Subscribe:

Ads 468x60px

26 مارس، 2015

حاكمــــوهم

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 6 جمادى الآخر 1436 26 مارس 2015
حاكمــــوهم - فهمي هويدي

أحد أمرين: إما أن ُتَحاكم المنظمات الحقوقية المصرية بتهمة البلاغ الكاذب.
 أو أن يُحَاكم الذين يقومون بالتعذيب في السجون بتهمة انتهاك القانون والدستور.

إما أن تظل نداءات المنظمات الحقوقية، واستغاثات المسجونين وأهاليهم تطلق في الفضاء دون أن يحرك ذلك شيئا في المجتمع المصري. فذلك مما لا يليق أخلاقيا ووطنيا.

وحين تتجاهل وسائل الإعلام ونخبة المثقفين والسياسيين تلك الأصوات، بحيث لا تجد لها منفذا سوى مواقع التواصل الاجتماعي الخارجة عن السيطرة، فإن ذلك يشين هؤلاء جميعا.
 إذ يجعلهم متهمين بالتستر على تلك الانتهاكات، ولا يصنفهم فقط ضمن «الشياطين الخرس» كما ورد في الأثر.

لست أدعو إلى التسليم بكل ما يبث من بيانات أو استغاثات، لكنني أدعو أولا إلى عدم تجاهلها بالكلية.
وأدعو ثانيا إلى الكف عن التعامل معها بحسبانها شائعات مغرضة تستهدف الإساءة إلى الشرطة وتشويه صورة النظام القائم. وغاية ما أدعو إلىه
 ــ ثالثا ــ أن يخضع الأمر للتحقيق والتحري، للتثبت من صحة تلك الشكايا، خصوصا إذا تواترت وتعددت مصادرها وتبنتها منظمات حقوقية معترف بها قانونا.

وإذا ما ثبت أن الادعاءات ليست صحيحة فذلك سوف يسرنا لا ريب. لأنه غاية ما نتمناه. ليس ذلك فحسب وإنما ينبغي أن يحاسب من أطلقها وروجها لأنها ستكون حينئذ من قبيل الادعاءات الكاذبة.

 أما إذا ثبتت صحتها، كلها أو بعضها، فمساءلة ومحاكمة المسؤولين عنها تصبح واجبة، ليس فقط إعمالا للقانون والدستور (المادة ٥٢ منه تقرر أن التعذيب بكل صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم)، وإنما أيضا لتطهير صفحة النظام وتعزيز الثقة فيه.

وغني عن البيان انه ما لم تتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات فإن التهمة ستظل وصمة تلاحق النظام في الداخل والخارج.

خذ مثلا هذا البيان الذي وقعته في ٢٤ مارس الحالي عشر منظمات حقوقية وذكرت فيه ما يلي: تدين المنظمات الموقعة عمليات التعذيب والتكدير الجماعي التي تتم في السجون المصرية، والتي حدثت في الأسبوع الماضي في ليمان ٢ عنبر ب بمجمع سجون أبوزعبل.

وهو ليس الأول من نوعه لأن بعض المنظمات الموقعة تلقت تقارير أفادت بوقوع حالات تعذيب في الأسابيع الأخيرة شملت سجون برج العرب وطرة.

 أضاف البيان أن عددا من المنظمات الموقعة تلقت إفادات بوجود حالات تعذيب ومعاملة مهينة للكرامة بحق محتجزين على خلفية قضايا سياسية بسجن أبوزعبل.

وبحسب الإفادات فإن تشكيلات ملثمة من عناصر الأمن المركزي اقتحمت الزنازين يوم ١٩ مارس ٢٠١٥، واعتدت على المحتجزين بالعصي وأطلقوا علىهم الكلاب البوليسية، كما استخدموا الغاز المسيل للدموع. مما أوقع إصابات بين المحتجزين وحدوث حالات إغماء بينهم.

كما قامت قوات السجن بإخراج ١٥ محتجزا من زنازينهم، وقامت بتعذيبهم طوال ثلاث ساعات متصلة، بعد تجريدهم من ملابسهم وإجبارهم على سب أنفسهم بكلمات بذيئة.

وبعد ذلك قاموا بنقلهم إلى زنازين التأديب الانفرادية. وبين أسماء المحتجزين حاليا في الحبس الانفرادي كل من:
عبدالرحمن طارق ــ مصطفي شحاتة ــ بلال المعداوي (مصاب)
ــ محمود أحمد سيد (مصاب) ــ عمر محمد موسي (مصاب) ــ محمود عاطف (مصاب).
كما ذكر البيان ايضا ان الصحفي أحمد جمال زيادة بدأ إضرابا كاملا عن الطعام احتجاجا على استمرار حبسه انفراديا لفترة تجاوزت ٤٥٠ يوما، وسوء معاملته في محبسه، حيث يتعرض بشكل مستمر للمعاملة المهينة والتعذيب.

في ختام البيان وجهت المنظمات الحقوقية العشر ثلاثة طلبات هي:
 التحقيق الفوري في أحداث التعذيب بسجن أبوزعبل
 ــ دعوة نقابة الأطباء والمجلس القومي لحقوق الإنسان لزيارة المحتجزين الذين تعرضوا للاعتداء، وفحصهم وتقديم الرعاية الطبية للمصابين منهم
 ــ تمكين منظمات المجتمع المدني الحقوقية من زيارة المحتجزين للتعرف على أوضاعهم، خاصة أنه قدمت في السابق عدة طلبات بهذا الخصوص قوبلت بالرفض.

