Subscribe:

Ads 468x60px

29 أكتوبر، 2014

طه حسين أوَّابا

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 6 المحرم 1436 – 30 أكتوبر 2014
طه حسين أوَّابا - فهمي هويدي

حين حلت ذكرى وفاة الدكتور طه حسين هذا الأسبوع (28 أكتوبر)، فإن كل من تصدى لسيرة الرجل وأعماله اختار الزاوية التي تروق له.
وأكثرهم ذكَّرونا بما نعرف عن تلك الشخصية العريضة والمثيرة للجدل.

إلا أن الدكتور محمد عمارة فاجأنا بدراسة متميزة استعرضت رحلته الفكرية، وكشف لنا عن بعض أوجهه التي تجاهلها بعض الباحثين الذين اعتنوا باغترابه وسكتوا على أوبته.

الكتاب صدر مع العدد الأخير لمجلة الأزهر، واعتمدت مادته على كتابات الراحل الكبير التي وثق بها الدكتور عمارة رحلته الفكرية
(ولد في 14 نوفمبر عام 1889 ــ وتوفاه الله في 28 أكتوبر عام 1973).

 وهي الرحلة التي ألف خلالها 54 كتابا ونشر سيلا من المقالات في الصحف جمعتها وأصدرتها في 6 مجلدات دار الكتب والوثائق المصرية.

من واقع كتاباته ومواقفه المنشورة قسم الدكتور عمارة الرحلة الفكرية للدكتور طه حسين إلى أربع مراحل هي:

1
ــ البداية الفكرية، (الفترة من 1908 ــ إلى 1914) وهي التي سبقت رحلته إلى فرنسا وقد صنفها الدكتور عمارة تحت عنوان طه حسين «الشيخ».

إذ تمثل المرحلة التي بدأت بالتحاقه بالجامعة المصرية الأهلية بعد حرمانه من نيل شهادة العالمية الأزهرية، وايفاده في عام 1914 مبعوثا من الجامعة المصرية لنيل الدكتوراه من جامعة السوربون.

من كتاباته في تلك الفترة بدا الدكتور طه حسين يشق طريقه مترددا بين حزب «الأمة» ومفكره الدكتور أحمد لطفي السيد، الداعى إلى الوطنية المصرية والرافض للعروبة القومية والانتماء الحضارى الإسلامى،
وبين «الحزب الوطني» الذي أسسه مصطفي كامل، وكان يقوده الشيخ عبدالعزيز جاويش.
والاثنان من المدافعين عن الجامعة الإسلامية والخلافة الإسلامية،

 في تلك المرحلة كتب الدكتور طه حسين في «الجريدة» لسان حال الحزب الوطني يقول:
 إن الوطنية هي الجامعة الوحيدة المشتقة من الطبيعة..
وان الدين على ما فيه من إصلاح للناس وإقامة لحضارتهم وعمرانهم لا يمكن ان يكون جامعة منضبطة للحياة الدنيوية الصالحة.

إلا أن الرجل أطل بوجه آخر من خلال صحافة الحزب الوطني، فظهرت كتاباته في مجلة الهداية معبرة عن موقف مفكر إسلامى مهتديا في كتباته بضوابط الدين.
فهو يتحدث عن القرآن الكريم باعتباره «كتاب عبادات وقانوني: وحكمة وتشريع»..
ويدعو إلى قيام المسلمين بنشر الإسلام، إذ يقول «لأن التوحيد هو ملاك الفضل وقوام الأخلاق الحسنة، وان الشرك هو مصدر النقائص وجرثومة كواذب الأخلاق..
ولذلك فإننا ملزمون بنشر الإسلام ومحو آثار الشرك».

ومن الطريف أنه في تلك المرحلة، قبل أن يقترن بزوجته الفرنسية الكاثوليكية كتب في مجلة «الهداية» ذاتها قائلا:
«استطيع أن أحظر تزوج المسلم من الكتابية من الفرنج، أو على الأقل أضيق دائرته تضييقا شديدا». نظرا لما يمثله ذلك من مخاطر على دين الأسرة والتربية الإسلامية للأبناء.

2
ــ مرحلة الانبهار بالآخر (1919 ــ 1930)، ذلك ان الرجل عاد من بعثته مبهورا بالنموذج الغربى، حتى انه انحاز إلى حزب الأحرار الدستوريين ضد سعد زغلول باشا وحزب الوفد الذي كان رمزا للنضال ضد الاحتلال البريطاني.

وهي ذات المرحلة التي شارك فيها ودافع عن علمنة الإسلام حين صدر كتاب على عبدالرازق «الإسلام وأصول الحكم».
وفي الوقت ذاته شكك في المقدسات الإسلامية بكتابه «في الشعر الجاهلى».
ووقف منحازا إلى فرعونية مصر والمصريين ضد الانتماء الحضارى العربى الإسلامى.

