Subscribe:

Ads 468x60px

25 فبراير، 2015

داعش صناعة محلية

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 7 جمادى الأولى 1436 26 فبراير 2015
داعش صناعة محلية - فهمي هويدي

إذا فشلنا في تحديد مصدر البلاء المسمى داعش، فلن نتمكن من فهم ظاهرته أو التصدي لها.

هذه ملاحظة دفعتني إلى تسجيل تعدد الآراء واختلافها بخصوص منشأ الظاهرة ومصدرها.
وما استوقفني في تلك الآراء أن أغلبها ــ في مصر على الأقل ــ يشير إلى عوامل الخارج باعتبارها الجهة التي صنعت التنظيم وأطلقته،

ورغم أننا اعتدنا أن نشير إلى إسرائيل في مثل هذه الحالات لأسباب مفهومة لا داعي للإفاضة فيها،
إلا أنني لاحظت ان مدارس التفسير في الإعلام المصري كانت هذه المرة أكثر تجاوبا مع اتجاهات الريح السياسية.

إذ ندُرت الإشارة إلى الدور الإسرائيلي في حين تعددت الإحالات إلى الدور الأمريكي، الذي يحظي بنصيب وافر من الهجوم والاتهام من جانب الإعلام المصري،
 ولا أعرف ما إذا كانت تلك مصادفة أم لا.

وقد شجعني على مناقشة الموضوع ما كتبه الدكتور جلال أمين بخصوصه أخيرا في جريدة الأهرام (عدد ٢٣/٢).
ذلك أنه تبنى الموقف ذاته وإن بصورة أكثر توازنا. فذكر أنه حين سمع بأمر «داعش» لأول مرة فإنه لم يتردد في وصفها بأنها «ليست صناعة محلية، بل أجنبية، وان لم أستطع حتى الآن أن أحدد ما هي بالضبط الأيدي الأجنبية التي صنعتها».

قبل مناقشة الفكرة فإنني أمهد بملاحظتين هما:

*
إننا في الظواهر الاجتماعية نخطئ إذا أرجعناها إلى سبب واحد، لأن السلوك الإنساني يتداخل في توجيهه عوامل عدة، بعضها ذاتي موروث وبعضها مكتسب والبعض الثالث بفعل عوامل ومتغيرات تطرأ على البيئة السياسية.
وربما انضاف إلى تلك العوامل عنصر الضرورة الناشئ عن ضيق الخيارات أو ندرتها.

وهو ما يعني أن الظاهرة قد تفرزها عوامل محلية، فتزكيها عوامل أخرى إقليمية، وتتلقفها قوى خارجية لتستفيد منها وتوظفها لخدمة مصالحها.

 بل إن ما تعتبره بلاء يثير فينا مشاعر الرفض والنفور، قد يبدو هدية مجانية لأطراف محلية أخرى، حين تهول من شأنها وتثير فزع الناس منها، لتبرر بذلك إجراءاتها القمعية وتغطي به فشلها على جبهات أخرى.

*
إن الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على رأسها رغم انها قد لا تتمنى لنا خيرا، إلا أنها ما عادت مضطرة للتآمر علينا،
أولا لأن ما يحدث في العالم العربي جراء صراعاته الداخلية يحقق للشامتين والكارهين مرادهم بغير جهد من جانبهم.
 وثانيا لأن أنظمة العالم العربي لم تعد تشكل مصدر إزعاج للدول الكبرى.
وأيا كانت مواضع الاختلاف في بعض المواقف والسياسات فالثابت أن العلاقات والمصالح الاستراتيجية ثابتة ومستقرة.
ولا تلوح في أفق المنطقة أي بوادر للمساس بالاستراتيجيات والمصالح الغربية،

 الأمر الذي قد يضطر بعض تلك الدول إلى زعزعة الأوضاع في أنظمة المنطقة لتوجيه رسائل من أي نوع إلى قادتها.

إذا حاولنا تنزيل هذه الخلفية على أرض الواقع فسوف يلفت نظرنا ان تنظيم داعش الذي يعد جيلا متطورا من تنظيم القاعدة نشأ في العراق التي كانت بيئتها مواتية تماما لاستنبات ذلك المشروع.
إذ رغم تعدد فضائل العراقيين، إلا أن أحدا لا ينكر أن ثقافة القسوة والعنف لها جذورها في بلادهم.

 ولئن قدم نظام الرئيس السابق صدام حسين نموذجا للقسوة والوحشية، إلا أنه لم يبتدع ذلك الأسلوب وإنما عممه فقط. فالسحل له تاريخ في العراق.
 إذ كان ذلك حظ الأمويين في شوارع البصرة في بداية الخلافة العباسية.
وهو ما تعرض له اثنان من العائلة الملكية الهاشمية في بغداد بعد الثورة (فيصل الأول وخاله عبدالإله)
 وهو ذات المصير الذي لقيه رئيس الوزراء الأسبق نوري السعيد آنذاك (عام ١٩٥٨).
كما لم يسلم منه الجنود الأمريكيون في الفلوجة.

إذا أضفنا الاحتلال الأمريكي الذي أهان العراقيين وأذل المقاومين في سجن أبوغريب، وسياسة القمع والقهر المذهبي الذي تعرض له أهل السنة في ظل حكومة المالكي، فلا غرابة ان يستدعي كل ذلك النموذج الوحشي الذي شكلته داعش، واستخرجت لأجله مواريث العنف في مواجهة الآخر، مستفيدة من مشاعر القهر لدى أهل السنة في العراق.
وقد وجدت هذه الموجة ترحيبا في أوساط المتعصبين والمقهورين وأنصاف المتعلمين في العالم العربي إلى ان وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.