هذا البيان ينبغي أن يؤخذ على محمل الجد. وقد اخترته من بين عشرات الرسائل والبيانات التي صدرت عن أفراد وأمهات شكت كلها مما يتعرض له المحتجزون من تعذيب وانتهاكات،
الأمر الذي جرَّمه الدستور بنصه الصريح في المادة ٥٢ منه.

 كان اختياري للبيان راجعا إلى أنه يتحدث عن حالة تواترت بشأنها الشكايات، فضلا عن أنه صادر عن عشر منظمات حقوقية لها وضعها القانوني وتضم عددا غير قليل من القانونيين والخبراء الغيورين على كرامة الإنسان المصري، بصرف النظر عن هويته أو معتقده.

ربما لاحظت أن سقف طموحاتنا آخذ في التراجع، فما عدنا نتحدث عن انصاف مظلومين، ولا محاكمة المدنيين أمام قاضيهم الطبيعي، كما أننا فقدنا الأمل في إطلاق سراح ضحايا الاعتقالات العشوائية الذين سمعنا أكثر من مرة أن قوائمهم تحت الإعداد.

 ذلك كله سكتنا علىه، ولم ننسه أو نغفره، لكننا صرنا نتحدث عن مجرد الحفاظ على كرامة وإنسانية المحتجزين وهم في السجن، خصوصا أن الانتهاكات تزايدت بعد تعيين وزير الداخلية الجديد.
وهو ما يصدمنا مرتين. مرة لوقوع التعذيب ومرة ثانية لاتجاه مؤشراته إلى التصعيد.

لقد غضب البعض وثاروا لأن كلبا قتل في القاهرة، وصدر حكم بالسجن ثلاث سنوات للذين ارتكبوا تلك الجريمة، فليتنا نستثمر تلك الغيرة للدفاع عن كرامة المواطنين المصريين الذين يتعرضون لمختلف صور التعذيب في السجون.

.....................

25 مارس، 2015

مداولة بعد الحكم

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 5 جمادى الآخر 1436 25 مارس 2015
مداولة بعد الحكم - فهمي هويدي

في حين أبرزت جريدة الأهرام أمس (٢٤/٣) خبر توقيع اتفاق المبادئ حول سد النهضة باللون الأحمر ووصفته بأنه «خطوة تاريخية»، فإن العنوان الرئيس لجريدة «التحرير» كان كالتالي:
 الرئيس يوقع والشعب يسأل أين التفاصيل؟
 ــ ولم يكن الأمر مجرد سؤال عن التفاصيل، لأن الجريدة ذاتها ذكرت في عناوينها ان الغموض يتواصل حول بنود الاتفاق.
 ثم أوردت ضمن عناوين الصفحة الأولى رأيا لخبير مائي لخصه في عبارة واحدة أن الاتفاق: «مصيبة» تمنح شرعية للمشروع الاثيوبي (!).

صحيح أن الرأي الذي تبنته جريدة الأهرام هو ذاته الذي انحازت إليه بقية الصحف المصرية، إلا أن الحذر الذي أبدته جريدة «التحرير» بدا متفردا ومثيرا للانتباه.
 ذلك انها نقلت على صفحة داخلية آراء اثنين من الخبراء حول الموضوع.
 أحد الخبراء، الدكتور مساعد عبد العاطي الخبير في القانون الدولي للمياه، هو من وصف المبادئ العشرة التي وردت في وثيقة إعلان المبادئ بأنها «مصيبة».
 وقال إن الوثيقة كان ينبغي أن تكون محكمة ومنضبطة من الناحية القانونية، فتنص مثلا على عدة أمور أهمها تقليل السعة التخزينية للسد (المقدر لها ان تصل إلى ٧٥ مليار متر مكعب).
 كما تنص على مد فترة ملء الخزان بما لا يؤثر على حصة مصر المائية أو الإضرار بها.
 أيضا كان ينبغي أن تنص على التزام الدول بالتقرير الذي سيصدر عن المكتب الاستشاري. وهى البنود التي تكفل إلزام إثيوبيا بما تم الاتفاق عليه، وتسهل مقاضاتها دوليا إذا أخلت بالتزاماتها.

الخبير الثاني الذي تحدث في الموضوع هو الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية والري بجامعة القاهرة، وقد أبدى عدة ملاحظات مهمة منها ما يلي:

<
إن هذه أول وثيقة في التاريخ الحديث تتحدث في إنشاء سد، لأن الاتفاقيات الدولية تتحدث عن تقسيم المياه.

<
إن الوثيقة لا تعترف بحصة مصر المائية ولا تقر بها، ورفضت الإشارة إلى تلك الحصة التي تقدر بـ٥٥ مليار متر مكعب، وهو ما يؤكد سوء نية الطرف الاثيوبي.

<
اثيوبيا فرضت الأمر الواقع على مصر حينما دعت إلى إجراء الدراسات الاستشارية التي سيقوم بها المكتب المختص خلال ١٥ شهرا وليس خمسة أشهر كما أرادت مصر.
وهذا الأجل الذي فرضته اثيوبيا يتوافق مع فترة انتهائها من بناء سد النهضة، وهو ما يعني أن أديس أبابا وضعت مصر أمام الأمر الواقع. خصوصا انها خططت لبناء السد التالي في عام ٢٠١٨.