3
ــ المرحلة الثالثة التي امتدت من 1932 إلى 1952 وصفها الدكتور عمارة بأنها مرحلة الإياب التدريجى والمخاض الحافل بالمتناقضات،
وفيها رصد الباحث إشارات التحولات الفكرية والسياسية،

إذ رغم انه ظل على تعلقه بالنموذج الغربى الذي عبر عنه في مؤلفه مستقبل الثقافة في مصر، فإنه انتقل إلى صف الدفاع عن حزب الوفد وسعد زغلول،

كما انه انتقل من الانبهار بالثورة الفرنسية إلى نقدها إلى جانب نقده للاستعمار الغربى.
 كما انه اقترب من الثقافة الإسلامية من باب مغاير بإصداره كتبا مثل «على هامش السيرة» في ثلاثة أجزاء والفتنة الكبرى (جزءان) والوعد الحق.
وانضم في ذلك إلى كوكبة المثقفين الذين اهتموا بالتاريخ والثقافة الإسلامية (مثل محمد حسين هيكل والعقاد وأحمد أمين وزكى مبارك وغيرهم).

4
ــ المرحلة الرابعة الممتدة بين عامى 1952 و1960، أي منذ قامت ثورة يوليو في مصر، وقد اعتبرها الدكتور عمارة مرحلة الاياب والانتصار الحاسم للعروبة للإسلام من جانبه.

 إذ انخرط طه حسين في صف المدافعين عن الثورة وعن انتماء مصر العربى والإسلامى.
وفي تلك المرحلة قام برحلته الحجازية التي بللها الرجل بدموعه وطوى بها صفحة اغترابه،

وفيها أعلن «ان الإسلام وطن، بل هو الوطن المقدس والصانع الأول للمواطن المسلم عبر الزمان والمكان»،
وفي تلك الرحلة سئل عن أحب مؤلفاته إليه كان رده: «لا أحب منها شيئا»
وحين سئل عن شعوره بعد قيامه برحلته الحجازية وأدائه العمرة قال:
 هو شعور الغريب حين يعود بعد غيبة طويلة جدا إلى موطن عقله وقلبه وروحه.

ان بعض مثقفينا يختزلون طه حسين في كتابات اغترابه التي شكك فيها في مقدسات المسلمين وهويتهم، ويتجاهلون مرحلة الإياب التي ختم بها حياته.
وهو ما فعلوه حين اختزلوا على عبدالرازق في كتاب «الإسلام وأصول الحكم»
وخالد محمد خالد في كتابه «من هنا نبدأ»
وتجاهلوا إياب الرجلين وتصحيح كل منهما لموقفه وتصويبه للأفكار التي سبق أن نادى بها.

وهذه كلها ليست مصادفات، الأمر الذي يدعونا إلى الشك في نزاهة أولئك الباحثين وبراءة مقصدهم.

....................

خسروا المقاعد وكسبوا الاحترام

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 5 المحرم 1436 – 29 أكتوبر 2014
خسروا المقاعد وكسبوا الاحترام - فهمي هويدي

على العكس مما ذهب إليه كثيرون، فإنني أزعم ان حركة النهضة في تونس كسبت بأكثر مما خسرت في الانتخابات التشريعية التي تمت هذا الأسبوع.

صحيح أنها خسرت بعض المقاعد في مجلس النواب إلا أنها كسبت رصيدا معتبرا من الاحترام.

وخسارتها جولة في الانتخابات لا تقاس ولا تقارن بالكسب الذي حققته على مستوى التاريخ، من حيث انها حفرت لنفسها مكانا باعتبارها نموذجا للإسلام السياسي المعتدل، الذي اصطف إلى جانب الدولة المدنية ودافع عنها،
ونجح في التفاعل مع التيار العلماني المعتدل،
 وانحاز طول الوقت إلى جانب قيم وقواعد الممارسة الديمقراطية،
ليس ذلك فحسب وانما ضرب المثل في تقديم مصلحة الثورة واستحقاقات الممارسة الديمقراطية على مصلحة الحركة وغوايات السلطة.

بل انني لست أخفي ارتياحا لفقدان حركة النهضة المركز الأول بين الأحزاب المتنافسة ليس فقط لان من شأن ذلك أن يوفر للحركة فرصة كافية لمراجعة تجربتها وانضاج خبرتها،
ولكن لأسباب أخرى منها ما يلي:

ــ لو ان النهضة احتفظت بموقعها في المركز الأول لما سلمت من تهمة التزوير واستخدام أدوات السلطة ونفوذها للتلاعب في النتائج.
ولدينا في تونس وفي العالم العربي أبواق إعلامية جاهزة وقادرة على تثبيت التهمة، فضلا عن توفر أجواء عربية مواتية للتشهير والإدانة.

ــ إذا بقيت النهضة في صدارة المشهد السياسي فاننا لن نعدم أصواتا تقول:
ألم نقل لكم إن أمثال هؤلاء يؤمنون بديمقراطية المرة الواحدة،
 بمعنى أنها تلك التي تقودهم إلى السلطة، وستكون الانتخابات التي جاءت بها هي الأخيرة في سجل الممارسة الديمقراطية التي يدعونها.

ــ سوف يستنفر ذلك التحالف النشط في العالم العربي الآن، الذي أعلن الحرب على الإسلام السياسي، واعتبر ان استئصاله من الفضاء العربي هو أول وأهم أهداف الحرب ضد الإرهاب.
وربما أدى ذلك إلى ممارسة مختلف الضغوط الاقتصادية على تونس، سواء لافشال تجربة حكم النهضة أو لمعاقبة الجماهير التي صوتت لصالحها.

لست أشك في أن الحركة لم تتعمد التراجع إلى المرتبة الثانية، لكني عند رأيي ان التراجع كان في مصلحتها وفي مصلحة الديمقراطية التونسية أيضا.
 وهو أمر أحسب انه يحتاج إلى مزيد من المناقشة والتمحيص.

