Subscribe:

Ads 468x60px

29 أغسطس، 2015

في ابتذال العمل المشترك

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 14 ذو القعدة 1436 – 29 أغسطس 2015
في ابتذال العمل المشترك - فهمي هويدي

القصة بدأت بالسؤال التالي:
 أيهما أشد خطرا، إرهاب نظام الأسد أم إرهاب جماعة داعش؟

في الإجابة انقسمت الآراء بين منددين بجرائم النظام السوري الذي قتل نحو ٣٠٠ ألف شخص وشرد ١٢ مليون شخص وأمطر شعبه بالبراميل المتفجرة،
وآخرين استدعوا سجل جرائم داعش الذين قطعوا الرءوس وروَعوا الأقليات وعملوا على إعادة التاريخ قرونا إلى الوراء.

السؤال لم يكن مطروحا في الأروقة السياسية العربية فقط، ولكنه طرح أيضا في بعض دوائر السياسة الأمريكية، ولم يكن الإسرائيليون بعيدين عنه.

وحسب المعلومات المتوفرة فإن الأمريكيين ومعهم الإسرائيليون أقحموا في الموضوع ملف البرنامج النووي الإيراني وتمدد نفوذ نظام طهران إلى المنطقة العربية.
وفى مرحلة معينة قرأوا المشهد من هذه الزاوية.
 لم يكونوا ضد النظام السوري الذي لم يزعج واشنطن كثيرا في حين أنه أراح إسرائيل كثيرا عندما لم يسمح بإطلاق رصاصة نحوها منذ عام ١٩٦٧ وحتى الوقت الراهن.

مع ذلك ظل قلقهم قائما بسبب العلاقات الخاصة بين نظام الأسد وطهران بطموحها النووي فضلا عن السياسي.
إلا أن الأمر اختلف بصورة نسبية بعد الاتفاق الذي تم مع الإيرانيين في منتصف شهر يوليو الماضي، الذي كبل قدرة إيران النووية لمدة ١٥ عاما مقبلة.

 صحيح أنه لم يبدد القلق لدى الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، إلا أنه جمد الخطر عند حده الأدنى. وهو ما رجح كفة انضمام الاثنين إلى الفريق الذي يرى في داعش الخطر الأكبر.

ساعد على ذلك أن واشنطن لها حساباتها الخاصة وثأرها الذي لا ينسى ضد تنظيم القاعدة منذ أحداث سبتمبر ٢٠٠١ الشهيرة، فضلا عن انه أبهج بعض الإسرائيليين ــ إذ أسعدهم أن يصنفوا ضمن المحور العربي المناهض لـ«الإرهاب».

معلوماتي أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما طرح السؤال على القادة الخليجيين الذين اجتمع معهم في كامب ديفيد في منتصف شهر مايو الماضي،
 لكنه صاغه على نحو آخر، كانت المقارنة فيه بين الخطر الإيراني وبين الخطر الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)،

 وبرز في الحوار رأى اعتبر أن داعش وتطرف الجماعات المنسوبة إلى الإسلام هو الأشد خطرا. وان الخطر الإيراني أهون وشروره أقل،
 ومما قيل في هذا الصدد إن زحف داعش التي احتلت أجزاء من سوريا والعراق يهدد خريطة المنطقة العربية ويدعو لإسقاطها لحساب مشروع «الخلافة» الذي تتبناه.

في أروقة بعض الحكومات العربية جرى تطوير السؤال ــ إذ لم يعد الكلام مقصورا على داعش ومشروعها. وإنما جرى تعميمه انطلاقا من اعتبار تنظيم الدولة الإسلامية رمزا للإسلام السياسي،
ومن ثم وضعت مختلف جماعات ذلك التيار مع داعش في مربع واحد أصبح الإرهاب عنوانا له. وهو ما قننته بعض الدول الخليجية النشطة في ذلك المضمار.

لا يستطيع أحد في هذا المقام أن يتجاهل عبقرية الشر لدى النظام السوري، الذي أسهم في إيصال الأمر إلى ما وصل إليه من خلال الدور الذي أسهمت به أجهزة مخابراته في إطلاق مشروع داعش (كما ذكرت صحيفة «الجارديان» البريطانية يوما ما).

ذلك أنه نجح في طرح المعادلة في سوريا على النحو التالي:
 إذا كانت للنظام القائم سيئاته فالبديل المطروح بعد النجاحات التي حققتها داعش أصبح أسوأ وأتعس.
ليس فقط على النظام ولكن أيضا على المجتمع السوري ذاته. الذي يضم خليطا من الأقليات التي روعتها ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق على الأقل.

وهو ما أنسى الجميع أن النظام السوري اعتبر معارضيه «إرهابيين» منذ أن خرجوا قبل ٤ سنوات في مظاهرات سلمية داعية إلى التغيير وقاومهم النظام بالسلاح والشبيحة قبل أن تظهر الجماعات المتطرفة التي كان له دوره في إطلاقها.