< توقيع مصر على الوثيقة أكسب سد النهضة شرعية وسيترتب عليه عودة التمويل الدولي للمشروع. وهو التمويل الذي كان قد توقف بسبب التحفظات المصرية.

< لأن الوثيقة تهم المصريين جميعا في حاضرهم ومستقبلهم، فإنه كان ينبغي عرض مضمونها على الرأي العام. لكى يكون على بينة من الخطوة التي ستتخذها السلطة والنتائج المترتبة عليها.

هذا الذي عبر عنه الخبيران يمثل الرأي الآخر في وثيقة إعلان المبادئ. الذي لم يسمع من قبل.
وغاية ما يمكن أن أقوله إنه يستحق المناقشة، حتى إذا جرت تلك المناقشة بعد التوقيع عليها لمحاولة علاج الثغرات التي أشار إليه الخبيران.

وإذا شئنا الدقة فالمناقشة مطلوبة على مستويين،
مستوى الخبراء الذين هم أدرى بالجوانب الفنية المتعلقة بمضمون الوثيقة أو بصياغتها.
ومستوى الرأي العام الذي من حقه أن يحاط علما بمسار قضية مصيرية من ذلك القبيل.

وقد لاحظت أن زميلنا إبراهيم منصور رئيس تحرير الجريدة انتقد في عدد الجريدة ذاته غياب الشفافية في موضوع الوثيقة، معتبرا أن هذا الاسلوب يعيدنا إلى اساليب العهود السابقة التي يفترض أن مصر تجاوزتها بعد ثورة يناير.

الملاحظة الأخيرة لها أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موضوعها. ولكن أيضا لأنها تكررت في تعليقات بعض الكتاب المحترمين على نتائج أعمال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، خصوصا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي أعلن عنه وتم توقيع الاتفاق الخاص بتنفيذه، دون أن يسبقه أي حوار مجتمعي، وهو ما يعيد إلى أذهاننا تلك الصيغة العبثية التي تتحدث عن المداولة بعد صدور الحكم!

لا يستطيع ــ ولا ينبغي ــ لأحد أن يقلل من أهمية التفاهم مع اثيوبيا ودول حوض النيل، بقدر ما ان أحدا لا يستطيع أن يقلل من ايجابيات مؤتمر شرم الشيخ.
لكن تقديرنا لمثل هذه الخطوات الايجابية لايحول دون التحفظ على ما تخللتها من قرارات كبيرة وخطيرة فاجأت الرأي العام الذي أصبح «آخر من يعلم».

ومن المفارقات انه في حين يستمر ذلك التجاهل بين الحين والآخر، فإن وسائل الإعلام عندنا تصر في عناوينها على أن «مصر تستيقظ»!

........................

24 مارس، 2015

خبرة تونس في مواجهة الإرهاب – المقال الأسبوعي

موقع قناة الجزيرة الفضائيه الثلاثاء 4 جمادى الآخر 1436 24 مارس 2015
خبرة تونس في مواجهة الإرهاب – فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

في مذبحة متحف باردو بتونس رأينا بشاعة الإرهاب لكن دور السياسة لم يستوقفنا.

(1)
في ٢١ مارس/آذار ٢٠١٢ نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تصريحات لوزير الداخلية آنذاك والقيادي في حركة النهضة السيد علي العريض ذكر فيها أن السلفية الجهادية تمثل أكبر خطر على تونس.

وفي نفس الشهر من العام ٢٠١٥ الحالي ارتكب بعض عناصر السلفية الجهادية جريمتهم التي أسفرت عن قتل أكثر من ٢٠ شخصا بينهم ١٧ سائحا كانوا في زيارة متحف باردو، في واقعة هي الأكبر من نوعها منذ حصلت تونس على استقلالها في عام ١٩٥٦. 

وبما فعلوه فإنهم وجهوا ضربة موجعة للاقتصاد التونسي الذي تعد السياحة أحد أهم المصادر التي يعتمد عليها.

وخلال السنوات الثلاث، بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٥، لم يتوقف الصراع بين الأمن التونسي وبين المجموعات الإرهابية التي لم تتوقف عملياتها سواء على الحدود -مع الجزائر بوجه أخص- أو في قلب العاصمة.

في عام ٢٠١٢ شنوا هجوما فاشلا على السفارة الأميركية في العاصمة تونس، أدى إلى قتل أربعة أشخاص وإصابة أكثر من مائة آخرين بجراح.
في عام ٢٠١٣ قتلوا على التوالي اثنين من زعماء المعارضة العلمانية واليسارية.
أحدهما شكري بلعيد الذي بسبب مصرعه استقالت حكومة الأمين العام لحركة النهضة حمادي الجبالي.
وعين علي العريض رئيسا للحكومة بدلا منه،
وفي الحكومة الجديدة تخلت حركة النهضة عن بعض وزارات السيادة التي كان يشغلها ممثلوها.

 الثاني محمد البراهيمي، وهو أيضا من زعماء المعارضة، الأمر الذي ترتب عليه استقالة حكومة علي العريض وخروج حركة النهضة من الحكومة، ومن ثم تم تشكيل حكومة غير حزبية (تكنوقراط) برئاسة مهدي جمعة. 

