات.

نعم عبر بعض ذوي النوايا الطيبة عن أملهم في ان تطور تلك الأحزاب من أفكارها ومواقفها بحيث تنجح مع الجماعة الوطنية في تضميد جراح الوطن والأخذ بيده لتجاوز أزمته، إلا أن الممتعضين ما برحوا يعبرون عن حزنهم وتشاؤمهم،
فقرأنا تشكيكاً في قدرة الفائزين على الإنجاز، وتخويفاً من احتمالات التضييق على الحريات العامة والخاصة. كما قرأنا غمزاً في دور الدين الذي استخدم لجذب الأصوات.

قرأنا أيضاً غمزاً من نوع آخر في وعي الناس وانتشار الأمية بينهم وردوا ذلك في انحيازهم الى الأحزاب الإسلامية.. إلخ.

كل هذه الانتقادات على قسوة بعضها مفهومة وليست مفاجئة، اذ يحفل بها الإعلام المصري منذ عقود، لكن ما كان جديداً وصادماً حقاً هو ما قرأناه في جريدة «الأهرام» «صباح يوم الثلاثاء الماضي 1/24»، للدكتور مراد وهبة.

ذلك أنه استحضر تاريخ الحزب النازي وما فعله باليهود في ثلاثينيات القرن الماضي، وخلص منه الى أن المشكلة لم تكن في هتلر وحملة الابادة «الهولوكوست» التي حدثت أثناء حكمه لألمانيا، ولكنها كانت أيضاً في الشعب الألماني ذاته الذي شاعت في أوساطه معاداة السامية، وظل مهجوساً بأن الشعب الآري هو الذي سيقود العالم ويصبح معلم البشرية.

 الى هنا والكلام عادي ويمكن اعتباره بمثابة قراءة يمكن الاتفاق أو الاختلاف معها، لكن الدكتور وهبة وظف هذه الخلفية للانقضاض على الإخوان والمطابقة بين كلام مرشدها الدكتور محمد بديع وبين الفلسفة الملهمة لهتلر والحزب النازي.

ولو أنه أراد هجاء الإخوان فقط لهان الأمر نسبيا، ولأصبح الرد على الكلام حقاً لهم. لكن المشكلة أنه حين اتهم الشعب الألماني بالنازية، فانه أسقط نفس المعيار على الشعب المصري، الأمر الذي فهم منه غمزاً في عقيدة الشعب المصري التي دفعته الى التصويت للاخوان والسلفيين، خصوصاً أنه تساءل عن التماثل بين الحزب النازي والإخوان.

وحين فعل ذلك فإن هجاءه للإخوان الذي هو حر فيه تحول الى ذم ليس فقط للشعب المصري ولكن الى تجريح لعقيدته.

سواء قصد الرجل ذلك أم لم يقصد، فإن كلامه أثار التباساً واستياء حدثني عنه كثيرون، وكان له أثره الغاضب في مقالة كتبها زميلنا الأستاذ أسامة غيث في جريدة «الأهرام» ذاتها عدد «1/28».

إنه أمر محزن حقاً ان يحلم الجميع بتوافق واحتشاد لتحقيق الأمل في المستقبل، ثم يفاجئنا أحد الحانقين «بكرسي في الكلوب» يريد به أن يطفئ البهجة ويشيع الظلام في السرادق المنصوب.
....................

Delete this element to display blogger navbar