هذه الخلفية لا تحتاج إلى متآمر أجنبي، وان كان من الطبيعي والمفهوم أن يحاول كل صاحب مصلحة الإفادة منها، وبقايا حزب البعث وجيش صدام حسين المنحل بل النظام السوري في مقدمة هؤلاء.

أما مسألة استعادة الخلافة وإزاحة كل من يعترض طريقها أو يتردد في إعلان البيعة لها، فهي لا تختلف كثيرا عن استدعاء فكرة المهدي المنتظر التي يشيع البعض أنه سيظهر في العام الحالي (٢٠١٥).
ولا ننسى أن مسألة الخلافة تدغدغ مشاعر أجيال المسلمين الذين نشأوا في الغرب، فعانوا من التمييز والدونية، كما عانوا من قلة المعرفة بدينهم. وكان ذلك سببا في سرعة انجذابهم إلى داعش ومشروعها.

لا يسرنا بطبيعة الحال أن تكون داعش صناعة محلية على العكس ما ذهب إليه الدكتور جلال أمين، ولكنها الحقيقة المحزنة التي يتعين الاعتراف بها.
وأكرر أن ذلك لا يمنع من أن تحاول أطراف أخرى الإفادة منها.

ذلك ان داعش قدمت أكبر خدمة للنظام السوري لأنها اقنعت قطاعات عريضة من السوريين بأن جرائم نظام الأسد أهون من الفظائع التي أقدمت عليها داعش أو القاعدة، ثم إنها روعت العرب بصورة أنستهم قضية فلسطين ووضعت مسألة الإرهاب على رأس التحديات التي تواجههم.

 ذلك فضلا عن أنها شوهت صورة الإسلام والمسلمين في العالم، من أوروبا وأمريكا إلى اليابان. بل إن المسلمين في العالم الغربي أصبحوا ضمن ضحاياها، بسبب تنامي الحملات العدائية التي دعت إلى طردهم.

قل ما شئت في التداعيات البائسة التي ترتبت على ظهور داعش في العالم العربي، ولك أن تضيف ما شئت من أطراف حاولت أن تشيع الخوف منها وتستثمر ذلك الخوف لخدمة أغراضها،
لكنك لن تستطيع أن تتجاهل أنها خرجت من بيئتنا وان خلفية القهر والظلم هي التي استدعتها بحيث استخرجت من شرائح المتعصبين وأنصاف الأميين اسوأ ما فيهم لكي يشوهوا أعز ما عندنا.
.................

خوف على الجامعة

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 6 جمادى الأولى 1436 25 فبراير 2015
خوف على الجامعة - فهمي هويدي

خوفنا على الجامعات المصرية يزداد يوما بعد يوم.
على الأقل فذلك ما توحي به الأخبار المنشورة وغير المنشورة.

إذ لا يستطيع المرء أن يخفي شعوره بالخوف حين يقرأ في الصحف الصادرة صبيحة يوم ٢٣ فبراير الحالي أن أستاذا بقسم الفلسفة بكلية آداب المنصورة اسمه الدكتور عادل بدر انتقد النظام القائم بعد الانتهاء من مناقشة رسالة للماجستير يوم الخميس ١٩/٢.

لكن نقده لم يمر، إذ نقل الكلام إلى عميد الكلية الذي حرر مذكرة بالواقعة.
ثم قدمها إلى رئيس الجامعة الذي استنفر بدوره وأصدر قرارا بوقف الأستاذ عن التدريس وإحالته إلى التحقيق،

وحين نشرت جريدة «اليوم السابع» الخبر فإنها صاغته بحيث نسبت إلى الأستاذ قوله ان نظام الحكم عسكري واستبدادي، مضيفا انه لا توجد نهضة في مصر وانه ضد النظام الحالي.

وقالت الجريدة إن كلام الأستاذ استقبل باستنكار عام من جميع الحضور،
وان الرجل اعتذر رسميا عما بدر منه، ورغم ذلك فإن رئيس الجامعة أحاله للتحقيق «حفاظا على القيم والمبادئ الجامعية، حتى لا يتكرر ذلك لأن الجامعة منبر للعلم فقط وليست مكانا للسياسة».

 
جامعة الأزهر شهدت واقعة أخرى في نفس التوقيت.
ذلك ان رئيس الجامعة كان قد أصدر قرارا بتعيين الدكتور ماجد عبدالسلام عميدا لكلية الدعوة الإسلامية، من بين ثلاثة أساتذة تم ترشيحهم للمنصب.

ومفهوم ان قرارا من ذلك القبيل لا يصدر إلا بعد إجراء التحريات اللازمة من جانب الجهات المعنية والأمنية في المقدمة منها.

وبعدما أبلغ العميد الجديد بالقرار شاع الخبر وإذا بأحدهم يبلغ رئيس الجامعة بأن الدكتور ماجد كان مستشارا لوزير الأوقاف السابق في حكومة الإخوان،
وهو ما لم تشر إليه التحريات التي أجريت عنه. بسبب من ذلك فإن رئيس الجامعة سارع إلى إلغاء قراره بعد ١٢ساعة من صدوره،

وقال لجريدة الأخبار إن ترشيح الدكتور ماجد عبدالسلام لم يكن نهائيا. لأنه كان ينبغي أن يقدم اسمه إلى رئيس الوزراء لاستصدار قرار تعيينه بمتقضى سلطته.