في عام ٢٠١٤ هاجمت العناصر الإرهابية قوات الحكومة في منطقة جبل الشعانبي المجاورة للحدود مع الجزائر، فقتلت ١٤ جنديا وأصابت ١٨ آخرين.
وكانت تلك ضربة موجعة اهتزت لها تونس وجرى احتواؤها باستقالة رئيس أركان جيش البر الجنرال محمد صالح الحامدي من منصبه.
وإذا لم يستجد شيء -وهو ما نرجوه- فإن مذبحة متحف باردو ستظل الحادث الإرهابي الأبرز في عام ٢٠١٥.

(2)
ما حدث في تونس يعيد إلى أذهاننا مسلسل الجرائم التي قامت بها في سيناء عناصر السلفية الجهادية، وكان ضحاياها بضع عشرات من جنود الجيش والشرطة. إلا أن الصدى السياسي اختلف في البلدين،
 إذ في حين أدت حوادث تونس إلى إسقاط حكومتين وإحداث تغيّر في قيادة جيش البر، فإن ما جرى في سيناء مصر لم يكن له صدى يذكر في هيكل السلطة السياسية أو أداء الحكومة.

رغم فداحة الجريمة التي وقعت في متحف باردو، فإن ماكينة السياسة تحركت بسرعة لمواجهة الموقف.
 إذ عقد الرئيس باجي قايد السبسي لقاء مع قادة الأحزاب السياسية لمناقشة الحدث، كما أنه رأس اجتماعا للحكومة،
وفي مساء اليوم ذاته خصص البرلمان جلسته لدراسة كيفية مواجهة الموقف، في حين أن رئيس الوزراء اعترف بأن التقصير الأمني كان له دوره في تيسير ارتكاب الجريمة.

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية دعي مجلس الأمن الوطني للانعقاد وكذلك المجلس الأعلى للجيوش التونسية،
 كما كانت الأجهزة الأمنية تؤدي دورها سواء في ملاحقة المتهمين أو التحقيق مع المشتبه بهم الذين لم يتجاوز عددهم ٢٠ شخصا.
 إن شئت فقل إن السياسة تحركت جنبا إلى جنب مع الأمن لمواجهة الموقف. وتحرك السياسة يفترض أن تجسده المظاهرة الكبرى التي يفترض أن تنطلق يوم الأحد المقبل تعبيرا عن الرفض الشعبي للإرهاب وممارساته.
وأهمية ذلك الاحتشاد تكمن في رمزيته، باعتبار أنه يضم جميع التيارات والقوى السياسية بتنويعاتها المختلفة. 

وحين تشارك حركة النهضة في المظاهرة ممثلة لما يسمى بالإسلام السياسي وباعتبارها الكتلة الثانية في البرلمان بعد حزب "النداء"، فإن ذلك يزيل الالتباس الذي يروج له البعض بخصوص العلاقة بين حركة النهضة وعموم الدعوة السلفية في تونس.

والحق أن الصورة واضحة والمسافة محسومة بين الطرفين في الفضاء التونسي.
وهو ما عبرت عنه تصريحات القيادي في حركة النهضة علي العريض لجريدة لوموند والتي سبقت الإشارة إليها.
علما بأن تباين المواقف بينهما، الذي يصل إلى حد التصادم والاشتباك، أشد وضوحا في مواقع السلفيين على شبكة التواصل الاجتماعي، إلا أن أغلب منابر الإعلام المصري ترفض رؤية ذلك التباين،
 إذ لأسباب سياسية وثيقة الصلة بحدَّة الاستقطاب الحاصل في مصر، فإنها تتورط في الخلط بين مكونات الإسلام السياسي، وترفض رؤية أي تمايزات بينها، رغم الأهمية البالغة لذلك في أي تحليل سياسي محايد أو بحث موضوعي نزيه.

(3)
هذا التخليط ينطلق من الادعاء بأن الإسلام السياسي شيء واحد، وأن الكلام عن الاحتواء والدعوة إلى توسيع نطاق المشاركة لتشمل كل الأطياف بمثابة مصالحة مع الإرهاب وتستر عليه.
وأصحاب هذا الرأي يستدلون بتجربة تونس ويعتبرونها شاهدا على صواب رؤيتهم.
 والحل الذي يطرحه هؤلاء يدعو في النهاية إلى شطب الإسلام السياسي وإخراجه من المعادلة، إعمالا للمقولة التي ترى أن الباب الذي تأتيك منه الريح يتعين عليك أن تغلقه كي تهدأ بالاً وتستريح.

هذا التحليل مسكون بالتغليط في منهجه، ثم إن الاستدلال بالحالة التونسية فيه يجعله غارقا في التغليط.
فهو من الناحية المنهجية يحاكم التجربة التونسية بمعيار الخبرة المصرية، ناهيك عن أنه يقرأ التجربة المصرية بمنظور السنوات الأربع الأخيرة وبحسابات الاستقطاب الراهنة.

والشق الأول هو الذي يهمنا في السياق الذي نحن بصدده نظرا لخصوصية التجربة التونسية التي تبنت منذ الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي نموذجا تغريبيا وعلمانيا واضحا.