الجدير بالملاحظة في هذا الصدد أن المحور الذي بدأ يتشكل للاحتشاد في مواجهة ما سمى بإرهاب جماعات الإسلام السياسي قادته أطراف عربية قادت الانقلاب على الربيع العربي،
وتذرعت بحكاية الإرهاب لإجهاض انتفاضة الشعوب العربية،
الأمر الذي يعنى أن معركتها الحقيقية ليست ضد الإسلام السياسي ولكنها بالدرجة الأولى ضد تجليات وإفرازات «الربيع» الذي خشيت تلك الدول من أن تصل رياحه إلى حدودها.

 ومن القرائن الدالة على ذلك أنها وهى ترفع راية الحرب على الإرهاب تمارس قدرا مشهودا من القمع لمعارضيها في الداخل، الذين لا علاقة لهم بالإسلام السياسي.

كبرت المسألة بمضي الوقت وظهر في العالم العربي محوران
 أحدهما يرفع راية الحرب ضد الإرهاب ويجعل منها ستارا للقضاء على ما تبقى من الربيع العربي.
أما الثاني فهو يقف معارضا لذلك التوجه لأسباب معقدة بعضها يتعلق برواسب التاريخ والبعض الآخر يتصل بالتنافس على النفوذ.
وهناك أطراف أخرى في ذات الفريق لها حساباتها السياسية المتعلقة بتداعيات الحرب التي يلوح بها الفريق الآخر.

لم تكن هذه نهاية القصة لأن الفريق الأول سعى لحشد القوة العربية لتغطية التدخل العسكري السافر في مشروع الإجهاض الجاري تنفيذه.
ولأن خطوة من هذا القبيل تتطلب توافقا عربيا، فإن الفريق الثاني سعى إلى تعطيلها عن طريق الامتناع عن تأييدها.
 وطلب تأجيل البت في مصيرها. وهى النقطة التي وصلنا إليها الآن والتي تبذل جهود حثيثة لحل إشكالاتها.

بقيت عندي ثلاث كلمات،
 الأولى أن الاختيار بين نظام الأسد وبين داعش. أو بين الاستبداد وبين الإرهاب ينطوي على مغالطة ومنطق فاسد، لأنه بمثابة تخيير لنا بين الكوليرا والطاعون.

 والصحيح أن الاثنين ينبغي رفضهما معا، وان كنت اعتبر أن داعش تمثل خطرا عارضا ومؤقتا في حين الاستبداد خطر مقيم وهو مصدر كل بلاء حل بالأمة.

الكلمة الثانية أنني لا أخفى دهشة من هذه الغيرة التي ظهرت الآن داعية لاستنهاض القوة العربية لمحاربة الإرهاب الذي يهدد بعض الأنظمة العربية، في حين لم نجد لها أثرا في مواجهة التوحش الإسرائيلي في فلسطين الذي يسارع الخطر لافتراس بلد عربي بأكمله.

الكلمة الثالثة خلاصتها أننا تجاهلنا طويلا العمل العربي المشترك، وانتقلنا الآن إلى محاولة تلويثه وابتذاله، بجعله غطاء لإجهاض تطلعات الشعوب العربية واستخدامه قناعا لتنفيذ بعض المغامرات في الإقليم.

وتلك خطيئة كبرى لن يغفرها التاريخ للضالعين فيها أو الساكتين عليها، حيث لم يخطر على بال أحد أن يوظف العمل المشترك لإجهاض أحلام الشعوب العربية وتطلعاتها.
.........................

27 أغسطس، 2015

تعز المنكوبه

صحيفة الشرق القطريه الخميس 12 ذو القعدة 1436 27 أغسطس 2015
تعز المنكوبه فهمي هويدي

مدينة تعز تذبح الآن، والعالم العربي واقف يتفرج.
وإذا كانت حكومة اليمن قد أعلنتها مدينة منكوبة وذلك صحيح لا ريب، إلا أن النكبة أكبر من ذلك بكثير،
 حيث لا يعقل أن يدمر اليمن. وتستعر فيه الحرب العبثية منذ أربعة أشهر، ولا يتحرك شيء في العالم العربي،

فالكارثة سقطت من جدول أعمال الجامعة العربية،
والأمر لم يعد مدرجاً ضمن اهتمامات أغلب دول المنطقة.
فلا الحكومات شجبت ولا مظاهرة خرجت، ولا حتى مقالة كتبت،
 واكتفى الجميع بأخبار وكالات الأنباء التي باتت تنقل كل حين تقاريرها عما يجري هناك، شأنها في ذلك شأن أي بلد غريب في العالم.

أستثني من ذلك المنابر الإعلامية السعودية، باعتبار أن ما يجري في اليمن يمس أمنها القومي،
ثم إن هناك كثيرين لم يعد يهمهم في الأمر سوى تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة،
 أما معاناة الشعب اليمني والخراب الذي يزحف على مدنه والدمار الذي يتعرض له العمران، بما في ذلك آثاره التاريخية ورموز حضارته العريقة، فذلك كله ليس في الحسبان.