بل أزعم أن تجربة النهضة في تونس تستحق أن تدرس من جانب الباحثين المعنيين بتفاعلات وتحولات العالم العربي،
 خصوصا ان أجواء الربيع العربي دلت على أن المكون الإسلامي طرفا لا يمكن تجاهله، وان ترشيد ذلك المكون وانضاج خبرته هو في مصلحة الاستقرار في نهاية المطاف.

صحيح أن ظهور تنظيم داعش وحكاية الخلافة الإسلامية وممارساتها المنفرة والبشعة تمثل وجها دميما لتجليات الحالة المنتسبة إلى الإسلام،
إلا أن النموذج الذي قدمته حركة النهضة يمثل وجها آخر تتوفر له مقومات القبول فضلا عن الاحترام.

لقد أشرت أمس إلى الجهد الذي بذلته النهضة في تونس للحفاظ على تماسك المشهد السياسي من خلال الالتزام بقاعدة التوافق،
واعتبار ان ديمقراطية الأغلبية لا تناسب مرحلة ما بعد نجاح الثورة.

وهو اجتهاد مهم جدير بالنظر، خصوصا ان التجربة التونسية أثبتت نجاحه في الحفاظ على استمرار مسيرة الثورة، وتجنب انتكاسها أو انكسارها كما حدث في أقطار أخرى.

 وإلى جانب ديمقراطية التوافق فقد سبق ان ذكرت ان الجهد الذي بذله منظمو الحركة لتنزيل فكرة «المقاصد» على الواقع السياسي، يستحق بدوره دراسة وتمحيصا،

 والمقاصد بمعنى المصالح الكلية العليا تتصرف في الخطاب الإسلامي التقليدي إلى مقاصد الشرع،
 وهي متعددة الدرجات، أعلاها مرتبة تلك التي تستهدف الحفاظ على خمسة أمور جوهرية هي الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

ولفكرة المقاصد مكانة خاصة في الفقه المالكي السائد في بلاد المغرب، وكتاب الإمام الشاطبي «الموافقات» يعد مرجعا مهما في الموضوع.

ما يعنينا في الأمر ان منظري الحركة اهتدوا بفكرة المقاصد في تفاعلهم مع المشهد السياسي التونسي وتحدثوا عن جيل جديد من المقاصد السياسية العليا التي يتعين الاسترشاد بها لانجاح التجربة التونسية.

وقد تمثلت تلك المقاصد في ضرورة الحفاظ على الثورة، والانطلاق من مبدأ التوافق، مع تثبيت قواعد الممارسة الديمقراطية.

أكرر أننا بصدد تجربة ثرية تستحق عناية من جانب الباحثين، ليس فقط للوقوف على ايجابياتها ولكن أيضا للتعرف على سلبياتها وأخطائها، لا لكي نحتفي بحركة النهضة، ولكن أيضا نثبت عوامل نجاح التجربة الديمقراطية من جهة، ولكي ترشد مسيرة المكون الإسلامي من جهة ثانية.

وللأسف فإن الأجواء الراهنة المشبعة بالاحتقان والحساسية لا تحتمل حوارا موضوعيا حول ذلك الملف، الذي أصبح شائكا وملغوما في بعض الأقطار العربية.

 لذلك فربما كان غاية ما نطمح إليه في الوقت الراهن أن نعطى التجربة التونسية حقها من الانصاف، وان نسجل حفاوتنا بالنموذج الذي قدمته حركة النهضة وبالرسائل الايجابية المهمة التي وجهتها إلى كل من له صلة بملف الإسلام السياسي والشأن العام.

............................

28 أكتوبر، 2014

تونس إذ نغبطها ونحسدها – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 4 المحرم 1436 – 28 أكتوبر 2014
تونس إذ نغبطها ونحسدها – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

محقون هم التوانسة إذ ما استشعروا الزهو بعدما فازوا بالحسنيين، الثورة والديمقراطية،
وللأسباب التي تعرفونها فنحن معذورون إذا بادلناهم شعورا بالغيرة والحسد.

(1)

الأهم في الانتخابات التشريعية التونسية التي جرت يوم الأحد 26 أكتوبر/تشرين الأول أن الديمقراطية انتصرت،
وأن الشعب التونسي اختار ممثليه بحرية وشفافية،
وأن النتائج لم تعرف إلا بعد انتهاء فرز الأصوات في منتصف ليلة الاثنين.

وتلك كلها "أخبار" جديدة في العالم العربي، وفي الأجواء التي عصفت بالربيع الذي أنعشت رياحه آمال الأمة وأحلامها في عام 2011،
وقد شاءت المقادير أن تنطلق تلك الأجواء من تونس، وألا يبقى لها أثر ظاهر بعد مضي نحو أربع سنوات إلا في تونس.

أدري أن البعض يفضل قراءة الحدث التونسي من زاوية أخرى.
ذلك لأن الرياح المخيمة التي تعبر عنها أغلب منابر الإعلام العربي لن ترى الخير في انتصار الديمقراطية وتواصل مسيرة الثورة في تونس وانتقال البلد من النظام الجمهوري المزيف إلى النظام الجمهوري الديمقراطي.