وفي علمانيته فإن النموذج الذي فرضه الرئيس بورقيبة طوال حكمه الذي استمر ثلاثين عاما (من ١٩٥٧ إلى ١٩٨٧) أخذ عن العلمانية الفرنسية نفورها من الدين وعزوفها عنه.
وهو ذات المسار الذي سار عليه خلفه الرئيس بن علي، وتأثرت به بعض شرائح النخبة التي انساقت في مسار التغريب والعلمنة.

وبسبب ذلك النفور فإن النظام الحاكم في تونس منذ الاستقلال ظل على علاقة متوترة مع مجمل التوجه الإسلامي، الأمر الذي أدى إلى العصف بجامعة الزيتونة أولى جامعات العالم الإسلامي (سابقة على الأزهر) وإغلاق معاهدها بعد الاستقلال.

في الوقت الذي تبنى النظام التونسي نموذج التغريب والعلمنة، فإنه لم يحاصر التوجهات الإسلامية فحسب، وإنما فتح الأبواب واسعة للتيارات العلمانية والاتجاهات الماركسية والاشتراكية،
وفي عهد بن علي جرى الانفتاح على إيران والترحيب بالمذهب الجعفري الاثني عشري. 

وفي تلك الأجواء فإن دفاع المجتمع التونسي المتدين والمحافظ عن نفسه تمثل في ظهور حركة الاتجاه الإسلامي التي حملت اسم "النهضة" لاحقا (جرى إشهارها رسميا في عام ١٩٨١)، كما تمثل في انتشار الطرق الصوفية والدعوة السلفية.

ولأن حركة الاتجاه الإسلامي تبنت مشروعا فكريا بديلا، فإن النظام في عهديه ظل مشتبكا معها طول الوقت. الأمر الذي عرض أعضاءها للاعتقال والاتهام بالشروع في قلب نظم الحكم
(رئيس الحركة الحالي الشيخ راشد الغنوشي حكم عليه بالسجن المؤبد).
فمنهم من أودع السجون ومنهم من نفي إلى الخارج، حيث لجأ أغلبهم إلى إنجلترا وفرنسا. 

وفي غياب حركة النهضة عن المشهد السياسي ووجود قادتها بالخارج طيلة عشرين عاما تقريبا، تمددت الحركة السلفية والطرق الصوفية، ورغم توتر علاقاتهما بالنظام الحاكم فإن الاشتباك معه كان أقل شراسة.

أغلب الظن لأن الأجهزة الأمنية ارتأت أن نشاطات هؤلاء لا تمثل تهديدا للنظام، فضلا عن أن استمرار وجودها في الساحة قد يسحب البساط من تحت أقدام حركة النهضة.

(4)
حين عاد قادة حركة النهضة من المنافي بعد الثورة (عام ٢٠١١) وتم الاعتراف بها كحزب سياسي له شرعيته، كان السلفيون والمتصوفة قد حققوا انتشارا ملحوظا في الساحة التونسية،

وكان الأولون أكثر نشاطا بين الشباب، خصوصا أن إمكانيات كثيرة توفرت لهم نظرا لتعدد مصادر تمويلهم وتنوع أنشطتهم في المجالين الخدمي والدعوي.
 ساعدهم على ذلك أنهم استطاعوا السيطرة على عدد غير قليل من المساجد إضافة إلى اهتمام عناصرهم بالانتشار عبر شبكة التواصل الاجتماعي ذات الحضور القوي في المجتمع التونسي.

لم يكن ذلك هو التغير الوحيد، لأن الجغرافيا شاءت أن تحشر تونس بين أكبر مصدرين للعنف والتطرف في المغرب العربي،
 أعني بذلك الجزائر التي تعشش فيها الجماعات المسلحة منذ التسعينيات، حين ألغى الجيش المسار الديمقراطي، فظهر العنف بديلا للتغيير.
 أعني أيضا ليبيا التي أغرق القذافي صحراءها الممتدة بالسلاح أثناء الثورة التي انفجرت ضده.
والبلدان مفتوحان على مناطق مسكونة بالتوتر والتمرد، في مقدمتها تشاد والنيجر ومالي.

هذه الأجواء شكلت بيئة مواتية لاستقبال أفكار السلفية الجهادية والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، الذين شكلوا أحدث نسخة في ثقافة العنف وبشاعته.

يساعد على ذلك أن حزام العنف الذي يحيط بتونس من الجانبين الليبي والجزائري يمتد بطول آلاف الكيلومترات التي تتخللها مساحات هائلة من الصحارى المليئة بالدروب التي يتعذر ضبطها أو السيطرة عليها، خصوصا في ظل القدرات العسكرية المحدودة لدى تونس التي لم تضع في الحسبان مواجهة من ذلك القبيل مع جماعات العنف والإرهاب.

هذا الذي ذكرت أخلص منه إلى نتيجتين:
 الأولى أن الإشارات التي كررها البعض في وسائل الإعلام المصري وتحدثت إلى أن العنف والإرهاب في تونس خرجا من عباءة حركة النهضة والإسلام السياسي، لا أصل لها ولا دليل عليها. لأن المسارين يختلفان تماما ولا وجه للالتقاء بينهما.

 وإذا أراد البعض أن يبني على ذلك الادعاء بأن الجميع إرهابيون وليس هناك معتدل يراهن عليه وإرهابي نخاصمه، فذلك لا يعني سوى إنكار حقائق الواقع ودفن الرؤوس في الرمال وليس أمام الشباب الناشط سوى أن يلتحق بالقاعدة أو داعش إذا أراد أن يكون إيجابيا وفاعلا.