ونقلت عنه وكالة أنباء الشرق الأوسط قوله ان معيار ترشيح أي عميد للتعيين هو ثبوت انتمائه إلى مصر «الحبيبة» وإلى الأزهر وإلى جامعته، بعيدا عن أي انتماء سياسي أو حزبي أو مذهبي.

مما ذكره رئيس الجامعة أيضا انه بعد ترشيح شخص لمنصب عميد كلية فإنه يتم وضعه تحت الاختبار لمدة معينة،
وإذا أثبت ولاءه وتوافرت الصفات المطلوبة للمنصب يتم تقديم اسمه لرئاسة الوزراء لاستصدار قرار تعيينه.

القصتان السابقتان وقعتا في الأسبوع الماضي، وهما تعبران عما آل إليه وضع الجامعة، وكيف عوقب أستاذ بالإيقاف وأحيل إلى التحقيق لأن له رأيا مخالفا في الوضع القائم،

 كما ان أستاذا رشح للعمادة ثم ألغي تعيينه للشك في ولائه للأزهر، بعدما بلغ مرتبة الأستاذية فيه، لمجرد أنه كان مستشارا لوزير في حكومة الإخوان.
وقيل ان العميد يوضع تحت الاختبار للتثبت من ذلك الولاء.

إذا أضفت إلى ذلك الاسلوب في التعامل مع الأساتذة والعمداء سلسلة الإجراءات التي اتخذت بحق الجامعات خلال الأشهر الماضية فستجد ان الخوف له ما يبرره.

أتحدث عن قرار إلغاء انتخاب العمداء وإطلاق يد السلطة التنفيذية في تعيين الأشخاص الذين تتخيرهم في ضوء حساباتها.

وليس أولئك الذين يحصلون على ثقة أعضاء هيئات التدريس بكل كلية.
أتحدث أيضا عن عمليات التفتيش التي بات يتعرض لها الأساتذة كل يوم بدعوى احتياطات الأمن،
 كما أتحدث عن تعديل قانون تنظيم الجامعات بما يعطي مدير الجامعة سلطة فصل الأساتذة دون الرجوع إلى لجان التحقيق.

أما فصل الطلاب فقد بات أمرا مفروغا منه.

أتحدث كذلك عن عودة أجهزة الأمن تحت مسميات مختلفة، واحاطة الجامعات بالمدرعات، بعدما ناضل الأساتذة طويلا ونجحوا في استصدار حكم بإلغاء الحرس الجامعي.

أضيف إلى ما سبق الشلل الذي أصاب مراكز البحوث في الجامعات بعد تقديم الاعتبارات الأمنية على كل ما عداها.

 كما أضيفت بدعة «الطلاب الوطنيين» الذين أصبحوا عيونا للأجهزة الأمنية مجندة للوشاية بزملائهم. وهي الأجواء التي أوقفت أنشطة الاتحادات الطلابية، بعد إصدار لائحة لم يكن للطلاب رأي فيها. ثم تأجيل إجراء انتخابات الاتحادات لأسباب أمنية...إلخ.

هذه الإجراءات المتلاحقة كان لها أثرها السلبي الذي أدى إلى تسميم الوسط الجامعي، بحيث ما عادت الجامعات مكترثة بالتعليم أو البحث العلمي أو ممارسة حرية الرأي التي تصقل الشباب قبل تخرجهم. فلم ينكسر الطالب فحسب، ولكن الأستاذ أيضا أصابه الانكسار والهوان.

وكانت النتيجة اننا صرنا بإزاء مؤسسات جامعية جرى تفريغها من مضمونها ورسالتها، بعدما أصبح الشعار المرفوع فيها هو «لا صوت يعلو فوق صوت الأمن».

المقلق في الأمر ان هذا الذي يحدث في الجامعات لا يؤدي إلى النيل من مكانتها وتدهور أوضاعها فحسب، ولكن لأن آثاره على المستقبل بالغة الخطورة. ببساطة لأن ذلك الذي يزرع اليوم في محيط الجامعة التي كانت منارة يوما ما، سنجني ثماره المرّة في المستقبل وسيكون الوطن هو الخاسر الأكبر فيه.

أدري أن الصورة مقلقة لعدد غير قليل من الأساتذة الجامعيين، خصوصا أولئك الذين ناضلوا طويلا دفاعا عن كرامة الجامعة واستقلالها.

وفي حدود علمي فإن هؤلاء يستعدون الآن لإحياء الذكرى السنوية لتأسيس حركة 9 مارس التي كانت تعبيرا عن طموح واعتزاز أساتذة الجامعة بدورهم الرسالي.

وقد فهمت ان موضوع الحرية الاكاديمية والحريات العامة يتصدر جدول أعمال المؤتمر، إلا أنني أشفق على أولئك النشطاء من جسامة المهمة التي يتصدون لها، لأنني أزعم بأن الجهد المطلوب يتجاوز بكثير قدرتهم على الحركة والتأثير، باعتبار أن المشكلة جاءت من خارج الجامعة ولم تنبع من داخلها.
..........................................

24 فبراير، 2015

أجراس انفراط عقد العرب الفريد - المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 5 جمادى الأولى 1436 – 24 فبراير 2015
أجراس انفراط عقد العرب الفريد – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

في حين يستمر انفراط عقد العرب الفريد تحت أعيننا، فإننا جميعا نقف مما يجرى موقف المتفرجين الذاهلين.

(١)

الوصف أعلاه مستلهم من الكلمة التي وجهها إلى مجلس الأمن يوم ١٢ فبراير/شباط الحالي الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في معرض حديثه عما آل إليه الوضع في اليمن.
إذ حين حاول الرجل أن يستنهض همة سامعيه من ممثلي الدول الأعضاء في مجلس الأمن فإنه قال:
 لا يمكن أن نشاهد اليمن "ينهار أمام أعيننا".