وليس ذلك راجعا فقط لأن الديمقراطية في الأجواء الراهنة باتت كلمة تستقبل في فضائنا السياسي بالامتعاض والاستياء
(البعض بات يرحب علنا بالفاشية ويدعو إليها والبعض يحتفي بذلك دون إعلان)،

وإنما هناك سبب آخر أهم من وجهة نظرهم يتمثل في تراجع حظ حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية، بحيث باتت تحتل المرتبة الثانية بين الأحزاب الفائزة.

فقد حصلت على 62 مقعدا في مجلس النواب الجديد (من بين 217 مقعدا)
وكانت حصتها 89 مقعدا في انتخابات عام 2011 (المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور)،

وفي الوقت الذي تراجعت فيه نسبة مؤيدي النهضة، فقد احتل المركز الأول هذه المرة حزب "نداء تونس" الليبرالي الذي يقوده الباجي قائد السبسي (88 سنة)، الذي كان أحد رموز حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.
وهو ما يعني أن حركة النهضة لم يتراجع تأييدها فحسب، وإنما تم ذلك التراجع لصالح حزب ليبرالي يقوده أحد "فلول" النظام السابق
(باعتبار أن الرئيسين بورقيبة وبن علي ينتسبان إلى نظام واحد).

ذلك كله صحيح لا ريب، ولكن الصحيح أيضا أن ذلك التبدل في المواقع تم بناء على الاختيار الحر للشعب التونسي.
بمعنى أن الخريطة السياسية التي أسفرت عنها الانتخابات لم يرسمها أو يفرضها أحد، ولكن الشارع التونسي هو الذي قررها، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا.

 من هذه الزاوية فليس يهم كثيرا تراجع ترتيب حركة النهضة بما قد يعد هزيمة نسبية لها وهو أمر وارد في أي نظام تعددي. لأن الأهم هو انتصار الديمقراطية في نهاية المطاف.

(2)

المتابع لمنابر الإعلام العربي لا تفوته ملاحظة اهتمامها بالانتخابات التونسية لأربعة أسباب على الأقل:

الأول أنها المرة الأولى (عدا انتخابات 2011) التي تجرى فيها انتخابات ديمقراطية وحرة بالبلاد.

 الثاني أن شرائح واسعة من المحللين اهتمت بمصير حركة النهضة خصوصا بعدما أصبحت هي الحزب الإسلامي الوحيد الذي يشارك بدور رئيسي في السلطة في العالم العربي الذي انقلبت دوله على ما سمي بالإسلام السياسي.

الثالث أن نتائج الانتخابات سوف ترسم شكل النظام السياسي التونسي في المرحلة المقبلة، إذ ستحدد مصير الرئاسة والحكومة والبرلمان وربما سياسة الدولة ذاتها.

الرابع أن حالة الاستقطاب المخيمة على العالم العربي-والذي كان الموقف من الربيع العربي والإسلام السياسي من أسبابها- لم تعد تحتمل حيادا،
وإنما باتت تترقب الحاصل في تونس للتعرف على الجانب الذي سيصطف فيه النظام التونسي

(هذا الترقب ذهب إلى أبعد في الحالة الليبية، بحيث وصل التجاذب بين التحالفات الإقليمية إلى حد تغذية الصدام المسلح بين الجماعات الليبية المختلفة).

في الإطلال على المشهد التونسي، فإننا نجد أن 1300 قائمة حزبية وائتلافية ومستقلة اختارت أن تتنافس على 217 مقعدا لمجلس النواب المقبل تتوزع على 33 دائرة انتخابية (ست منها للتونسيين المقيمين بالخارج).
والمرشحون تنافسوا بدورهم على 5.3 ملايين ناخب من أصل 10.8 ملايين تونسي هم كل سكان البلاد.

لأول وهلة سنجد أن المرشحين توزعوا على معسكرين،
 أحدهما سمي بجبهة الثورة (14 يناير/كانون الثاني 2011)
والثاني قدم نفسه باعتباره يمثل جبهة 7 نوفمبر/تشرين الثاني، الذي هو تاريخ تولي الرئيس السابق زين العابدين بن علي للسلطة في عام 1987.

والأولون كانوا يمثلون مختلف القوى والجماعات السياسية والنقابية التي تعرضت للاضطهاد بدرجات متفاوتة منذ الاستقلال عام 1956 وحتى سقوط بن علي في عام 2011.

 وأركان وأنصار تلك المرحلة السابقة على الثورة يوصفون في الأدبيات التونسية بـ"الدستوريين" نسبة إلى الحزب الاشتراكي الدستوري الذي أسسه الحبيب بورقيبة، و"التجمعيين" نسبة إلى حزب التجمع الدستوري الذي أسسه بن علي.

ورغم أن الحزب الأول صار جزءا من التاريخ، كما أن الثاني تمَّ حله بعد الثورة، فإن ذلك لم يمنع المنتسبين إليهما من المشاركة في الحياة السياسية من خلال أحزاب حملت أسماء جديدة.

على المستوى السياسي والفكري، فإن التنافس ظل قائما بين ثلاثة معسكرات سياسية،

أحدها ضم الأحزاب والشخصيات التي مارست السياسة قبل الثورة، وكان حزب "نداء تونس" في مقدمتها.
ورغم أن أعضاءه كانوا من رموز المرحلة السابقة، فإن السبسي -الذي أسسه- انفتح بدرجة أو أخرى على بعض اليساريين والنقابيين المستقلين، وقدم حزبه بحسبانه كيانا وطنيا ليبراليا.