النتيجة الثانية أن الإرهاب لا مستقبل له في تونس. أولا لأن أمام الإسلاميين الراغبين في التغيير بديلا سلميا وشرعيا يمكن أن يطرقوا بابه، ويبلغوا المجتمع من خلاله وأن يحصدوا ثمار جهدهم عبر صناديق الانتخاب. وثانيا لأن هناك إجماعا وطنيا على نبذ الإرهاب، رغم كل الخلافات الفكرية بين القوى والتيارات الفاعلة. 

وهذه الخلافات مهما بلغت فإنها لم تبلغ حد الدعوة إلى الإقصاء وإنما جرى الاتفاق بينها على الاحتكام إلى الصندوق في نهاية المطاف.

ثالثا وأخيرا لأن البلد تديره السياسة وليس الأمن، ولأن فيه أحزابا وبرلمانا وانتخابات حرة، فالسياسة فيه لم تمت، والأمل في المستقبل لم يمت أيضا.

..........................

23 مارس، 2015

مبادرة العيني لإنقاذ اليمن

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 3 جمادى الأخر 1436 23 مارس 2015
مبادرة العيني لإنقاذ اليمن - فهمي هويدي

المذبحة التي شهدتها صنعاء يوم الجمعة الماضي (٢٠/٣) إما أن تكون جرس إنذار ينبه اليمنيين إلى طريق السلامة، وإما أن تكون منزلقا يورط الجميع في أوحال طريق الندامة.
ستكون شرا أفضى إلى خير إذا أيقظ الغافلين والغاضبين وحذرهم من الاستمرار في الخصام والمكايدة.
 وستكون بابا لشرور أكبر إذا ما كانت بداية لحرب أهلية تضيف اليمن إلى قائمة الدول الفاشلة، التي انشغلت بالانتحار الذي ينهزم فيه الجميع وانصرفت عن الحوار الذي ينتصر فيه الوطن.

غرقت صنعاء في الدم يوم الجمعة حين قتل أكثر من ١٤٠ شخصا وجرح أكثر من ٣٥٠ وامتلأت المستشفيات بضحايا تفجير المسجدين التابعين للحوثيين.

وفي حين كانت الدماء تخضب وجه العاصمة التي أعلنت فيها الطوارئ كانت طائرات الحوثيين تقصف مقر الرئيس عبدربه منصور في عدن،
وتحدثت التقارير الصحفية عن تحرك قوات تابعة للرئيس السابق على عبدالله صالح صوب تعز الرافضة لسيطرة الحوثيين.
كما تحدثت عن اشتباكات في مأرب بين القبائل وقوات تابعة للحوثيين.
 وعن فتح باب التجنيد في عدن تحسبا لاحتمالات المواجهة العسكرية خصوصا ان الحوثيين بدأوا حشد حشودهم لأجل ذلك.

وفي الوقت الذي كان المبعوث الدولي جمال بن عمر يحاول وقف انفجار الموقف وإعادة الجميع إلى طاولة الحوار. فإن القوى المناهضة للحوثيين في صنعاء شكلت جبهة عريضة ضمت ٥١ حزبا و١٢ تحالفا مدنيا و١٦ منظمة ونقابة.

 بالتوازي مع ذلك فإن عدن شهدت جهودا دبلوماسية لتعزيز موقف عبدربه هادي من جانب دول الإقليم وبعض الدول الغربية.

 وفي الوقت ذاته فإن صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين ما برحت تستقبل وفودا ومساعدات من إيران،
 الأمر الذي يوحي بأن ثمة تعزيزا لموقف كل من الطرفين المتصارعين. في غياب أي أفق لدور عربي، فإن الجو في اليمن يبدو معتما ومفتوحا على جميع الاحتمالات وان بدت كفة الاحتمال الأسوأ أرجح.
 وهذا الأسوأ يتراوح بين انفصال الجنوب كحد أدنى والحرب الأهلية كحد أقصى. وهو ما يستدعي إلى الأذهان بقوة سيناريو الدولة الفاشلة والانتحار السياسي، الأمر الذي يتعذر تصور مداه بقدر ما يتعذر التنبؤ بالأمد الذي يمكن التعافي منه، حيث أزعم أن الرابح الأكبر في هذه الحالة سيكون تنظيم القاعدة وجماعة «داعش».

ليست هذه أول أزمة يمر بها اليمن، وإن كانت الأعقد والأكثر خطورة وحدَّة.
 ذلك أن اليمن منذ ثورة سبتمبر عام ١٩٦٢ التي أنهت حكم الإمامة، واجه سلسلة من الاضطرابات تخللتها ثلاثة انقلابات عسكرية قتل فيها اثنان من الضباط الذين تولوا الرئاسة (إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي)،
 كذلك فإن دولة اليمن الجنوبي (قبل الوحدة مع الشمال عام ١٩٩٠) واجهت صراعات شرسة على السلطة بين قيادات الحزب الاشتراكي،
 إلا أن اليمن لم يكن معرضا للتمزق والانهيار، ولا للدخول في حرب قبلية ومذهبية بمثل ما هو مرشح له الآن،
كما أنها المرة الأولى منذ ثلاثين عاما التي تصبح فيها إيران أحد اللاعبين الأساسيين في الساحة اليمنية، التي لم تغب عنها الدول الغربية الكبري سواء لأسباب استراتيجية أو بسبب نشاط تنظيم القاعدة فيها.