وقد أبرزت العبارة بعض الصحف العربية من باب تقدير غيرة الرجل والتنويه بأهمية الموضوع الذي لم تكترث به الجامعة العربية وتعاملت معه باعتباره شأنا خليجيا،
وبالتالي فإن الإبراز لم يحدث صدى من أي نوع في العالم العربي، وتم التعامل معه بحسبانه مجرد "فاصل" في مشهد الفرجة.

قبل ذلك بأيام قليلة (في ٧ فبراير/شباط) نشرت صحيفة "الحياة" اللندنية حوارا أجراه رئيس تحريرها الزميل غسان شربل مع السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان بالعراق، قال فيه الأخير إن الحدود الموروثة من سايكس بيكو (عام ١٩١٦) كانت مصطنعة، وإن حدودا جديدة ترسم الآن بالدم في العراق وسوريا واليمن.

الأخبار التي تواترت في الأيام التالية مضت في ذات الاتجاه، فقد كان العنوان الرئيسي لصحيفة الحياة في ١٤ فبراير/شباط يعلن أن اليمن يتفتت بين الحوثيين وإمارات القاعدة والحراك الجنوبي،

وقبل ذلك بيوم ذكرت وكالات الأنباء أن اجتماعا عقد في مدينة القامشلي للتنسيق بين القوى الديمقراطية السورية والمجلس الوطني الكردي والاتحاد الديمقراطي الكردي، وقدم فيه ممثل الاتحاد الأخير خريطة جديدة لما سموه "كردستان سوريا"، ضمت الأقاليم الكردية في وحدة جغرافية متصلة، واعتبرت الخريطة الجديدة تمهيدا للمطالبة بتحويل سوريا إلى دولة فدرالية يكون للأكراد فيها وضعهم شبه المستقل، أسوة بما حصل في العراق.

(٢)

الأخبار المنشورة رصدت إشارات انفراط العقد العربي وإرهاصات الانتكاسة التي بلغت ذروتها في التراجع عن فكرة الأمة والتهيؤ للعودة إلى طور "القبائل" المذهبية والعرقية والسياسية.

وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن "الوحدة" التي كانت حلما عربيا في مرحلة النضال ضد الاستعمار في النصف الثاني من القرن الماضي، تهاوت ركائزها واحدة بعد الأخرى في ظل الاستقلال،
 إذ لم تتوافر لها المقومات الضرورية للاستمرار في ظل الأنظمة الوطنية التي احتكرت السلطة والثروة، الأمر الذي أفقد العالم العربي مناعته وأدخله متاهة التفكيك والانفراط.

في المرحلة الاستعمارية كان الاصطفاف ضد العدو الخارجي سمة لا خلاف حولها، إلا أن الأمر اختلف في ظل الاستقلال،
 إذ رغم أن دور الخارج لم يختف تماما وظل فاعلا بدرجة أو أخرى، فإن الصراع بين الأشقاء أصبح السمة الأبرز في مرحلة الدولة الوطنية.

 ذلك أنك إذا يممت وجهك أنحاء العالم العربي فستجد أن صراع الداخل محتدم بدرجة أو أخرى، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إن كل أنواع الصراعات أصبحت موجودة في العالم العربي.

 والعراق وسوريا واليمن نموذجية في جنسها،
فهي تارة بين السنة والشيعة، وتارة بين السنة والعلويين،
 وبين الزيود والشوافع، وبين العرب والأكراد،
 وبين دعاة الخلافة (داعش مثلا) والتيارات الإسلامية والوطنية الأخرى،
 وبين السلفيين والجهاديين، والجنوبيين والشماليين.

وليبيا حافلة بكم مماثل من الصراعات بين القبائل تارة وبين القوى السياسية التي قامت بالثورة وخصومها تارة أخرى،
وبين ذوي الأصول العربية والأفريقية، وبين دعاة السلفية الجهادية والسلفية الدعوية.

وفي مصر صراع سياسي في جانب وصراع ضد الجماعات الإرهابية في سيناء،
وصراع ثقافي بين الإسلاميين والعلمانيين،
وتوترات مكتومة بين المسلمين والأقباط.

السودان أيضا له نصيبه من الصراع الذي أدى إلى انفصال الجنوب وترددت أصداؤه في دارفور والنيل الأزرق وكردفان.
ولبنان لم تتوقف فيها الصراعات السياسية والمذهبية، والتي تتحول إلى صراعات مسلحة من حين إلى آخر بين المسلمين والمسيحيين، أو الشيعة والسنة، أو بين غلاة أهل السنة ومعتدليهم.

كما أن الخليج ليس بعيدا عن الصراعات التي لها وجهها المذهبي حينا (في البحرين)، ووجهها السياسي بين السلطات والنشطاء الإصلاحيين في أحيان كثيرة، كما هو الحاصل في الكويت والسعودية والإمارات.

وذلك غير الصراعات الحاصلة بين دول الخليج سواء في علاقاتها البيئية أو جراء مواقفها من الربيع العربي،
الأمر الذي ترتب عليه وقوف قطر في جانب، والسعودية والإمارات والبحرين في جانب معاكس.

والخلاصة أن العالم العربي تحول إلى ساحة عراك كبيرة شاركت فيه أنظمته تارة، واشتبكت فيه مكوناته الداخلية تارة أخرى.