الكتلة الثانية ضمت الأحزاب التي أعلنت عن انتمائها العربي الإسلامي،
وفي المقدمة منها حزب حركة النهضة الذي يقوده الشيخ راشد الغنوشي الذي دخل في تحالف مع أحزاب أخرى منها حزب المؤتمر برئاسة الرئيس الحالي المنصف المرزوقي الذي يعد علمانيا معتدلا.

الكتلة الثالثة ضمت قوى اليسار الماركسي والقومي والبعثي، ومن بينها حزب الجبهة الشعبية الذي يرأسه حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال الشيوعي، وحزب التكتل الذي يرأسه مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي الحالي.

(3)

معركة التنافس على مقاعد أول مجلس نواب لتونس الديمقراطية لم تكن الأولى بين القوى السياسية بعد الثورة، لكنها كانت بمثابة جولة في الصراع الذي لم يتوقف بين مختلف القوى طوال السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة
من ناحية لأن ذلك من طبيعة مرحلة الانتقال من النظام السلطوي المستبد إلى النظام الديمقراطي،
ومن ناحية ثانية بسبب قوة منظمات المجتمع المدني التي لم ينجح نظام بن علي في القضاء عليها، ومن ثم فإنها تنافست في إثبات الحضور وأداء دورها بعد سقوط نظامه.

إلا أن العنصر الأهم تمثل في أن حركة النهضة الإسلامية هي التي تولت القيادة السياسية في تلك المرحلة.
على الأقل بحكم حصولها على الأغلبية في انتخابات المجلس التأسيسي، وهو ما خولها حق تولي رئاسة الحكومة، وهو المنصب الذي يفوق في أهميته دور رئيس الجمهورية طبقا للدستور الجديد.

وقد أثارت صدارة حركة النهضة للمشهد السياسي حساسية أطراف عدة، خصوصا في دوائر اليسار والعلمانيين المتطرفين،
الأمر الذي كان وراء توترات عدة في الشارع التونسي وفي المجلس التأسيسي.

وقد أدت تلك التوترات إلى استقالة حكومتين ترأسهما قياديان في حركة النهضة (حمادي الجبالي وعلي العريض)،
وانتهى الأمر بانسحاب الحركة من الحكومة التي شكلها رئيس محايد من التكنوقراط،

وكانت الحركة قد زهدت من البداية في منصب رئيس الجمهورية، ورشحت له حليفا لها من "الترويكا" هو الدكتور المنصف المرزوقي.
 ومن ثم فإنها اكتفت بالأغلبية التي توافرت لها في المجلس التأسيسي.

خلال السنوات الثلاث وقعت أحداث مثيرة عدة لا مجال للتعرض لها في السياق الذي نحن بصدده.
لكننا ينبغي أن نسجل أربع ملاحظات على الكيفية التي تمت بها إدارة تلك المرحلة الانتقالية هي:

- أن النخبة السياسية برغم كل ما كان بينها من خلافات ومرارات لم تتخل عن الحوار فيما بينها طول الوقت،
ولذلك نجحت في تجنيب الثورة مزالق ومآزق كثيرة، كان من أبرزها محاولة الانقلاب على النظام وإسقاط الحكومة في صيف عام 2013 من خلال الدعوة إلى الاعتصام وتشكيل ما سمي بجبهة الإنقاذ وإطلاق حملة شبيهة بحركة تمرد في مصر،
 وهي المحاولة التي استلهمت التغيير الذي حدث في مصر وحاولت أن تحتذيه.

- الملاحظة الثانية أن الصراع والتجاذب ظل سياسيا ومدنيا طول الوقت، بحيث ظلت القوات المسلحة ملتزمة الحياد وواقفة خارج المشهد.

- الثالثة أن حركة النهضة نجحت في تقديم نموذج جسد المصالحة مع الديمقراطية من جهة ومع الاعتدال العلماني من جهة ثانية.

- الرابعة أن حركة النهضة تعاملت مع مجريات الصراع بدرجة عالية من الوعي والمرونة.
فهي ابتداء حافظت على مسافة بينها وبين التطرف السلفي الذي أدانته من البداية ووصفه وزير الداخلية علي العريض (قبل توليه رئاسة الحكومة) بأنه تيار إرهابي ترفضه الحكومة وتنبذه.
ومن ناحية ثانية فإن قيادة الحركة أعلنت في أكثر من مرة التزامها بما أسمته ديمقراطية التوافق التي هي مطلب مهم لإنجاح الثورة في فترة الانتقال.

وارتأى رئيسها راشد الغنوشي أن ديمقراطية الأغلبية لا تناسب تلك المرحلة،
ولذلك فإن الحركة حرصت على ذلك التوافق في كل خطوة أساسية،
وقدمت في سبيل ذلك تنازلات كثيرة، كان منها استبعاد النص في الدستور الجديد على أن تكون الشريعة مصدر القوانين.
ونقل عن الشيخ راشد الغنوشي آنذاك قوله إنه إذا كان النص على الشريعة يقسمنا واستبعادها يجمعنا، فنحن مع الإجماع وليس الفرقة.