ولئن تحدث البعض عن جهود لإنقاذ اليمن من سيناريوهات المصير البائس، تبذل من جانب مبعوث الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي والسعودية في القلب منه إلا أننا لم نسمع صوت عقلاء اليمن، الذين دفعت الصدمة أكثرهم إلى إيثار الصمت والانسحاب من المشهد، بعدما وصل فيه العبث إلى مدى لم يخطر على البال.

 أحد هؤلاء هو الأستاذ محسن العيني رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق، الذي كان له دوره في التعامل مع العديد من الأزمات والمشكلات التي شهدها اليمن بعد الثورة.

 ويذكر في هذا الصدد أنه بعد انقلاب الضباط على حكم الرئيس عبدالله السلال فيما عرف بالحركة التصحيحية التي تمت عام ١٩٦٧، فإن العيني كان من اقترح تشكيل مجلس رئاسي لإدارة اليمن ورشح لرئاسته القاضي عبدالرحمن الإرياني (الذي كان وزيرا للعدل آنذاك)،
 وهي الفكرة التي أعادت الاستقرار والهدوء إلى اليمن لمدة سبع سنوات لاحقة. وقد عين الإرياني محسن العيني رئيسا للحكومة،

وفي عهده (عام ١٩٧٠) طويت صفحة الصراع بين الملكيين المؤيدين من السعودية وبين الجمهوريين وتحققت الوحدة الوطنية بعدما استمر التجاذب بين الطرفين طوال ثماني سنوات تقريبا.

محسن العيني الذي سكت خلال الفترة الماضية واعتزل الجميع في حين ظل يراقب المشهد من مسكنه الذي اعتكف فيه مبتعدا عن ضجيج القاهرة، لديه أفكار يقترح فيها حلا يخرج اليمن من مأزقه يتمثل في الخطوات التالية:

<
تشكيل مجلس رئاسي يضم كلا من عبدربه منصور ــ على عبدالله صالح ــ على سالم البيض (القيادي الجنوبي) ــ ممثل لقيادة الحوثيين.
وهذا المجلس يقود اليمن لفترة انتقالية، يتولي خلالها كل عضو رئاسة اليمن لستة أشهر بالتناوب.

<
يرأس الحكومة على ناصر محمد القيادي الجنوبي، وله نائبان هما حيدر العطاس وعبدالكريم الإرياني (من رؤساء الوزارات السابقين)، وتشكل الحكومة من ممثلي الأحزاب والقوي السياسية المشاركة في الحوار.

<
تجري انتخابات عامة في البلاد لاختيار النواب الذين يمثلون الشعب اليمني. وهؤلاء النواب يضعون الدستور وينتخبون رئيس الجمهورية.

<
إعلان العفو العام الشامل عن جميع المعتقلين وتفتح الأبواب لعودة اليمنيين الذين غادروا البلاد واختاروا اللجوء إلى الخارج بسبب الاضطرابات التي شهدتها البلاد منذ شهر سبتمبر من العام الماضي.

<
هذه الخطوات تتم برعاية من جانب مجلس التعاون الخليجي وإيران. وهي لا تحقق المصالحة بين اليمنيين فحسب، ولكنها تسهم أيضا في تحقيق المصالحة الإقليمية.

أيا كان الرأي في هذه الأفكار، فالأهم أن يتنادي الجميع لإحياء سيناريو الأمل، قبل أن ينفجر الموقف ويطرح على الجميع سيناريو الانتحار.

.....................

22 مارس، 2015

حقنا أن نعرف

صحيفة السبيل الأردنيه الأحد 2 جمادى الآخر 1436 22 مارس 2015
حقنا أن نعرف - فهمي هويدي

صرنا بحاجة إلى «فهامة» تفسر لنا بعض ما يجري في مصر هذه الأيام،
 ذلك أننا نقرأ في الصحف طوال العشرة أيام الأخيرة على الأقل عن اجتماعات شبه يومية للجان سياسية وأمنية وفنية لبحث أمور تتعلق بسد النهضة الإثيوبي الذي سمعنا الكثير عما يمثله من خطر على مستقبل مصر، وتم حتى الآن بناء ٤٢٪ منه.

لكن أحدا لم يفسر لنا ما هي الحكاية بالضبط.
 وغاية ما فهمناه أن هناك خلافات حول إعلان المبادئ الذي يفترض أن يصدر عن الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) لكن أحدا لم يعن بشرح موضوع تلك الخلافات
وهل هي كل ما في الأمر أم أن هناك أمورا أخرى لا نعرفها.

صحيح أن المعلومات التي تسربت تحدثت عن مكتب استشاري سيبدي رأيا في مشروع السد، وعن الاستعانة بخبير بريطاني لمراجعة وثيقة إعلان المبادئ
 وذكرت صحف الجمعة ان بعضا من أساتذة القانون الدولي في جامعة القاهرة، وعين شمس اشتركوا في فحص الوثيقة، وان جهدا خاصا بذلك للتدقيق في النصوص والمصطلحات القانونية المتعلقة بالتزامات الجانب الإثيوبي في حالة تعرض مصر لأي ضرر يترتب على إنشاء السد.