 وفي هذه الأجواء برزت حقيقتان:
 الأولى، أنه أصبح مفتقرا إلى القيادة التي تلملم أطرافه وتضمد جراحه، الأمر الذي حوله إلى جسم بلا رأس وسفينة بلا ربان، كما ذكرت في مقام سابق.

 والثانية، أنه في ظل فراغ القيادة أصبح تأثير ونفوذ القوى التي من خارجه أكبر من نفوذ أي دولة بذاتها من داخله،
وإذ تحولت الدول الكبرى إلى لاعب مهم في الساحة العربية (أميركا وروسيا بوجه أخص) فإن دولا أخرى مثل إيران وتركيا دخلت ضمن دوائر النفوذ والتأثير.
كما أن الدور الإسرائيلي يتعذر تجاهله، وإن تم أكثره من وراء الأستار.

(٣)

في ٢٨ أغسطس/آب عام ٢٠١٣ نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا مدعوما بالخرائط للباحثة الأميركية روبن رايت عرضت فيه أحد سيناريوهات الانفراط في العالم العربي.
ومما ذكرته أن الشروخ والتشققات الحاصلة في خمس دول عربية يمكن أن تنتهي بتقسيمها إلى ١٥ دولة.
والدول التي عنتها هي: سوريا والعراق والسعودية واليمن وليبيا.

حظي التقرير آنذاك بنشر واسع وبهجوم كبير، وكانت النقطة المحورية في الهجوم هي أن تفتيت العالم العربي مؤامرة وحلم إسرائيلي بامتياز.
وهذه معلومة صحيحة ولها مبرراتها، ذلك أن محاولات إسرائيل لتفتيت العالم العربي من خلال إذكاء خصوماته وإشغاله بمشكلات الداخل لم تعد سرا، فضلا عن أنها مفهومة،

والوثائق الدالة على دعم إسرائيل لانفصال جنوب السودان، وللتواصل مع الأكراد في العراق والموارنة في لبنان تتحدث بصراحة عن الجهود التي بذلت في ذلك الاتجاه.

وقد سبق أن عرضت خلاصة للبحث الذي قدمه بهذا الخصوص عام ٢٠٠٣ العميد المتقاعد موشى فرجي إلى مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا،
وفى البحث جزء خاص بالتحالف مع الأقليات العرقية والطائفية في الوطن العربي باعتبارها حليفا طبيعيا لإسرائيل، وممن أشار إليهم -غير ما ذكرته- بعض الأقباط في مصر والدروز والأكراد في سوريا.

من النقاط المهمة التي أثارتها الدراسة أن الخبراء الإسرائيليين الذين وضعوا خطة اختراق العالم العربي من خلال مساندة أقلياته وتشجيعها على الانفصال، انطلقوا من فكرة أساسية حرصوا على الترويج لها،
وتتمثل فيما يلي: إن المنطقة العربية لا تشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة كما يقول العرب، وإنما هي خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والديني والإثني، بمعنى أنها بمثابة فسيفساء تضم بين ظهرانيها شبكة معقدة من أشكال التعدد اللغوي والديني والقومي،

 ولذلك فإن وجود إسرائيل ضمن تلك الشبكة يصبح طبيعيا، إذ حين تصبح المنطقة وعاء لمجموعة من الأقليات فلا يكون هناك تاريخ موحد يجمعها.

ومن ثم يصبح التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل أقلية على حدة، ورتب الباحث الإسرائيلي موسى فرجي على ذلك نتيجتين:
تتمثل الأولى في رفض مفهوم القومية العربية والدعوة إلى الوحدة العربية،
 أما الثانية فتتمثل في تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

سجل الباحث أن هذه السياسة انتهجتها إسرائيل منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، وأن أول رئيس وزراء للدولة العبرية ديفد بن غوريون كان صاحب التوجيه الصادر في ذلك الصدد.

ومن مفارقات الأقدار أن ما سعت إليه إسرائيل منذ ذلك الحين اقترب منه العرب بجهدهم الذاتي (!) بعد أكثر من نصف قرن.

(٤)

في منتصف يناير الماضي عقد "معهد هرتسيليا المتعدد المجالات" في تل أبيب حلقة نقاشية حول المخاطر الأمنية التي تتهدد إسرائيل في العام الجديد (٢٠١٥).

 وأهم ما خلصت إليه المناقشات أن الوضع الحالي في العالم العربي مثالي بالنسبة لأمن إسرائيل.

ذلك أنها لم تعد تواجه تحديات من جانب الجيوش العربية، التي أصبح معظمها بلا جدوى من نواحٍ عديدة، لأنها أصبحت منخرطة في الصراعات ومنشغلة بالأمن الداخلي.

 وبسبب ذلك؛ فإن إسرائيل انتقلت إلى عالم آخر، بعدما تعودت على التعامل مع جيوش نظامية كبيرة لها دبابات ومدافع ومئات الطائرات ومئات الألوف من الجنود.
وفي الوقت الراهن فإنها أصبحت تواجه تهديدا من نوع مختلف بات يتمثل في المنظمات التي تحركها الأيديولوجيا الإسلامية.

ورغم أن النقطة المضيئة في ظلام المنطقة باتت تتمثل في انهيار الدول العربية وتفككها، فإن وجود داعش يظل مصدر قلق لها.
إذ تخشى إسرائيل أن يستقر الوضع لها في المنطقة، الأمر الذي قد يدفعها إلى توجيه نشاطها ضدها.