لا بد أن يذكر لحركة النهضة في إدارتها لتلك المرحلة أنها استلهمت في أدائها فقه المقاصد وقامت بتنزيله على الواقع السياسي.
والمقاصد المعنية هنا هي الأهداف والمصالح العليا.

وقد سمعت ذلك من أحد قياديي وفقهاء الحركة، هو عبد المجيد النجار، الذي قال لي إن الحركة اعتبرت أن المقاصد المرجوة في المرحلة الراهنة تتمثل في أمرين،
أحدهما أن تستمر الثورة
والثاني أن ينجح النموذج الديمقراطي في تونس.

من ثم فإنها اعتبرت أن أي شيء آخر يمكن تأجيله أو التنازل عنه، ولكن لا ينبغي بأي حال أن يتم التأجيل أو التنازل في استحقاقات الثورة والديمقراطية.

(4)

بالنتائج التي أسفرت عنها الانتخابات، فإن حركة النهضة دفعت ثمن إدارتها لأزمات تونس وتحملها لعبئها طوال ثلاث سنوات، وانتقلت من صدارة المشهد إلى صفه الثاني،
 الأمر الذي يبقيها شريكة في القرار السياسي وليست صانعة له.

وهذا الوضع المستجد يستدعي عدة أسئلة حول موقف تونس من الاستقطاب العربي، خصوصا أن النتائج حسمت تقريبا منصب رئيس الجمهورية، الذي يتوقع أن يشغله السيد قائد السبسي، بدلا من الرئيس الحالي الدكتور المنصف المرزوقي.
(للعلم السبسي دعي لزيارة أبو ظبي قبل الانتخابات).

من ناحية ثانية فليست معروفة هي طبيعة العلاقات المستقبلية بين الليبراليين وبين حركة النهضة،
 وهل ستتجه صوب الوفاق أم الشقاق،
ثم إن هناك أسئلة أخرى حول الائتلاف الذي سيشكل الحكومة، وموقف حركة النهضة منه بعدما أصبحت تمثل القوة السياسية الثانية في البلاد.

ستتضح الأمور أكثر بعد الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تتم في 23 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، قبل دخول السيد السبسي عامه التاسع والثمانين من العمر (ولد 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1926)، وحينها تستدعى بقية الأسئلة.

إلا أن أكثر ما يهمنا الآن أن الثورة في تونس بخير، وكذلك الديمقراطية؛ وهو ما نحسدهم عليه.

.........................

27 أكتوبر، 2014

أوان التحقيق وليس التحريض

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 3 المحرم 1436 – 27 أكتوبر 2014
أوان التحقيق وليس التحريض - فهمي هويدي

منذ وقعت جريمة قتل ثلاثين جنديا وضابطا في سيناء، ونحن نسمع أصوات المحرضين والمزايدين بأكثر من أصوات الباحثين والمحققين.
 فالأولون لديهم إجابات جاهزة في الموضوع (وفي كل موضوع آخر)،
 في حين أن الاخيرين يسألون أكثر مما يجيبون ويتأنون في إصدار الأحكام والتقييمات، حتى تتوافر لديهم المعلومات الصحيحة والمقنعة.

ولا مفر من الاعتراف بأن حظوظ الأولين أكبر في زماننا.
 ذلك انهم رهن الإشارة في كل مناسبة، وحاضرون في مختلف منابر الإعلام وبرامجه في أي وقت،
خصوصا ان بعضهم لا يكاد يذكر أو ترى له صور إلا في الملمات.
كأنما صاروا فريقا متعدد الاختصاصات جاهزا للقيام بالواجب عند اللزوم.

الأمر الذي يذكرنا بمكاتب توريد المجموعات المعروفة في المحيط الفني.
وهي التي لديها طواقم جاهزة توفر الحشود المطلوبة لأي مشهد، سواء كان حربا أو عرسا أو جنازة حتى استعراضا عسكريا.

قرأت ان نشاط تلك المكاتب تطور في ألمانيا، بحيث ظهر منها جيل جديد مستعد لتنظيم المظاهرات لصالح أو ضد أي قضية عامة من الاجهاض والشذوذ الجنسي إلى الاتفاق النووي مع إيران والدفاع عن الأكراد.
وفي هذه الحالة فإن المكتب المختص يتعاقد على الموضوع، فيحشد المتظاهرين ويجهز اللافتات والهتافات والهتيفة، لعدد معين من الساعات مقابل أجر معلوم.

ما ان وقعت الواقعة يوم الجمعة الماضي. حتى انتشرت المجموعات في مختلف المنابر الإعلامية، وشرع أفرادها في ممارسة التعبئة والتحريض وتوزيع الاتهامات،
 الأمر الذي دفعني إلى تسجيل ثلاث ملاحظات هي:

<
ترددت في تحليلات وتعليقات المتحدثين فكرة مبسطة خلاصتها ان الإرهابيين بالجريمة التي ارتكبوها وبالممارسات الأخرى التي لجأوا إليها انما أرادوا «إسقاط الدولة المصرية».

 وهو مصطلح يثير عندي رد فعل سريع يدفعني إلى القول ان الذين يطلقون هذا الكلام يخطئون مرتين،

فهم من ناحية لا يعرفون حجم قوة ورسوخ الدولة المصرية التي تمتد جذورها في عمق البيئة والمجتمع منذ أكثر من خمسة آلاف سنة،
الأمر الذي يوفر لها قدرا هائلا من الثبات يجعلها عصية على الإسقاط الذي يتوهمه أو يروج له هؤلاء.