الشاهد أننا أخبرنا أن ثمة مسائل عالقة بين الدول الثلاث لم تحسم، وان مصر لها تحفظاتها التي ظللنا لبعض الوقت لا نعرف طبيعتها،
 إلا أن صحيفة «المصري اليوم» ذكرت يوم ١٩/٣ أنها تتعلق بضمان حقوق مصر التاريخية وحصتها من مياه النيل (٥٥.٥ مليار متر مكعب)،

 كما أنها تتعلق بمطالبة إثيوبيا بتخفيض سعة خزان سد النهضة التي أرادوا لها ان تكون في حدود ٧٤ مليار متر مكعب.

كما نشرت الجريدة خلاصة لبيان أصدره وزير الموارد المالية السوداني الأسبق المهندس كمال على محمد ذكر فيه أن المشروع الإثيوبي بصورته الراهنة يسبب ١١ ضررا للسودان، وان تدخل الرؤساء لتجنب أضرار السد جاءت متأخرة كثيرا،
وطالب الوزير الأسبق بتخفيض سعة تخزين الخزان من ٧٤ مليار إلى ١١ مليار متر مكعب فقط.

بالكاد التقطنا بعض الإشارات مع اقتراب موعد زيارة الرئيس السيسي للخرطوم وأديس أبابا، لكن الرأي العام ظل مغيبا تماما عن متابعة تطورات الموضوع الذي يتعلق بمستقبل الزراعة والري والكهرباء ومجمل الحياة في وادي النيل،
وظللنا طول الوقت نتمثل التقاليد التي تحصر المعرفة في دائرة السلطة ورجالها، ولا نرى أهمية لإحاطة الرأى العام علما بجوانب المشكلة الخطرة التي تهدد نمط حياتهم في المستقبل.

قل مثل ذلك على الزيارة التي فوجئنا بها، حين نشرت صحف الجمعة صورة استقبال الرئيس السيسي للأمير فيصل بن عبدالرحمن آل سعود.
وتحت الصورة تحدث الخبر عن ان الأمير أكد حرص السعودية على المساهمة في مسيرة التنمية بمصر وأشاد بالإصلاحات التي تتخذها لإزالة العقبات أمام المستثمرين العرب،
كما ان الرئيس السيسي عبر عن تقديره لدور المملكة وشكره للملك سلمان بن عبدالعزيز على مواقفه المشرفة إزاء مصر.

كل ما ذكر لم يكن فيه خبر حقيقي، لأن تبادل المشاعر الطيبة بين الأشقاء ليس خبرا.
وحين حاولت ان أفهم خلفيات اللقاء خطرت لي أمرر عدة يتعلق بعضها بالتباينات بين مواقف القاهرة والرياض فيما خص الموقف من النظام السوري والعلاقة مع تركيا وقطر،
ويتعلق البعض الآخر باجتماعات القمة العربية التي يفترض أن تعقد في نهاية الشهر الحالي، خصوصا ان ثمة لغطا حول مقترحات سعودية لإعادة النظر في الأوضاع المالية لجامعة الدول العربية،
 إلا أنه تبين ان الأمير المذكور الذي فهمت انه شاب في مقتبل العمر، لا دور له في السلطة ولا يقوم بأي مهام سياسية، ولكن أباه الأمير عبدالرحمن بن عبدالعزيز من كبار أثرياء المملكة، وأبناؤه لهم نشاطهم الاقتصادي والاستثماري بأكثر مما لهم دور في الشأن السياسي لذلك رجحت معه ان يكون الأمير الشاب قد جاء في مهمة تتعلق بآفاق وفرص الاستثمار في مصر. وهو ما يضم الحدث إلى قائمة الأخبار التي نقرؤها فنعرف ولا نفهم، وتظل السلطة وحدها هي التي تحتكر المعرفة.

الغموض ذاته كان واضحا أيضا في الخبر الذي نشر عن الإلغاء المفاجئ لزيارة وزير الخارجية المصري إلى روما، حيث كان يفترض أن يبحث الشأن الليبي مع وزيري الخارجية الإيطالي والجزائري.

وقد قيل لنا إن الإلغاء تم بسبب ارتباطات للوزير سامح شكري في القاهرة، إلا أنني فهمت من بعض الاتصالات أن سببه كان الاختلاف في وجهات النظر بين مصر والجزائر حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا.
ففي حين أن مصر أرادت أن يكون لجماعة الفريق حفتر المتحالف مع القاهرة حصة أكبر في الحكومة، فإن الجزائر رأت أن تكون للفرقاء حصص متساوية لا ترجح كفة على أخرى،
وذلك مجرد استنتاج يحتمل الصواب أو الخطأ. لكنه يظل محاولة لتفسير الغموض الذي اكتنف الخبر.

قائمة الأخبار الغامضة طويلة، لكنني أخلص مما ذكرت إلى ملاحظتين،
 الأولى تخص السلطة ومفادها أنه لا يكفي أن تشير في كل مناسبة إلى امتداح «الشعب العظيم»، لأن الأهم من ذلك هو احترامها لحق الشعب في معرفة ما يجري في بلده.
الثانية تخص وسائل الإعلام عندنا التي باتت أغلب منابرها ان لم تكن كلها تسهم في الهتاف والتصفيق بأكثر ما تقدم للقارئ، خدمة الإخبار والتحليل، فتخالطب انفعالاته وغرائزه بأكثر مما تخاطب وعيه وعقله.

.....................

Delete this element to display blogger navbar