ومع ذلك، فقد اعتبر الخبراء الذين اشتركوا في الحلقة النقاشية أن التهديد الأكبر لإسرائيل في الوقت الراهن يتمثل في إمكانية أن تنجح إيران في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة والدول الغربية يسمح لها بالتقدم باتجاه الحصول على القدرات النووية العسكرية.

وذلك قد لا يتم في نهاية العام الحالي، لكن مجرد إنجاز الاتفاق مع الدول الغربية يفتح الباب لإيران لكي تمضي في ذلك الاتجاه. انتهى الاقتباس.

لا أكاد أسمع رنينا لتلك الأجراس التي تنبه إلى انزلاق العالم العربي في مسار الانفراط، الذي يمهد لطي صفحة الأمة وإجهاض حلم الوحدة، ويجعل الحفاظ على الأوطان وتثبيت السلطان هو غاية المراد وواجب الزمان.

وإذ بات الانكفاء على الذات قضية العرب المركزية، فإننا في أجواء الغيبوبة الراهنة ما عدنا نصوب النظر ناحية العدو الإسرائيلي الإستراتيجي القابع على الحدود، حتى أصبحت أشك في أن متغيرات السياسة وانتكاساتها أحدثت تغييرا جوهريا في العقيدة العسكرية للجيوش العربية، بحيث ما عادت تعرف من هو العدو الإستراتيجي،
كما أنني صرت أشك في أن أجيالنا الجديدة تعرف ما هي قضية العرب المركزية.

 وأرجو أن تكون هذه مجرد كوابيس وخيالات ليس أكثر.
..................

22 فبراير، 2015

موسيقيون وأمنجية!

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 4 جمادى الأولى 1436 23 فبراير 2015
موسيقيون وأمنجية! - فهمي هويدي

هل يمكن أن نستيقظ ذات صباح فنفاجأ بأن نقابة المهن الموسيقية قررت شطب اسم محمد عبدالوهاب لأن القنوات المناهضة للنظام المصري دأبت على إذاعة أغنيته «أخي جاوز الظالمون المدى».
 ثم نفاجأ بعد ذلك بشطب أم كلثوم لأن أغانيها «دارت الأيام» و«حيرت قلبي معاك» و«علموني أندم على الماضي وجراحه» محملة بإيحاءات فيها غمز في النظام وقياداته؟

إذا وجدت السؤال غريبا فأنت معذور لا ريب، لكني أنبهك إلى أن ذلك ليس مستبعدا تماما.

ذلك أن نقابة المهن الموسيقية فعلتها مع المطرب الصاعد حمزة نمرة. صاحب أغاني «لسه العدل غياب» ــ و«يا مظلوم ارتاح» ــ و«ضلِّمت كده».
وللدقة فإنه لم يعاقب لهذا السبب وحده، ولكن لأن أغانيه تبثها القنوات ذاتها التي ما برحت تبث أغنية عبدالوهاب «أخي جاوز الظالمون المدى».

إذا لم تصدقني فإليك نص البيان الذي صدر عن النقابة المذكورة يوم ١٦ فبراير الحالي، وجاء فيه أن نقابة المهن الموسيقية «قررت إيقاف العضو المنتسب حمزة نمرة.
وذلك بناء على ما ورد إلينا من أنه يقوم بالغناء في بعض القنوات التي تحرض على الجيش والشرطة والرموز الوطنية كالرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية وإهانة الدولة (هكذا ذكر النص)
وهذه إهانة لنا جميعا كأعضاء مجلس الإدارة متضامنين مع القيادة السياسية».

وقد وقع البيان رئيس لجنة العمل مصطفى كامل ــ وسكرتير عام النقابة أحمد رمضان.

ما فهمته أن حمزة نمرة لا يقوم بالغناء بنفسه في القنوات المذكورة (الإخوانية)،
ولكنها تبث أغانيه شأنه في ذلك شأن مطربين آخرين،
 لكن النقابة قررت إيقافه لأن هناك شبهات تتردد حول تعاطفه مع الإخوان رغم أنه نفى وجود علاقة له بهم، ولم يثبت ذلك بحقه من جانب أي جهة أخرى.
أي أن الرجل لم يفعل شيئا مخالفا للقانون يوجب معاقبته.
ولكن النقابة أخذت بالشبهات وأصدرت قرارها، الذي سيؤدي إلى منع أغانيه عبر التليفزيون والإذاعة الرسمية، وقد تحذو حذوها القنوات الخاصة التي أصبحت تزايد على القنوات الحكومية في الصراع السياسي الحاصل في مصر بمختلف تجلياته.

لست مؤهلا للحديث في الشأن الفني. وبالتالي ليس لدي أي تقييم سلبي أو إيجابي لما يقدمه حمزة نمرة، لكن جانبا واحدا يهمني في الموضوع هو أن يعاقب مواطن على ما لم يرتكبه.
وأن تتصرف نقابة المهن الموسيقية باعتبارها جهة أمنية تملك سلطة التحقيق والإدانة.

وليس ذلك أسوأ ما في الأمر، لأن الأسوأ من ذلك أن هذا السلوك يشيع في المجتمعات التي لا تحترم القانون، الأمر الذي يفسر تفشّي الظاهرة في مصر.

ذلك أنه حين يعرف أن شخصا ما لا ترضى عنه السلطة لأي سبب، فإن كل الجهات التي تتعامل معه تتنافس في إنزال العقاب به والعكس صحيح،

وذلك أظهر ما يكون في الشأن السياسي. فإذا اتهم المرء وتمت إدانته فإن المجتمع لا يكتفي بالعقوبة القانونية التي صدرت بحقه،
ولكن كل الجهات التي تتعامل معه تراجع أوراقها وتقرر أن تعاقبه في الجانب الذي يخصها.
وإذا كافأته السلطة بصورة أو أخرى فإن المزايا تنهال عليه من كل الذين يحيطون به.