من ناحية ثانية فإنهم يختزلون الدولة في الحكومة وأحيانا في شخص الرئيس (مصر مبارك مثلا)
 وذلك اختزال مخل لأن الدولة كل والحكومة جزء، والأولى تتكون من الشعب والأرض والمؤسسات في حين ان الحكومة هى إحدى تلك المؤسسات.

وأرجح أن الترويج لفكرة استهداف اسقاط الدولة يمثل مبالغة متعددة للتهويل من شأن الخطر، وتجنب تصنيف الإرهاب باعتباره وسيلة شريرة للصراع ضد الحكومة.

<
كان واضحا في خطاب المتحدثين إلحاحهم على الضيق بالديمقراطية والحث على التشدد والقمع بأكثر من دعوتهم إلى محاولة تفهم ملابسات الحدث الذي تكرر أكثر من مرة.
 ان شئت فقل ان التعليقات توسلت بالعضلات وليس بالعقل.

فمن المتحدثين من دعا إلى إزالة مساكن السيناويين عند الشريط الحدودي باعتبارهم حاضنين للإرهاب
ومنهم من دعا إلى إعلان حالة الطوارئ والتوسع في المحاكمات العسكرية مع عدم التدقيق في مسألة حقوق الإنسان.
ومنهم من طالب بتأجيل الانتخابات إلى ما بعد القضاء على الإرهاب،
ومنهم من تشدد في الابقاء على قانون منع التظاهر وعدم الاستجابة لضغوط سحبه أو تعديله،

وفي هذا السياق حبذ البعض فكرة «الشرطة المجتمعية» التي بمقتضاها يتحول نصف المواطنين إلى شرطة والنصف الآخر إلى مخبرين.

وفي حين تبنى الخطاب لغة التشدد والقمع فإن أحدا لم يطرح السؤال:
لماذا تكررت حوادث قتل الجنود في سيناء وكيف نضمن عدم تكرارها؟

<
الملاحظة الثالثة وثيقة الصلة بالثانية، وخلاصتها ان التحليلات صوبت النظر إلى الخارج بأكثر مما صوبته إلى الداخل.
بمعنى انها انشغلت بما يدبره الآخرون أو يتمنونه، ولم تنشغل سواء بالتحقيق فيما جرى أو بما كان يتعين علينا ان نفعله للحيلولة دون وقوع ما جرى،

وهو نهج في التفكير ليس جديدا لأن استسهال الإحالة إلى اتهام الخارج (الذي نعرف انه ليس بريئا دائما) أمر درجنا عليه، في غيبة ثقافة نقد الذات فضلا عن تراجع قيمة المساءلة في المجال العام.

حين وقعت تفجيرات لندن في عام 2005 التي هزت المجتمع البريطاني وراح ضحيتها أكثر من خمسين شخصا، فإن أجهزة السلطة لم توجه أصابع الاتهام إلى أي أحد خلال الأسبوع الأول من الجريمة، ولم تطلق اي تصريحات بخصوص المتهمين إلا بعدما استجوبت بعض المشتبهين الذين تم اعتقالهم، ثم حددت سبعة أشخاص وجهت إليهم الاتهام.
وهؤلاء قدموا إلى محاكمة علنية استمرت نحو سنتين، وأسفرت عن إدانة أربعة حكم عليهم بالسجن المؤبد في حين تمت تبرئة الثلاثة الآخرين،
الشاهد ان الأمر عولج بغير تشنج أو ترهيب أو قمع لعموم المسلمين ذوي الأصول الباكستانية الذين يعيشون في بريطانيا.

إنني اتفهم جيدا حساسية الموقف وخصوصية وضع اطرافه، لكنني أزعم أننا إذا لم نستوعب دروس الحدث فسوف ترتكب جريمة أخرى.
وستكون الأخيرة أفدح لأنها ستتم في صمت بعيدا عن علم أو رقابة الرأي العام، بما قد يفتح الباب لتكرار ما جرى مرة أخرى.

.......................

26 أكتوبر، 2014

أسئلة الساعة

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 2 المحرم 1436 – 26 أكتوبر 2014
أسئلة الساعة - فهمي هويدي

صبيحة اليوم الثالث والعشرين من شهر سبتمبر من العام الماضى كان العنوان الرئيسي لصحيفة الأهرام كالتالي:
إعلان مصر خالية من الإرهاب خلال أيام.
ولأهمية الخبر فإن الجريدة نشرت العنوان باللون الأحمر.

وصاغ الخبر رئيس التحرير آنذاك الذي كتب قائلا:
 تعلن مصر رسميا خلال أيام قليلة قد لا تتجاوز أسبوعا خلوها من مظاهر وأشكال الإرهاب، سواء فى سيناء أو في أي مكان آخر، لتبدأ معركة جديدة ضد ما يسمى «الطابور الخامس»، الذي يضم سياسيين وصحفيين وأعضاء في منظمات المجتمع المدني.

من خبراتنا تعلمنا أن جريدة بوزن الأهرام حين تنشر خبرا بهذه الأهمية منسوبا إلى رئيس تحريرها، فإنه في ذلك لا يعتمد على «شطارته» فحسب،
ولكنه ما كان له ان ينشره إلا بناء على تسريب أو توجيه من المصادر العليا، التي درجنا على وصفها بالسيادية.