نجت عدن من المذبحة، لأن جهداً خاصاً بذل لتحريرها لأسباب إستراتيجية في الأغلب، على الأقل نظراً لأهمية الميناء والمطار ودورهما في تحقيق قدر محدود من انفراج الوضع الإنساني.

ولكن الأنظار اتجهت إلى تعز التي كان الحوثيون قد وصلوا إليها ولكن المقاومة الشعبية نجحت في تحريرها.
وهو ما أعلنه الشيخ حمود المخلافي الذي قاد المقاومة هناك، إلا أن هذه لم تكن نهاية المطاف، لأن المدينة لها رمزيتها التاريخية والثقافية، فضلا عن أهميتها الإستراتيجية والاقتصادية،

 لذلك عاد الحوثيون ومعهم قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح إلى مهاجمتها مرة أخرى بقوات مضاعفة وبما يملكون من آليات وصواريخ.
وقد انتهزوا فرصة بطء وصول قوات التحالف إلى تعز فانفردوا بها، وانقضوا عليها من كل صوب، لكسر شوكة المقاومة وللانتقام من المدينة التي صمدت في قتالها ضدهم، وهو ما تم بصورة وحشية أشاعت الدمار والموت في أنحائها.

من الروايات التي تم تداولها في تفسير عدم وصول إمدادات وقوات التحالف إلى تعز في الوقت المناسب أن المدينة تعد من معاقل حزب الإصلاح المحسوب على الإخوان المسلمين،
 لذلك لم تتحمس قيادة قوات التحالف لإنقاذها، كي لا يعود حزب الإصلاح إلى تولي أمر المدينة ويحسب تحريرها لصالحهم،
وهو رأي سمعته من بعض خبراء الشأن اليمني، وتبناه المحلل العسكري والخبير اليمني عبد الله الحاضري في مداخلة له بثتها قناة الجزيرة في الأسبوع الماضي.

هناك تفسير آخر لعنف هجوم الحوثيين وقوات صالح، هو أن ثمة دافعا شخصيا لدى الرئيس السابق، مرجعه أن المقاومة الشعبية استولت على مقر له في تعز،
 الأمر الذي أثار غضبه ودفعه إلى محاولة الانتقام منها بالصورة التي تحدث الآن.

أيًّا كانت الأسباب والدافع، فالقدر الثابت أن تعز تعرضت لهجوم همجي ووحشي استهدف العمران واليمنيين وأحكم الحصار عليها، بحيث أصبح شبح الموت والخراب يخيم عليها طول الوقت،

وما لم توقف حملة التدمير فإن مستقبلا كارثيا سوف ينتظر المدينة.
 ليس فقط من جراء الخراب والدمار الذي حل بها، ولكن أيضا بسبب حملة التصفيات والجرائم الإنسانية التي يمكن أن تترتب على ذلك، للانتقام من قيادات وقواعد حزب الإصلاح التي قادت المقاومة وتصدت لمحاولة اقتحام المدينة والسيطرة عليها.

شاهدت قبل أيام متحدثاً باسم أهالي تعز وقد انفجر باكياً وهو يتحدث عن الكارثة الإنسانية التي حلت بها، ثم وهو يناشد الجميع أن يسعوا لإنقاذها، قبل أن يتحقق انقضاض الحوثيين وأعوانهم عليها لكي يجهزوا على ما تبقى منها.
وذلك شعور كل من تحدثت إليه من اليمنيين الذين ما خطر لأحدهم يوما ما أن تلقى تعز بكل مجدها وتراثها ذلك المصير البائس، دون أن يتحرك أحد في العالم العربي لإغاثتها.

خبراء الشأن اليمني يعتبرون أن الأسوأ لم يقع بعد، وأن باب النكبات لا يزال مفتوحا على مصراعيه.
وهم يتحدثون في ذلك عن الحشود التي تتجمع الآن لاقتحام صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون، ويرون في التجمعات التي تجهز الآن في إب (٢٣ ألفا من قوات التحالف) تجهيزا لمحاولة تحرير العاصمة من الحوثيين،

وتلك جولة إذا بدأت فإنها ستعد إيذانا بتدمير المدينة وإشاعة الموت والخراب فيها، لأن الحوثيين وقوات الرئيس السابق سوف يستميتون في الحفاظ على سيطرتهم عليها، وسوابقهم في تدمير عدن وغاراتهم الوحشية على تعز لا تدع مجالا للشك في ذلك.

قلت إن النكبة في تعز أحد أوجه النكبة الكبرى التي يعيشها اليمن، من جراء القتال العبثي الدائر على أرضه، والتجاهل العربي لقضيته، وتعثر محاولات التوصل إلى حل سياسي ينهي المأساة التي ستظل وصمة عار في جبين الأمة العربية إذا ما فشل الجميع في أن يضعوا لها حدا، إن نكبة تعز أحد أوجه إشهار جديد لنكبة الأمة.
...................

Delete this element to display blogger navbar