 الأمر الذي يسلط الضوء على قوة وعمق نفوذ الإدارة في المجتمع المصري. وهي قوة لها جذورها البعيدة التي تمتد إلى العصر الفرعوني.
 وقد عبر عنها المثل القائل، إذا فاتك «الميري» تمرغ في ترابه.
بمعني أنه إذا فاتتك عربة السلطة فلا تتردد في أن تتمرغ في ترابها لكي تفوز بشيء من الغبار الذي خلفته.
وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأن الذوبان في «الميري» يبدو أنه جزء من الطبع المصري.

هذا الذي أدعيه تؤيده القصة التي سمعتها نقلا عن فؤاد سراج الدين(باشا) القيادي الوفدي الراحل. ذلك أن الرجل كان قد عين وزيرا للمواصلات في عام ١٩٤٩.

ومن التقاليد المرعية آنذاك أن وزير المواصلات بعد تركه للوزارة يكرم بإعطائه بطاقة تسمح له بركوب الدرجة الأولى في كل قطارات السكة الحديد بالمجان طوال حياته.
وبعد قيام ثورة يوليو. وحل الأحزاب ومنها حزب الوفد في عام ٥٣. سحب منه ذلك الترخيص الذي لم يكن يستخدمه، باعتبار أن الرجل فقد حيثيته من وجهة النظر البيروقراطية.

إلا أنه بعدما سمح الرئيس السادات بالتعددية الحزبية، وعاد حزب الوفد الجديد إلى الوجود في عام ٧٨. فوجئ فؤاد باشا برسالة في صندوق بريده أعادت إليه ترخيص ركوب القطارات بالمجان، الذي كان قد سحب منه قبل ٢٥ عاما!

تبدو القصة مضحكة لأن فؤاد باشا لم يركب القطار في حياته في أيام العز أو الهوان.
إلا أنها تبين المدى الذي تذهب إليه البيروقراطية المصرية في التقاط اتجاهات الريح.
وكيف أن الموظف المسؤول عن بطاقات السفر تطوع من جانبه بتنفيذ قرار حجب الترخيص في عام ٥٣.
وأن الذي حل محله بعد ٢٥ عاما كان نسخة من سلفه فأعاد الترخيص حين عاد فؤاد باشا إلى الضوء زعيما لحزب الوفد. وربما خطر له أنه قد يأتي وزيرا أو رئيس للحكومة يوما ما!

الإجراء الذي اتخذته نقابة المهن الموسيقية مع حمزة نمرة لم يختلف كثيرا عما فعله موظف السكة الحديد مع الباشا.

 الفرق الوحيد أن موظف السكة الحديد تصرف باعتباره رجلا بيروقراطيا في وزارة المواصلات.
 أما الذين أصدروا قرار نقابة المهن الموسيقية فقد تصرفوا باعتبارهم مخبرين تابعين لوزارة الداخلية.
 لذلك لم أستبعد أن يكون محمد عبدالوهاب أو أم كلثوم ضحيتهم القادمة.
................................

21 فبراير، 2015

الفوز بالثقة أهم

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 3 جمادى الأولى 1436 22 فبراير 2015
الفوز بالثقة أهم - فهمي هويدي

الدلائل كثيرة على أن الدولة على أعلى المستويات تدخلت بطريقة مباشرة في تكوين قائمة «في حب مصر»،
وتدخلت أيضا لإضعاف القوائم المنافسة، مما يجعل المنافسة الانتخابية مستحيلة..
وقد أصبح واضحا للجميع أن البرلمان القادم لن يمثل الشعب المصري، وإنما سيكون خليطا من مجموعتين اختارهما نظام مبارك والأجهزة السيادية في النظام القائم.

هذا الكلام ليس لي. ولا هو صادر عن شخصية معارضة، أو منظمة حقوقية ناقدة أو شاب متمرد.
لكنها شهادة أوردها الدكتور محمد أبوالغار رئيس الحزب المصري الديمقراطي، في مقالة نشرتها له جريدة «المصري اليوم» في الأسبوع الماضي (يوم ١٦/٢)..
وقد أورد شهادته ضمن ملاحظات ست على الأوضاع القائمة جاءت تحت العنوان التالي: المخاطر التي لايراها الرئيس.
وذكر في ختامها أن تفاؤله تراجع وأن «المستقبل السياسي مظلم».

الملاحظات التي أبداها الدكتور أبوالغار مهمة في مصدرها فضلا عن مضمونها.
 فالرجل كان جزءا من تحالف ٣٠ يونيو، بمعني أنه هو وحزبه كانا ضمن القوى الليبرالية التي عارضت نظام الدكتور محمد مرسي، وعلقت آمالا كبيرة على التحالف مع الجيش لإسقاطه وإقامة نظام جديد يعيد للمجتمع المصري أمله في التغيير إلى الأفضل.
لذلك فإن الانطباع المتشائم الذي عبرت عنه مقالته لابد أن يستوقفنا.

ذلك أن كثيرين ما برحوا يتحدثون عن عزوف الشباب وإحباطاتهم التي أحدثت فجوة بينهم وبين النظام القائم.

ولذلك فإن المسؤولين ظلوا حريصين طول الوقت على محاولة جذبهم واسترضائهم.
وهو ما لاحظناه في الوعود والإجراءات التي اتخذت لتعيينهم في المناصب العليا إلى جانب الوزراء والمحافظين.
 إلا أننا فوجئنا بأن الفجوة المشار إليها امتدت إلى عدد غير قليل من الشيوخ أيضا.