هذه الخلفية استعدتها حين وقعت الواقعة أمس الأول (الجمعة 24/10) وأذهلنا خبر الجريمة المروعة التي وقعت في شمال سيناء، وراح ضحيتها أكثر من 30 جنديا وضابطا من أبناء مصر الأبرياء والشرفاء الذين قتلتهم يد الإرهاب والغدر.

إذ لا يجد المرء كلمات يعبر بها سواء بالحزن والفجيعة، أو عن مواساته لأهالي هؤلاء الشهداء،
 إلا أنه حين يستعيد توازنه، فإنه لا يستطيع أن يحجب دهشة تتملكه وتستدعى معها مجموعة من الأسئلة المهمة التى يجب ان تطرح، لكي نفهم ما جرى ونحاسب المسؤولين عنه.
وأيضا لكي نضع حدا لمثل تلك المذابح التي يدهشنا ويفزعنا تكرارها حتى لا نكاد نصدق تنامي أعداد ومؤشرات ضحاياها.

أدري أن الفضائيات المصرية لم تقصر في تغطية الحدث فى مساء يوم وقوعه (الجمعة)،
وقد لاحظت ان الحوارات التي جرى بثها غلب عليها الانفعال الذي لم يسمح بالتروي والتفكير.

ومن ثم فإنها ركزت على مقترحات القمع والتأديب التي فهمت منها انها استهدفت معاقبة أهل شمال سيناء وتهجيرهم من بعض المناطق، بدعوى تطهير سيناء من الإرهابيين.

على صعيد آخر فإن التحرك الرسمي تمثل في المسارعة إلى عقد اجتماعين عاجلين لمجلس الدفاع الوطنى والمجلس الأعلى للقوات المسلحة،
لا أشك في محور البحث فيهما تمثل في محاولة الإجابة عن السؤال التالي:
 ما العمل؟

 
لا علم لي بما دار في الاجتماعين، لكنني أزعم أن الحدث يثير مجموعة من الأسئلة يتعين الإجابة عنها في مقدمتها ما يلي:

<
من هم الجناة الذين ارتكبوا المذبحة،
وهل هم ضمن حلقات المجموعات التى قامت بتفجيرات طابا وشرم الشيخ في عامي 2004 و2005، أم أنهم فئات جديدة؟

<
لماذا تحولت تلك المجموعات من توجيه عملياتها صوب الإسرائيليين من خلال ضرب سيّاحهم ونسف الأنبوب الموصل للغاز إليهم، إلى استهداف الجيش والشرطة المصرية في سيناء وخارجها؟

<
هل هناك علاقة بين تصعيد تلك المجموعات عملياتها ضد الشرطة والجيش وبين وقوع الصدام بين السلطة والإخوان فى 30 يونيو 2013 وما بعدها؟

<
هل للسياسة دور فى مواجهة الأزمة. أم أن الحل الأمني وحده هو الكفيل بذلك؟
 ولماذا لم يحقق لذلك الحل الأخير أهدافه في القضاء على الإرهاب في سيناء طوال السنوات العشر الماضية، رغم كل المداهمات والتصفيات والملاحقات التي تمت خلال تلك الفترة؟

<
هل تسهم محاولة تنمية سيناء في امتصاص المرارة والغضب في محيط القبائل،
وهل تتغير النتائج إذا ما حل الاحتواء محل العراك والصراع؟

<
هل هناك تقصير في تأمين الجنود المصريين وحمايتهم من الأخطار التي تهدد حياتهم فى سيناء،
وما هي الثغرات التي أدت إلى تكرار المذابح التي راح ضحيتها العشرات من أولئك الجنود؟

<
أين الجهد الاستخبارى والاستطلاعي الذي يجهض العمليات قبل وقوعها، ويخترق صفوف الإرهابيين ويتواصل مع شيوخ وعناصر القبائل سواء للتوصل إلى العناصر الإرهابية أو لتأمين قوات الجيش والشرطة؟

<
هل يعقل ألا تفرز سيناء سوى العناصر الجهادية والتكفيرية المخاصمة للسلطة والمتمردة عليها،
وهل هناك خطأ في قراءة الواقع السيناوي لم يسمح لنا برؤية الأوجه الأخرى لذلك المجتمع، أم أن الخطأ في البيئة التي لم تعد تفرز سوى تلك النوعية من عنف السلوك؟

يخوفني العقل الأمني إذا تولى الإجابة عن تلك الأسئلة.
ويخوفني أكثر العقل المكابر والاستعلائي الذي يرفض الاعتراف بالخطأ أو نقد الذات، رغم أن خبرة السنين مع هؤلاء وهؤلاء أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه.

الأمر الذي يدعوني إلى طرح سؤال آخر هو:
 كم سنة أخرى ينبغي أن تمر وكم جنديا وضابطا مصريا ينبغي أن يقتلوا لكي نفيق ونقدم إجابة صريحة ونزيهة على تلك الأسئلة.

ملاحظتى الأخيرة ان خبر الأهرام إذا لم يصح في جزئه الأول فأرجو ألا يعوض ذلك بتأكيد صحة جزئه الأخير!

.....................

Delete this element to display blogger navbar