أحدث هؤلاء الدكتور أبوالغار الذي تجاوز السبعين من العمر. وهو أستاذ الطب الذي تحول إلى ناشط سياسي منذ انضمامه عام ٢٠٠٣ إلى حركة ٩ مارس لاستقلال الجامعات،
ثم انضم إلى الحركة الوطنية للتغيير،
وبعد ذلك أسس مع آخرين الحزب المصري الديمقراطي.
وقد فاجأنا في مقالته بأنه قرر ترك رئاسة الحزب هذا العام.

ليس الدكتور أبوالغار وحيدا في ذلك، لأن الإشارات إلى تدخل السلطة في القوائم الانتخابية متواترة في الصحف المصرية.
وهذا التواتر حاصل أيضا في الحديث عن انفراط عقد النخب التي شكلت «تحالف ٣٠ يونيو»،

الأمر الذي تمنيت أن يخضع للدراسة والتحليل. وكانت مؤشرات ذلك التراجع قد برزت في محيط شباب ثورة ٢٥ يناير، الذين توزعت رموزهم بين السجون والمنافي، إلا أنها لاحت أيضا في محيط الشرائح الأكبر سنا التي تقدمت الصفوف وشاركت في تعبئة الرأي العام وتوجيهه في ٣٠ يونيو.
 وهو ما يعني أننا بإزاء أزمة لايبدو أنها نالت ما تستحقه من الاهتمام.

الموضوع الذي أثارته شهادة الدكتور أبوالغار شديد الأهمية والحساسية.
خصوصا حديثه عن تدخل أعلى المستويات بطريقة مباشرة في تكوين القائمة المشار إليها.

ليس ذلك فحسب، وإنما كون ذلك التدخل ذهب إلى أبعد بسعيه إلى إضعاف القوائم المنافسة.

ولئن جاءت إشارته صريحة ومفصلة إلا أنه لم ينفرد بالشكوى من فكرة تدخل السلطة لصالح قائمة الأجهزة السيادية(هكذا وصفت) الأمر الذي يثير العديد من علامات الاستفهام والتعجب.

ناهيك عن أنه يعيد إلى الأذهان تجربة انتخابات عام ٢٠١٠ التي جرت في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. مع فارق شكلي بسيط هو أنها تمت تحت رعاية طرف آخر في الأجهزة السيادية.

 (بالمناسبة لايزال موجودا على الانترنت حتى الآن نص تقرير منظمة «مراقبون بلا حدود» الصادر في ١٣/١٢/٢٠١٠ الذي انتقد التدخلات الأمنية الإدارية للأجهزة التنفيذية الحكومية في سير العملية الانتخابية وإعلان اللجنة العليا لنتائج غير معبرة عن اتجاهات التصويت).

ما يقلق في الأمر ليس فقط قيام الأجهزة السيادية بالتدخل لصالح قائمة ومحاولة إضعاف قوائم أخرى،
ولكن أيضا أن تتخلى مؤسسات السلطة التنفيذية عن حيادها المفترض في انتخابات السلطة التشريعية بحيث تسعى للتأثير في تشكيل البرلمان القادم.

 وهذا التدخل إذا كان قد تم في إعداد القوائم فإنه لن يكون مستغربا إذا تم في الانتخابات الفردية، الأمر الذي يعني أنه يراد للمجلس القادم أن يكون معبرا عن السلطة وليس عن المجتمع.
وإذا تحقق ذلك فإنه يعيدنا إلى سيناريو انتخابات عام ٢٠١٠ مع الاختلاف في الوجوه والتفاصيل.

صحيح أن ثمة اتفاقا بين المحللين على أن البرلمان القادم سيكون ضعيفا لأسباب كثيرة فصل فيها آخرون، ربما كان أهمها ضعف الأحزاب وشيوع الجدب السياسي بشكل عام.

وذلك أمر يمكن احتماله نظرا لحداثة النظام الجديد، لكن هناك فرقا بين برلمان ضعيف يؤمل في تعافيه بمرور الوقت، وبرلمان معوق منزوع العافية منذ لحظة ميلاده.
وأخشى ما أخشاه أن تتسبب التدخلات في إصابة البرلمان القادم في مصر بالإعاقة المبكرة.

ما لايدركه المسؤولون في أجهزة السلطة الذين يسعون إلى التدخل في تشكيل البرلمان القادم أنهم بما يفعلونه قد يحقق لهم كل ما يريدون.
إلا أن ما قد يعتبرونه إنجازا من وجهة نظرهم سوف يفقدهم أهم أركان التفاعل بين السلطة والمجتمع.

ذلك أنهم بذلك «الإنجاز» يفقدون ثقة الناس في المسار السياسي وفي البرلمان ذاته. ومن ثم يبددون آمالهم التي علقوها على المستقبل.

إذ ليس صحيحا أن التدخل في الانتخابات يشكل خطوة إلى الأمام. لأنه في حقيقته انتكاسة وخطوة إلى الوراء.

ولا سبيل إلى استرداد تلك الثقة إلا برفع أيادي الأجهزة عن العملية برمتها، وترك المعركة الانتخابية للناس لكي يصنعوا هم نتائجها بحيث تأتي معبرة عن مواطن الضعف والقوة فيهم. وتعيد إليهم ثقتهم في أنفسهم وفي السلطة.
 وذلك هو الفوز الأكبر لو تعلمون.
.........................

Delete this element to display blogger navbar